سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق: التركة الثقيلة للاقتصاد وإمكانات النهوض
::cck::1066::/cck::
::introtext::
مرت سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق صعبة على المواطن العراقي الذي تحمل مجمل تعقيدات هذا الملف الشائك على كافة المستويات والصعد وعلى الأخص منها ما ارتبط بواقعه الاقتصادي والمعاشي، حيث لاحظنا كيف شهد هذا الاقتصاد حالة من التراجع الخطير بحسب ما زودتنا به كثير من الأرقام والمعطيات الرسمية لعدد من المؤسسات العراقية والدولية.
::/introtext::
::fulltext::
مرت سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق صعبة على المواطن العراقي الذي تحمل مجمل تعقيدات هذا الملف الشائك على كافة المستويات والصعد وعلى الأخص منها ما ارتبط بواقعه الاقتصادي والمعاشي، حيث لاحظنا كيف شهد هذا الاقتصاد حالة من التراجع الخطير بحسب ما زودتنا به كثير من الأرقام والمعطيات الرسمية لعدد من المؤسسات العراقية والدولية.
وضعت تلك الهيئات الرسمية وشبه الرسمية بعض المعايير والمواصفات التي يتطبع بها هذا الاقتصاد بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الاحتلال، حيث أصبحت البطالة والهجرة والتضخم والأزمات الاقتصادية في مجالات الإنتاج والتوزيع والخدمات من أهم وأبرز الصفات الملازمة للاقتصاد العراقي الذي يعتمد كلياً على القطاع النفطي (يشكل حوالي 95 في المائة من إجمالي دخل العراق).
ومن المعروف أن الاقتصاد العراقي كان حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي من أهم الاقتصادات القوية والمتينة والمهمة في المنطقة، وتسجل الأرقام المدونة في الكثير من المراجع المتعلقة بتلك المرحلة، أن خزينة الدولة العراقية كانت تملك احتياطياً وفائضاً نقدياً لامس عتبة الـ50 مليار دولار في ذلك الوقت (حوالي عام 1979م)..
وبالعودة تاريخياً إلى الوراء، نجد ضرورة منهجية في تثبيت وتحديد بعض النقاط والمفاصل التاريخية المهمة ذات الصلة بموضوعنا:
النقطة الأولى: بداية انتهاء حرب الخليج الأولى في نهاية الثمانينات (التي وقعت بين إيران والعراق وأدت إلى تحطيم معظم مكونات وهياكل البنى الاقتصادية للبلدين آنذاك)، يمكننا ملاحظة أن الاقتصاد العراقي (كاقتصاد حرب) اعتمد كلياً على مبيعات مواده الأولية التي اشتهر بها، وكانت الفواتير العسكرية والحربية تسدد من بيع النفط الخام بالتحديد، الأمر الذي ساهم –مع امتداد الحرب زمنياً- في ضرب مختلف مفاصل هذا الاقتصاد على مستوى الديون الهائلة التي ترتبت عليه لعدد كبير من الدول العربية والأجنبية (نفقات وديون وخدمات ديون فواتير السلاح الهائلة)، وبالتالي لم يتمكن هذا الاقتصاد من الخروج من الإرث الثقيل والنفق المظلم الذي أدخلته به هذه الحرب التي جعلته اقتصاداً مديناً هرماً مثقلاً بالجراح، وكان من الطبيعي –نتيجة لذلك- أن يدفع المواطن العراقي وحده دون غيره من مسؤولي وحواشي النظام الضريبة والتكاليف الباهظة ثمناً لذلك.
