بناء جسور الثقة في مياه الخليج
::cck::1067::/cck::
::introtext::
تشهد منطقة الخليج توتراً شديداً ونشاطاً عسكرياً واسعاً للغاية معظمه بحري. فبالإضافة إلى القوات البحرية التابعة لدول المنطقة، ينشط في مياه الخليج بصورة روتينية عدد من القوات البحرية غير الخليجية، وبخاصة الأمريكية التي لديها مقر دائم في دول الخليج. وهناك أيضاً حضور مستمر في المنطقة للبحريتين البريطانية والفرنسية ونشاط ملحوظ لقواتٍ بحريةٍ أخرى، مثل الكندية، وذلك بهدف دعم مهمات للأمم المتحدة وتنفيذ مهمات أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
تشهد منطقة الخليج توتراً شديداً ونشاطاً عسكرياً واسعاً للغاية معظمه بحري. فبالإضافة إلى القوات البحرية التابعة لدول المنطقة، ينشط في مياه الخليج بصورة روتينية عدد من القوات البحرية غير الخليجية، وبخاصة الأمريكية التي لديها مقر دائم في دول الخليج. وهناك أيضاً حضور مستمر في المنطقة للبحريتين البريطانية والفرنسية ونشاط ملحوظ لقواتٍ بحريةٍ أخرى، مثل الكندية، وذلك بهدف دعم مهمات للأمم المتحدة وتنفيذ مهمات أخرى.
لكن الخطر لا يكمن فقط في حجم النشاط البحري العسكري أو مجمل النشاط البحري في مياه الخليج، مع أن حجمهما كبير للغاية، وإنما يكمن في حقيقتين متلازمتين هما: أولاً: إن معظم إمدادات العالم الحيوية من النفط الخام تُنقل عبر الممرات المائية الخليجية الضيقة. وثانياً: إن هناك عداءً شديداً بين إحدى دول منطقة الخليج (إيران) ودول أخرى تتمتع بوجود عسكري بحري كبير في المنطقة، بما فيها الولايات المتحدة. إضافةً إلى ذلك، تمثل الملاحة في مياه الخليج العربي مسألةً حيوية بالنسبة لدول المنطقة التي تفتقر إلى أي شبكة مهمة من الطرق البرية أو السكك الحديدية.
إذاً، يمكن تشبيه وضع المنطقة بمزيج سريع الاشتعال. ومع أن بعض التهديدات التي يسمع عنها المرء لا تخلو من المبالغة، إلا أن هناك بالفعل أخطاراً حقيقيةً تهدد أمن واستقرار المنطقة؛ لأن حوادثها البحرية أصبحت بالتأكيد قادرة على إثارة أعمال عدائية. وهذه الحوادث نوعان: المتعمدة (كاستعراض القوة في منطقة جغرافية بعينها أو على خلفية مسألة سياسية محددة)، وغير المتعمدة (كأي اصطدام أو أي حادث عرضي آخر). لكن في كلتا الحالتين، بات من الممكن أن تتصاعد هذه الحوادث بسرعة وبأشكال لا يرغب فيها أي من الأطراف المعنية.
ستراجع هذه الورقة المقتضبة أبرز الحوادث البحرية التي شهدتها منطقة الخليج العربي ثم ستستخدم منظومة نموذجية من مختلف أنواع إجراءات بناء الثقة، لكي تحدد بسرعة بعض إجراءات بناء الثقة التي يمكن تبنيها لتعزيز الأمن في مياه الخليج؛ إن توفرت الإرادة السياسية. أخيراً، سوف تتساءل الورقة عما إذا كانت هذه الإرادة السياسية متوفرة فعلاً وستقترح بعض السبل الممكنة لإيجاد الظروف الملائمة لتطوير وتطبيق إجراءات لبناء الثقة في مياه الخليج.
الحوادثالبحريةالماضية
شهدت منطقة الخليج حوادث بحرية عدة كان بعضها دامياً. ففي عام 1988، أسقطت المدمرة الأمريكية (ڤينسينِـس) بالخطأ طائرة مدنية إيرانية، ما أدى إلى مقتل 290 شخصاً. وأُرجع سبب الحادث إلى اعتقاد المدمرة الأمريكية بأن الطائرة الإيرانية كانت طائرة عسكرية تريد الاعتداء عليها. في النهاية، عوضت الولايات المتحدة الخسائر التي تكبدتها إيران جراء ذلك الحادث.
وبخصوص اعتقاد المدمرة (ڤينسينِس) بأنها كانت تتعرض لتهديد فوري، يبدو أن المدمرة كانت متأثرة بحيثيات استهداف المدمرة الأمريكية (ستارك) في عام 1987، حيث أطلقت إحدى مقاتلات سلاح الجو العراقي صاروخين من طراز (إغزوسِت) على تلك المدمرة (مع أن الولايات المتحدة كانت، آنذاك، تساند العراق في حربها مع إيران). فالمدمرة ستارك لم تتخذ الإجراءات الدفاعية اللازمة بالسرعة الكافية لأنها ظنت أنها كانت غير مهددة، فتكبدت أضراراً مادية جسيمة وخسرت 37 عنصراً من طاقمها.
