الاستلاب الرمزي للمرأة في الخليج العربي
::cck::772::/cck::
::introtext::
تعيش المرأة الخليجية – وحالها لا يختلف كثيراً عن حال المرأة العربية – حالة اغتراب وجودي يتسم بطابع العمق والشمول، ويأخذ هذا الاغتراب أنماطاً استلابية متعددة في مختلف تجلياته الاجتماعية، ويرتسم في صورة إكراهات رمزية تتصف بطابع الديمومة والاستمرار. فعلى الرغم من التقدم الكبير في تعليم المرأة ووصولها إلى مواقع متقدمة في العمل وإدارة المجتمع، فإن ذلك لا يعبر في جوهره عن تحرر حقيقي لأن المرأة الخليجية ما زالت سجينة منظومات مغلقة من القيم والعقليات والذهنيات والعادات والتقاليد والفتاوى والممارسات التي تضعها في أقفاص القهر والعبودية.
::/introtext::
::fulltext::
تعيش المرأة الخليجية – وحالها لا يختلف كثيراً عن حال المرأة العربية – حالة اغتراب وجودي يتسم بطابع العمق والشمول، ويأخذ هذا الاغتراب أنماطاً استلابية متعددة في مختلف تجلياته الاجتماعية، ويرتسم في صورة إكراهات رمزية تتصف بطابع الديمومة والاستمرار. فعلى الرغم من التقدم الكبير في تعليم المرأة ووصولها إلى مواقع متقدمة في العمل وإدارة المجتمع، فإن ذلك لا يعبر في جوهره عن تحرر حقيقي لأن المرأة الخليجية ما زالت سجينة منظومات مغلقة من القيم والعقليات والذهنيات والعادات والتقاليد والفتاوى والممارسات التي تضعها في أقفاص القهر والعبودية.
إن وصول طليعة من النساء إلى قبة البرلمان وحقائب وزارية ومقاعد الجامعة لا يعني أن المرأة حققت تقدمها الإنساني، وأنها أصبحت على قدم المساواة مع الرجل. فالتحليل السوسيولوجي لأوضاع المرأة يؤكد وبصورة مستمرة استمرار العقليات القديمة في التعامل الاستلابي مع المرأة.
في دائرة هذا التحليل نستطيع أن نقول إن تعليم المرأة – وهو أفضل ما حققته المرأة في الخليج – يشكل أحد مداخل قهرها الجديد، فالتعليم الذي يطلب للمرأة اليوم لم يكن يوماً مؤشراً حقيقياً إلى تحررها أو رغبة في ذلك، فتعليم المرأة ما زال في نظر المجتمع صورة تجميلية للمرأة، وهو لا يعدو أن يكون أكثر من حليّة توضع على صدر المرأة ليزيد من قيمتها في سوق الزواج والعمل، ولا يعدو أن يجعلها أكثر من زوجة طيّعة يسهل استغلالها مادياً من قبل ذويها وزوجها في أغلب الحالات التي نشاهدها على امتداد الساحة الاجتماعية في الخليج العربي.
وبعبارة أخرى يأخذ تعليم المرأة من حيث الشكل طابعاً تحررياً، لكنه من حيث المضمون والشكل يأخذ طابع استغلال جديد لعمل المرأة وطاقاتها بوصفها قوة منتجة توضع تحت سيطرة أسيادها الجدد في عصر العولمة و(الميديا).
وإذا كان كثير من الباحثين يراهن على تحرر المرأة من خلال التعليم، فيجب علينا أن ندرك أن التعليم الذي تتلقاه المرأة والرجل في آن واحد تعليم لا يحرر المرأة ذهنياً أو عقلياً، حيث تميل المناهج التربوية في مضامينها إلى تكريس الوضعية الدونية للمرأة بوصفها تابعة للرجل وخاضعة له في الآن الواحد. وهذا الأمر ينسحب على عملها، حيث تستغل طاقتها الإنتاجية لتصب في جيوب الزوج والأب والأخوة.
وتأسيساً على وقائع الحياة ومعالمها يتضح بالتحليل السوسيولوجي أن عمل المرأة وتعليمها لم يساهما في تحريرها أو تقدمها أو تغير عقليتها أو استقلالها، بل زاداها انخراطاً بمجتمع أبوي ذكوري يقوم على استغلال المرأة واستعبادها أختاً وأماً وزوجة وعمة وخالة.
من يستطيع أن يقول لنا اليوم إن عقلية الرجال قد تغيرت جوهرياً نحو المرأة؟ ومن يستطيع القول أيضاً إن القيم المتصلة بالمرأة قد تغيرت أيضاً؟ فالمرأة لا تزال ناقصة عقل ودين في تصوراتنا السائدة ولا تزال ضلعاً قاصراً، ولا تزال أيضاً تشكل كياناً ثانوياً بمقاييس المجتمع الذكوري الذي أحكم قياد المرأة والسيطرة عليها بكل المقاييس والمعايير والوسائل والأسباب.

شواخص القهر النسوي في الخليج
تبين الدراسات السوسيولوجية الجارية في العالم العربي أن المرأة العربية تعاني ثلاث منظومات من القهر والاستلاب وهي: الاستلاب الجنسي، والاستلاب الاقتصادي، والاستلاب العقائدي. فالمرأة كما ينظر الرجل إليها مجرد كيان جسدي يلبي رغبات الرجل الجسدية، وهي طاقة عمل يمكن استغلالها في المنول وفي سوق العمل، ثم تحاصر في دائرة سوداء من الرؤى العقائدية الاستلابية التي تضعها في مراتب الدونية والمذلة.
ويصف الشيخ الدكتور عائض القرني أوضاع القهر الذي تعانيه المرأة الخليجية اقتصادياً وصفاً بارعاً يقدمه في صورة تراجيدية إذ يقول (ظلمت المرأة عند الجهلة في مالها ثلاث مرات: مرة قبل زواجها يوم كان أبوها الجافي وأخوها القاطع يحاسبانها في آخر كل شهر على راتبها ويقتران عليها بالنفقة؛ وظلمت مرةً ثانية من زوج بخيل شحيح تسلط على مالها وحرمها حرية التصرف في ما تملكه، فصارت تنفق عليه وهو يقابلها بالفظاظة والغلظة وصنوف الإيذاء، وظلمت مرة ثالثة لما طلقت فمنعت من أبسط حقوقها المالية، فخسرت المال والزوج والأطفال والبيت والحياة الأسرية).
ويصف استلاب المرأة عقائدياً بقوله (والمرأة مظلومة عند الكثير من القساة الجفاة الجهلة بالشريعة، فإن تأخر زواجها لسبب من الأسباب الخارجة على إرادتها، قالوا: عانس حائرة بائرة ولو أن فيها خيراً لتزوجت، وإن طُلقت قالوا: لو أن عندها بعد نظر وحسن تبعُّل وجميل خُلق لما فارقها زوجها، وإن رُزقت كثيراً من الأبناء والبنات قالوا: ملأت البيت بالعيال وأشغلت الزوج بالأطفال، وإن لم ترزق ذرية بأقدار إلهية قالوا: هذه امرأة عقيم لا يمسكها إلا لئيم والبقاء معها رأي سقيم، وإن تركت مواصلة التعليم وجلست في بيتها تشرف على أولادها قالوا: ناقصة المعرفة، ضحلة الثقافة، رفيقة جهل، وإن واصلت التعليم وازدادت من المعرفة قالوا: أهملت البيت، وضيعت الأسرة، وتجاهلت حقوق زوجها، وإن لم يكن عندها مال قالوا: حسيرة كسيرة فقيرة أشغلت زوجها بالطلبات وكثرة النفقات، وإن كان عندها مال وأرادت التجارة والبيع والشراء قالوا: تاجرة سافرة مرتحلة مسافرة، لا يقر لها قرار ولا تمكث في الدار، عقّت الأنوثة وتنكرت للأمومة، وإن طالبت بحقوقها عند زوجها وأهلها قالوا: لو أن عندها ذوقاً وحسن تصرف لنجحت في حياتها الزوجية، لكنها حمقاء خرقاء، وإن سكتت فصبرت على الظلم ورضيت بالضيم قالوا: جبانة رعديدة، لا همة لديها، ولا حيلة في يديها، وإذا ذهبت إلى القاضي ورفعت أمرها للحاكم قالوا: هل يعقل أن امرأة شريفة عفيفة تنشر أسرارها عند القضاة وتشكو زوجها وذويها عند المحاكم؟
ويتابع القرني وصفه لأوضاع المرأة: وإنما يحصل هذا الظلم والإقصاء والتهميش للمرأة في المجتمعات الجاهلة الغبية، فهي عندهم من سقط المتاع، ومن أثاث البيت تُورث كما تورث الدابة، ويُنظر إليها على أنها ناقصة الأهلية، قليلة الحيلة ضعيفة التكوين، تحتاج إلى تدبير وتقويم وتوجيه وتهذيب، بل بعض المتخلفين الحمقى لا يذكرها باسمها في المجالس، بل يعرض ويلمح ويقول مثلاً: (الأهل)، (والحرمة)، (المرأة أكرمكم الله) و(راعية البيت)، لئلا يفتضح بذكر اسمها.
