مستقبل التواجد العسكري الأمريكي في العراق
::cck::1069::/cck::
::introtext::
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تأتِ إلى العراق لتعود من دون ترسيخ أهدافها الاستراتيجية (طويلة المدى) فيه، أو على أقل تقدير من دون أن تخلف محلها من يؤمن لها وصول ما تريده إلى أراضيها، أو من دون وضع إطار استراتيجي يعطيها ما تريد بشكل قانوني، وهو ما تحقق في اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة مع الحكومة العراقية في نهاية عام 2008، لذا فهناك أهداف على درجة كبيرة من الأهمية جاءت الولايات المتحدة من أجلها.
::/introtext::
::fulltext::
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تأتِ إلى العراق لتعود من دون ترسيخ أهدافها الاستراتيجية (طويلة المدى) فيه، أو على أقل تقدير من دون أن تخلف محلها من يؤمن لها وصول ما تريده إلى أراضيها، أو من دون وضع إطار استراتيجي يعطيها ما تريد بشكل قانوني، وهو ما تحقق في اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة مع الحكومة العراقية في نهاية عام 2008، لذا فهناك أهداف على درجة كبيرة من الأهمية جاءت الولايات المتحدة من أجلها.
يقوم التخطيط الاستراتيجي الأمريكي على تحويل العراق إلى قاعدة إقليمية محورية للوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط عامة، حيث تركز الولايات المتحدة على ربط عراق ما بعد الاحتلال بالاستراتيجية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في الاستفادة من البيئة الاستراتيجية الجديدة التي نشأت بعد احتلال العراق من أجل إجراء مراجعة واسعة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وهنا فإن الولايات المتحدة تنطلق من ضرورة الاستفادة من الموقع الاستراتيجي المهم للعراق والذي يمثل نقطة التقاء استراتيجية بين مناطق الخليج وشمال غرب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. إذ إن العراق كان الحلقة المفقودة في سلسلة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة والممتد على طول الجبهة الأوروبية وصولاً إلى تركيا والخليج العربي وامتداداً إلى آسيا الوسطى وأفغانستان، علاوة على علاقاتها العسكرية مع الأردن ومصر، وهنا فإن احتلالها للعراق مثلَ استكمالاً لسلسلة الوجود الأمريكي في المنطقة.ولذلك تخطط الولايات المتحدة لجعل العراق ركيزة أساسية لوجودها العسكري في منطقة الخليج العربي أولاً ومن ثم الشرق الأوسط ثانياً، لذا ستكون مكانة العراق في الاستراتيجية الأمريكية بمثابة مرتكز لقواعد أمريكية ثابتة على المدى الطويل، ومن ثم قاعدة مهمة للانطلاق الأمريكي نحو تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المناطق الأخرى، وهذا ما أكده بول وولفيتز حينما قال (إن العراق ليس يعني العراق فحسب بالنسبة للولايات المتحدة). لذا فإن العراق سوف يشكل موطئ قدم رئيس للولايات المتحدة في قلب منطقة المربع الاستراتيجي التي يقع العراق في القلب منها والتي تضم الخليج العربي وشمال غرب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط،وسيحقق ذلك أهدافاً متنوعة للولايات المتحدة أبرزها محاصرة إيران وسوريا، ومن ثم قد تتفق مخططات الولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق مع استخدامها في المستقبل في إطار استراتيجيتها المعروفة بـ (استراتيجية الضربات الوقائية) والتي تعني استخدامها ضد أيد دولة أو جماعة ترى أنها تمثل تهديداً لمصالحها وأمنها القومي. لا سيما أن (الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي) أكدت في 6/ إبريل /2006 أن الولايات المتحدة مازالت على استعداد – على الرغم من وضعها في العراق – لشن هجمات (وقائية) ضد كل من يهددها وحددت إيران بوصفها (الدولة التي تطرح أكبر تحد) للجوء إلى القوة ضدها, هناك رأي تورده هيلينا كوبان المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في دراستها المنشورة في مجلة (Just world news) بتاريخ 10/6/2008 حول بعض المقاطع التي تسربت عن بعض الفصول السرية للاتفاق الأمني الأمريكي– العراقي، وقد نشرت هذه المقاطع على الموقع الإلكتروني (Kufiyeh_al_sadris) بنفس التاريخ وفي صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 23 يوميو 2008 بعد ترجمتها إلى العربية فقد نص أحد محاورها على أن (للقوات الأمريكية الحق في ضرب أية دولة تهدد الأمن والسلم العالمي والإقليمي والعراق وحكومته أو دستوره، ولا شيء يمنع القوات من الانطلاق من الأراضي العراقية والاستفادة من برها ومياهها وجوها). كما أن أصابع الاتهام الأمريكية والعراقية تشير إلى طهران على أنها أكبر دولة راعية للإرهاب في عالم اليوم، وأن الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الأمنية الإيرانية الأخرى متورطة بعمليات إرهابية بصورة مباشرة ضد المدنيين في العراق. وهنا يذكر هنري كيسنجر أن بلاد الرافدين كانت ولا تزال منطقة استراتيجية على جانب كبير من الأهمية في الخليج العربي والشرق الأوسط، وأن مصادر وثروات العراق تؤثر في مصالح دول ومناطق بعيدة عنها، وأن التوازن بين العراق وإيران قبل الغزو كان حقيقة أساسية وجيواستراتيجية معروفة في المنطقة.