النقطة الثانية: حرب الخليج الثانية وما تبعها من حصار اقتصادي شديد ومكلف:
وحالما انتهت حرب الخليج الأولى بهزيمة ثقيلة وآثار شبه كارثية على كل من العراق وإيران، وانحسار الدور السياسي والاقتصادي لكلا البلدين على مستوى المنطقة ككل، دخل النظام العراقي (أو تم توريطه) مجدداً في مغامرة سياسية وعسكرية جديدة لم يحسب لعواقبها الوخيمة ونتائجها الكارثية عليه وعلى المنطقة العربية والإقليم المجاور أي حساب على الرغم من النصائح والتمنيات العربية وغير العربية التي تلقاها وانهالت عليه من هنا وهناك. ويبدو أنه لو كانت بنية وطبيعة النظم العربية على غير ما هي عليه من ضعف وترهل وتبعية وانقسام وتفكك وانشطار سياسي واجتماعي مفجع، أي لو كانت ذات مراكز قوى فاعلة ومؤثرة في المعادلة المحلية والدولية لكان بالإمكان تدارك وتفادي حدوث كارثة حرب الخليج الثانية التي نتجت أساساً عن احتلال دولة عربية لدولة عربية مجاورة لها ذات سيادة وعضو في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وغيرهما من المنظمات والهيئات العربية والعالمية.
المهم –وبعيداً عن الاستطراد السياسي- فقد أنهك الاقتصاد العراقي وتضاعفت متاعبه ومعاناته، وبخاصة ما حمله من التعقيدات والهموم والأثقال الناجمة عن مرحلة ما بعد الحرب، وبداية فترة الضغوط الدولية والحصارات الاقتصادية (بعد صدور قرارات مجلس الأمن القاضية ببيع النفط مقابل الغذاء تحت إشراف دولي) والتي كرست واقعاً وفتحت المجال واسعاً لحالة شبه الخنوع والاستسلام الكامل للنظام العراقي تحت وطأة الهزيمة العسكرية والانكماش السياسي والاقتصادي والعودة المأساوية الذليلة لما تبقى من جيش وعتاد عراقي غير مدمر إلى أرض الوطن.
وهكذا استمر الاقتصاد العراقي متنقلاً من حالة ضعف إلى حالة ضعف أخرى حتى بداية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث لم نلحظ أي تغير على طبيعة الاقتصاد العراقي، إلى أن قررت سلطة الاحتلال والائتلاف في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر اتخاذ مجموعة من القرارات لخصخصة الاقتصاد العراقي وخاصة في مجال قطاع النفط.
طبعاً لا شك في أن الاقتصاد العراقي شهد بعض الانتعاشات على مستوى تحريك السوق لمرحلة ما بعد الاحتلال وبدء ورش وأعمال البناء وما يتعلق بالبنى التحتية العراقية، لكن بالإجمال العام بقي هذا الاقتصاد مترنحاً، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة بين العراقيين قبل الاحتلال الأمريكي كانت في حدود 30 في المائة، أما اليوم فتقدر حسب الإحصائيات من 60 إلى 70 في المائة، فيما بقي دخل الفرد منخفضاً (على الرغم من الزيادات الكبيرة التي طرأت عليه من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة) بسبب موجات تضخم أسعار عموم السلع والخدمات بشكل غير مسبوق.
والواضح حتى الآن أن كل المحاولات التي قامت بها تلك الحكومات العراقية المتعاقبة لمرحلة ما بعد نهاية الحرب على صعيد النهوض باقتصاد العراق والعمل على بدء تنمية اقتصادية واسعة وشاملة ومدروسة ومفيدة في البلد الذي يرقد على أكبر احتياطي من النفط في العالم، باءت بالفشل الذريع، ويبدو أن الهم السياسي السلطوي لا يزال يشكل الهم والهاجس الأكبر لدى مسؤولي ونخب العراق الجديد، والدليل على ذلك أنه وبعد مضي أكثر من سبعة أشهر على انتهاء الانتخابات العراقية الأخيرة لم تتشكل بعد حكومة عراقية يمكن أن تنطلق لتبدأ ورشة إصلاح اقتصادي حقيقي لمرحلة ما بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق التي أعلنت منذ فترة. فكيف يمكن البدء بالعمل والإصلاح والحكومة – صاحبة القرار التنفيذي- غير قائمة وغير موجودة؟ وهل تجتمع نية الإصلاح مع إصرار قادة العراق على الارتهان للخارج وطغيان التفكير الأناني السياسي وحالة النرجسية وعبودية الذات المهيمنة على كثير من طواقم وكوادر ونخب العمل السياسي العراقي الجديد؟
ويضاف إلى همّ الخلافات السياسية المتفاقمة بين نخب العراق الجديد، واستمرار التوتر الأمني في مختلف أنحاء العراق الذي يدفع المواطن العراق الفقير ثمنه الباهظ من روحه وعرقه ودمه، همّ آخر هو استشراء الفساد بشكل حاد (أفقياً وعمودياً) في مرحلة العراق الجديد (وليس الحديث!) أكثر مما كان عليه الحال والوضع المزري أيام صدام حسين. وهذا الأمر دفع بالمواطن العراقي – على اختلاف دينه وطائفته وانتمائه الأيديولوجي- إلى السخرية والتهكم على الواقع العراقي الجديد، ولسان حاله يقول، إن قادة العراق الجديد لا يختلفون كثيراً عن قادته السابقين إلا بالشكل، أما المضمون فالكل في الخراب شرق، والفساد والإفساد هما السمة المتلازمة والمشتركة بين الوضعين. لا بل إن بعض قادة العراق الجديد ربما يبزون حكامهم السابقين بزاً في حجم العمولات والأرقام الفلكية لأموال وملفات الفساد التي تورط قسم كبير منهم فيها من هنا وهناك.