ولا تكتمل صورة المرأة الاستلابية إلا بالطابع الرمزي والوصف المذهل الذي تقدمه الكاتبة السعودية سوزان المشهدي التي تصف لنا الطابع الرمزي للاستلاب النسوي، حيث تقول في وصف الوضع الاستلابي للمرأة في الخليج عبر المقارنة بين أوضاع الرجل والمرأة: (أنت منذ الصغر تتباهى بملابسك البيضاء، المكوية بعناية شديدة وبالغترة البيضاء الغارقة في (النشاء) والتي تعطيك إطلالة جميلة وهيبة تدل على الترتيب والتأنق، وتبعد عنك حرارة الشمس الحارقة. أنا من الصغر وفي سن الشقاوة واللعب (أتكعبل) بالعباءة السوداء التي تجذب أشعة الشمس، والتي في أحيان كثيرة تجعلني أصل إلى درجة الغليان.. أنت الحلم الأول لكل أب حتى يتباهى بك بين أسرته وأصدقائه وأنا الحلم الثاني.. أنت حب الأم الأول، لأن تشريفك قد يلغي زواج والدك الثاني بحثاً عنك، وأنت سبب التباهي (بأم الذكور) وأنا سبب نكد الأم، لأن تشريفي قد يؤدي إلى زواج الأب بحثاً عنك، وأنا سبب معايرة أمي (بأم البنات).. أنت تسمع اسمك كل يوم في زهو حين يكنون والديك (أبو فلان) و(أم فلان) وأنا محرومة من سماع اسمي كأنني غير موجودة أصلاً، وإذا تساهل الأب وسمح للجميع بتسميته بـ (أبي فلانة) فسرعان ما يختفي اسمي عند تشريفك! أنت تتزوج ممن ترغب، وفي أي وقت تعدد، وأبناؤك يحصلون (أوتوماتيكياً) على الجنسية التي تخصك، وحتى زوجتك إذا كانت غير سعودية، وأنا لا أتزوج في أي وقت أرغب فيه في الزواج، فأمري كله بيد وليي (أب – أخ – عم – جد).
أما عن الاختيار فلا مجال (نوع من الكماليات لا أحلم به حالياً أنا إذا ما سمح لي لكبر سني مثلاً بالزواج من غير سعودي فلا يحصل زوجي ولا أبنائي على جنسيتي إلا بعد (مرمطة)، وإذا قدر الحصول عليها فابني الذكر يحصل عليها عند سن الـ 18، أما ابنتي الأنثى فتحصل عليها عند بلوغ الـ 35 سنة وبشروط مغلظة كأنه عقاب مجتمعي وجماعي ضد أبنائي أيضاً على زواجي من غير سعودي. أنت لك الحق في الطلاق متى شئت من دون محاسبة وأحياناً تختفي من دون طلاق ومن دون احترام لحياة إنسانة مصيرها متعلق بيدك بعد الله، بينما لا يحق لي طلب الطلاق، وإذا ما تجرأت لسبب أو آخر فأعرف مسبقاً أن سنوات عمري ستنقضي من دون الحصول عليه، لأنك لا تحضر الجلسة، ولأنني مطالبة بإثبات الضرر (الذي يكون غالباً داخل الجدران الأربعة ويصعب إثباته)، وعلي أن أخلعك وأعوضك حتى لو كنت مدمناً أو فاسقاً أو مزواجاً. أنت تستطيع النزول في أي فندق وفي أي وقت حتى لو كنت تقيم علاقة غير شرعية (مستغلاً اسمي المدون في كرت العائلة) وأنا لأنني (أسود) متهمة دائماً، لا يحق لي النزول في فندق في المدينة أو في مكة حتى لو في رحلة سياحية دينية سوى بخطاب من ولي أمري أو من الشرطة. أنت تستطيع أن تكتتب بأسماء أولادك ومن دون استئذانهم، وأنا غير مسموح لي بذلك إلا بموافقة والدهم.. أنت (أبيض) ديتك كاملة، وأنا (أسود) نصف ديتك. أنت تستطيع أن تتزوج بعد وفاتي مباشرة وبترغيب من المجتمع (جدد الله فراشك). ما تقدم دعوة مناسبة لك وأنت تستقبل العزاء فيّ، أنا لأنني (أسود) أتهم بقلة الأصل لو فكرت مجرد تفكير في الزواج بعد انتهاء العدة، هذا غير احتقار وكره الأولاد لي (لاعتقادهم بأن هذا الزواج خيانة لذكرى والدهم). ما تقدم هو (غيض من فيض) وهو بالطبع بعيد كل البعد عن الآيات الكريمة التي لم تحتو على كلمة التفضيل (ثم)، بل (و) المساواة، ((إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات)) (الأحزاب – 35) ألا يحتاج ولي الأمر إلى إعادة بناء لهذه الثقافة الذكورية التي شملت كل الجوانب، وأثرت تأثيراً سلبياً في طريقة تربيتنا وحتى على سمعتنا كمسلمين؟ حتى نوعي الأجيال القادمة أن (أبيض = أسود)، ليس بحكم العادات والتقاليد، وإنما بحكم الله الواحد الأحد إلى متى تضيقون الفسيح بحجج واهية؟
شواخص استلابية
لا تزال المرأة في الخليج العربي (والحال لا يختلف في العالم العربي) تعاني شواخص استلابية تتمثل في شروط الزواج والطلاق والترمل والعنوسة والملكية والعمل والدور السياسي. فالنظام الاجتماعي واللوائح القانونية والأعراف والتقاليد تقف كلية ضد المرأة وتحرمها من إنسانيتها وكرامتها.
وأشار أحد تقارير قسم التقرير الاستراتيجي الخليجي في 21/ فبراير/2005 بعنوان (إشكالية المرأة الخليجية بين مطالب الداخل وضغوط الخارج) إلى (أن مؤسسة الزواج في الخليج العربي لا تزال تسيطر عليها مفاهيم ما قبل الحقبة النفطية، مثل سيادة زواج الأقارب (زواج التحيير) وعدم مراعاة التوافق الاجتماعي بين الطرفين، والاكتفاء بالتوافق القبلي، وعدم أخذ موافقة الفتاة على الزواج، إلى غير ذلك من المفاهيم التي هي في حاجة إلى تطوير في مضمونها لتتلاءم مع القيم الإنسانية والظروف المجتمعية الجديدة.
وأشار التقرير إلى ظاهرة أخرى وهي ظاهرة العنوسة أخذت تطل برأسها مع التغيرات الاقتصادية منذ اكتشاف النفط، وازدادت حدتها مؤخراً في ظل الانتعاش وتبني القيم الاستهلاكية، وواجه الشباب صعوبات متعلقة بتوفير السكن ومتطلبات الزواج الأخرى، وهو ما دفع الكثيرين إلى العزوف عن الزواج تماماً أو الزواج من أجنبيات، وهو اتجاه لم يعد قاصراً على الرجل؛ فهناك إقبال متزايد من المرأة الخليجية على الزواج من شباب الدول العربية المجاورة، في محاولة للفرار من شبح العنوسة. وفي محاولة للحد من التأثيرات القيمية والاجتماعية الناتجة عن تأخر سن الزواج، ولمواجهة خطر العنوسة حاولت الحكومات إيجاد آليات لتسهيل الزواج بإنشاء جمعيات للزواج تساعد الشباب مادياً، وتقديم قروض تعرف باسم قروض الزواج، وتنظيم حفلات الزواج الجماعية، ومحاولة التدخل للحد من ارتفاع المهور، ووصل الأمر إلى حد تدخل الحكومة الكويتية لوضع حد قانوني للمهور. أما في الإمارات فهي في طريقها الآن إلى إصدار قانون لحصار ظاهرة الزواج من أجنبيات، بحيث يتحتم حصول موافقة وزير الداخلية لإتمام الزواج. أما المخالفون للقانون فسيتعرضون لعقوبات تصل إلى حد الفصل من الوظيفة الحكومية، وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات فإن الظاهرة في تصاعد مستمر، ولا يتوقع انحسارها قريباً، بل ربما سوف تتفاقم حدتها إذا أفلحت الجمعيات النسائية والضغوط الأجنبية في تعديل قوانين الأحوال الشخصية وفرض قيود على تعدد الزوجات.
العنف الرمزي
تتعرض المرأة إلى كل أشكال العنف الجسدي والنفسي والأخلاقي والإنساني، وقد يكون العنف الرمزي أكثر أشكال العنف خطورة وضرراً. يعرف بيير بورديو العنف الرمزي في كتابهعن (الهيمنة الذكورية)، بأنه (عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبةالى ضحاياه)، ويتمثل في أن تشترك الضحية وجلادها في التصورات الاستلابية نفسها عن العالم، وأن يؤمنا معاً بكل المقولات والمفاهيم والتصورات التي تضع المرأة في أقفاص المذلة والمهانة والاستلاب. ونحن عندما نتأمل في الأفكار الاستلابية ضد المرأة نجدها خرقاء عمياء جوفاء في جوهرها ومضمونها، حيث لا تؤيدها الحجج العقلية ولا يرأبها المنطق الذكي. فالعنف الرمزي أشد أنواع العنف الاستلابي الموجه ضد المرأة خطورة وفتكاً وهو نوع من العنف الثقافي الذي تشكل عبر مئات السنين من تاريخ الإنسانية.
وفي مجتمعاتنا الخليجية (وأشدد دائماً على العربية أيضاً) تشكل المرأة في كثير من الأحيان موضوعاً للعنف الرمزي في الممارسات الثقافية والتربوية السائدة في حياتنا الاجتماعية، ويتميز هذا العنف بقدرته الهائلة على التخفي وراء الرموز والدلالات والمعاني، كما يتميز بقدرته على التغلغل العفوي في الوعي بصورة عدوانية مضمرة ضد المرأة وموقف مضاد لها في الجوهر والمضمون. ويتجلى العنف الرمزي ضد المرأة في نسق متدفق من الإشارات والدلالات والرموز السلبية التي تستلب المرأة إنسانياً وتحاصرها من دون أن تأخذ هذه المعاني والرموز صورة جارفة واضحة صريحة بشحنتها العدوانية التي تضع المرأة قي قفص الاتهام الرمزي.
ويتمثل هذا النسق الرمزي بفيض لا حدود له من الصفات والسمات السلبية التي تأخذ المرأة إلى مرابض التوحش والجريمة والغواية والضعة تحت عنوان الطبيعة الشريرة للمرأة. فالمرأة وفقاً لهذا النسق تتصف بالخبث والكذب والسحر والفتنة والعار والغطرسة والخفة وضعف العقل والخيلاء والغواية والشيطنة، حيث هي باختصار مصدر كل شر وفساد وبلية وشكوى تحلّ بالإنسان والمجتمع.