وفي عام 2007، (أسرت) وحداتٌ بحرية تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني 15 عنصراً من البحرية البريطانية. ومع أن البريطانيين أكدوا أن عملية الأسر جرت في المياه الدولية، أكد الإيرانيون، في المقابل، أنها جرت في مياههم الإقليمية. والأهم من ذلك هو أن هذه الحادثة أثارت توترات دبلوماسية جدية استمرت حتى أفرج الإيرانيون عن الأسرى البريطانيين؛ وجاء ذلك بعد احتجازهم كرهائن لمدة أسبوعين تقريباً. ولو أبدى عناصر البحرية البريطانية أي مقاومة لدى محاولة أسرهم من جانب الإيرانيين، لكان من المرجح أن تتحول الحادثة إلى مواجهة عسكرية جدية.

وفي يناير 2008، ادعت بعض السفن الحربية الأمريكية أنها تعرضت للاستفزاز من قبل مجموعة كبيرة من الزوارق السريعة لقوات خفر السواحل الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي وجهت إليها أيضاً رسائل تهديدية عبر أجهزتها اللاسلكية. ومع أن الغموض لا يزال يلف حقيقة ما حدث بالضبط والطرف المسؤول عن الحادثة، إن كان هناك من طرف مسؤول عنها، إلا أن هذه الحادثة الغريبة شحنت الأجواء وصعدت التوتر بين طهران وواشنطن، وأثبتت أيضاً أن العمليات البحرية الروتينية، قد تثير بصورة مفاجئة حالات من التوتر الشديد والمجابهة الدبلوماسية الجدية.
بناءالثقةفيمياهالخليج
دفعت هذه الحوادث العديد من المراقبين والخبراء إلى إطلاق نداءات دعت إلى النظر في اتخاذ إجراءات لتهدئة الوضع في مياه الخليج. فماذا تعني هذه النداءات؟ وأي أنواع الإجراءات يمكن النظر فيها وكيف ستُطبق؟ إبان الحرب الباردة، سخِر بعض مؤيدي الحد من التسلح في مرحلة بعينها من إجراءات بناء الثقة إلى درجة أنهم وصفوها بأنها (جعجعة عملية الحد من التسلح)، وكانوا يقصدون ضمناً أن مثل هذه الإجراءات كانت في أحسن الأحوال غير مجدية، وفي أسوأ الأحوال ضارة بالعمل (الجدي) الرامي إلى الحد الفعلي من التسلح. أما اليوم، فإن هناك إجماعاً عريضاً على أن وجهة النظر هذه كانت خاطئة.
فبدلاً من التقليل من شأن إجراءات بناء الثقة، تُعتبر هذه الإجراءات حالياً عنصراً أساسياً في أي استراتيجية تهدف إلى تطوير علاقات جديدة بين الخصوم لأنها أثبتت قدرتها على المساهمة في منع النزاعات غير المتعمدة. كما أصبحت عنصراً ضرورياً في أي استراتيجية أوسع ترمي إلى التأسيس لإنجاز اتفاقيات للحد من التسلح أكثر طموحاً أو حتى لإحراز (تحول) جذري في طبيعة العلاقات بين الدول. في منتصف طور جيمس ماسنتوش منظومة نموذجية من مختلف أنواع إجراءات بناء الثقة:
* تبادل المعلومات وتبني إجراءات للتفاعل والتواصل (الإخطار بالمناورات العسكرية وتبادل المعلومات المتعلقة بالنوايا والقوات… إلخ).
* إجراءات تسهيل التحقق والمراقبة (إجراءات التفتيش ومراقبة المناورات العسكرية… إلخ).
* الإجراءات التقييدية (القيود الطوعية التي تُفرض على نشر أسلحة محددة في مناطق بعينها وعلى أنواع محددة من الأنشطة، وكذلك القيود الطوعية التي تُفرض بصورة متبادلة على اكتساب تقنيات محددة… إلخ).
وعبر استخدام هذه المنظومة النموذجية التي تضم مختلف أنواع إجراءات بناء الثقة، بإمكان المرء أن يتصور بعض الإجراءات التي يمكن تبنيها لبناء الثقة في مياه الخليج. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يتصور من خلال النوع الأول (تبادل المعلومات وتبني إجراءات للتفاعل والتواصل)، أن تلزم القوات البحرية التي تنشط في مياه الخليج بتبادل الإخطارات بمناوراتها العسكرية البحرية.
ومن خلال النوع الثاني (إجراءات تسهيل التحقق والمراقبة)، يستطيع المرء أن يتصور إمكانية قيام القوات البحرية الخليجية وتلك التي تنشط كثيراً في مياه الخليج بدعوة مراقبين لحضور مناوراتها العسكرية. أخيراً، من خلال النوع الثالث (الإجراءات التقييدية)، يمكن للمرء أن يتصور إمكانية إبرام اتفاقيات لتعديل سلوكيات بعينها لمنع الحوادث البحرية. عدا ذلك، يمكن الدخول إلى عالم الحد الفعلي من التسلح عبر إبرام اتفاقيات تقضي بالحد من نشر أنواع محددة من الأسلحة في مناطق بعينها.