وبالتالي يمكن القول هنا إن عراق اليوم لا يختلف كثيراً –في المضمون والجوهر- عن عراق الأمس كما ذكرنا، فالديون الكبيرة المترتبة عليه (مع خدمة الديون) للعرب ولغير العرب هائلة، ولا تزال تطبق على اقتصاده، والمرافق الأساسية المطلوب العمل عليها (خاصة على مستوى تأمين بنى تحتية خدماتية للمواطن العراقي من صرف صحي وهاتف وماء عذب ومحاضر سكنية ومشافي وجامعات ومنشآت اقتصادية وتعليمية وو..إلخ) تحتاج إلى زمن طويل وإلى عشرات المليارات من الدولارات لإصلاحها أو إقامة بدائل عنها (في بعض المواقع والأمكنة).
كما لا يزال قطاع النفط يثير بين الآونة والأخرى الكثير من الجدل والصخب السياسي بين حكام وفرقاء العراق الجديد حول قانونه وعائداته وعقوده مع الشركات الأجنبية، وحتى حول عائدية بعض المواقع الجغرافية التي يتركز فيها النفط مثل كركوك.
ولعل المأساة الأكبر على هذا الصعيد هي أن معظم موارد الشعب العراقي الاقتصادية تأتي من مداخيل تصدير النفط وبنسبة مئوية تقارب الـ 95 في المائة من الميزانية، مضافاً إليها أنه لم يحدث أي تطور أو نمو في كل القطاعات الاقتصادية الأخرى زراعية كانت أم صناعية أم خدماتية؟
هذه كانت جولة ولمحة سريعة عن حالة العراق الاقتصادية في ظل الاحتلال وفي المرحلة التي استلمت بعض نخب العراق الجديد الحكم والمسؤوليات السياسية في قيادة عراق ما بعد الاحتلال.
وفي نهاية هذه الورقة نؤكد أن شرارة البدء لتأسيس حياة اقتصادية صحيحة وسليمة في العراق تبدأ من خلال العمل على بناء حياة سياسية ديمقراطية صحيحة بعيداً عن الطائفية والعشائرية والمذهبية وكافة حالات التقوقع والانغلاق الديني والأيديولوجي لأي دين أو مذهب أو انتماء فكري كان. فالعراق يكفيه ما عاشه وما عاناه تحت ظل حكم دكتاتورية نظامه السابق من مظالم وويلات الحروب الداخلية والخارجية التي ورطه بها، وجعله يدفع تكاليف وأثماناً باهظة من ماله وموارده وثرواته ومستقبل أجياله. ويبدو أن الوضع الجديد لم يعط للفرد العراقي حتى الآن أي آمال جدية بأن مستقبله قد يكون مختلفاً عما كان أو مضموناً ليعيش كباقي الخلق تحت ظل نظام ديمقراطي تعددي حقيقي تؤسس فيه دولة مؤسساتية قانونية، خاصة في ظل تفاقم الصراعات الحزبية والسياسية والطائفية بين أبناء البلد الواحد. بين الأخوة الأعداء.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1066::/cck::
::introtext::
مرت سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق صعبة على المواطن العراقي الذي تحمل مجمل تعقيدات هذا الملف الشائك على كافة المستويات والصعد وعلى الأخص منها ما ارتبط بواقعه الاقتصادي والمعاشي، حيث لاحظنا كيف شهد هذا الاقتصاد حالة من التراجع الخطير بحسب ما زودتنا به كثير من الأرقام والمعطيات الرسمية لعدد من المؤسسات العراقية والدولية.