إلا أن الاحتلال الأمريكي أحدث انحرافاً جذرياً في التوازن الاستراتيجي في المنطقة وهو ما ساهم الأمريكيون بجزء كبير منه، لذا فإن الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة سيعتمد على قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيق تساو في القوة بين العراق وإيران انطلاقاً من تدعيم مكانة العراق العسكرية، ومن دون تحقيق هذا التوازن فإن المنطقة ستظل تواجه خطر العيش على تلة من المتفجرات القابلة للاشتعال في أي وقت.لاسيماوأن المصالح الأمريكية في الخليج عرضة للخطر الإيراني وخصوصاً إذا ما أقدمت حكومة طهران على اتخاذ خطوات جريئة من قبيل إغلاق مضيق هرمز، وهو المضيق الحيوي الوحيد المؤدي إلى خارج الخليج، ويتعين على كافة الناقلات النفطية المرور عبره لتحميل النفط أو تفريغه في الموانئ المطلة على ساحل الخليج، أما بالنسبة لسوريا فإن الوجود العسكري الأمريكي في العراق هو أيضاً عنصر ضغط عليها وللحد من أي تعاون استراتيجي إيراني – سوري محتمل، أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية فإن الوجود العسكري الأمريكي في العراق سيقلل من الاعتماد على هذه الدول ولا سيما السعودية بعد إعلان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رامسفيلد، سحب قواته من السعودية قائلاً (إن قواتنا لن تبقى في دول لا تتمنى وجودنا)، ثمَّ إعلانه المفاجئ نقل القيادة الجوية الأمريكية من قاعدة الأمير سلطان من السعودية إلى دولة قطر. لذا فلا غرابة في أن يضطلع العراق باهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة الجهود الأمنية في المنطقة بعد إقامة الدعامة العسكرية الأمريكية فيه والمتمثلة في وجود (قواعد عسكرية أمريكية دائمة) فيه حتى لو تطلب الأمر اتخاذ العراق منطلقاً للتدخل ضد أية دولة قد تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة لا سيما أن الحرب على العراق في مارس 2003 تشكل تذكيراً واضحاً بأن استخدام القوة لا يزال يلعب دوراً في العلاقات الدولية، وبالتحديد العلاقات العربية – الأمريكية.
لذا فإن الدور العراقي الجديد سيمثل (الحاضنة) لمجموعة من القواعد الأمريكية – والتي يدور الكلام عن أربعة منها: قاعدة في مطار بغداد في الوسط، وقاعدة الطليل الجوية بالقرب من الناصرية في الجنوب، وقاعدة جوية يطلق عليها اسم (H1) في منطقة الرطبة في الغرب، وقاعدة باشور في الشمال – وهو ما سيعني ارتباط العراق وللمرة الأولى في تاريخه بنوع من التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بعد أن ظل العراق بعيداً عن الأحلاف الأمريكية.