وتقتصر إجراءات بناء الثقة الآنفة الذكر على القوات العسكرية البرية والبحرية، لكن هناك أيضاً مجموعة من إجراءات بناء الثقة التي يمكن تبنيها لتنظيم الخدمات البحرية المدنية وشبه العسكرية. وقد تشتمل هذه الإجراءات على تعزيز التعاون في مجالات عدة، مثل عمليات البحث والإنقاذ وحماية البيئة البحرية.
منعوقوعالحوادثالبحرية
في ما يتعلق بمفهوم تطوير وتطبيق إجراءات لمنع الحوادث البحرية، تكررت الإشارة مؤخراً إلى إجراءات بناء الثقة كأداة تساعد على تحقيق الاستقرار في مياه الخليج. فاتفاقيات منع الحوادث البحرية تمثل مجموعة ناجحة وعريقة من إجراءات بناء الثقة. وجرى التوقيع على أولى هذه الاتفاقيات في عام 1972، بين البحريتين الأمريكية والسوفييتية بعدما أيقن الطرفان أن الحوادث المحتملة بين سفنهما كانت قادرة بالفعل على إثارة نزاعات لا يرغب فيها أي من الطرفين.
وحظرت اتفاقية منع الحوادث البحرية التي أبرمتها البحريتان الأمريكية والسوفييتية على القطع الحربية التابعة لهما القيام بأي أعمال استفزازية عندما ينشط بعضها بالقرب من البعض الآخر. كما تنطوي الاتفاقية على مجموعة خاصة من إجراءات التواصل التي يمكن استخدامها في مثل هذه الحالات لكي تتمكن السفن من التعبير عن نواياها بشكل واضح، رغم حواجز اللغة المحتملة.
أخيراً، نصت الاتفاقية على عقد اجتماع سنوي بين طرفيها لمراجعة الحوادث التي قد تكون قد حدثت خلال السنة السابقة، وبحث سبل تعزيز الأمن البحري. ويُعتبر البند الأخير عموماً أحد أهم بنود هذه الاتفاقية لأنه ساعد الخصمين في النهاية على إطلاق عملية لتطوير علاقاتهما إلى أبعد من حدود القضايا التي شملتها الاتفاقية، وفسح المجال لتطوير المزيد من إجراءات بناء الثقة والتفاهم بينهما في أعالي البحار.
وتحولت الاتفاقية الأولى لمنع الحوادث البحرية إلى نموذج لسلسلة من الاتفاقيات المماثلة التي أُبرمت لاحقاً بين عدد من القوات البحرية التابعة لدول حلف الناتو الأخرى والسوفييت. فقد تبنت معظم اتفاقيات منع الحوادث البحرية النموذج السوفييتي – الأمريكي، مع أن بعض الصيغ التي ظهرت مؤخراً في آسيا عموماً وجنوبها خصوصاً، طورت هذا النموذج بصورة إبداعية ومثيرة للاهتمام.
فالاتفاقية التقليدية لمنع الحوادث البحرية تُعنى حصرياً بالسفن الحربية التي تنشط في أعالي البحار، بينما ترتبط القضايا الرئيسية في المناطق البحرية الأخرى بكل السفن الرسمية (بما فيها سفن صيد الأسماك وزوارق خفر السواحل مثلاً)، التي تعمل في مياه إقليمية متنازع عليها. لذا، اشتملت اتفاقيات منع الحوادث البحرية التي طُورت في آسيا مؤخراً على وسائل سمحت بأخذ هذه المشكلة في الاعتبار، كما عدلت النموذج التقليدي وفقاً للمعايير الثقافية والتاريخية لمختلف المناطق الآسيوية.
ومن المثير للاهتمام أيضاً حقيقة أن الشرق الأوسط أصبحت لديه تجربة غنية في مجال تطوير النموذج التقليدي لاتفاقية منع الحوادث البحرية. فخلال عمل اللجنة الخاصة للحد من التسلح والأمن الإقليمي، وهي إحدى اللجان متعددة الأطراف لعملية السلام في الشرق الأوسط، طور فريق مفاوض ضم مجموعة من كبار مسؤولي الشؤون البحرية في المنطقة اتفاقية إقليمية لمنع الحوادث البحرية.