ويتميز العنف الرمزي في ثقافتنا بقدرته على التخفي والانسياب في العقل من دون أن يشعر صاحبه بهذه القوة التي ترغمه أو تخضعه أو تستلبه، فهو أشبه بالتيارات البحرية التي تأخذك إلى أعماق البحار وأنت تعتقد أنك ما زلت في المكان الذي كنت فيه لم تتحرك. فالعنف الرمزي قوة تتغلغل فينا وتبرمجنا بصورة لا واعية فتجعلنا كأننا نخضع لأنفسنا وليس لقوة خارجية اخترقت جدار وعينا واستقرت في عقولنا الباطنية. باختصار إننا نستبطن رموز هذا العنف بطريقة تبدو لنا كأنها قيم كبرى يجب أن نتبناها وندافع عنها، وخير مثال على ذلك دفاع العبد عن سيده والضحية عن مفترسها والمرأة عن الرجل الذي يمتهن كرامتها لأن العنف أخذ طابعاً رمزياً، فتغلغل في أعماقنا واستقر في عقلنا الباطن، وأخذ يبرمجنا من الداخل من العمق وإن كان في الجوهر نابع من مصادر خارجية. باختصار إنه أشبه بالأفيون الذي يسيطر على ضحاياه ويدمرهم من الداخل من دون يشعروا به، وصاحب العنف الرمزي، أي من يروج له ويصنعه، أشبه بمروج المخدرات الذي ما إن يدفع ضحاياه لتذوقه حتى يصبح قوة داخلية تسيطر عليهم وتدمرهم إلى حين.
والمرأة من أكثر الفئات الاجتماعية تأثراً بالعنف الرمزي الذي تتشبع برموزه وسمومه في مراحل طفولتها ونشأتها وشبابها حتى تصبح أكثر الفئات الاجتماعية إحساساً بالدونية واقتناعاً بها، فهي أكثر من يؤمن بطبيعتها الشريرة المزعومة وأكثر إيماناً بأنها دون الرجل وأكثر اندفاعاً في مهاجمة حقوقها ومهاجمة الرجل الذي يدعو إلى تحريرها.
وهذه التصورات ليست حكراً على عالم الرجال، بل تحتل مكانها في عقل المرأة ووعيها وهذا يمثل قمة الاغتراب وغابة الاستلاب الإنساني، والمرأة بذاتها تدرك هذه التصورات وتتمثلها في كثير من الأوقات حتى إنها تجد مبرراً لخطاياها وعيوبها تحت عنوان ضعف المرأة وغوايتها وقابليتها للإغواء. فالمرأة تخضع لنوع من الاستلاب الرمزي الذي يفرغها من مضمونها الإنساني، ويحرمها من امتيازاتها الأخلاقية والاجتماعية، فكيف يحدث هذا؟ ما الأوليات التي تجعل المرأة خاضعة ومستكينة لأوضاعها الدونية من دون رفض أو معاندة أو مقاومة؟ كيف يفعل العنف الرمزي فعله عبر العملية التربوية؟ وكيف تتمثل المرأة وغيرها الرموز التي تضفي على دونيتها طابعاً شرعياً؟ وبعبارة أخرى كيف تتمثل المرأة أيديولوجياً عبوديتها الاجتماعية عبر نسق من المفاهيم والمقولات التي تستلبها على مرّ الزمن بأدوات تربوية تغذي رموز الدونية والعبودية النسوية؟
هذه هي الأسئلة التي نطرحها ونجيب عنها في هذا المقال المتواضع.
اللون الأسود نموذج للعنف الرمزي لدى المرأة: قراءة ميدانية
تتعدد صيغ الاستلاب الرمزي وأشكاله وموضوعاته، وتشمل طبيعة المرأة وقناعاتها ووظائفها ودورها الإنساني ومكانتها في المجتمع، حيث نجد أنساقاً متكاملة من الفعاليات والتصورات الرمزية التي تستلب المرأة من حيث نظرتها إلى ذاتها ونظرة المجتمع إليها، ونحن في هذا السياق سنقدم نموذجاً رمزياً استلابياً يتعلق باللون الأسود.
فمن المعروف أن لباس المرأة في الخليج غالباً ما يكون باللون الأسود، بينما الرجل يرتدي اللباس الأبيض ولا سيما في فصل الصيف. وهذه الظاهرة تلفت الانتباه من حيث طبيعتها الرمزية. والسؤال هو لماذا ترتدي النساء اللون الأسود في الصيف علماً بأن هذا اللون يمتص الحرارة كثيراً ويرفع درجة حرارة الجسد في بلاد شديدة الحرارة أصلاً؟
وليس أبداً شيء صعب أن نقول إن التقاليد هي التي تفرض ذلك، لكن يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن التقاليد لم تكن اعتباطية يوماً ما، بل هي مكثفة رمزية، ومن أجرى هذا التقليد في الأصل كان يتوخى أموراً تتعلق بموقفه من المرأة ودونيتها. فالتقاليد تقوم على أساس وظائفي وأساس رمزي. والسؤال هنا لماذا تنحاز التقاليد للرجل وتظلم المرأة فتعطي الرجل فرصة ارتداء الأبيض الذي يقيه شر الحر، بينما يفرض على المرأة اللون الأسود الذي يلهب الجسد بحرارته في فصل الصيف.
ومن أجل استكشاف البعد الرمزي لهذه المسألة كان علينا أن نلجأ إلى محاورة الطالبات الجامعيات في هذا الأمر عبر نسق من التساؤلات المنهجية التي نحاول عبرها الكشف عن البعد الرمزي للون اللباس لدى المرأة.
ومن أجل هذه الغاية قمنا بطرح أسئلة ممنهجة تتعلق بالألوان على أربع مجموعات طلابية مختلفة في شعب متفرقة وعلى فترة زمنية متفاوتة.
في المجموعة الأولى، سألنا الطالبات: أي الألوان هي الأفضل؟ فتنوعت الإجابات بتنوع الألوان، لكن اللون الأسود كان نادراً ما يرتسم في سلم أفضلية الألوان لدى الطالبات.
وفي المجموعة الثانية، طرحنا سؤالين مترابطين جوهرياً فكان الأول: إلى ما يرمز اللون الأسود؟ فكانت الإجابات دائماً: الحزن والموت والجهل. وكان الثاني: إلى ما يرمز اللون الأبيض؟ فكانت الإجابة الطهارة، النقاء، النور، الجمال، البراءة.
وفي المجموعة الثالثة، كان سؤالنا: لماذا ترتدين ثياباً سوداء؟ وسرعان ما كانت الإجابة في هذا المقام بأن اللون الأسود هو سيد الألوان وحاكمها، إنه اللون الرسمي، إنه لون المهابة، بل لون الوقار والحشمة.
وبعد ذلك قمنا بطرح هذه الأسئلة الأربعة كلها بالتسلسل على فرقة أخيرة من الطالبات، حيث بدأنا بالسؤال حول: ما لونكن المفضل؟ ثم إلى ما يرمز اللون الأسود؟ وبعد أن حصلت على الإجابات التقليدية المعروفة التي ترفض اللون الأسود، سألنا الطالبات السؤال التالي: لماذا إذن ترتدين اللون الأسود؟ وهنا كانت الصدمة والارتباك، حيث أصيبت الطالبات بحالة من الدهشة أو الصدمة، إذ أعلنَ مباشرة رفضهن لهذا اللون ونعتنه برمزية الحزن والجهل، وهن الآن في مواجهة حقيقية مع سؤال لم يخطر لهن ربما على بال: لماذا يرتدين اللون الأسود مع أنهن لا يفضلنه ويرين فيه رمزاً للحزن والبؤس والظلام؟ وبعد برهة تتعالى الإجابات بأن اللون الأسود هو سيد الألوان، وبعد الإقرار بأن اللون الأسود هو سيد الألوان ولون الحشمة، وجهت للطالبات سؤالاً جيداً نصه: إذا كان اللون الأسود هو سيد الألوان لماذا إذن لا يرتديه الرجال؟ ولماذا، على خلاف ذلك، يرتدون الثياب البيضاء الناصعة؟ ومن جديد تقع الطالبات في مزيد من الحيرة والارتباك، ويشكل عليهن الأمر، وتسيطر حالة من الوجوم تنظر فيها الطالبات بعضهن إلى بعض، وترتسم على وجوههن ابتسامات حائرة.
ثم وجهنا سؤالاً أخيراً: نحن في بلاد حارة واللون الأسود يجلب الحرارة ويلهب الجسد فلماذا لا تختار المرأة لوناً آخر يكفيها شر الحرارة الشديدة في بلادنا؟ فكان الوجوم أخطر وأكبر.
لقد أعلنت الطالبات أنهن يرتدين (الأسود) بوحي من العادات والتقاليد، ولم يخطر لهن طرح هذا السؤال على أنفسهن من قبل. وأعلنت أغلبيتهن أنهن لا يعرفن سبباً موضوعياً وجيهاً أو شرعياً يوجب ارتداء الأزياء السوداء في أرض صحراوية حارة، وأنهن أيضاً لا يعرفن لماذا يختص الرجال باللون الأبيض، بينما تختص النساء باللون الأسود وكانت الإجابة المختصرة هي عاداتنا وتقاليدنا ويجب أن نحترمها ونلتزم بها.
والسؤال الذي نطرحه هنا: هل من قبيل المصادفة ولد هذا التصنيف في اللون ما بين ملابس الرجال وملابس النساء؟ وهل هناك مبررات شرعية مشروعة أو موضوعية تبرر هذا التصنيف؟ لماذا ترتدي النساء اللون الأسود مع أنه ليس من الألوان المفضلة لديهن كما أنه يحمل طابعاً رمزياً سلبياً؟
لا يوجد أمامنا سوى افتراض واحد: إن تخصيص المرأة باللون الأسود يمثل شكلاً من أشكال الاستلاب الرمزي بما يتطلبه هذا الاستلاب من عنف رمزي يُمارس على المرأة لفرض دونيتها في السلم الاجتماعي في مجتمع ذكوري، أي في مجتمع يهيمن فيه الذكور. ووفقاً لهذا التصور فإن اللون الأسود يلعب طابع الترويض الرمزي للمرأة من دون أن تدري بأبعاد هذا الترويض، حيث أصبح هذا اللون بوصفه لوناً تفرضه العادات والتقاليد متأصلاً في الوعي، ولكنه في كل الأحوال تقليد مضاد للمرأة يصنفها أدنى من الرجل: الأبيض للرجل أما الأسود فللمرأة، الحرارة للمرأة أما البرودة فللرجل، النور للرجل والظلام للمرأة، الطهارة للرجل بينما السواد للمرأة. طبعاً هنا نستطيع أن نجد في الروابط ما بين اللون الأسود واللباس ما بين الرجل والمرأة نسقاً من الرموز التي تجعل من المرأة أدنى من الرجل وهنا تتم الوظيفة الاستلابية للون الأسود والوظيفة الإنسانية للون الأبيض.
