الانسحاب الأمريكي من العراق تكتيك سياسي أم استراتيجية ثابتة
::cck::1177::/cck::
::introtext::
إن الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ذات طبيعة متكاملة، ولا يمكن تحليل حدث معين بمعزل عن بقية الأحداث التي تشكل بمجموعها الصورة المتكاملة، ولمعرفة ماهية ودوافع السلوك الأمريكي، لا بد من إدراك هذه الحقيقة، وأن الرؤية الصحيحة لطبيعة الانسحاب الأمريكي من العراق وتقييم هذا الانسحاب ليكون دقيقاً وبعيداً عن التناقضات لا بد من تقييمها ضمن ربط ما يدور في المنطقة من أحداث، وعدم تطبيق هذه النظرة الشمولية في التحليل يجعله لا يخرج عن دائرة الحيرة والغموض.
::/introtext::
::fulltext::
إن الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ذات طبيعة متكاملة، ولا يمكن تحليل حدث معين بمعزل عن بقية الأحداث التي تشكل بمجموعها الصورة المتكاملة، ولمعرفة ماهية ودوافع السلوك الأمريكي، لا بد من إدراك هذه الحقيقة، وأن الرؤية الصحيحة لطبيعة الانسحاب الأمريكي من العراق وتقييم هذا الانسحاب ليكون دقيقاً وبعيداً عن التناقضات لا بد من تقييمها ضمن ربط ما يدور في المنطقة من أحداث، وعدم تطبيق هذه النظرة الشمولية في التحليل يجعله لا يخرج عن دائرة الحيرة والغموض.
مما لا شك فيه أن انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من العراق في 31 أغسطس 2010، وإنهاء العمليات القتالية تمهيداً لانسحابها بالكامل في 31 ديسمبر 2011 مع تغيير اسم العملية: من عملية (حرية العراق) إلى عملية الفجر الجديد (حسب التسمية الأمريكية)حدث مهم له تداعيات على الساحة العراقية والدولية، وضمن تدرج الانسحاب الأمريكي انخفض قوام الجيش الأمريكي قبل بضعة أيام من انتهاء العمليات القتالية إلى نحو 49700 فرد.
ووفقاً لما ذكره القائد الأمريكي الجنرال ريموند أوديرنو أنه ولا يزال نحو 4500 من أفراد القوات الخاصة الأمريكية بالعراق وسيواصلون مساعدة القوات العراقية في عمليات مكافحة الإرهاب. وقد تم إخراج معدات عسكرية تتجاوز قيمتها 25.1 مليار دولار و120 ألف جندي و40 ألف مركبة ومركبة مجنزرة وأكثر من 5.1 مليون قطعة من المعدات بين يونيو 2009 وأغسطس 2010 وأكثر من 900 ألف قطعة من المعدات تزيد قيمتها على 151 مليون دولار بينها مركبات ومعدات اتصال تم نقلها لقوات الأمن والوزارات العراقية، وتم التخلص من أكثر من 34 مليون رطل من (الخردة) على مدى العام المنصرم والتخلص من 32 مليون رطل من النفايات السامة، وأعطيت نحو 180 ألف قطعة من المعدات مثل الشاحنات المدرعة ومعدات إزالة الألغام للقوات الأمريكية التي تقاتل حرباً متفاقمة في أفغانستان، وتم إغلاق 82 في المائة من القواعد العسكرية الأمريكية التي تجاوز عددها 600 في إحدى المراحل أو نقلها للحكومة العراقية، وهناك شراكة حالياً بين القوات الأمريكية ونظيرتها العراقية في 56 قاعدة بأنحاء العراق.
هذا الحدث رغم تشكيك كثير من المحللين إلا أنه في الحقيقة حدث كبير ستكون له تداعيات وانعكاسات كبيرة على دول الخليج العربية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم، وعلى النظام الإقليمي الأمني في المنطقة؛ وهو ما يدفعبالضرورة للتفكير في المستقبل وضرورة وضع السيناريوهات المحتملة لما ستكون عليهالأوضاع الأمنية والاقتصادية بعد الانسحاب الأمريكي منالعراق. وللإحاطة بالموضوع لا بد من تناوله من اتجاهين: الأول: الساحة العراقية، والثاني: الجوار الإقليمي والمحيط العالمي.