وهنا ستكون مكانة العراق ومن ثم دوره الجديد بمثابة البديل المحتمل للقواعد الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج، إذ أعلنت الولايات المتحدة عزمها على تبني سياسة جديدة تجاه منطقة الخليج تقوم على إعادة تقييم علاقاتها وروابطها الاستراتيجية مع دول المنطقة وتغيير مناطق الوجود العسكري الأمريكي عبر إعطاء ثقل أكبر للوجود العسكري الأمريكي في العراق، وهو ما قد يعني التقليل وإلى حد كبير من وجود القوات الأمريكية في السعودية وعمان والكويت وحتى قطر مع الإبقاء بالتأكيد على مقر القيادة المركزية في السيلية. لذا من المتوقع أن يكون العراق مركز ثقل استراتيجياً للقوات الأمريكية في الخليج العربي. فعلى الرغم من تأكيدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول جدولة الانسحاب من العراق فإن ثمة أسئلة وشكوكا حقيقية تحوم حولها وتحول دون الركون إليها بشكل كامل أو البناء عليها، فالاتفاقية الأمنية تشير في المادة (30) إلى إمكانية تعديلها بموافقة الحكومتين الأمريكية والعراقية، فالولايات المتحدة الأمريكية تنظر في أمر البقاء غير المحدد، وقد أشارت وزيرة الخارجية السابقة كونداليزارايس إلى ذلك بقولها (إن تدخلنا في العراق هو التزام لمدى أجيال). أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فيتحدث عن الانسحاب قائلاً (يجب علينا الخروج من العراق، ولكن ليس بأسلوب يترك خلفنا فراغاً أمنياً يعمه الإرهاب والفوضى التي قد تعم الشرق الأوسط وتعرض أمريكا للخطر.
الاحتلال الأمريكي أحدث انحرافاً جذرياً في التوازن الاستراتيجي في المنطقة
علينا مسؤولية أخلاقية وأسباب متعلقة بالأمن القومي تجعلنا ندير خروجنا بشكل مسؤول). وبذلك فقد ربط وتيرة وتوقيتات خطته للانسحاب من العراق بالاعتماد على مستوى العنف الجاري في العراق وهو مفهوم غامض لا يمكن تحديد مصادره ودوافعه أو الجهات التي تقف خلفه. فعلى وفق الرؤية الأمريكية فالقوات الأمريكية يجب أن تظل في العراق لتوفير (الأمن) حتى يأتي الوقت الذي يستطيع فيه العراقيون أن (يفعلوا ذلك بأنفسهم).
كما أن بقاء قوات النخبة وبأعداد تصل إلى حدود الخمسين ألف جندي بوصفها قوات تدخل سريع لا يغير من صفة الاحتلال شيئاً، خاصة أن هناك ما يقارب الـ 100 ألف من قوات المرتزقة والشركات الأمنية لم تتطرق الاتفاقية الأمنية وخطة الرئيس أوباما إلى موعد انسحابها أو طبيعة واجباتها على الرغم من أن الجميع يعلم أنها ترتبط كلياً بوزارة الدفاع الأمريكية تحت توصيف (خصخصة الحرب) التي لجأت إليها (البنتاغون) بعد المصاعب التي واجهها في التجنيد نتيجة الخسائر الجسيمة التي تتكبدها القوات النظامية الأمريكية.
نحن إذن أمام جدولة لإعادة انتشار القوات الأمريكية في العراق أكثر من انسحابها، إذ إن وجود قوات بأعداد أقل تستقر في قواعد ثابتة وبعيدة عن السكان طبقاً لإعادة حسابات التكلفة والمنفعة وترتيب الأولويات بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج العربي والعالم، يضمن النفوذ الأمريكي في العراق ومن ثم سيعول عليه أمريكياً ليشكل مساحة فاصلة بين إيران وسوريا اللتين تهدف الولايات المتحدة إلى إحداث تغيير في سياستيهما، فضلاً عن التعويل عليه كقاعدة جديدة عوضاً عن السعودية والخلاصة فإن الحرب على العراق أريد منها أن تكون بداية لإحداث تغيير جيواستراتيجي كبير في المنطقة وبما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية بالدرجة الأولى انطلاقاً من العراق، إذ تعتزم الإدارة الأمريكية الإبقاء على قدر من النفوذ الحيوي لها في العراق يتمثل في قواعد عسكرية كبرى ونفوذ سياسي ودبلوماسي فاعل، في مقابل تخفيض الانتشار العسكري في المناطق المأهولة، مما يقلل من حجم الخسائر التي تمنى بها قواتها، ويحدّ من التكاليف العالية التي تضطر لإنفاقها لتأمين المدد اللوجستي للوحدات العسكرية المنتشرة في مساحة واسعة من أرض العراق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1069::/cck::
::introtext::
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تأتِ إلى العراق لتعود من دون ترسيخ أهدافها الاستراتيجية (طويلة المدى) فيه، أو على أقل تقدير من دون أن تخلف محلها من يؤمن لها وصول ما تريده إلى أراضيها، أو من دون وضع إطار استراتيجي يعطيها ما تريد بشكل قانوني، وهو ما تحقق في اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة مع الحكومة العراقية في نهاية عام 2008، لذا فهناك أهداف على درجة كبيرة من الأهمية جاءت الولايات المتحدة من أجلها.