وتشمل اتفاقية منع الحوادث البحرية التي أنجزتها اللجنة الخاصة للحد من التسلح والأمن الإقليمي المنطقةَ بأسرها، بما فيها الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا. لكن إيران والعراق لم تشاركا في المفاوضات التي أفضت إلى تلك الاتفاقية لأن البلدين لم يُدعيا إليها. ولم توضع الاتفاقية موضع التنفيذ لأن اللجنة الخاصة للحد من التسلح والأمن الإقليمي جُمدت، بسبب الخلافات التي نشبت حول قضايا أخرى. ومع ذلك، لا تزال اتفاقية منع الحوادث البحرية التي أنجزتها تلك اللجنة تُعد مثالاً مثيراً للاهتمام على كيفية تعديل النموذج التقليدي في سياق إقليمي جديد. ولأن القوات البحرية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي شاركت في المفاوضات التي تُوجت بهذه الاتفاقية، أصبح لدى دول المجلس الآن فريق من كبار الضباط الملمين بالقضايا ذات العلاقة. وثمة شائعات مفادها أن بضع قوات بحرية خليجية، على الأقل، التزمت رسمياً وبصورة متبادلة بتطبيق كافة بنود هذه الاتفاقية بهدف تفادي الحوادث البحرية التي تفضل عدم وقوعها.
منالنظريةإلىالتطبيق
إذاً، هناك نماذج لإجراءات بناء الثقة في مياه الخليج، وبعضها عميق بما فيه الكفاية، لكن ما مدى واقعية تصور إمكانية التفاوض حول مثل هذه الإجراءات وتطبيقها في منطقة الخليج خلال المرحلة الراهنة؟ وعلى وجه التحديد، هل من الواقعي أن يتصور المرء حالياً إمكانية تطوير وتطبيق مثل هذه الإجراءات على نحو يشمل البحريتين الأمريكية والإيرانية (بما فيها الوحدات البحرية التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني)؟ إن الوضع السياسي الراهن يوحي بأرجحية عدم حدوث مثل هذا التطور. فالولايات المتحدة وإيران لا ترغبان حالياً في إجراء محادثات مباشرة حول مثل هذه القضايا لأنهما وضعتا سلسلة من الشروط المسبقة الصعبة، التي لا بد من تلبيتها قبل إطلاق المحادثات الرسمية بينهما.
وبالتالي، يبدو من غير الواضح ما إذا كانت البحرية الإيرانية أو الوحدات البحرية التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني مستعدة للمشاركة في أية محادثات ترمي إلى تطوير ترتيب ما لمنع الحوادث البحرية في مياه الخليج العربي. وتشير بعض التكهنات إلى أن قوات الحرس الثوري الإيراني قد تخشى من إبرام مثل هذه الاتفاقية لأن الالتزام بها سيمنعها من استخدام الوسائل الاستفزازية لدعم الأهداف السياسية الإيرانية، لكن مشاركة هذه القوات ستكون حاسمة بالنسبة لنجاح أية محادثات محتملة حول إجراءات بناء الثقة في مياه الخليج. وقد يتغير الوضع السياسي الحالي بتغير المعطيات السياسية في كلا البلدين.
وحتى ذلك الحين، لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن يتمكن الطرفان من إنجاز بعض الترتيبات السرية غير الرسمية لتقليص احتمالات وقوع الحوادث التي لا يريدان وقوعها. علاوة على ذلك، هناك إمكانية إطلاق (مسار بديل) يقوم على أساس عقد محادثات غير رسمية بين خبراء إقليميين في الشؤون البحرية إلى حين التمكن من بدء المحادثات الرسمية. ولضمان جدوى وفاعلية هذه المحادثات غير الرسمية، يمكن لبعض المسؤولين الرسميين أن يشاركوا فيها (بصفتهم الشخصية) كما يمكن لشخصيات أخرى مرموقة ومؤثرة، مثل كبار الضباط المتقاعدين أن يشاركوا فيها.
أما غرض مثل هذه المحادثات، التي يمكن أن تستضيفها إحدى المؤسسات الفكرية البارزة والمحايدة أو إحدى الدول التي تتمتع بعلاقات طيبة مع كلا الطرفين الأمريكي والإيراني، فإنه يتمثل في تطوير الأطر والمفاهيم الأساسية تمهيداً لليوم الذي يصبح فيه من الممكن عقد محادثات رسمية مباشرة. علاوة على ذلك، فإن الانطلاق من مجموعة أوسع من الهواجس البحرية (بما فيها قضايا حماية البيئة البحرية مثلاً) يسمح لهذه المحادثات بتفادي الوقوع في فخ البدء بأكثر القضايا إثارة للجدل لأن إبرام أي اتفاقية ملزمة لا يزال غير وارد.