::/introtext::
::fulltext::
مرت سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق صعبة على المواطن العراقي الذي تحمل مجمل تعقيدات هذا الملف الشائك على كافة المستويات والصعد وعلى الأخص منها ما ارتبط بواقعه الاقتصادي والمعاشي، حيث لاحظنا كيف شهد هذا الاقتصاد حالة من التراجع الخطير بحسب ما زودتنا به كثير من الأرقام والمعطيات الرسمية لعدد من المؤسسات العراقية والدولية.
وضعت تلك الهيئات الرسمية وشبه الرسمية بعض المعايير والمواصفات التي يتطبع بها هذا الاقتصاد بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الاحتلال، حيث أصبحت البطالة والهجرة والتضخم والأزمات الاقتصادية في مجالات الإنتاج والتوزيع والخدمات من أهم وأبرز الصفات الملازمة للاقتصاد العراقي الذي يعتمد كلياً على القطاع النفطي (يشكل حوالي 95 في المائة من إجمالي دخل العراق).
ومن المعروف أن الاقتصاد العراقي كان حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي من أهم الاقتصادات القوية والمتينة والمهمة في المنطقة، وتسجل الأرقام المدونة في الكثير من المراجع المتعلقة بتلك المرحلة، أن خزينة الدولة العراقية كانت تملك احتياطياً وفائضاً نقدياً لامس عتبة الـ50 مليار دولار في ذلك الوقت (حوالي عام 1979م)..
وبالعودة تاريخياً إلى الوراء، نجد ضرورة منهجية في تثبيت وتحديد بعض النقاط والمفاصل التاريخية المهمة ذات الصلة بموضوعنا:
النقطة الأولى: بداية انتهاء حرب الخليج الأولى في نهاية الثمانينات (التي وقعت بين إيران والعراق وأدت إلى تحطيم معظم مكونات وهياكل البنى الاقتصادية للبلدين آنذاك)، يمكننا ملاحظة أن الاقتصاد العراقي (كاقتصاد حرب) اعتمد كلياً على مبيعات مواده الأولية التي اشتهر بها، وكانت الفواتير العسكرية والحربية تسدد من بيع النفط الخام بالتحديد، الأمر الذي ساهم –مع امتداد الحرب زمنياً- في ضرب مختلف مفاصل هذا الاقتصاد على مستوى الديون الهائلة التي ترتبت عليه لعدد كبير من الدول العربية والأجنبية (نفقات وديون وخدمات ديون فواتير السلاح الهائلة)، وبالتالي لم يتمكن هذا الاقتصاد من الخروج من الإرث الثقيل والنفق المظلم الذي أدخلته به هذه الحرب التي جعلته اقتصاداً مديناً هرماً مثقلاً بالجراح، وكان من الطبيعي –نتيجة لذلك- أن يدفع المواطن العراقي وحده دون غيره من مسؤولي وحواشي النظام الضريبة والتكاليف الباهظة ثمناً لذلك.
النقطة الثانية: حرب الخليج الثانية وما تبعها من حصار اقتصادي شديد ومكلف:
وحالما انتهت حرب الخليج الأولى بهزيمة ثقيلة وآثار شبه كارثية على كل من العراق وإيران، وانحسار الدور السياسي والاقتصادي لكلا البلدين على مستوى المنطقة ككل، دخل النظام العراقي (أو تم توريطه) مجدداً في مغامرة سياسية وعسكرية جديدة لم يحسب لعواقبها الوخيمة ونتائجها الكارثية عليه وعلى المنطقة العربية والإقليم المجاور أي حساب على الرغم من النصائح والتمنيات العربية وغير العربية التي تلقاها وانهالت عليه من هنا وهناك. ويبدو أنه لو كانت بنية وطبيعة النظم العربية على غير ما هي عليه من ضعف وترهل وتبعية وانقسام وتفكك وانشطار سياسي واجتماعي مفجع، أي لو كانت ذات مراكز قوى فاعلة ومؤثرة في المعادلة المحلية والدولية لكان بالإمكان تدارك وتفادي حدوث كارثة حرب الخليج الثانية التي نتجت أساساً عن احتلال دولة عربية لدولة عربية مجاورة لها ذات سيادة وعضو في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وغيرهما من المنظمات والهيئات العربية والعالمية.