أولاً: الساحة العراقية: لقد عانى الشعب العراقي من ويلات الاحتلال، ولم تستطع الأحزاب السياسية التي تسلمت زمام الأمور الإيفاء بتطلعات الشعب العراقي في الجانب الأمني أو الاقتصادي والخدماتي وتفشي الفساد الإداري في كافة مفاصل الحكومة مع تأخر تشكيل الحكومة الجديدة لستة أشهر، وهناك عدة سيناريوهات محتملة من ضمنها نجاح الكتل السياسية في تشكيل حكومة تحقق مصالح جميع العراقيين، وتعمل على تحقيق مصالحة وطنية وتوفر الأمن وتقدم الخدمات أو الغرق في الفوضى الطائفية والعرقية، والإرادة الأمريكية في التفرغ للحرب في أفغانستان، والتهيؤ للتصدي للطموح النووي الإيراني قد يصب في صالح تهدئة الساحة العراقية، لكن من دون إيجاد حلول حقيقية كإنجاز مصالحة وطنية حقيقية وبناء الدولة على أسس وطنية قائمة على الكفاءة وبعيدة عن الإثنيات التي تمزق المجتمع ولا توحده. والحقيقة الكبيرة التي أحرجت المشروع الأمريكي المرسوم لمنطقة الشرق الأوسط والمتمثل في فرض النمط الديمقراطي الأمريكي هي أن الذين أسسوا لهذه الديمقراطية الجديدة فشلوا في إعطاء التصور المقنع للديمقراطية، فقد تم إفراغ هذا المفهوم من معناه ولم يتبق إلا اللفظ المجرد والصراع من أجل المكاسب البعيدة كل البعد عن المصالح الوطنية العليا وهذا ما يفسر اتجاه الإدارة الأمريكية إلى الواقعية السياسية، فللمرة الأولى في العصر الحديث ينظر إلى الديمقراطية كبديل فوضوي لحالة الاستقرار وما حصل في العراق أسس لهذه الرؤية بشكل فعال.
لقددخلالاحتلالإلىالعراقبقواتهومشروعه،وخروجالقوات لايعنيخروجالمشروع. فمواجهةالمشروعالأمريكيتحتاجإلىحكمةوسعةنظرونضوجفيالرؤيةواستعدادلتجاوز كلالرواسبوالحساسياتالممتدةمنالماضيوالجاثمةعلى الحاضروالمهددةللمستقبل.
كما أن بعض المراكز البحثية الأمريكية شككت في هذا الانسحاب، فقد نفى مدير مركز (سابان) لسياسات الشرق الأوسط بمؤسسة (بروكينغز) في الولايات المتحدة، أن تكون الولايات المتحدة عازمة على سحب قواتها القتالية من العراق بنهاية أغسطس وفق الجدول المحدد، فيما يضعه على رأس ما يسميها (الأساطير الخمس) في العراق.
وقال كينيث أم بولاك في مقال بصحيفة (واشنطن بوست)، إن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك، إذ إن غالبية الـ 50 ألف جندي الذين سيبقون في العراق، هم من القوات المقاتلة ولم يتغير سوى الاسم المطلق عليهم، فهي قوات تتصدى للمخاطر وتؤازر القوات العراقية المقاتلة حتى إن لم يخرج ذلك عن إطار (الاستشارة) ، ولن يتوقف الطيارون الأمريكيون عن توفير الدعم للقوات البرية العراقية، ولا القوات الخاصة الأمريكية ستتوقف عن ملاحقة (الجماعات الإرهابية) في عمليات نوعية مكثفة، وتركت الولايات المتحدة قرابة 50 ألف جندي في العراق، أي أقل من ثلث قواتها في أوج انتشارها في 2007. وبقي هؤلاء الجنود لتدريب القوات العراقية وتقديم المشورة لها، على حد تصريحات المسؤولين الأمريكيين.
وهذه الحقيقة لا تتناقض مع فعلية الانسحاب لأن الانسحاب لا يعدو أن يكون تكتيكاً تقتضيه الساحة السياسية ولا سيما نفاد الوقت أمام الإدارة الأمريكية في معالجة الملف النووي الإيراني وسواء أكان الانسحاب صورياً أم غير ذلك يبقى السؤال المهم ما الذي جناه العراقيون من كل هذا سوى مزيد من المآسي؟
جاء في صحيفة (نورد بايريشه كورييه) الألمانية تعليق فيه كثير من الواقعية: (العراقيون الذين تمنوا الحرية والرفاهية يرتجفون اليوم ويقولون: كيف يمكننا النجاة في ظل الفوضى التي لا تعرف سوى لغة البقاء للأقوى؟ فالأمريكيون تنقصهم خطة متماسكة لنزع فتيل الأزمة العراقية، حيث إن الخروج من العراق والتدخل بقوة في أفغانستان لن يجلب لأي أحد استقراراً أو سلاماً). وهذا يوجب على العراقيين أن يدركوا أن العراق أمانة في أعناقهم، وأنهم القادرون بحكمتهم على الحفاظ عليه وألا ينتظروا ذلك من أحد.