إن مثل هذا التحرك بداية مهمة إن شاركت فيه الأطراف المعنية كافة، لكنه قد لا يساهم بشكل ملموس في منع الحوادث البحرية في المستقبل القريب. وللأسف، يبدو أن هذه الحقيقة لن تتغير إلا إذا أبدت واشنطن وطهران استعدادهما للدخول في مباحثات مباشرة. وحتى ذلك الحين، يستطيع (المسار البديل) أن يبدأ عملية تطوير العلاقات الإقليمية الراهنة المتعلقة بالقضايا البحرية. وقد تنجح هذه البداية الجديدة المقترَحة في إحياء الآمال بإجراء محادثات غير رسمية معمقة، وحتى رسمية عندما تسمح الظروف الإقليمية السياسية بذلك.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1067::/cck::
::introtext::
تشهد منطقة الخليج توتراً شديداً ونشاطاً عسكرياً واسعاً للغاية معظمه بحري. فبالإضافة إلى القوات البحرية التابعة لدول المنطقة، ينشط في مياه الخليج بصورة روتينية عدد من القوات البحرية غير الخليجية، وبخاصة الأمريكية التي لديها مقر دائم في دول الخليج. وهناك أيضاً حضور مستمر في المنطقة للبحريتين البريطانية والفرنسية ونشاط ملحوظ لقواتٍ بحريةٍ أخرى، مثل الكندية، وذلك بهدف دعم مهمات للأمم المتحدة وتنفيذ مهمات أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
تشهد منطقة الخليج توتراً شديداً ونشاطاً عسكرياً واسعاً للغاية معظمه بحري. فبالإضافة إلى القوات البحرية التابعة لدول المنطقة، ينشط في مياه الخليج بصورة روتينية عدد من القوات البحرية غير الخليجية، وبخاصة الأمريكية التي لديها مقر دائم في دول الخليج. وهناك أيضاً حضور مستمر في المنطقة للبحريتين البريطانية والفرنسية ونشاط ملحوظ لقواتٍ بحريةٍ أخرى، مثل الكندية، وذلك بهدف دعم مهمات للأمم المتحدة وتنفيذ مهمات أخرى.
لكن الخطر لا يكمن فقط في حجم النشاط البحري العسكري أو مجمل النشاط البحري في مياه الخليج، مع أن حجمهما كبير للغاية، وإنما يكمن في حقيقتين متلازمتين هما: أولاً: إن معظم إمدادات العالم الحيوية من النفط الخام تُنقل عبر الممرات المائية الخليجية الضيقة. وثانياً: إن هناك عداءً شديداً بين إحدى دول منطقة الخليج (إيران) ودول أخرى تتمتع بوجود عسكري بحري كبير في المنطقة، بما فيها الولايات المتحدة. إضافةً إلى ذلك، تمثل الملاحة في مياه الخليج العربي مسألةً حيوية بالنسبة لدول المنطقة التي تفتقر إلى أي شبكة مهمة من الطرق البرية أو السكك الحديدية.
إذاً، يمكن تشبيه وضع المنطقة بمزيج سريع الاشتعال. ومع أن بعض التهديدات التي يسمع عنها المرء لا تخلو من المبالغة، إلا أن هناك بالفعل أخطاراً حقيقيةً تهدد أمن واستقرار المنطقة؛ لأن حوادثها البحرية أصبحت بالتأكيد قادرة على إثارة أعمال عدائية. وهذه الحوادث نوعان: المتعمدة (كاستعراض القوة في منطقة جغرافية بعينها أو على خلفية مسألة سياسية محددة)، وغير المتعمدة (كأي اصطدام أو أي حادث عرضي آخر). لكن في كلتا الحالتين، بات من الممكن أن تتصاعد هذه الحوادث بسرعة وبأشكال لا يرغب فيها أي من الأطراف المعنية.
ستراجع هذه الورقة المقتضبة أبرز الحوادث البحرية التي شهدتها منطقة الخليج العربي ثم ستستخدم منظومة نموذجية من مختلف أنواع إجراءات بناء الثقة، لكي تحدد بسرعة بعض إجراءات بناء الثقة التي يمكن تبنيها لتعزيز الأمن في مياه الخليج؛ إن توفرت الإرادة السياسية. أخيراً، سوف تتساءل الورقة عما إذا كانت هذه الإرادة السياسية متوفرة فعلاً وستقترح بعض السبل الممكنة لإيجاد الظروف الملائمة لتطوير وتطبيق إجراءات لبناء الثقة في مياه الخليج.
الحوادثالبحريةالماضية
شهدت منطقة الخليج حوادث بحرية عدة كان بعضها دامياً. ففي عام 1988، أسقطت المدمرة الأمريكية (ڤينسينِـس) بالخطأ طائرة مدنية إيرانية، ما أدى إلى مقتل 290 شخصاً. وأُرجع سبب الحادث إلى اعتقاد المدمرة الأمريكية بأن الطائرة الإيرانية كانت طائرة عسكرية تريد الاعتداء عليها. في النهاية، عوضت الولايات المتحدة الخسائر التي تكبدتها إيران جراء ذلك الحادث.
وبخصوص اعتقاد المدمرة (ڤينسينِس) بأنها كانت تتعرض لتهديد فوري، يبدو أن المدمرة كانت متأثرة بحيثيات استهداف المدمرة الأمريكية (ستارك) في عام 1987، حيث أطلقت إحدى مقاتلات سلاح الجو العراقي صاروخين من طراز (إغزوسِت) على تلك المدمرة (مع أن الولايات المتحدة كانت، آنذاك، تساند العراق في حربها مع إيران). فالمدمرة ستارك لم تتخذ الإجراءات الدفاعية اللازمة بالسرعة الكافية لأنها ظنت أنها كانت غير مهددة، فتكبدت أضراراً مادية جسيمة وخسرت 37 عنصراً من طاقمها.