::/introtext::
::fulltext::
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تأتِ إلى العراق لتعود من دون ترسيخ أهدافها الاستراتيجية (طويلة المدى) فيه، أو على أقل تقدير من دون أن تخلف محلها من يؤمن لها وصول ما تريده إلى أراضيها، أو من دون وضع إطار استراتيجي يعطيها ما تريد بشكل قانوني، وهو ما تحقق في اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة مع الحكومة العراقية في نهاية عام 2008، لذا فهناك أهداف على درجة كبيرة من الأهمية جاءت الولايات المتحدة من أجلها.
يقوم التخطيط الاستراتيجي الأمريكي على تحويل العراق إلى قاعدة إقليمية محورية للوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط عامة، حيث تركز الولايات المتحدة على ربط عراق ما بعد الاحتلال بالاستراتيجية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في الاستفادة من البيئة الاستراتيجية الجديدة التي نشأت بعد احتلال العراق من أجل إجراء مراجعة واسعة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وهنا فإن الولايات المتحدة تنطلق من ضرورة الاستفادة من الموقع الاستراتيجي المهم للعراق والذي يمثل نقطة التقاء استراتيجية بين مناطق الخليج وشمال غرب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. إذ إن العراق كان الحلقة المفقودة في سلسلة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة والممتد على طول الجبهة الأوروبية وصولاً إلى تركيا والخليج العربي وامتداداً إلى آسيا الوسطى وأفغانستان، علاوة على علاقاتها العسكرية مع الأردن ومصر، وهنا فإن احتلالها للعراق مثلَ استكمالاً لسلسلة الوجود الأمريكي في المنطقة.ولذلك تخطط الولايات المتحدة لجعل العراق ركيزة أساسية لوجودها العسكري في منطقة الخليج العربي أولاً ومن ثم الشرق الأوسط ثانياً، لذا ستكون مكانة العراق في الاستراتيجية الأمريكية بمثابة مرتكز لقواعد أمريكية ثابتة على المدى الطويل، ومن ثم قاعدة مهمة للانطلاق الأمريكي نحو تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المناطق الأخرى، وهذا ما أكده بول وولفيتز حينما قال (إن العراق ليس يعني العراق فحسب بالنسبة للولايات المتحدة). لذا فإن العراق سوف يشكل موطئ قدم رئيس للولايات المتحدة في قلب منطقة المربع الاستراتيجي التي يقع العراق في القلب منها والتي تضم الخليج العربي وشمال غرب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط،وسيحقق ذلك أهدافاً متنوعة للولايات المتحدة أبرزها محاصرة إيران وسوريا، ومن ثم قد تتفق مخططات الولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق مع استخدامها في المستقبل في إطار استراتيجيتها المعروفة بـ (استراتيجية الضربات الوقائية) والتي تعني استخدامها ضد أيد دولة أو جماعة ترى أنها تمثل تهديداً لمصالحها وأمنها القومي. لا سيما أن (الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي) أكدت في 6/ إبريل /2006 أن الولايات المتحدة مازالت على استعداد – على الرغم من وضعها في العراق – لشن هجمات (وقائية) ضد كل من يهددها وحددت إيران بوصفها (الدولة التي تطرح أكبر تحد) للجوء إلى القوة ضدها, هناك رأي تورده هيلينا كوبان المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في دراستها المنشورة في مجلة (Just world news) بتاريخ 10/6/2008 حول بعض المقاطع التي تسربت عن بعض الفصول السرية للاتفاق الأمني الأمريكي– العراقي، وقد نشرت هذه المقاطع على الموقع الإلكتروني (Kufiyeh_al_sadris) بنفس التاريخ وفي صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 23 يوميو 2008 بعد ترجمتها إلى العربية فقد نص أحد محاورها على أن (للقوات الأمريكية الحق في ضرب أية دولة تهدد الأمن والسلم العالمي والإقليمي والعراق وحكومته أو دستوره، ولا شيء يمنع القوات من الانطلاق من الأراضي العراقية والاستفادة من برها ومياهها وجوها). كما أن أصابع الاتهام الأمريكية والعراقية تشير إلى طهران على أنها أكبر دولة راعية للإرهاب في عالم اليوم، وأن الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الأمنية الإيرانية الأخرى متورطة بعمليات إرهابية بصورة مباشرة ضد المدنيين في العراق. وهنا يذكر هنري كيسنجر أن بلاد الرافدين كانت ولا تزال منطقة استراتيجية على جانب كبير من الأهمية في الخليج العربي والشرق الأوسط، وأن مصادر وثروات العراق تؤثر في مصالح دول ومناطق بعيدة عنها، وأن التوازن بين العراق وإيران قبل الغزو كان حقيقة أساسية وجيواستراتيجية معروفة في المنطقة.