أفضل استثمار في الساحة العراقية اليوم هو الاستثمار في سد الفراغ الإنساني
ثانياً: الجوار الإقليمي والمحيط العالمي: السؤال الأول الذي يطرح نفسه كيف سيكون شكل العلاقة العراقية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا الصدد نشرت صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية مقالاً يتحدث عن طبيعة العلاقات الأمريكية – العراقية بعد الانسحاب وكتبت تقول: (سيتعين على البيت الأبيض إعادة بناء علاقاته مع بغداد على قاعدة جديدة، ذلك أن الولايات المتحدة دفعت ثمناً باهظاً، ففي سبع سنوات تم إنفاق ما لا يقل عن 700 مليار دولار على العراق، وبعد هذا الاستثمار الضخم لا يمكن لواشنطن أن تنسحب من البلاد بكل بساطة. ويبقى حوالي 50 ألف شخص في العراق من أجل تخفيف وطأة الفترة الانتقالية، إلا أن وقت الانسحاب التام لن يطول، إذ أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه سيعيد آخر جندي أمريكي إلى وطنه مع حلول نهاية عام 2011). لكن هل هذه حقيقة أم خداع؟ يقول فياتشيسلاف نيكونوف رئيس صندوق )السياسة( الروسي في لقاء مع قناة (روسيا اليوم)إن تاريخ القوات المسلحة الأمريكية يشهد بأنها لا تغادر أي بلد تدخله بـ(استثناء فيتنام). وأشار إلى أن سحب القوات الأمريكية من العراق سيكون شكلياً فقط، لأن المهمات أوالأهداف الثلاثة التي جيء من أجلها إلى العراق، لم تنجح منها سوى مهمة واحدة وهي تغيير نظام الحكم، وجعل العراق أنموذجاً لشرق أوسط جديد، وجعل العراق قاعدة سياسية واقتصادية في منطقة الشرق الأوسط، أما في ما يتعلق بالقوات الأمريكية في العراق، فلا أعتقد أنالإدارة الأمريكية ستسحب قواتها، لذلك أعتقد أن هذهالقوات على المدى القريب ستبقى في العراق ولو بأعداد أقل مما هي عليه الآن، كما حذّرنيكونوف من تحديات سياسية واقتصادية كثيرة تنتظر العراقيين.
الانسحاب الأمريكي في المنظور الإسرائيلي
عكفت وزارة الدفاعالإسرائيلية في وقت مبكر على الدراسة المتأنية للأوضاع الإسرائيلية بعد الانسحابالأمريكي من العراق، وفي هذا السياق أشارت صحيفة (يديعوت أحرونوت) وفي معرض حديثها عن سيناريوهات مابعد الانسحاب الأمريكي من العراق، إلى وثيقة قُدمت إلى وزير الحرب إيهودباراك الذي استنفر طاقم وزارته لدراستها. واستغرق إعدادها 3 أشهر وكان السؤالالأساسي الذي طُلب الإجابة في هو: كيف سيؤثر الانسحاب الأمريكي منالعراق في المصالح الاستراتيجية لإسرائيل؟ وكانت الإجابة كالتالي: إن الانسحابسوف ينتج عنه تشكلُ شرق أوسط جديد بكل معنى الكلمة، ويمثل أسوأ احتمال توقعتهإسرائيل في يوم من الأيام. إذ سيكون الانسحاب بمثابة تسونامي يضربالمنطقة. وتحدثت الوثيقة الإسرائيلية عن ثلاثة مكامن للخطر ستنجم عن ذلك هي:
أولاً: إن الانسحاب سينظر إليه فيالعالمين العربي والإسلامي كهزيمة مروعة لأمريكا.
ثانياً: حذرت الوثيقة من أن الانسحابسيكون عنصراً مشجعاً لقوى المقاومة على توجيه ضربات لإسرائيل.
