العالم الإسلامي في استراتيجية إدارة أوباما: التوجهات والمحددات والمعوقات
::cck::769::/cck::
::introtext::
في الرابع من يونيو 2009، وقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطيباً أمام الآلاف من العلماء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من مختلف الفئات، المصرية والعربية والإسلامية، في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة. ومع الكلمات الأولى للخطاب أبهر أوباما الحضور عندما بدأ حديثه بقوله (السلام عليكم)، فتعالى تصفيقهم وهتافات بعضهم، وأسقطت تحية الإسلام والعديد من الآيات القرآنية التي استشهد بها في خطابه وتأكيده على أن (واجبه الدفاع عن صورة الإسلام) وتلويحه بإسلام والده (حسين)، وأزال الحواجز بينه وبين الجمهور الذي تناسى أنه أمام رئيس أمريكي، رغم أن الخطاب لم يقدم في النهاية طرحاً يختلف في مضمونه عن الإدارات الأمريكية السابقة.
::/introtext::
::fulltext::
في الرابع من يونيو 2009، وقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطيباً أمام الآلاف من العلماء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من مختلف الفئات، المصرية والعربية والإسلامية، في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة. ومع الكلمات الأولى للخطاب أبهر أوباما الحضور عندما بدأ حديثه بقوله (السلام عليكم)، فتعالى تصفيقهم وهتافات بعضهم، وأسقطت تحية الإسلام والعديد من الآيات القرآنية التي استشهد بها في خطابه وتأكيده على أن (واجبه الدفاع عن صورة الإسلام) وتلويحه بإسلام والده (حسين)، وأزال الحواجز بينه وبين الجمهور الذي تناسى أنه أمام رئيس أمريكي، رغم أن الخطاب لم يقدم في النهاية طرحاً يختلف في مضمونه عن الإدارات الأمريكية السابقة.
لم يكن خطاب أوباما موجهاً للمسلمين والعرب فقط، وإنما لكافة الأطراف الأخرى المعنية بالعلاقة بين المسلمين والولايات المتحدة خاصة الشعب الأمريكي وإسرائيل. وإذا كان أوباما قد تحدث بصراحة في كثير من القضايا التي تهم المسلمين، فقد كان يراعي ردود أفعال الإسرائيليين والأمريكيين. لذا فقد شمل الخطاب كافة هذه الأطراف. فتحدث للعرب والمسلمين، وتحدثأيضاً للإسرائيليين واليهود، وللسنة والشيعة، وللأقليات والجماعات الدينية والعرقية كالأقباط وأهل دارفور، كما تحدث للجماعات والتيارات السياسية المعارضة،وسعى إلى إرضاء الأطراف كافة من خلال العديد من المفردات التي تضمنها خطابه، ليجد كل طرف ما يريد، ويبني عليه وفقاً لتصوراته وتوجهاته.
هذا على الرغم من أنه، من وجهة نظر الكثيرين، ليس هناك جديد في لهجة خطاب أوباما وحماسته وبراعته الخطابية وتواصله السحري مع مستمعيه، ولا في مضامينه ومصطلحاته ومفاهيمه، ليس فقط الموجهة للعالم الإسلامي، لكن في كل أعماله الفكرية والأدبية، التي هي أقرب الأدبية للروايات جيدة الصياغة شديدة الحبكة، بداية من أول كتاب صاغه (أحلام من أبي)،وصولاً إلى كل خطاباته، التي يلقيها في كل المحافل والمناسبات، الداخلية والخارجية، ففي كل خطاباته إلى العالم الإسلامي يؤكد أوباما أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حرب مع الإسلام، وأنها لن تكون معه في حرب، وأن العلاقات الأمريكية – الإسلامية لابد أم تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.
لقد حاول أوباما في خطابه ألاَّ يكون موجهاً إلى شعوب الدول الإسلامية، لكنه كان موجهاً إلى أي مسلم يعيش في أي بلد حتى إن كانت غير إسلامية، فهو خطاب إلى كل المسلمين وليس إلى العالم الإسلامي فقط. ولكسب قلوب وعقول كل المسلمين كرر أوباما كلمة القرآن الكريم خمس مرات في خطابه، واستشهد بالقرآن أربع مرات ولم يستشهد بالتلمود والكتاب المقدس إلا مرة واحدة من كل منهما.
ومن وجهة نظر البعض، جاء خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي في إطار الاستقطابالجديد الذي يحكم السياسة العالمية، والذي حل محل الاستقطاب القديم (الشيوعي- الرأسمالي)، فضلاً عن أنه جاء معبراً عن الأسلوب المختلف للتعامل مع الطرف الآخر. فإذا كانت الولايات المتحدة قد تعاملت مع الخصم القديم (السوفييتي) منخلال بناء ترسانة نووية هائلة، ومن خلال استراتيجية توازن الرعب النووي، فإنالتعامل مع الخصم الجديد جعل الولايات المتحدة والعالم الغربي يشهران أسلحة أخرىأكثر ملاءمة، تمتد من العمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان إلى المعونات الاقتصادية، واستمالة الحكومات والقوى الصديقة، فضلاً عن مخاطبة الرأيالعام السائد في العالم الإسلامي لعزل قوى (التطرف).