المهم –وبعيداً عن الاستطراد السياسي- فقد أنهك الاقتصاد العراقي وتضاعفت متاعبه ومعاناته، وبخاصة ما حمله من التعقيدات والهموم والأثقال الناجمة عن مرحلة ما بعد الحرب، وبداية فترة الضغوط الدولية والحصارات الاقتصادية (بعد صدور قرارات مجلس الأمن القاضية ببيع النفط مقابل الغذاء تحت إشراف دولي) والتي كرست واقعاً وفتحت المجال واسعاً لحالة شبه الخنوع والاستسلام الكامل للنظام العراقي تحت وطأة الهزيمة العسكرية والانكماش السياسي والاقتصادي والعودة المأساوية الذليلة لما تبقى من جيش وعتاد عراقي غير مدمر إلى أرض الوطن.
وهكذا استمر الاقتصاد العراقي متنقلاً من حالة ضعف إلى حالة ضعف أخرى حتى بداية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث لم نلحظ أي تغير على طبيعة الاقتصاد العراقي، إلى أن قررت سلطة الاحتلال والائتلاف في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر اتخاذ مجموعة من القرارات لخصخصة الاقتصاد العراقي وخاصة في مجال قطاع النفط.
طبعاً لا شك في أن الاقتصاد العراقي شهد بعض الانتعاشات على مستوى تحريك السوق لمرحلة ما بعد الاحتلال وبدء ورش وأعمال البناء وما يتعلق بالبنى التحتية العراقية، لكن بالإجمال العام بقي هذا الاقتصاد مترنحاً، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة بين العراقيين قبل الاحتلال الأمريكي كانت في حدود 30 في المائة، أما اليوم فتقدر حسب الإحصائيات من 60 إلى 70 في المائة، فيما بقي دخل الفرد منخفضاً (على الرغم من الزيادات الكبيرة التي طرأت عليه من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة) بسبب موجات تضخم أسعار عموم السلع والخدمات بشكل غير مسبوق.
والواضح حتى الآن أن كل المحاولات التي قامت بها تلك الحكومات العراقية المتعاقبة لمرحلة ما بعد نهاية الحرب على صعيد النهوض باقتصاد العراق والعمل على بدء تنمية اقتصادية واسعة وشاملة ومدروسة ومفيدة في البلد الذي يرقد على أكبر احتياطي من النفط في العالم، باءت بالفشل الذريع، ويبدو أن الهم السياسي السلطوي لا يزال يشكل الهم والهاجس الأكبر لدى مسؤولي ونخب العراق الجديد، والدليل على ذلك أنه وبعد مضي أكثر من سبعة أشهر على انتهاء الانتخابات العراقية الأخيرة لم تتشكل بعد حكومة عراقية يمكن أن تنطلق لتبدأ ورشة إصلاح اقتصادي حقيقي لمرحلة ما بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق التي أعلنت منذ فترة. فكيف يمكن البدء بالعمل والإصلاح والحكومة – صاحبة القرار التنفيذي- غير قائمة وغير موجودة؟ وهل تجتمع نية الإصلاح مع إصرار قادة العراق على الارتهان للخارج وطغيان التفكير الأناني السياسي وحالة النرجسية وعبودية الذات المهيمنة على كثير من طواقم وكوادر ونخب العمل السياسي العراقي الجديد؟
ويضاف إلى همّ الخلافات السياسية المتفاقمة بين نخب العراق الجديد، واستمرار التوتر الأمني في مختلف أنحاء العراق الذي يدفع المواطن العراق الفقير ثمنه الباهظ من روحه وعرقه ودمه، همّ آخر هو استشراء الفساد بشكل حاد (أفقياً وعمودياً) في مرحلة العراق الجديد (وليس الحديث!) أكثر مما كان عليه الحال والوضع المزري أيام صدام حسين. وهذا الأمر دفع بالمواطن العراقي – على اختلاف دينه وطائفته وانتمائه الأيديولوجي- إلى السخرية والتهكم على الواقع العراقي الجديد، ولسان حاله يقول، إن قادة العراق الجديد لا يختلفون كثيراً عن قادته السابقين إلا بالشكل، أما المضمون فالكل في الخراب شرق، والفساد والإفساد هما السمة المتلازمة والمشتركة بين الوضعين. لا بل إن بعض قادة العراق الجديد ربما يبزون حكامهم السابقين بزاً في حجم العمولات والأرقام الفلكية لأموال وملفات الفساد التي تورط قسم كبير منهم فيها من هنا وهناك.