ثالثاًً: رأت الوثيقة أن الانسحاب منالعراق سيحرر إيران من الضغوط الممارسة عليها حالياً، وسيسمح لها بتطوير برنامجهاالنووي وصولاً إلى إنتاج القنبلة النووية.
وهذا ما يبرر السياسة النشطة والفاعلة التي تنتهجها السياسة الأمريكية في رعاية محادثات السلام وتبنيها سياسة حل الدولتين وإنهاء الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وهي سياسة فض الاشتباك للتهيؤ للمخططات في المستقبل القريب.
علماً أن الإدارة الأمريكية رفعت قيمة المساعدات لإسرائيل بشكل كبير، بحيث تصل في غضون عقد من الزمان إلى 30مليار دولار بواقع 3 مليارات كل عام.
الفراغ النسبي في العراق وضعف الدولة في حماية حدودها يغريان إيران بالتدخل في العراق
تداعيات الانسحاب على الجوار الإقليمي
يرتبط العراق حدودياً مع ست دول كلها تتأثر وتؤثر في العراق، لكن بنسب متفاوتة،وأكثر هذه الدول تأثيراً إيران فإيران تمتلك مشروعاً سياسياً فيالعراق، حيث باتت مجمل أدوار وتفاعلات إيران مع الأزمة العراقية انعكاساً وتعبيراًمباشراً عن هذا المشروع، ويتمثل هذا المشروع في منع ظهور عراق قوي مرة أخرىقادر على التهديد، أو عن طريق منع قيام حكومة عراقية معادية للحكم في طهران، ومع أن كثيراً من المراقبين يتفقون على إن دور إيران في العراق يتجه نحو الضعف وهكذا في كل المنطقة لما تعانيه إيران من مشكلات مع المجتمع الدولي بسبب برنامجها النووي والعقوبات التي بدا أثرها يتبين يوماً بعد آخر وكذلك المشكلات الداخلية نتيجة الانتخابات الأخيرة والتشكيك في نزاهتها، ورغم هذه المشكلات إلا أن الفراغ النسبي في العراق وضعف الدولة في حماية حدودها يغريان إيران بالتدخل في العراق، لكن هل تدرك إيران حجم الورطة التي تنتظرها إن فكرت بتحقيق ما تحلم به من محاولة سد الفراغ؟ إن ما تريده إيران اكبر مما تقدر عليه فإيران ليست بتلك القوة التي تؤهلها لدور إقليمي أكبر مما هي عليه الآن.
أما الدول العربيةفإن الانسحاب الأمريكي من العراقيؤثر وبقوة في مستقبل الكثير من القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية،كما سيؤثر أيضاً في الاستقرار والتوازن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. والمقصدهنا هو خريطة توازن القوى الإقليمية وأنماط التحالفات والعلاقات وخاصة في ظلاختلال ميزان القوى العسكري لصالح إسرائيل، والسؤال الآن هو: هل استعدت الدولالعربية لهذا الانسحاب الأمريكي من العراق؟ وما الخطط والاستراتيجيات التيأعدتها لتعديل ميزان القوى في المنطقة؟ إن فتح الطريق أمام تركيا لتكون لاعباً إقليمياً في المنطقة من أجل إيجاد توازن لا يكفي بل لا بد من تنشيط الدور العربي ليكون أكثر فاعلية وبما لا يتنافى مع الحكمة السياسية التي تمثل المنهج السياسي السائد في منطقة الخليج العربي، بل لا بد من توحيد الرؤى السياسية وتنسيق الفعل والخطاب السياسي.
يمكن القول إنه إذا كانت الدول العربيةقد أكدت من قبل تمسكها بوحدة العراق ومعارضة تقسيمه الذي سيجعل منه بؤرة توتر كبيرةتمتد إلى كل المنطقة من حوله، فإنه من المهم بذل كل ما يمكن من جهود للحفاظ علىوحدة العراق لأن فيها الحفاظ على استقرار المنطقة في النهاية. والشعب العراقي مدعوأيضاً لتحمل مسؤوليته في هذا المجال بإنجاح مقترحات المصالحة الوطنية.