التربية والاستلاب الرمزي
تشكل التربية أهم عوامل الاستلاب الرمزي للمرأة وقد كتبت في ذلك دراسات كثيرة. فالمدرسة كالتلفزيون تعمل على تأصيل الفروق والتباين بين الجنسين وعلى استلاب الأنوثة والإعلاء من شأن الذكورة. فالمدرسة تعمل وبصورة مستمرة على تكريس مفهوم العلاقة التقليدية التي تفرض نفسها بين الرجل والمرأة كالعلاقة بين السيد والمسود في عقول الأطفال وأذهانهم. فأغلب النصوص المدرسية تعمل على تقديم المرأة في صورتها التقليدية كأم وزوجة وطباخة وخياطة وحطّابة وخدامة. حتى عندما يراد للمرأة أن تقدم بصورة فعالة وإيجابية فإن المدرسة تضعها في صورتها المعيارية بوصفها ممرضة أو معلمة وسكرتيرة ومضيفة وهذا يعني أنها ما زالت تحاصر في أدوارها التقليدية حتى مع مطلع الألفية الجديدة.
العنف الرمزي في الكتب المدرسية
تتمثل خطورة عملية بث العنف الرمزي عبر الكتب المدرسية في مستويين أساسيين، في البداية فإن عملية بث هذا العنف وتأصيله تتم في المراحل العمرية التي يكون فيها الأطفال في قمة قدرتهم على استبطان المعلومات وتمثل القيم، فالأطفال في عمر المدرسة يتشبعون بسرعة وعمق بكل ما يُقدم إليهم من معلومات وما يُبشر به من قيم ورموز. وفي المستوى الآخر يقتضي التنويه بأن الكتب المدرسية تطبع بآلاف النسخ وتوزع على شرائح واسعة وعريضة من التلاميذ في مختلف المؤسسات المدرسية وهذا يغطي شرائح واسعة أيضاً من هؤلاء الذين يستهلكون هذه الكتب تحت عنوان التربية غير النظامية. وهذا يعني أن الكتاب المدرسي يلعب دوراً محورياً وأساسياً وقد يكون أحياناً الصلة الوحيدة بين المعلمين والتلاميذ. ومن الواضح أن هذه الكتب تفيض بالإشارات والرموز والصور التي تعزز مبدأ الفروق والتمييز بين الجنسين.
ويبدو أن مصممي الكتب المدرسية كانوا حريصين على تأكيد العنف الرمزي ضد المرأة منذ البداية حتى النهاية على مدار الحياة المدرسية برمتها. ويبدو هذا الحرص على تضمين العنف الرمزي في كتب المدارس العامة أكثر قوة وحضوراً، حيث نجد صورة مشوهة للمرأة سيتمثلها الأطفال من الجنسين على أنها حقائق أبدية، ووفقاً لهذه الصورة فإن الذكور يمتلكون وضعية الهيمنة والإناث وضعية الخضوع والدونية.
إذا كانت المرأة لا تطبخ فهي تنسج
منذ بداية الحياة المدرسية في السادسة أو السابعة من العمر يشعر الطفل بالفروق بين الجنسين عبر المعرفة المدرسية والممارسات التربوية. فالأم في كتب اللغة العربية غالباً ما تقدم على حضورها المستمر في المنزل لتقوم بأعمال المنزل، وبالتالي فإن البنات يساعدن الأمهات في أعمال المنزل وتدبيره. ويلي ذلك أن أغلب التمارين التي تطلب من التلميذ أن يصف عمل الأم والأب. فعلى سبيل المثال يسأل الطفل: ماذا تفعل الأم في المنزل والإجابة غالباً تكون إنها تطبخ أو تنظف المنزل أو ترضع الطفل أو تعنى بأطفالها، تتحدث إلى جاراتها، تعود أقرباءها والمرضى في الحي، وعلى خلاف ذلك تكون الصورة مختلفة بالنسبة للأب كأن تكون الإجابة إنه يقرأ أو يكتب أو يعود من العمل أو أنه يسافر أو يمارس الرياضة. وهذه الصورة النموذجية عن المرأة والرجل غالباً ما نجدها في أغلب كتب القراءة في المرحلة الابتدائية.
ويمكن في هذا السياق ملاحظة أن هذا التصوير يقدم المرأة في وضعية عبودية، وأن ذلك ليس أمراً عفوياً بل هو مقصود وموجه وأيديولوجي. فعلى سبيل المثال غالباً ما نجد في كتب القراءة أن الأم تستسلم إلى صورتها التقليدية، ففي أحد المشاهد في كتب القراءة نجد الصورة التالية الأم تقوم بخيط الثياب والأب يقرأ في المجلة والطفلة تلعب بدماها، بينما يقوم أخوها الصغير بكتابة وظائفه. ومن اللافت للنظر أن الصور التي ترافق النصوص لا تعبر عن مضمون النص، بل تكون مفارقة له حيث تأخذ دلالة تقلل من شأن المرأة نفسها وتعلي من شأن الذكور بصورة عامة.
المرأة جاهلة وعاطفية مقابل الرجل المثقف والقوي
تتعمد نصوص القراءة إخفاء الطابع الثقافي والتعليمي للمرأة وفي كثير من الحالات تبرز جهلها وأميتها. وفي الصور غالباً ما تأخذ صورتها التقليدية السائدة، حيث تقوم بحمل الأطفال وإرضاعهم وتعنى بالأبقار أو تحمل الحطب على ظهرها. وتقابل هذه الصورة صورة مناقضة للرجل المثقف الذي يقرأ الصحف ويعلم أبناءه ما هو ضروري لمعرفتهم واطلاعهم، يرسل الرسائل ويكتب الشعر.
وتوصف المرأة المثالية التي تقدم في هذه النصوص دائماً بأنها نشطة غير كسولة عاطفية رقيقة قلقة من أجل أطفالها. وعندما يتعلق الأمر بالمرأة العاملة خارج المنزل فإنها غالباً ما تكون بائعة أو ممرضة وقلما تكون طبيبة ومهندسة أو متخصصة علمياً. وبصورة عامة غالباً ما تقدم المرأة في الكتب على أنها أم وزوجة وأخت وطباخة ومربية وممرضة وهي تتجاهل بصورة متعمدة دور المرأة بوصفها مثقفة طبيبة ومهندسة وجامعية وسياسية.
الخضوع للمرأة والسلطة للرجل
يأخذ الرجل أدواراً متنوعة عبر النصوص والصور في الكتب المدرسية، فالرجال يقدمون على أنهم أصحاب الأمر والسلطة والقوة والإرادة، وبالتالي فإنهم يمتهنون مهنا تخولهم ممارسة هذه السلطة مثل مروضي أفاعي، صيادين، مديري نواد، محاربين، قادة، مغامرين، ضباط وقادة عسكريين، مدرسين ومعلمين، شيوخ وأئمة.
والمرأة غالباً ما تقدم خاضعة للرجل والرجل غالباً ما يكون المدير والسيد والآمر والناهي. وفي مستوى الطفولة غالباً ما يوصف الأطفال الذكور بالنشاط والقدرة والقوة والاندفاع، بينما يأخذ الأطفال الإناث صورة الرقة والنعومة والضعف والهشاشة. وغالباً أيضاً ما توصف المرأة الإيجابية بأنها المرأة العاطفية الحنونة الخجولة المطيعة.
وبالمحصلة تعاني المرأة من عملية استلاب رمزي مستمرة في حياتنا التربوية والثقافية، فهناك أنساق من الرموز التي تحاصر المرأة وتصنعها في قفص الاتهام لتحرمها من جوهرها الإنساني وقيمتها الأخلاقية. وما يؤسف له أن هذه الممارسات التربوية قائمة في التربية المنزلية والمدرسية في المؤسسات الثقافية في ميدان العمل وفي مختلف جوانب الحياة.
ومع وجود نسق خاص من السمات الإيجابية للمرأة فإن النسق العام من التصورات والرموز التربوية يضعها في موقع الإدانة. فالسمات الإيجابية هي نظام خاص يتبناه بعض الرجال في وصف صفوة النساء وخيارهن، وأحياناً بعض أمهاتهم وأخواتهم، أما النسق السلبي من هذه السمات فيوصف به المرأة بعامة على مبدأ الشمول والكلية والإطلاق. ويمكن تحديد طبيعة العلاقة بين النسقين في موقف الفرد الواحد على الشكل التالي: المرأة شريرة بطبيعتها على العموم، ولكن قد تكون أمي خيرة على مبدأ الاصطفاء والاستثناء. وهكذا يستطيع الإنسان أن يمتلك نقيضين تتوسطهما آلية ذهنية مخادعة يستطيع عبرها الخروج من دائرة هذه التناقض بإضافة صفة الاستثناء إلى من يستغرق في تقديرها وحبها. فالرجال كما يلاحظ يعاملون زوجاتهم وفقاً لهذا التصور الذهني عن المرأة وكذلك يعاملون بناتهم وجميع النساء تقريباً. هذه الأنساق التي تحط من شأن المرأة وتدني من قيمتها ترتبط تاريخياً بأوضاع اجتماعية اقتصادية في مراحل متدرجة من العبودية التي عاناها المجتمع الإنساني. وليست الإشكالية الآن في بحث النشأة الأولى لعملية الاستلاب الرمزي للمرأة عبر أنساق من المقولات والتصورات التاريخية التي أسبغت عليها بل تكمن في الكشف عن استمرارية هذه الأيديولوجيا والتصورات المعادية للمرأة عبر الزمن وعن الكيفيات التربوية التي تغذي أيديولوجيا النقص والاستلاب في شخص المرأة عموماً. وباختصار نحن اليوم نحتاج إلى (تثوير) العملية التربوية وتحريرها من الدلالات الرمزية التي تمتهن المرأة وتضعها في أقفاص الاستلاب الرمزي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::772::/cck::
::introtext::
تعيش المرأة الخليجية – وحالها لا يختلف كثيراً عن حال المرأة العربية – حالة اغتراب وجودي يتسم بطابع العمق والشمول، ويأخذ هذا الاغتراب أنماطاً استلابية متعددة في مختلف تجلياته الاجتماعية، ويرتسم في صورة إكراهات رمزية تتصف بطابع الديمومة والاستمرار. فعلى الرغم من التقدم الكبير في تعليم المرأة ووصولها إلى مواقع متقدمة في العمل وإدارة المجتمع، فإن ذلك لا يعبر في جوهره عن تحرر حقيقي لأن المرأة الخليجية ما زالت سجينة منظومات مغلقة من القيم والعقليات والذهنيات والعادات والتقاليد والفتاوى والممارسات التي تضعها في أقفاص القهر والعبودية.