وفي عام 2007، (أسرت) وحداتٌ بحرية تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني 15 عنصراً من البحرية البريطانية. ومع أن البريطانيين أكدوا أن عملية الأسر جرت في المياه الدولية، أكد الإيرانيون، في المقابل، أنها جرت في مياههم الإقليمية. والأهم من ذلك هو أن هذه الحادثة أثارت توترات دبلوماسية جدية استمرت حتى أفرج الإيرانيون عن الأسرى البريطانيين؛ وجاء ذلك بعد احتجازهم كرهائن لمدة أسبوعين تقريباً. ولو أبدى عناصر البحرية البريطانية أي مقاومة لدى محاولة أسرهم من جانب الإيرانيين، لكان من المرجح أن تتحول الحادثة إلى مواجهة عسكرية جدية.

وفي يناير 2008، ادعت بعض السفن الحربية الأمريكية أنها تعرضت للاستفزاز من قبل مجموعة كبيرة من الزوارق السريعة لقوات خفر السواحل الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي وجهت إليها أيضاً رسائل تهديدية عبر أجهزتها اللاسلكية. ومع أن الغموض لا يزال يلف حقيقة ما حدث بالضبط والطرف المسؤول عن الحادثة، إن كان هناك من طرف مسؤول عنها، إلا أن هذه الحادثة الغريبة شحنت الأجواء وصعدت التوتر بين طهران وواشنطن، وأثبتت أيضاً أن العمليات البحرية الروتينية، قد تثير بصورة مفاجئة حالات من التوتر الشديد والمجابهة الدبلوماسية الجدية.
بناءالثقةفيمياهالخليج
دفعت هذه الحوادث العديد من المراقبين والخبراء إلى إطلاق نداءات دعت إلى النظر في اتخاذ إجراءات لتهدئة الوضع في مياه الخليج. فماذا تعني هذه النداءات؟ وأي أنواع الإجراءات يمكن النظر فيها وكيف ستُطبق؟ إبان الحرب الباردة، سخِر بعض مؤيدي الحد من التسلح في مرحلة بعينها من إجراءات بناء الثقة إلى درجة أنهم وصفوها بأنها (جعجعة عملية الحد من التسلح)، وكانوا يقصدون ضمناً أن مثل هذه الإجراءات كانت في أحسن الأحوال غير مجدية، وفي أسوأ الأحوال ضارة بالعمل (الجدي) الرامي إلى الحد الفعلي من التسلح. أما اليوم، فإن هناك إجماعاً عريضاً على أن وجهة النظر هذه كانت خاطئة.
فبدلاً من التقليل من شأن إجراءات بناء الثقة، تُعتبر هذه الإجراءات حالياً عنصراً أساسياً في أي استراتيجية تهدف إلى تطوير علاقات جديدة بين الخصوم لأنها أثبتت قدرتها على المساهمة في منع النزاعات غير المتعمدة. كما أصبحت عنصراً ضرورياً في أي استراتيجية أوسع ترمي إلى التأسيس لإنجاز اتفاقيات للحد من التسلح أكثر طموحاً أو حتى لإحراز (تحول) جذري في طبيعة العلاقات بين الدول. في منتصف طور جيمس ماسنتوش منظومة نموذجية من مختلف أنواع إجراءات بناء الثقة:
* تبادل المعلومات وتبني إجراءات للتفاعل والتواصل (الإخطار بالمناورات العسكرية وتبادل المعلومات المتعلقة بالنوايا والقوات… إلخ).
* إجراءات تسهيل التحقق والمراقبة (إجراءات التفتيش ومراقبة المناورات العسكرية… إلخ).
* الإجراءات التقييدية (القيود الطوعية التي تُفرض على نشر أسلحة محددة في مناطق بعينها وعلى أنواع محددة من الأنشطة، وكذلك القيود الطوعية التي تُفرض بصورة متبادلة على اكتساب تقنيات محددة… إلخ).
وعبر استخدام هذه المنظومة النموذجية التي تضم مختلف أنواع إجراءات بناء الثقة، بإمكان المرء أن يتصور بعض الإجراءات التي يمكن تبنيها لبناء الثقة في مياه الخليج. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يتصور من خلال النوع الأول (تبادل المعلومات وتبني إجراءات للتفاعل والتواصل)، أن تلزم القوات البحرية التي تنشط في مياه الخليج بتبادل الإخطارات بمناوراتها العسكرية البحرية.
ومن خلال النوع الثاني (إجراءات تسهيل التحقق والمراقبة)، يستطيع المرء أن يتصور إمكانية قيام القوات البحرية الخليجية وتلك التي تنشط كثيراً في مياه الخليج بدعوة مراقبين لحضور مناوراتها العسكرية. أخيراً، من خلال النوع الثالث (الإجراءات التقييدية)، يمكن للمرء أن يتصور إمكانية إبرام اتفاقيات لتعديل سلوكيات بعينها لمنع الحوادث البحرية. عدا ذلك، يمكن الدخول إلى عالم الحد الفعلي من التسلح عبر إبرام اتفاقيات تقضي بالحد من نشر أنواع محددة من الأسلحة في مناطق بعينها.