أخيراً، فإن التصريحات بشأن سد الفراغ الأمني التي سمعها الشعب العراقي لا رصيد لها في ضمير هذا الشعب وهي استثمار خاسر بعيد عن الحكمة والمنطق، ولعل أفضل استثمار في الساحة العراقية اليوم هو الاستثمار في سد الفراغ الإنساني وهو الاستثمار الأكثر ربحية بكل المستويات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1177::/cck::
::introtext::
إن الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ذات طبيعة متكاملة، ولا يمكن تحليل حدث معين بمعزل عن بقية الأحداث التي تشكل بمجموعها الصورة المتكاملة، ولمعرفة ماهية ودوافع السلوك الأمريكي، لا بد من إدراك هذه الحقيقة، وأن الرؤية الصحيحة لطبيعة الانسحاب الأمريكي من العراق وتقييم هذا الانسحاب ليكون دقيقاً وبعيداً عن التناقضات لا بد من تقييمها ضمن ربط ما يدور في المنطقة من أحداث، وعدم تطبيق هذه النظرة الشمولية في التحليل يجعله لا يخرج عن دائرة الحيرة والغموض.
::/introtext::
::fulltext::
إن الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ذات طبيعة متكاملة، ولا يمكن تحليل حدث معين بمعزل عن بقية الأحداث التي تشكل بمجموعها الصورة المتكاملة، ولمعرفة ماهية ودوافع السلوك الأمريكي، لا بد من إدراك هذه الحقيقة، وأن الرؤية الصحيحة لطبيعة الانسحاب الأمريكي من العراق وتقييم هذا الانسحاب ليكون دقيقاً وبعيداً عن التناقضات لا بد من تقييمها ضمن ربط ما يدور في المنطقة من أحداث، وعدم تطبيق هذه النظرة الشمولية في التحليل يجعله لا يخرج عن دائرة الحيرة والغموض.
مما لا شك فيه أن انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من العراق في 31 أغسطس 2010، وإنهاء العمليات القتالية تمهيداً لانسحابها بالكامل في 31 ديسمبر 2011 مع تغيير اسم العملية: من عملية (حرية العراق) إلى عملية الفجر الجديد (حسب التسمية الأمريكية)حدث مهم له تداعيات على الساحة العراقية والدولية، وضمن تدرج الانسحاب الأمريكي انخفض قوام الجيش الأمريكي قبل بضعة أيام من انتهاء العمليات القتالية إلى نحو 49700 فرد.
ووفقاً لما ذكره القائد الأمريكي الجنرال ريموند أوديرنو أنه ولا يزال نحو 4500 من أفراد القوات الخاصة الأمريكية بالعراق وسيواصلون مساعدة القوات العراقية في عمليات مكافحة الإرهاب. وقد تم إخراج معدات عسكرية تتجاوز قيمتها 25.1 مليار دولار و120 ألف جندي و40 ألف مركبة ومركبة مجنزرة وأكثر من 5.1 مليون قطعة من المعدات بين يونيو 2009 وأغسطس 2010 وأكثر من 900 ألف قطعة من المعدات تزيد قيمتها على 151 مليون دولار بينها مركبات ومعدات اتصال تم نقلها لقوات الأمن والوزارات العراقية، وتم التخلص من أكثر من 34 مليون رطل من (الخردة) على مدى العام المنصرم والتخلص من 32 مليون رطل من النفايات السامة، وأعطيت نحو 180 ألف قطعة من المعدات مثل الشاحنات المدرعة ومعدات إزالة الألغام للقوات الأمريكية التي تقاتل حرباً متفاقمة في أفغانستان، وتم إغلاق 82 في المائة من القواعد العسكرية الأمريكية التي تجاوز عددها 600 في إحدى المراحل أو نقلها للحكومة العراقية، وهناك شراكة حالياً بين القوات الأمريكية ونظيرتها العراقية في 56 قاعدة بأنحاء العراق.
هذا الحدث رغم تشكيك كثير من المحللين إلا أنه في الحقيقة حدث كبير ستكون له تداعيات وانعكاسات كبيرة على دول الخليج العربية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم، وعلى النظام الإقليمي الأمني في المنطقة؛ وهو ما يدفعبالضرورة للتفكير في المستقبل وضرورة وضع السيناريوهات المحتملة لما ستكون عليهالأوضاع الأمنية والاقتصادية بعد الانسحاب الأمريكي منالعراق. وللإحاطة بالموضوع لا بد من تناوله من اتجاهين: الأول: الساحة العراقية، والثاني: الجوار الإقليمي والمحيط العالمي.