::/introtext::
::fulltext::
تعيش المرأة الخليجية – وحالها لا يختلف كثيراً عن حال المرأة العربية – حالة اغتراب وجودي يتسم بطابع العمق والشمول، ويأخذ هذا الاغتراب أنماطاً استلابية متعددة في مختلف تجلياته الاجتماعية، ويرتسم في صورة إكراهات رمزية تتصف بطابع الديمومة والاستمرار. فعلى الرغم من التقدم الكبير في تعليم المرأة ووصولها إلى مواقع متقدمة في العمل وإدارة المجتمع، فإن ذلك لا يعبر في جوهره عن تحرر حقيقي لأن المرأة الخليجية ما زالت سجينة منظومات مغلقة من القيم والعقليات والذهنيات والعادات والتقاليد والفتاوى والممارسات التي تضعها في أقفاص القهر والعبودية.
إن وصول طليعة من النساء إلى قبة البرلمان وحقائب وزارية ومقاعد الجامعة لا يعني أن المرأة حققت تقدمها الإنساني، وأنها أصبحت على قدم المساواة مع الرجل. فالتحليل السوسيولوجي لأوضاع المرأة يؤكد وبصورة مستمرة استمرار العقليات القديمة في التعامل الاستلابي مع المرأة.
في دائرة هذا التحليل نستطيع أن نقول إن تعليم المرأة – وهو أفضل ما حققته المرأة في الخليج – يشكل أحد مداخل قهرها الجديد، فالتعليم الذي يطلب للمرأة اليوم لم يكن يوماً مؤشراً حقيقياً إلى تحررها أو رغبة في ذلك، فتعليم المرأة ما زال في نظر المجتمع صورة تجميلية للمرأة، وهو لا يعدو أن يكون أكثر من حليّة توضع على صدر المرأة ليزيد من قيمتها في سوق الزواج والعمل، ولا يعدو أن يجعلها أكثر من زوجة طيّعة يسهل استغلالها مادياً من قبل ذويها وزوجها في أغلب الحالات التي نشاهدها على امتداد الساحة الاجتماعية في الخليج العربي.
وبعبارة أخرى يأخذ تعليم المرأة من حيث الشكل طابعاً تحررياً، لكنه من حيث المضمون والشكل يأخذ طابع استغلال جديد لعمل المرأة وطاقاتها بوصفها قوة منتجة توضع تحت سيطرة أسيادها الجدد في عصر العولمة و(الميديا).
وإذا كان كثير من الباحثين يراهن على تحرر المرأة من خلال التعليم، فيجب علينا أن ندرك أن التعليم الذي تتلقاه المرأة والرجل في آن واحد تعليم لا يحرر المرأة ذهنياً أو عقلياً، حيث تميل المناهج التربوية في مضامينها إلى تكريس الوضعية الدونية للمرأة بوصفها تابعة للرجل وخاضعة له في الآن الواحد. وهذا الأمر ينسحب على عملها، حيث تستغل طاقتها الإنتاجية لتصب في جيوب الزوج والأب والأخوة.
وتأسيساً على وقائع الحياة ومعالمها يتضح بالتحليل السوسيولوجي أن عمل المرأة وتعليمها لم يساهما في تحريرها أو تقدمها أو تغير عقليتها أو استقلالها، بل زاداها انخراطاً بمجتمع أبوي ذكوري يقوم على استغلال المرأة واستعبادها أختاً وأماً وزوجة وعمة وخالة.
من يستطيع أن يقول لنا اليوم إن عقلية الرجال قد تغيرت جوهرياً نحو المرأة؟ ومن يستطيع القول أيضاً إن القيم المتصلة بالمرأة قد تغيرت أيضاً؟ فالمرأة لا تزال ناقصة عقل ودين في تصوراتنا السائدة ولا تزال ضلعاً قاصراً، ولا تزال أيضاً تشكل كياناً ثانوياً بمقاييس المجتمع الذكوري الذي أحكم قياد المرأة والسيطرة عليها بكل المقاييس والمعايير والوسائل والأسباب.

شواخص القهر النسوي في الخليج
تبين الدراسات السوسيولوجية الجارية في العالم العربي أن المرأة العربية تعاني ثلاث منظومات من القهر والاستلاب وهي: الاستلاب الجنسي، والاستلاب الاقتصادي، والاستلاب العقائدي. فالمرأة كما ينظر الرجل إليها مجرد كيان جسدي يلبي رغبات الرجل الجسدية، وهي طاقة عمل يمكن استغلالها في المنول وفي سوق العمل، ثم تحاصر في دائرة سوداء من الرؤى العقائدية الاستلابية التي تضعها في مراتب الدونية والمذلة.
ويصف الشيخ الدكتور عائض القرني أوضاع القهر الذي تعانيه المرأة الخليجية اقتصادياً وصفاً بارعاً يقدمه في صورة تراجيدية إذ يقول (ظلمت المرأة عند الجهلة في مالها ثلاث مرات: مرة قبل زواجها يوم كان أبوها الجافي وأخوها القاطع يحاسبانها في آخر كل شهر على راتبها ويقتران عليها بالنفقة؛ وظلمت مرةً ثانية من زوج بخيل شحيح تسلط على مالها وحرمها حرية التصرف في ما تملكه، فصارت تنفق عليه وهو يقابلها بالفظاظة والغلظة وصنوف الإيذاء، وظلمت مرة ثالثة لما طلقت فمنعت من أبسط حقوقها المالية، فخسرت المال والزوج والأطفال والبيت والحياة الأسرية).
ويصف استلاب المرأة عقائدياً بقوله (والمرأة مظلومة عند الكثير من القساة الجفاة الجهلة بالشريعة، فإن تأخر زواجها لسبب من الأسباب الخارجة على إرادتها، قالوا: عانس حائرة بائرة ولو أن فيها خيراً لتزوجت، وإن طُلقت قالوا: لو أن عندها بعد نظر وحسن تبعُّل وجميل خُلق لما فارقها زوجها، وإن رُزقت كثيراً من الأبناء والبنات قالوا: ملأت البيت بالعيال وأشغلت الزوج بالأطفال، وإن لم ترزق ذرية بأقدار إلهية قالوا: هذه امرأة عقيم لا يمسكها إلا لئيم والبقاء معها رأي سقيم، وإن تركت مواصلة التعليم وجلست في بيتها تشرف على أولادها قالوا: ناقصة المعرفة، ضحلة الثقافة، رفيقة جهل، وإن واصلت التعليم وازدادت من المعرفة قالوا: أهملت البيت، وضيعت الأسرة، وتجاهلت حقوق زوجها، وإن لم يكن عندها مال قالوا: حسيرة كسيرة فقيرة أشغلت زوجها بالطلبات وكثرة النفقات، وإن كان عندها مال وأرادت التجارة والبيع والشراء قالوا: تاجرة سافرة مرتحلة مسافرة، لا يقر لها قرار ولا تمكث في الدار، عقّت الأنوثة وتنكرت للأمومة، وإن طالبت بحقوقها عند زوجها وأهلها قالوا: لو أن عندها ذوقاً وحسن تصرف لنجحت في حياتها الزوجية، لكنها حمقاء خرقاء، وإن سكتت فصبرت على الظلم ورضيت بالضيم قالوا: جبانة رعديدة، لا همة لديها، ولا حيلة في يديها، وإذا ذهبت إلى القاضي ورفعت أمرها للحاكم قالوا: هل يعقل أن امرأة شريفة عفيفة تنشر أسرارها عند القضاة وتشكو زوجها وذويها عند المحاكم؟
ويتابع القرني وصفه لأوضاع المرأة: وإنما يحصل هذا الظلم والإقصاء والتهميش للمرأة في المجتمعات الجاهلة الغبية، فهي عندهم من سقط المتاع، ومن أثاث البيت تُورث كما تورث الدابة، ويُنظر إليها على أنها ناقصة الأهلية، قليلة الحيلة ضعيفة التكوين، تحتاج إلى تدبير وتقويم وتوجيه وتهذيب، بل بعض المتخلفين الحمقى لا يذكرها باسمها في المجالس، بل يعرض ويلمح ويقول مثلاً: (الأهل)، (والحرمة)، (المرأة أكرمكم الله) و(راعية البيت)، لئلا يفتضح بذكر اسمها.
ولا تكتمل صورة المرأة الاستلابية إلا بالطابع الرمزي والوصف المذهل الذي تقدمه الكاتبة السعودية سوزان المشهدي التي تصف لنا الطابع الرمزي للاستلاب النسوي، حيث تقول في وصف الوضع الاستلابي للمرأة في الخليج عبر المقارنة بين أوضاع الرجل والمرأة: (أنت منذ الصغر تتباهى بملابسك البيضاء، المكوية بعناية شديدة وبالغترة البيضاء الغارقة في (النشاء) والتي تعطيك إطلالة جميلة وهيبة تدل على الترتيب والتأنق، وتبعد عنك حرارة الشمس الحارقة. أنا من الصغر وفي سن الشقاوة واللعب (أتكعبل) بالعباءة السوداء التي تجذب أشعة الشمس، والتي في أحيان كثيرة تجعلني أصل إلى درجة الغليان.. أنت الحلم الأول لكل أب حتى يتباهى بك بين أسرته وأصدقائه وأنا الحلم الثاني.. أنت حب الأم الأول، لأن تشريفك قد يلغي زواج والدك الثاني بحثاً عنك، وأنت سبب التباهي (بأم الذكور) وأنا سبب نكد الأم، لأن تشريفي قد يؤدي إلى زواج الأب بحثاً عنك، وأنا سبب معايرة أمي (بأم البنات).. أنت تسمع اسمك كل يوم في زهو حين يكنون والديك (أبو فلان) و(أم فلان) وأنا محرومة من سماع اسمي كأنني غير موجودة أصلاً، وإذا تساهل الأب وسمح للجميع بتسميته بـ (أبي فلانة) فسرعان ما يختفي اسمي عند تشريفك! أنت تتزوج ممن ترغب، وفي أي وقت تعدد، وأبناؤك يحصلون (أوتوماتيكياً) على الجنسية التي تخصك، وحتى زوجتك إذا كانت غير سعودية، وأنا لا أتزوج في أي وقت أرغب فيه في الزواج، فأمري كله بيد وليي (أب – أخ – عم – جد).