وتقتصر إجراءات بناء الثقة الآنفة الذكر على القوات العسكرية البرية والبحرية، لكن هناك أيضاً مجموعة من إجراءات بناء الثقة التي يمكن تبنيها لتنظيم الخدمات البحرية المدنية وشبه العسكرية. وقد تشتمل هذه الإجراءات على تعزيز التعاون في مجالات عدة، مثل عمليات البحث والإنقاذ وحماية البيئة البحرية.
منعوقوعالحوادثالبحرية
في ما يتعلق بمفهوم تطوير وتطبيق إجراءات لمنع الحوادث البحرية، تكررت الإشارة مؤخراً إلى إجراءات بناء الثقة كأداة تساعد على تحقيق الاستقرار في مياه الخليج. فاتفاقيات منع الحوادث البحرية تمثل مجموعة ناجحة وعريقة من إجراءات بناء الثقة. وجرى التوقيع على أولى هذه الاتفاقيات في عام 1972، بين البحريتين الأمريكية والسوفييتية بعدما أيقن الطرفان أن الحوادث المحتملة بين سفنهما كانت قادرة بالفعل على إثارة نزاعات لا يرغب فيها أي من الطرفين.
وحظرت اتفاقية منع الحوادث البحرية التي أبرمتها البحريتان الأمريكية والسوفييتية على القطع الحربية التابعة لهما القيام بأي أعمال استفزازية عندما ينشط بعضها بالقرب من البعض الآخر. كما تنطوي الاتفاقية على مجموعة خاصة من إجراءات التواصل التي يمكن استخدامها في مثل هذه الحالات لكي تتمكن السفن من التعبير عن نواياها بشكل واضح، رغم حواجز اللغة المحتملة.
أخيراً، نصت الاتفاقية على عقد اجتماع سنوي بين طرفيها لمراجعة الحوادث التي قد تكون قد حدثت خلال السنة السابقة، وبحث سبل تعزيز الأمن البحري. ويُعتبر البند الأخير عموماً أحد أهم بنود هذه الاتفاقية لأنه ساعد الخصمين في النهاية على إطلاق عملية لتطوير علاقاتهما إلى أبعد من حدود القضايا التي شملتها الاتفاقية، وفسح المجال لتطوير المزيد من إجراءات بناء الثقة والتفاهم بينهما في أعالي البحار.
وتحولت الاتفاقية الأولى لمنع الحوادث البحرية إلى نموذج لسلسلة من الاتفاقيات المماثلة التي أُبرمت لاحقاً بين عدد من القوات البحرية التابعة لدول حلف الناتو الأخرى والسوفييت. فقد تبنت معظم اتفاقيات منع الحوادث البحرية النموذج السوفييتي – الأمريكي، مع أن بعض الصيغ التي ظهرت مؤخراً في آسيا عموماً وجنوبها خصوصاً، طورت هذا النموذج بصورة إبداعية ومثيرة للاهتمام.
فالاتفاقية التقليدية لمنع الحوادث البحرية تُعنى حصرياً بالسفن الحربية التي تنشط في أعالي البحار، بينما ترتبط القضايا الرئيسية في المناطق البحرية الأخرى بكل السفن الرسمية (بما فيها سفن صيد الأسماك وزوارق خفر السواحل مثلاً)، التي تعمل في مياه إقليمية متنازع عليها. لذا، اشتملت اتفاقيات منع الحوادث البحرية التي طُورت في آسيا مؤخراً على وسائل سمحت بأخذ هذه المشكلة في الاعتبار، كما عدلت النموذج التقليدي وفقاً للمعايير الثقافية والتاريخية لمختلف المناطق الآسيوية.
ومن المثير للاهتمام أيضاً حقيقة أن الشرق الأوسط أصبحت لديه تجربة غنية في مجال تطوير النموذج التقليدي لاتفاقية منع الحوادث البحرية. فخلال عمل اللجنة الخاصة للحد من التسلح والأمن الإقليمي، وهي إحدى اللجان متعددة الأطراف لعملية السلام في الشرق الأوسط، طور فريق مفاوض ضم مجموعة من كبار مسؤولي الشؤون البحرية في المنطقة اتفاقية إقليمية لمنع الحوادث البحرية.