أولاً: الساحة العراقية: لقد عانى الشعب العراقي من ويلات الاحتلال، ولم تستطع الأحزاب السياسية التي تسلمت زمام الأمور الإيفاء بتطلعات الشعب العراقي في الجانب الأمني أو الاقتصادي والخدماتي وتفشي الفساد الإداري في كافة مفاصل الحكومة مع تأخر تشكيل الحكومة الجديدة لستة أشهر، وهناك عدة سيناريوهات محتملة من ضمنها نجاح الكتل السياسية في تشكيل حكومة تحقق مصالح جميع العراقيين، وتعمل على تحقيق مصالحة وطنية وتوفر الأمن وتقدم الخدمات أو الغرق في الفوضى الطائفية والعرقية، والإرادة الأمريكية في التفرغ للحرب في أفغانستان، والتهيؤ للتصدي للطموح النووي الإيراني قد يصب في صالح تهدئة الساحة العراقية، لكن من دون إيجاد حلول حقيقية كإنجاز مصالحة وطنية حقيقية وبناء الدولة على أسس وطنية قائمة على الكفاءة وبعيدة عن الإثنيات التي تمزق المجتمع ولا توحده. والحقيقة الكبيرة التي أحرجت المشروع الأمريكي المرسوم لمنطقة الشرق الأوسط والمتمثل في فرض النمط الديمقراطي الأمريكي هي أن الذين أسسوا لهذه الديمقراطية الجديدة فشلوا في إعطاء التصور المقنع للديمقراطية، فقد تم إفراغ هذا المفهوم من معناه ولم يتبق إلا اللفظ المجرد والصراع من أجل المكاسب البعيدة كل البعد عن المصالح الوطنية العليا وهذا ما يفسر اتجاه الإدارة الأمريكية إلى الواقعية السياسية، فللمرة الأولى في العصر الحديث ينظر إلى الديمقراطية كبديل فوضوي لحالة الاستقرار وما حصل في العراق أسس لهذه الرؤية بشكل فعال.
لقددخلالاحتلالإلىالعراقبقواتهومشروعه،وخروجالقوات لايعنيخروجالمشروع. فمواجهةالمشروعالأمريكيتحتاجإلىحكمةوسعةنظرونضوجفيالرؤيةواستعدادلتجاوز كلالرواسبوالحساسياتالممتدةمنالماضيوالجاثمةعلى الحاضروالمهددةللمستقبل.
كما أن بعض المراكز البحثية الأمريكية شككت في هذا الانسحاب، فقد نفى مدير مركز (سابان) لسياسات الشرق الأوسط بمؤسسة (بروكينغز) في الولايات المتحدة، أن تكون الولايات المتحدة عازمة على سحب قواتها القتالية من العراق بنهاية أغسطس وفق الجدول المحدد، فيما يضعه على رأس ما يسميها (الأساطير الخمس) في العراق.
وقال كينيث أم بولاك في مقال بصحيفة (واشنطن بوست)، إن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك، إذ إن غالبية الـ 50 ألف جندي الذين سيبقون في العراق، هم من القوات المقاتلة ولم يتغير سوى الاسم المطلق عليهم، فهي قوات تتصدى للمخاطر وتؤازر القوات العراقية المقاتلة حتى إن لم يخرج ذلك عن إطار (الاستشارة) ، ولن يتوقف الطيارون الأمريكيون عن توفير الدعم للقوات البرية العراقية، ولا القوات الخاصة الأمريكية ستتوقف عن ملاحقة (الجماعات الإرهابية) في عمليات نوعية مكثفة، وتركت الولايات المتحدة قرابة 50 ألف جندي في العراق، أي أقل من ثلث قواتها في أوج انتشارها في 2007. وبقي هؤلاء الجنود لتدريب القوات العراقية وتقديم المشورة لها، على حد تصريحات المسؤولين الأمريكيين.
وهذه الحقيقة لا تتناقض مع فعلية الانسحاب لأن الانسحاب لا يعدو أن يكون تكتيكاً تقتضيه الساحة السياسية ولا سيما نفاد الوقت أمام الإدارة الأمريكية في معالجة الملف النووي الإيراني وسواء أكان الانسحاب صورياً أم غير ذلك يبقى السؤال المهم ما الذي جناه العراقيون من كل هذا سوى مزيد من المآسي؟
جاء في صحيفة (نورد بايريشه كورييه) الألمانية تعليق فيه كثير من الواقعية: (العراقيون الذين تمنوا الحرية والرفاهية يرتجفون اليوم ويقولون: كيف يمكننا النجاة في ظل الفوضى التي لا تعرف سوى لغة البقاء للأقوى؟ فالأمريكيون تنقصهم خطة متماسكة لنزع فتيل الأزمة العراقية، حيث إن الخروج من العراق والتدخل بقوة في أفغانستان لن يجلب لأي أحد استقراراً أو سلاماً). وهذا يوجب على العراقيين أن يدركوا أن العراق أمانة في أعناقهم، وأنهم القادرون بحكمتهم على الحفاظ عليه وألا ينتظروا ذلك من أحد.