أما عن الاختيار فلا مجال (نوع من الكماليات لا أحلم به حالياً أنا إذا ما سمح لي لكبر سني مثلاً بالزواج من غير سعودي فلا يحصل زوجي ولا أبنائي على جنسيتي إلا بعد (مرمطة)، وإذا قدر الحصول عليها فابني الذكر يحصل عليها عند سن الـ 18، أما ابنتي الأنثى فتحصل عليها عند بلوغ الـ 35 سنة وبشروط مغلظة كأنه عقاب مجتمعي وجماعي ضد أبنائي أيضاً على زواجي من غير سعودي. أنت لك الحق في الطلاق متى شئت من دون محاسبة وأحياناً تختفي من دون طلاق ومن دون احترام لحياة إنسانة مصيرها متعلق بيدك بعد الله، بينما لا يحق لي طلب الطلاق، وإذا ما تجرأت لسبب أو آخر فأعرف مسبقاً أن سنوات عمري ستنقضي من دون الحصول عليه، لأنك لا تحضر الجلسة، ولأنني مطالبة بإثبات الضرر (الذي يكون غالباً داخل الجدران الأربعة ويصعب إثباته)، وعلي أن أخلعك وأعوضك حتى لو كنت مدمناً أو فاسقاً أو مزواجاً. أنت تستطيع النزول في أي فندق وفي أي وقت حتى لو كنت تقيم علاقة غير شرعية (مستغلاً اسمي المدون في كرت العائلة) وأنا لأنني (أسود) متهمة دائماً، لا يحق لي النزول في فندق في المدينة أو في مكة حتى لو في رحلة سياحية دينية سوى بخطاب من ولي أمري أو من الشرطة. أنت تستطيع أن تكتتب بأسماء أولادك ومن دون استئذانهم، وأنا غير مسموح لي بذلك إلا بموافقة والدهم.. أنت (أبيض) ديتك كاملة، وأنا (أسود) نصف ديتك. أنت تستطيع أن تتزوج بعد وفاتي مباشرة وبترغيب من المجتمع (جدد الله فراشك). ما تقدم دعوة مناسبة لك وأنت تستقبل العزاء فيّ، أنا لأنني (أسود) أتهم بقلة الأصل لو فكرت مجرد تفكير في الزواج بعد انتهاء العدة، هذا غير احتقار وكره الأولاد لي (لاعتقادهم بأن هذا الزواج خيانة لذكرى والدهم). ما تقدم هو (غيض من فيض) وهو بالطبع بعيد كل البعد عن الآيات الكريمة التي لم تحتو على كلمة التفضيل (ثم)، بل (و) المساواة، ((إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات)) (الأحزاب – 35) ألا يحتاج ولي الأمر إلى إعادة بناء لهذه الثقافة الذكورية التي شملت كل الجوانب، وأثرت تأثيراً سلبياً في طريقة تربيتنا وحتى على سمعتنا كمسلمين؟ حتى نوعي الأجيال القادمة أن (أبيض = أسود)، ليس بحكم العادات والتقاليد، وإنما بحكم الله الواحد الأحد إلى متى تضيقون الفسيح بحجج واهية؟
شواخص استلابية
لا تزال المرأة في الخليج العربي (والحال لا يختلف في العالم العربي) تعاني شواخص استلابية تتمثل في شروط الزواج والطلاق والترمل والعنوسة والملكية والعمل والدور السياسي. فالنظام الاجتماعي واللوائح القانونية والأعراف والتقاليد تقف كلية ضد المرأة وتحرمها من إنسانيتها وكرامتها.
وأشار أحد تقارير قسم التقرير الاستراتيجي الخليجي في 21/ فبراير/2005 بعنوان (إشكالية المرأة الخليجية بين مطالب الداخل وضغوط الخارج) إلى (أن مؤسسة الزواج في الخليج العربي لا تزال تسيطر عليها مفاهيم ما قبل الحقبة النفطية، مثل سيادة زواج الأقارب (زواج التحيير) وعدم مراعاة التوافق الاجتماعي بين الطرفين، والاكتفاء بالتوافق القبلي، وعدم أخذ موافقة الفتاة على الزواج، إلى غير ذلك من المفاهيم التي هي في حاجة إلى تطوير في مضمونها لتتلاءم مع القيم الإنسانية والظروف المجتمعية الجديدة.
وأشار التقرير إلى ظاهرة أخرى وهي ظاهرة العنوسة أخذت تطل برأسها مع التغيرات الاقتصادية منذ اكتشاف النفط، وازدادت حدتها مؤخراً في ظل الانتعاش وتبني القيم الاستهلاكية، وواجه الشباب صعوبات متعلقة بتوفير السكن ومتطلبات الزواج الأخرى، وهو ما دفع الكثيرين إلى العزوف عن الزواج تماماً أو الزواج من أجنبيات، وهو اتجاه لم يعد قاصراً على الرجل؛ فهناك إقبال متزايد من المرأة الخليجية على الزواج من شباب الدول العربية المجاورة، في محاولة للفرار من شبح العنوسة. وفي محاولة للحد من التأثيرات القيمية والاجتماعية الناتجة عن تأخر سن الزواج، ولمواجهة خطر العنوسة حاولت الحكومات إيجاد آليات لتسهيل الزواج بإنشاء جمعيات للزواج تساعد الشباب مادياً، وتقديم قروض تعرف باسم قروض الزواج، وتنظيم حفلات الزواج الجماعية، ومحاولة التدخل للحد من ارتفاع المهور، ووصل الأمر إلى حد تدخل الحكومة الكويتية لوضع حد قانوني للمهور. أما في الإمارات فهي في طريقها الآن إلى إصدار قانون لحصار ظاهرة الزواج من أجنبيات، بحيث يتحتم حصول موافقة وزير الداخلية لإتمام الزواج. أما المخالفون للقانون فسيتعرضون لعقوبات تصل إلى حد الفصل من الوظيفة الحكومية، وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات فإن الظاهرة في تصاعد مستمر، ولا يتوقع انحسارها قريباً، بل ربما سوف تتفاقم حدتها إذا أفلحت الجمعيات النسائية والضغوط الأجنبية في تعديل قوانين الأحوال الشخصية وفرض قيود على تعدد الزوجات.
العنف الرمزي
تتعرض المرأة إلى كل أشكال العنف الجسدي والنفسي والأخلاقي والإنساني، وقد يكون العنف الرمزي أكثر أشكال العنف خطورة وضرراً. يعرف بيير بورديو العنف الرمزي في كتابهعن (الهيمنة الذكورية)، بأنه (عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبةالى ضحاياه)، ويتمثل في أن تشترك الضحية وجلادها في التصورات الاستلابية نفسها عن العالم، وأن يؤمنا معاً بكل المقولات والمفاهيم والتصورات التي تضع المرأة في أقفاص المذلة والمهانة والاستلاب. ونحن عندما نتأمل في الأفكار الاستلابية ضد المرأة نجدها خرقاء عمياء جوفاء في جوهرها ومضمونها، حيث لا تؤيدها الحجج العقلية ولا يرأبها المنطق الذكي. فالعنف الرمزي أشد أنواع العنف الاستلابي الموجه ضد المرأة خطورة وفتكاً وهو نوع من العنف الثقافي الذي تشكل عبر مئات السنين من تاريخ الإنسانية.
وفي مجتمعاتنا الخليجية (وأشدد دائماً على العربية أيضاً) تشكل المرأة في كثير من الأحيان موضوعاً للعنف الرمزي في الممارسات الثقافية والتربوية السائدة في حياتنا الاجتماعية، ويتميز هذا العنف بقدرته الهائلة على التخفي وراء الرموز والدلالات والمعاني، كما يتميز بقدرته على التغلغل العفوي في الوعي بصورة عدوانية مضمرة ضد المرأة وموقف مضاد لها في الجوهر والمضمون. ويتجلى العنف الرمزي ضد المرأة في نسق متدفق من الإشارات والدلالات والرموز السلبية التي تستلب المرأة إنسانياً وتحاصرها من دون أن تأخذ هذه المعاني والرموز صورة جارفة واضحة صريحة بشحنتها العدوانية التي تضع المرأة قي قفص الاتهام الرمزي.
ويتمثل هذا النسق الرمزي بفيض لا حدود له من الصفات والسمات السلبية التي تأخذ المرأة إلى مرابض التوحش والجريمة والغواية والضعة تحت عنوان الطبيعة الشريرة للمرأة. فالمرأة وفقاً لهذا النسق تتصف بالخبث والكذب والسحر والفتنة والعار والغطرسة والخفة وضعف العقل والخيلاء والغواية والشيطنة، حيث هي باختصار مصدر كل شر وفساد وبلية وشكوى تحلّ بالإنسان والمجتمع.