وتشمل اتفاقية منع الحوادث البحرية التي أنجزتها اللجنة الخاصة للحد من التسلح والأمن الإقليمي المنطقةَ بأسرها، بما فيها الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا. لكن إيران والعراق لم تشاركا في المفاوضات التي أفضت إلى تلك الاتفاقية لأن البلدين لم يُدعيا إليها. ولم توضع الاتفاقية موضع التنفيذ لأن اللجنة الخاصة للحد من التسلح والأمن الإقليمي جُمدت، بسبب الخلافات التي نشبت حول قضايا أخرى. ومع ذلك، لا تزال اتفاقية منع الحوادث البحرية التي أنجزتها تلك اللجنة تُعد مثالاً مثيراً للاهتمام على كيفية تعديل النموذج التقليدي في سياق إقليمي جديد. ولأن القوات البحرية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي شاركت في المفاوضات التي تُوجت بهذه الاتفاقية، أصبح لدى دول المجلس الآن فريق من كبار الضباط الملمين بالقضايا ذات العلاقة. وثمة شائعات مفادها أن بضع قوات بحرية خليجية، على الأقل، التزمت رسمياً وبصورة متبادلة بتطبيق كافة بنود هذه الاتفاقية بهدف تفادي الحوادث البحرية التي تفضل عدم وقوعها.
منالنظريةإلىالتطبيق
إذاً، هناك نماذج لإجراءات بناء الثقة في مياه الخليج، وبعضها عميق بما فيه الكفاية، لكن ما مدى واقعية تصور إمكانية التفاوض حول مثل هذه الإجراءات وتطبيقها في منطقة الخليج خلال المرحلة الراهنة؟ وعلى وجه التحديد، هل من الواقعي أن يتصور المرء حالياً إمكانية تطوير وتطبيق مثل هذه الإجراءات على نحو يشمل البحريتين الأمريكية والإيرانية (بما فيها الوحدات البحرية التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني)؟ إن الوضع السياسي الراهن يوحي بأرجحية عدم حدوث مثل هذا التطور. فالولايات المتحدة وإيران لا ترغبان حالياً في إجراء محادثات مباشرة حول مثل هذه القضايا لأنهما وضعتا سلسلة من الشروط المسبقة الصعبة، التي لا بد من تلبيتها قبل إطلاق المحادثات الرسمية بينهما.
وبالتالي، يبدو من غير الواضح ما إذا كانت البحرية الإيرانية أو الوحدات البحرية التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني مستعدة للمشاركة في أية محادثات ترمي إلى تطوير ترتيب ما لمنع الحوادث البحرية في مياه الخليج العربي. وتشير بعض التكهنات إلى أن قوات الحرس الثوري الإيراني قد تخشى من إبرام مثل هذه الاتفاقية لأن الالتزام بها سيمنعها من استخدام الوسائل الاستفزازية لدعم الأهداف السياسية الإيرانية، لكن مشاركة هذه القوات ستكون حاسمة بالنسبة لنجاح أية محادثات محتملة حول إجراءات بناء الثقة في مياه الخليج. وقد يتغير الوضع السياسي الحالي بتغير المعطيات السياسية في كلا البلدين.
وحتى ذلك الحين، لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن يتمكن الطرفان من إنجاز بعض الترتيبات السرية غير الرسمية لتقليص احتمالات وقوع الحوادث التي لا يريدان وقوعها. علاوة على ذلك، هناك إمكانية إطلاق (مسار بديل) يقوم على أساس عقد محادثات غير رسمية بين خبراء إقليميين في الشؤون البحرية إلى حين التمكن من بدء المحادثات الرسمية. ولضمان جدوى وفاعلية هذه المحادثات غير الرسمية، يمكن لبعض المسؤولين الرسميين أن يشاركوا فيها (بصفتهم الشخصية) كما يمكن لشخصيات أخرى مرموقة ومؤثرة، مثل كبار الضباط المتقاعدين أن يشاركوا فيها.
أما غرض مثل هذه المحادثات، التي يمكن أن تستضيفها إحدى المؤسسات الفكرية البارزة والمحايدة أو إحدى الدول التي تتمتع بعلاقات طيبة مع كلا الطرفين الأمريكي والإيراني، فإنه يتمثل في تطوير الأطر والمفاهيم الأساسية تمهيداً لليوم الذي يصبح فيه من الممكن عقد محادثات رسمية مباشرة. علاوة على ذلك، فإن الانطلاق من مجموعة أوسع من الهواجس البحرية (بما فيها قضايا حماية البيئة البحرية مثلاً) يسمح لهذه المحادثات بتفادي الوقوع في فخ البدء بأكثر القضايا إثارة للجدل لأن إبرام أي اتفاقية ملزمة لا يزال غير وارد.
إن مثل هذا التحرك بداية مهمة إن شاركت فيه الأطراف المعنية كافة، لكنه قد لا يساهم بشكل ملموس في منع الحوادث البحرية في المستقبل القريب. وللأسف، يبدو أن هذه الحقيقة لن تتغير إلا إذا أبدت واشنطن وطهران استعدادهما للدخول في مباحثات مباشرة. وحتى ذلك الحين، يستطيع (المسار البديل) أن يبدأ عملية تطوير العلاقات الإقليمية الراهنة المتعلقة بالقضايا البحرية. وقد تنجح هذه البداية الجديدة المقترَحة في إحياء الآمال بإجراء محادثات غير رسمية معمقة، وحتى رسمية عندما تسمح الظروف الإقليمية السياسية بذلك.
::/fulltext::
::cck::1067::/cck::