أفضل استثمار في الساحة العراقية اليوم هو الاستثمار في سد الفراغ الإنساني
ثانياً: الجوار الإقليمي والمحيط العالمي: السؤال الأول الذي يطرح نفسه كيف سيكون شكل العلاقة العراقية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا الصدد نشرت صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية مقالاً يتحدث عن طبيعة العلاقات الأمريكية – العراقية بعد الانسحاب وكتبت تقول: (سيتعين على البيت الأبيض إعادة بناء علاقاته مع بغداد على قاعدة جديدة، ذلك أن الولايات المتحدة دفعت ثمناً باهظاً، ففي سبع سنوات تم إنفاق ما لا يقل عن 700 مليار دولار على العراق، وبعد هذا الاستثمار الضخم لا يمكن لواشنطن أن تنسحب من البلاد بكل بساطة. ويبقى حوالي 50 ألف شخص في العراق من أجل تخفيف وطأة الفترة الانتقالية، إلا أن وقت الانسحاب التام لن يطول، إذ أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه سيعيد آخر جندي أمريكي إلى وطنه مع حلول نهاية عام 2011). لكن هل هذه حقيقة أم خداع؟ يقول فياتشيسلاف نيكونوف رئيس صندوق )السياسة( الروسي في لقاء مع قناة (روسيا اليوم)إن تاريخ القوات المسلحة الأمريكية يشهد بأنها لا تغادر أي بلد تدخله بـ(استثناء فيتنام). وأشار إلى أن سحب القوات الأمريكية من العراق سيكون شكلياً فقط، لأن المهمات أوالأهداف الثلاثة التي جيء من أجلها إلى العراق، لم تنجح منها سوى مهمة واحدة وهي تغيير نظام الحكم، وجعل العراق أنموذجاً لشرق أوسط جديد، وجعل العراق قاعدة سياسية واقتصادية في منطقة الشرق الأوسط، أما في ما يتعلق بالقوات الأمريكية في العراق، فلا أعتقد أنالإدارة الأمريكية ستسحب قواتها، لذلك أعتقد أن هذهالقوات على المدى القريب ستبقى في العراق ولو بأعداد أقل مما هي عليه الآن، كما حذّرنيكونوف من تحديات سياسية واقتصادية كثيرة تنتظر العراقيين.
الانسحاب الأمريكي في المنظور الإسرائيلي
عكفت وزارة الدفاعالإسرائيلية في وقت مبكر على الدراسة المتأنية للأوضاع الإسرائيلية بعد الانسحابالأمريكي من العراق، وفي هذا السياق أشارت صحيفة (يديعوت أحرونوت) وفي معرض حديثها عن سيناريوهات مابعد الانسحاب الأمريكي من العراق، إلى وثيقة قُدمت إلى وزير الحرب إيهودباراك الذي استنفر طاقم وزارته لدراستها. واستغرق إعدادها 3 أشهر وكان السؤالالأساسي الذي طُلب الإجابة في هو: كيف سيؤثر الانسحاب الأمريكي منالعراق في المصالح الاستراتيجية لإسرائيل؟ وكانت الإجابة كالتالي: إن الانسحابسوف ينتج عنه تشكلُ شرق أوسط جديد بكل معنى الكلمة، ويمثل أسوأ احتمال توقعتهإسرائيل في يوم من الأيام. إذ سيكون الانسحاب بمثابة تسونامي يضربالمنطقة. وتحدثت الوثيقة الإسرائيلية عن ثلاثة مكامن للخطر ستنجم عن ذلك هي:
أولاً: إن الانسحاب سينظر إليه فيالعالمين العربي والإسلامي كهزيمة مروعة لأمريكا.
ثانياً: حذرت الوثيقة من أن الانسحابسيكون عنصراً مشجعاً لقوى المقاومة على توجيه ضربات لإسرائيل.
ثالثاًً: رأت الوثيقة أن الانسحاب منالعراق سيحرر إيران من الضغوط الممارسة عليها حالياً، وسيسمح لها بتطوير برنامجهاالنووي وصولاً إلى إنتاج القنبلة النووية.