ويتميز العنف الرمزي في ثقافتنا بقدرته على التخفي والانسياب في العقل من دون أن يشعر صاحبه بهذه القوة التي ترغمه أو تخضعه أو تستلبه، فهو أشبه بالتيارات البحرية التي تأخذك إلى أعماق البحار وأنت تعتقد أنك ما زلت في المكان الذي كنت فيه لم تتحرك. فالعنف الرمزي قوة تتغلغل فينا وتبرمجنا بصورة لا واعية فتجعلنا كأننا نخضع لأنفسنا وليس لقوة خارجية اخترقت جدار وعينا واستقرت في عقولنا الباطنية. باختصار إننا نستبطن رموز هذا العنف بطريقة تبدو لنا كأنها قيم كبرى يجب أن نتبناها وندافع عنها، وخير مثال على ذلك دفاع العبد عن سيده والضحية عن مفترسها والمرأة عن الرجل الذي يمتهن كرامتها لأن العنف أخذ طابعاً رمزياً، فتغلغل في أعماقنا واستقر في عقلنا الباطن، وأخذ يبرمجنا من الداخل من العمق وإن كان في الجوهر نابع من مصادر خارجية. باختصار إنه أشبه بالأفيون الذي يسيطر على ضحاياه ويدمرهم من الداخل من دون يشعروا به، وصاحب العنف الرمزي، أي من يروج له ويصنعه، أشبه بمروج المخدرات الذي ما إن يدفع ضحاياه لتذوقه حتى يصبح قوة داخلية تسيطر عليهم وتدمرهم إلى حين.
والمرأة من أكثر الفئات الاجتماعية تأثراً بالعنف الرمزي الذي تتشبع برموزه وسمومه في مراحل طفولتها ونشأتها وشبابها حتى تصبح أكثر الفئات الاجتماعية إحساساً بالدونية واقتناعاً بها، فهي أكثر من يؤمن بطبيعتها الشريرة المزعومة وأكثر إيماناً بأنها دون الرجل وأكثر اندفاعاً في مهاجمة حقوقها ومهاجمة الرجل الذي يدعو إلى تحريرها.
وهذه التصورات ليست حكراً على عالم الرجال، بل تحتل مكانها في عقل المرأة ووعيها وهذا يمثل قمة الاغتراب وغابة الاستلاب الإنساني، والمرأة بذاتها تدرك هذه التصورات وتتمثلها في كثير من الأوقات حتى إنها تجد مبرراً لخطاياها وعيوبها تحت عنوان ضعف المرأة وغوايتها وقابليتها للإغواء. فالمرأة تخضع لنوع من الاستلاب الرمزي الذي يفرغها من مضمونها الإنساني، ويحرمها من امتيازاتها الأخلاقية والاجتماعية، فكيف يحدث هذا؟ ما الأوليات التي تجعل المرأة خاضعة ومستكينة لأوضاعها الدونية من دون رفض أو معاندة أو مقاومة؟ كيف يفعل العنف الرمزي فعله عبر العملية التربوية؟ وكيف تتمثل المرأة وغيرها الرموز التي تضفي على دونيتها طابعاً شرعياً؟ وبعبارة أخرى كيف تتمثل المرأة أيديولوجياً عبوديتها الاجتماعية عبر نسق من المفاهيم والمقولات التي تستلبها على مرّ الزمن بأدوات تربوية تغذي رموز الدونية والعبودية النسوية؟
هذه هي الأسئلة التي نطرحها ونجيب عنها في هذا المقال المتواضع.
اللون الأسود نموذج للعنف الرمزي لدى المرأة: قراءة ميدانية
تتعدد صيغ الاستلاب الرمزي وأشكاله وموضوعاته، وتشمل طبيعة المرأة وقناعاتها ووظائفها ودورها الإنساني ومكانتها في المجتمع، حيث نجد أنساقاً متكاملة من الفعاليات والتصورات الرمزية التي تستلب المرأة من حيث نظرتها إلى ذاتها ونظرة المجتمع إليها، ونحن في هذا السياق سنقدم نموذجاً رمزياً استلابياً يتعلق باللون الأسود.
فمن المعروف أن لباس المرأة في الخليج غالباً ما يكون باللون الأسود، بينما الرجل يرتدي اللباس الأبيض ولا سيما في فصل الصيف. وهذه الظاهرة تلفت الانتباه من حيث طبيعتها الرمزية. والسؤال هو لماذا ترتدي النساء اللون الأسود في الصيف علماً بأن هذا اللون يمتص الحرارة كثيراً ويرفع درجة حرارة الجسد في بلاد شديدة الحرارة أصلاً؟
وليس أبداً شيء صعب أن نقول إن التقاليد هي التي تفرض ذلك، لكن يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن التقاليد لم تكن اعتباطية يوماً ما، بل هي مكثفة رمزية، ومن أجرى هذا التقليد في الأصل كان يتوخى أموراً تتعلق بموقفه من المرأة ودونيتها. فالتقاليد تقوم على أساس وظائفي وأساس رمزي. والسؤال هنا لماذا تنحاز التقاليد للرجل وتظلم المرأة فتعطي الرجل فرصة ارتداء الأبيض الذي يقيه شر الحر، بينما يفرض على المرأة اللون الأسود الذي يلهب الجسد بحرارته في فصل الصيف.
ومن أجل استكشاف البعد الرمزي لهذه المسألة كان علينا أن نلجأ إلى محاورة الطالبات الجامعيات في هذا الأمر عبر نسق من التساؤلات المنهجية التي نحاول عبرها الكشف عن البعد الرمزي للون اللباس لدى المرأة.
ومن أجل هذه الغاية قمنا بطرح أسئلة ممنهجة تتعلق بالألوان على أربع مجموعات طلابية مختلفة في شعب متفرقة وعلى فترة زمنية متفاوتة.
في المجموعة الأولى، سألنا الطالبات: أي الألوان هي الأفضل؟ فتنوعت الإجابات بتنوع الألوان، لكن اللون الأسود كان نادراً ما يرتسم في سلم أفضلية الألوان لدى الطالبات.
وفي المجموعة الثانية، طرحنا سؤالين مترابطين جوهرياً فكان الأول: إلى ما يرمز اللون الأسود؟ فكانت الإجابات دائماً: الحزن والموت والجهل. وكان الثاني: إلى ما يرمز اللون الأبيض؟ فكانت الإجابة الطهارة، النقاء، النور، الجمال، البراءة.
وفي المجموعة الثالثة، كان سؤالنا: لماذا ترتدين ثياباً سوداء؟ وسرعان ما كانت الإجابة في هذا المقام بأن اللون الأسود هو سيد الألوان وحاكمها، إنه اللون الرسمي، إنه لون المهابة، بل لون الوقار والحشمة.
وبعد ذلك قمنا بطرح هذه الأسئلة الأربعة كلها بالتسلسل على فرقة أخيرة من الطالبات، حيث بدأنا بالسؤال حول: ما لونكن المفضل؟ ثم إلى ما يرمز اللون الأسود؟ وبعد أن حصلت على الإجابات التقليدية المعروفة التي ترفض اللون الأسود، سألنا الطالبات السؤال التالي: لماذا إذن ترتدين اللون الأسود؟ وهنا كانت الصدمة والارتباك، حيث أصيبت الطالبات بحالة من الدهشة أو الصدمة، إذ أعلنَ مباشرة رفضهن لهذا اللون ونعتنه برمزية الحزن والجهل، وهن الآن في مواجهة حقيقية مع سؤال لم يخطر لهن ربما على بال: لماذا يرتدين اللون الأسود مع أنهن لا يفضلنه ويرين فيه رمزاً للحزن والبؤس والظلام؟ وبعد برهة تتعالى الإجابات بأن اللون الأسود هو سيد الألوان، وبعد الإقرار بأن اللون الأسود هو سيد الألوان ولون الحشمة، وجهت للطالبات سؤالاً جيداً نصه: إذا كان اللون الأسود هو سيد الألوان لماذا إذن لا يرتديه الرجال؟ ولماذا، على خلاف ذلك، يرتدون الثياب البيضاء الناصعة؟ ومن جديد تقع الطالبات في مزيد من الحيرة والارتباك، ويشكل عليهن الأمر، وتسيطر حالة من الوجوم تنظر فيها الطالبات بعضهن إلى بعض، وترتسم على وجوههن ابتسامات حائرة.
ثم وجهنا سؤالاً أخيراً: نحن في بلاد حارة واللون الأسود يجلب الحرارة ويلهب الجسد فلماذا لا تختار المرأة لوناً آخر يكفيها شر الحرارة الشديدة في بلادنا؟ فكان الوجوم أخطر وأكبر.
لقد أعلنت الطالبات أنهن يرتدين (الأسود) بوحي من العادات والتقاليد، ولم يخطر لهن طرح هذا السؤال على أنفسهن من قبل. وأعلنت أغلبيتهن أنهن لا يعرفن سبباً موضوعياً وجيهاً أو شرعياً يوجب ارتداء الأزياء السوداء في أرض صحراوية حارة، وأنهن أيضاً لا يعرفن لماذا يختص الرجال باللون الأبيض، بينما تختص النساء باللون الأسود وكانت الإجابة المختصرة هي عاداتنا وتقاليدنا ويجب أن نحترمها ونلتزم بها.
والسؤال الذي نطرحه هنا: هل من قبيل المصادفة ولد هذا التصنيف في اللون ما بين ملابس الرجال وملابس النساء؟ وهل هناك مبررات شرعية مشروعة أو موضوعية تبرر هذا التصنيف؟ لماذا ترتدي النساء اللون الأسود مع أنه ليس من الألوان المفضلة لديهن كما أنه يحمل طابعاً رمزياً سلبياً؟
لا يوجد أمامنا سوى افتراض واحد: إن تخصيص المرأة باللون الأسود يمثل شكلاً من أشكال الاستلاب الرمزي بما يتطلبه هذا الاستلاب من عنف رمزي يُمارس على المرأة لفرض دونيتها في السلم الاجتماعي في مجتمع ذكوري، أي في مجتمع يهيمن فيه الذكور. ووفقاً لهذا التصور فإن اللون الأسود يلعب طابع الترويض الرمزي للمرأة من دون أن تدري بأبعاد هذا الترويض، حيث أصبح هذا اللون بوصفه لوناً تفرضه العادات والتقاليد متأصلاً في الوعي، ولكنه في كل الأحوال تقليد مضاد للمرأة يصنفها أدنى من الرجل: الأبيض للرجل أما الأسود فللمرأة، الحرارة للمرأة أما البرودة فللرجل، النور للرجل والظلام للمرأة، الطهارة للرجل بينما السواد للمرأة. طبعاً هنا نستطيع أن نجد في الروابط ما بين اللون الأسود واللباس ما بين الرجل والمرأة نسقاً من الرموز التي تجعل من المرأة أدنى من الرجل وهنا تتم الوظيفة الاستلابية للون الأسود والوظيفة الإنسانية للون الأبيض.