إلا أن الاحتلال الأمريكي أحدث انحرافاً جذرياً في التوازن الاستراتيجي في المنطقة وهو ما ساهم الأمريكيون بجزء كبير منه، لذا فإن الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة سيعتمد على قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيق تساو في القوة بين العراق وإيران انطلاقاً من تدعيم مكانة العراق العسكرية، ومن دون تحقيق هذا التوازن فإن المنطقة ستظل تواجه خطر العيش على تلة من المتفجرات القابلة للاشتعال في أي وقت.لاسيماوأن المصالح الأمريكية في الخليج عرضة للخطر الإيراني وخصوصاً إذا ما أقدمت حكومة طهران على اتخاذ خطوات جريئة من قبيل إغلاق مضيق هرمز، وهو المضيق الحيوي الوحيد المؤدي إلى خارج الخليج، ويتعين على كافة الناقلات النفطية المرور عبره لتحميل النفط أو تفريغه في الموانئ المطلة على ساحل الخليج، أما بالنسبة لسوريا فإن الوجود العسكري الأمريكي في العراق هو أيضاً عنصر ضغط عليها وللحد من أي تعاون استراتيجي إيراني – سوري محتمل، أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية فإن الوجود العسكري الأمريكي في العراق سيقلل من الاعتماد على هذه الدول ولا سيما السعودية بعد إعلان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رامسفيلد، سحب قواته من السعودية قائلاً (إن قواتنا لن تبقى في دول لا تتمنى وجودنا)، ثمَّ إعلانه المفاجئ نقل القيادة الجوية الأمريكية من قاعدة الأمير سلطان من السعودية إلى دولة قطر. لذا فلا غرابة في أن يضطلع العراق باهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة الجهود الأمنية في المنطقة بعد إقامة الدعامة العسكرية الأمريكية فيه والمتمثلة في وجود (قواعد عسكرية أمريكية دائمة) فيه حتى لو تطلب الأمر اتخاذ العراق منطلقاً للتدخل ضد أية دولة قد تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة لا سيما أن الحرب على العراق في مارس 2003 تشكل تذكيراً واضحاً بأن استخدام القوة لا يزال يلعب دوراً في العلاقات الدولية، وبالتحديد العلاقات العربية – الأمريكية.
لذا فإن الدور العراقي الجديد سيمثل (الحاضنة) لمجموعة من القواعد الأمريكية – والتي يدور الكلام عن أربعة منها: قاعدة في مطار بغداد في الوسط، وقاعدة الطليل الجوية بالقرب من الناصرية في الجنوب، وقاعدة جوية يطلق عليها اسم (H1) في منطقة الرطبة في الغرب، وقاعدة باشور في الشمال – وهو ما سيعني ارتباط العراق وللمرة الأولى في تاريخه بنوع من التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بعد أن ظل العراق بعيداً عن الأحلاف الأمريكية.