وهذا ما يبرر السياسة النشطة والفاعلة التي تنتهجها السياسة الأمريكية في رعاية محادثات السلام وتبنيها سياسة حل الدولتين وإنهاء الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وهي سياسة فض الاشتباك للتهيؤ للمخططات في المستقبل القريب.
علماً أن الإدارة الأمريكية رفعت قيمة المساعدات لإسرائيل بشكل كبير، بحيث تصل في غضون عقد من الزمان إلى 30مليار دولار بواقع 3 مليارات كل عام.
الفراغ النسبي في العراق وضعف الدولة في حماية حدودها يغريان إيران بالتدخل في العراق
تداعيات الانسحاب على الجوار الإقليمي
يرتبط العراق حدودياً مع ست دول كلها تتأثر وتؤثر في العراق، لكن بنسب متفاوتة،وأكثر هذه الدول تأثيراً إيران فإيران تمتلك مشروعاً سياسياً فيالعراق، حيث باتت مجمل أدوار وتفاعلات إيران مع الأزمة العراقية انعكاساً وتعبيراًمباشراً عن هذا المشروع، ويتمثل هذا المشروع في منع ظهور عراق قوي مرة أخرىقادر على التهديد، أو عن طريق منع قيام حكومة عراقية معادية للحكم في طهران، ومع أن كثيراً من المراقبين يتفقون على إن دور إيران في العراق يتجه نحو الضعف وهكذا في كل المنطقة لما تعانيه إيران من مشكلات مع المجتمع الدولي بسبب برنامجها النووي والعقوبات التي بدا أثرها يتبين يوماً بعد آخر وكذلك المشكلات الداخلية نتيجة الانتخابات الأخيرة والتشكيك في نزاهتها، ورغم هذه المشكلات إلا أن الفراغ النسبي في العراق وضعف الدولة في حماية حدودها يغريان إيران بالتدخل في العراق، لكن هل تدرك إيران حجم الورطة التي تنتظرها إن فكرت بتحقيق ما تحلم به من محاولة سد الفراغ؟ إن ما تريده إيران اكبر مما تقدر عليه فإيران ليست بتلك القوة التي تؤهلها لدور إقليمي أكبر مما هي عليه الآن.
أما الدول العربيةفإن الانسحاب الأمريكي من العراقيؤثر وبقوة في مستقبل الكثير من القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية،كما سيؤثر أيضاً في الاستقرار والتوازن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. والمقصدهنا هو خريطة توازن القوى الإقليمية وأنماط التحالفات والعلاقات وخاصة في ظلاختلال ميزان القوى العسكري لصالح إسرائيل، والسؤال الآن هو: هل استعدت الدولالعربية لهذا الانسحاب الأمريكي من العراق؟ وما الخطط والاستراتيجيات التيأعدتها لتعديل ميزان القوى في المنطقة؟ إن فتح الطريق أمام تركيا لتكون لاعباً إقليمياً في المنطقة من أجل إيجاد توازن لا يكفي بل لا بد من تنشيط الدور العربي ليكون أكثر فاعلية وبما لا يتنافى مع الحكمة السياسية التي تمثل المنهج السياسي السائد في منطقة الخليج العربي، بل لا بد من توحيد الرؤى السياسية وتنسيق الفعل والخطاب السياسي.
يمكن القول إنه إذا كانت الدول العربيةقد أكدت من قبل تمسكها بوحدة العراق ومعارضة تقسيمه الذي سيجعل منه بؤرة توتر كبيرةتمتد إلى كل المنطقة من حوله، فإنه من المهم بذل كل ما يمكن من جهود للحفاظ علىوحدة العراق لأن فيها الحفاظ على استقرار المنطقة في النهاية. والشعب العراقي مدعوأيضاً لتحمل مسؤوليته في هذا المجال بإنجاح مقترحات المصالحة الوطنية.
أخيراً، فإن التصريحات بشأن سد الفراغ الأمني التي سمعها الشعب العراقي لا رصيد لها في ضمير هذا الشعب وهي استثمار خاسر بعيد عن الحكمة والمنطق، ولعل أفضل استثمار في الساحة العراقية اليوم هو الاستثمار في سد الفراغ الإنساني وهو الاستثمار الأكثر ربحية بكل المستويات.
::/fulltext::
::cck::1177::/cck::