التربية والاستلاب الرمزي
تشكل التربية أهم عوامل الاستلاب الرمزي للمرأة وقد كتبت في ذلك دراسات كثيرة. فالمدرسة كالتلفزيون تعمل على تأصيل الفروق والتباين بين الجنسين وعلى استلاب الأنوثة والإعلاء من شأن الذكورة. فالمدرسة تعمل وبصورة مستمرة على تكريس مفهوم العلاقة التقليدية التي تفرض نفسها بين الرجل والمرأة كالعلاقة بين السيد والمسود في عقول الأطفال وأذهانهم. فأغلب النصوص المدرسية تعمل على تقديم المرأة في صورتها التقليدية كأم وزوجة وطباخة وخياطة وحطّابة وخدامة. حتى عندما يراد للمرأة أن تقدم بصورة فعالة وإيجابية فإن المدرسة تضعها في صورتها المعيارية بوصفها ممرضة أو معلمة وسكرتيرة ومضيفة وهذا يعني أنها ما زالت تحاصر في أدوارها التقليدية حتى مع مطلع الألفية الجديدة.
العنف الرمزي في الكتب المدرسية
تتمثل خطورة عملية بث العنف الرمزي عبر الكتب المدرسية في مستويين أساسيين، في البداية فإن عملية بث هذا العنف وتأصيله تتم في المراحل العمرية التي يكون فيها الأطفال في قمة قدرتهم على استبطان المعلومات وتمثل القيم، فالأطفال في عمر المدرسة يتشبعون بسرعة وعمق بكل ما يُقدم إليهم من معلومات وما يُبشر به من قيم ورموز. وفي المستوى الآخر يقتضي التنويه بأن الكتب المدرسية تطبع بآلاف النسخ وتوزع على شرائح واسعة وعريضة من التلاميذ في مختلف المؤسسات المدرسية وهذا يغطي شرائح واسعة أيضاً من هؤلاء الذين يستهلكون هذه الكتب تحت عنوان التربية غير النظامية. وهذا يعني أن الكتاب المدرسي يلعب دوراً محورياً وأساسياً وقد يكون أحياناً الصلة الوحيدة بين المعلمين والتلاميذ. ومن الواضح أن هذه الكتب تفيض بالإشارات والرموز والصور التي تعزز مبدأ الفروق والتمييز بين الجنسين.
ويبدو أن مصممي الكتب المدرسية كانوا حريصين على تأكيد العنف الرمزي ضد المرأة منذ البداية حتى النهاية على مدار الحياة المدرسية برمتها. ويبدو هذا الحرص على تضمين العنف الرمزي في كتب المدارس العامة أكثر قوة وحضوراً، حيث نجد صورة مشوهة للمرأة سيتمثلها الأطفال من الجنسين على أنها حقائق أبدية، ووفقاً لهذه الصورة فإن الذكور يمتلكون وضعية الهيمنة والإناث وضعية الخضوع والدونية.
إذا كانت المرأة لا تطبخ فهي تنسج
منذ بداية الحياة المدرسية في السادسة أو السابعة من العمر يشعر الطفل بالفروق بين الجنسين عبر المعرفة المدرسية والممارسات التربوية. فالأم في كتب اللغة العربية غالباً ما تقدم على حضورها المستمر في المنزل لتقوم بأعمال المنزل، وبالتالي فإن البنات يساعدن الأمهات في أعمال المنزل وتدبيره. ويلي ذلك أن أغلب التمارين التي تطلب من التلميذ أن يصف عمل الأم والأب. فعلى سبيل المثال يسأل الطفل: ماذا تفعل الأم في المنزل والإجابة غالباً تكون إنها تطبخ أو تنظف المنزل أو ترضع الطفل أو تعنى بأطفالها، تتحدث إلى جاراتها، تعود أقرباءها والمرضى في الحي، وعلى خلاف ذلك تكون الصورة مختلفة بالنسبة للأب كأن تكون الإجابة إنه يقرأ أو يكتب أو يعود من العمل أو أنه يسافر أو يمارس الرياضة. وهذه الصورة النموذجية عن المرأة والرجل غالباً ما نجدها في أغلب كتب القراءة في المرحلة الابتدائية.
ويمكن في هذا السياق ملاحظة أن هذا التصوير يقدم المرأة في وضعية عبودية، وأن ذلك ليس أمراً عفوياً بل هو مقصود وموجه وأيديولوجي. فعلى سبيل المثال غالباً ما نجد في كتب القراءة أن الأم تستسلم إلى صورتها التقليدية، ففي أحد المشاهد في كتب القراءة نجد الصورة التالية الأم تقوم بخيط الثياب والأب يقرأ في المجلة والطفلة تلعب بدماها، بينما يقوم أخوها الصغير بكتابة وظائفه. ومن اللافت للنظر أن الصور التي ترافق النصوص لا تعبر عن مضمون النص، بل تكون مفارقة له حيث تأخذ دلالة تقلل من شأن المرأة نفسها وتعلي من شأن الذكور بصورة عامة.
المرأة جاهلة وعاطفية مقابل الرجل المثقف والقوي
تتعمد نصوص القراءة إخفاء الطابع الثقافي والتعليمي للمرأة وفي كثير من الحالات تبرز جهلها وأميتها. وفي الصور غالباً ما تأخذ صورتها التقليدية السائدة، حيث تقوم بحمل الأطفال وإرضاعهم وتعنى بالأبقار أو تحمل الحطب على ظهرها. وتقابل هذه الصورة صورة مناقضة للرجل المثقف الذي يقرأ الصحف ويعلم أبناءه ما هو ضروري لمعرفتهم واطلاعهم، يرسل الرسائل ويكتب الشعر.
وتوصف المرأة المثالية التي تقدم في هذه النصوص دائماً بأنها نشطة غير كسولة عاطفية رقيقة قلقة من أجل أطفالها. وعندما يتعلق الأمر بالمرأة العاملة خارج المنزل فإنها غالباً ما تكون بائعة أو ممرضة وقلما تكون طبيبة ومهندسة أو متخصصة علمياً. وبصورة عامة غالباً ما تقدم المرأة في الكتب على أنها أم وزوجة وأخت وطباخة ومربية وممرضة وهي تتجاهل بصورة متعمدة دور المرأة بوصفها مثقفة طبيبة ومهندسة وجامعية وسياسية.
الخضوع للمرأة والسلطة للرجل
يأخذ الرجل أدواراً متنوعة عبر النصوص والصور في الكتب المدرسية، فالرجال يقدمون على أنهم أصحاب الأمر والسلطة والقوة والإرادة، وبالتالي فإنهم يمتهنون مهنا تخولهم ممارسة هذه السلطة مثل مروضي أفاعي، صيادين، مديري نواد، محاربين، قادة، مغامرين، ضباط وقادة عسكريين، مدرسين ومعلمين، شيوخ وأئمة.
والمرأة غالباً ما تقدم خاضعة للرجل والرجل غالباً ما يكون المدير والسيد والآمر والناهي. وفي مستوى الطفولة غالباً ما يوصف الأطفال الذكور بالنشاط والقدرة والقوة والاندفاع، بينما يأخذ الأطفال الإناث صورة الرقة والنعومة والضعف والهشاشة. وغالباً أيضاً ما توصف المرأة الإيجابية بأنها المرأة العاطفية الحنونة الخجولة المطيعة.
وبالمحصلة تعاني المرأة من عملية استلاب رمزي مستمرة في حياتنا التربوية والثقافية، فهناك أنساق من الرموز التي تحاصر المرأة وتصنعها في قفص الاتهام لتحرمها من جوهرها الإنساني وقيمتها الأخلاقية. وما يؤسف له أن هذه الممارسات التربوية قائمة في التربية المنزلية والمدرسية في المؤسسات الثقافية في ميدان العمل وفي مختلف جوانب الحياة.
ومع وجود نسق خاص من السمات الإيجابية للمرأة فإن النسق العام من التصورات والرموز التربوية يضعها في موقع الإدانة. فالسمات الإيجابية هي نظام خاص يتبناه بعض الرجال في وصف صفوة النساء وخيارهن، وأحياناً بعض أمهاتهم وأخواتهم، أما النسق السلبي من هذه السمات فيوصف به المرأة بعامة على مبدأ الشمول والكلية والإطلاق. ويمكن تحديد طبيعة العلاقة بين النسقين في موقف الفرد الواحد على الشكل التالي: المرأة شريرة بطبيعتها على العموم، ولكن قد تكون أمي خيرة على مبدأ الاصطفاء والاستثناء. وهكذا يستطيع الإنسان أن يمتلك نقيضين تتوسطهما آلية ذهنية مخادعة يستطيع عبرها الخروج من دائرة هذه التناقض بإضافة صفة الاستثناء إلى من يستغرق في تقديرها وحبها. فالرجال كما يلاحظ يعاملون زوجاتهم وفقاً لهذا التصور الذهني عن المرأة وكذلك يعاملون بناتهم وجميع النساء تقريباً. هذه الأنساق التي تحط من شأن المرأة وتدني من قيمتها ترتبط تاريخياً بأوضاع اجتماعية اقتصادية في مراحل متدرجة من العبودية التي عاناها المجتمع الإنساني. وليست الإشكالية الآن في بحث النشأة الأولى لعملية الاستلاب الرمزي للمرأة عبر أنساق من المقولات والتصورات التاريخية التي أسبغت عليها بل تكمن في الكشف عن استمرارية هذه الأيديولوجيا والتصورات المعادية للمرأة عبر الزمن وعن الكيفيات التربوية التي تغذي أيديولوجيا النقص والاستلاب في شخص المرأة عموماً. وباختصار نحن اليوم نحتاج إلى (تثوير) العملية التربوية وتحريرها من الدلالات الرمزية التي تمتهن المرأة وتضعها في أقفاص الاستلاب الرمزي.
::/fulltext::
::cck::772::/cck::