وهنا ستكون مكانة العراق ومن ثم دوره الجديد بمثابة البديل المحتمل للقواعد الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج، إذ أعلنت الولايات المتحدة عزمها على تبني سياسة جديدة تجاه منطقة الخليج تقوم على إعادة تقييم علاقاتها وروابطها الاستراتيجية مع دول المنطقة وتغيير مناطق الوجود العسكري الأمريكي عبر إعطاء ثقل أكبر للوجود العسكري الأمريكي في العراق، وهو ما قد يعني التقليل وإلى حد كبير من وجود القوات الأمريكية في السعودية وعمان والكويت وحتى قطر مع الإبقاء بالتأكيد على مقر القيادة المركزية في السيلية. لذا من المتوقع أن يكون العراق مركز ثقل استراتيجياً للقوات الأمريكية في الخليج العربي. فعلى الرغم من تأكيدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول جدولة الانسحاب من العراق فإن ثمة أسئلة وشكوكا حقيقية تحوم حولها وتحول دون الركون إليها بشكل كامل أو البناء عليها، فالاتفاقية الأمنية تشير في المادة (30) إلى إمكانية تعديلها بموافقة الحكومتين الأمريكية والعراقية، فالولايات المتحدة الأمريكية تنظر في أمر البقاء غير المحدد، وقد أشارت وزيرة الخارجية السابقة كونداليزارايس إلى ذلك بقولها (إن تدخلنا في العراق هو التزام لمدى أجيال). أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فيتحدث عن الانسحاب قائلاً (يجب علينا الخروج من العراق، ولكن ليس بأسلوب يترك خلفنا فراغاً أمنياً يعمه الإرهاب والفوضى التي قد تعم الشرق الأوسط وتعرض أمريكا للخطر.
الاحتلال الأمريكي أحدث انحرافاً جذرياً في التوازن الاستراتيجي في المنطقة
علينا مسؤولية أخلاقية وأسباب متعلقة بالأمن القومي تجعلنا ندير خروجنا بشكل مسؤول). وبذلك فقد ربط وتيرة وتوقيتات خطته للانسحاب من العراق بالاعتماد على مستوى العنف الجاري في العراق وهو مفهوم غامض لا يمكن تحديد مصادره ودوافعه أو الجهات التي تقف خلفه. فعلى وفق الرؤية الأمريكية فالقوات الأمريكية يجب أن تظل في العراق لتوفير (الأمن) حتى يأتي الوقت الذي يستطيع فيه العراقيون أن (يفعلوا ذلك بأنفسهم).
كما أن بقاء قوات النخبة وبأعداد تصل إلى حدود الخمسين ألف جندي بوصفها قوات تدخل سريع لا يغير من صفة الاحتلال شيئاً، خاصة أن هناك ما يقارب الـ 100 ألف من قوات المرتزقة والشركات الأمنية لم تتطرق الاتفاقية الأمنية وخطة الرئيس أوباما إلى موعد انسحابها أو طبيعة واجباتها على الرغم من أن الجميع يعلم أنها ترتبط كلياً بوزارة الدفاع الأمريكية تحت توصيف (خصخصة الحرب) التي لجأت إليها (البنتاغون) بعد المصاعب التي واجهها في التجنيد نتيجة الخسائر الجسيمة التي تتكبدها القوات النظامية الأمريكية.
نحن إذن أمام جدولة لإعادة انتشار القوات الأمريكية في العراق أكثر من انسحابها، إذ إن وجود قوات بأعداد أقل تستقر في قواعد ثابتة وبعيدة عن السكان طبقاً لإعادة حسابات التكلفة والمنفعة وترتيب الأولويات بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج العربي والعالم، يضمن النفوذ الأمريكي في العراق ومن ثم سيعول عليه أمريكياً ليشكل مساحة فاصلة بين إيران وسوريا اللتين تهدف الولايات المتحدة إلى إحداث تغيير في سياستيهما، فضلاً عن التعويل عليه كقاعدة جديدة عوضاً عن السعودية والخلاصة فإن الحرب على العراق أريد منها أن تكون بداية لإحداث تغيير جيواستراتيجي كبير في المنطقة وبما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية بالدرجة الأولى انطلاقاً من العراق، إذ تعتزم الإدارة الأمريكية الإبقاء على قدر من النفوذ الحيوي لها في العراق يتمثل في قواعد عسكرية كبرى ونفوذ سياسي ودبلوماسي فاعل، في مقابل تخفيض الانتشار العسكري في المناطق المأهولة، مما يقلل من حجم الخسائر التي تمنى بها قواتها، ويحدّ من التكاليف العالية التي تضطر لإنفاقها لتأمين المدد اللوجستي للوحدات العسكرية المنتشرة في مساحة واسعة من أرض العراق.
::/fulltext::
::cck::1069::/cck::