وبالتالي يمكن القول هنا إن عراق اليوم لا يختلف كثيراً –في المضمون والجوهر- عن عراق الأمس كما ذكرنا، فالديون الكبيرة المترتبة عليه (مع خدمة الديون) للعرب ولغير العرب هائلة، ولا تزال تطبق على اقتصاده، والمرافق الأساسية المطلوب العمل عليها (خاصة على مستوى تأمين بنى تحتية خدماتية للمواطن العراقي من صرف صحي وهاتف وماء عذب ومحاضر سكنية ومشافي وجامعات ومنشآت اقتصادية وتعليمية وو..إلخ) تحتاج إلى زمن طويل وإلى عشرات المليارات من الدولارات لإصلاحها أو إقامة بدائل عنها (في بعض المواقع والأمكنة).
كما لا يزال قطاع النفط يثير بين الآونة والأخرى الكثير من الجدل والصخب السياسي بين حكام وفرقاء العراق الجديد حول قانونه وعائداته وعقوده مع الشركات الأجنبية، وحتى حول عائدية بعض المواقع الجغرافية التي يتركز فيها النفط مثل كركوك.
ولعل المأساة الأكبر على هذا الصعيد هي أن معظم موارد الشعب العراقي الاقتصادية تأتي من مداخيل تصدير النفط وبنسبة مئوية تقارب الـ 95 في المائة من الميزانية، مضافاً إليها أنه لم يحدث أي تطور أو نمو في كل القطاعات الاقتصادية الأخرى زراعية كانت أم صناعية أم خدماتية؟
هذه كانت جولة ولمحة سريعة عن حالة العراق الاقتصادية في ظل الاحتلال وفي المرحلة التي استلمت بعض نخب العراق الجديد الحكم والمسؤوليات السياسية في قيادة عراق ما بعد الاحتلال.
وفي نهاية هذه الورقة نؤكد أن شرارة البدء لتأسيس حياة اقتصادية صحيحة وسليمة في العراق تبدأ من خلال العمل على بناء حياة سياسية ديمقراطية صحيحة بعيداً عن الطائفية والعشائرية والمذهبية وكافة حالات التقوقع والانغلاق الديني والأيديولوجي لأي دين أو مذهب أو انتماء فكري كان. فالعراق يكفيه ما عاشه وما عاناه تحت ظل حكم دكتاتورية نظامه السابق من مظالم وويلات الحروب الداخلية والخارجية التي ورطه بها، وجعله يدفع تكاليف وأثماناً باهظة من ماله وموارده وثرواته ومستقبل أجياله. ويبدو أن الوضع الجديد لم يعط للفرد العراقي حتى الآن أي آمال جدية بأن مستقبله قد يكون مختلفاً عما كان أو مضموناً ليعيش كباقي الخلق تحت ظل نظام ديمقراطي تعددي حقيقي تؤسس فيه دولة مؤسساتية قانونية، خاصة في ظل تفاقم الصراعات الحزبية والسياسية والطائفية بين أبناء البلد الواحد. بين الأخوة الأعداء.
::/fulltext::
::cck::1066::/cck::