وفي الجزء الأول من الخطاب، طرح أوباماجوهر رسالته للعالم الإسلامي، وهي أن هناك الآن توتراً كبيراً في العلاقة بينالولايات المتحدة والمسلمين في أنحاء العالم، وهذا التوتر وإن كانت له أسبابهالتاريخية العميقة في العلاقة بين الغرب والأقطار الإسلامية، فإن له أسبابهالمعاصرة التي بلغت ذروتها بأحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، هذا الوضع يجب أنيتوقف، ويجب أن يبحث الطرفان عن بداية جديدة لعلاقتهما، لأن المصالح المشتركة التيتربط بينهما أكبر وأقوى بكثير من العوامل التي تفصل بينهما.
وكان أوباماعميقاً عندما عزا اعتقاده بعمق وحيوية العلاقة بين بلاده والعالم الإسلامي إلى تجربته الشخصية، وإلى تاريخ الحضارة الإسلامية، ثم إلى حقيقة أن الإسلام كان،ولا يزال، جزءاً من قصة الولايات المتحدة. ثم تعهد أوباما، بناء على ذلك، بأن يتصدىللصورة النمطية السائدة عن الإسلام في بلاده،وطالب بأن يتخلى المسلمون عن الصورة السلبية في مخيلتهم عن الولاياتالمتحدة.
ثم انتقل للحديث عماسماه (مصادر التوتر) في العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، أي التطرفالعنيف بكل أشكاله (في أفغانستان وباكستان والعراق وإزاء قوى التطرف بشكل عام) ثمالوضع بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين والعالم العربي، والأسلحة النووية،والديمقراطية، والحرية الدينية، وحقوق المرأة، ثم التنمية الاقتصادية، وتنميةالفرص، مركزاً على التعليم بشكل خاص.
وقد انطوت استراتيجية أوباما على اختلاف فياللغة والتكتيك وليس في المواقف والسياسات، فقد تجنب استخدام تعبير (الإرهاب) الذي ساد في عهد بوش، فضلاً عن أن أوباما زار مصروالمملكة العربية السعودية من دون المرور على إسرائيل، وهو أمر غير معتاد من رئيس أمريكي. كما أنه فيحديثه عن إيران، اعترف بالممارسات الأمريكية السابقة المعادية للشعب الإيرانيوللديمقراطية هناك، لكن هذا كله لم يمس الأسس والعناصر التقليدية للسياسةالأمريكية.
وتضمن خطاب أوباما شحنة عاطفية قوية، وانطوي على لهجة (تبشيرية) واضحة، واستشهد أكثر من مرة بآيات من القرآن الكريم، فضلاً عناقتباسات من الإنجيل والتوراة، كما اتسم خطاب أوباما بدرجة عالية منالتوازن الدقيق بين دعوته التبشيرية الجديدة والمتفائلة، والتزامه بالأسس التقليديةوالعملية للسياسة الأمريكية، سواء في ما يتعلق بالعالم الإسلامي بشكل عام، أوبالقضايا التفصيلية التي عالجها، بدءاً من الصراع العربي – الإسرائيلي، وسعي إيرانلامتلاك السلاح النووي، وحتى قضايا الديمقراطية، والحرية الدينية، وحقوقالمرأة.
ويمكن تناول وضع العالم الإسلامي في استراتيجية أوباما، وفق محاور رئيسية عدة ، على النحو التالي:
أولاً: توجهات استراتيجية أوباما نحو العالم الإسلامي:
تعدد مستويات الاستراتيجية الأمريكية لإدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي، سواء تجاه الأنظمة في الدول الإسلامية، أو تجاه المعارضة، أو تجاه الجماعات المسلحة الإسلامية، في هذه الدول:
1- سياسات تجاه الأنظمة في الدول الإسلامية: تتسم هذه السياسات بالاستقرار والثبات، لأنها تقوم على مصالح استراتيجية متبادلة، حيث ترى الولايات المتحدة في قوة الأنظمة في الدول الإسلامية المتحالفة معها واستقرارها، حمايةً لمصالحها في العالم الإسلامي، وبالتالي فهذه العلاقة لا تسعى الولايات المتحدة إلى تغييرها. لكن شهدت العلاقات الأمريكية مع بعض هذه الأنظمة تراجعاً ملحوظاً، على خلفية سياسات إدارة جورج بوش، وأصبح على إدارة أوباما أن تعيد التوازن لهذه العلاقات سواء مع الأنظمة في الدول الإسلامية السنية، والتي تمثل للولايات المتحدة مصالح استراتيجية من جهة، أو مع إيران والأنظمة التي تدور في فلكها من جهةٍ أخرى.
وعند استعراض الخطاب الأمريكي الرسمي لإدارة أوباما، يتضح أن معركة أوباما الأولى في العالم الإسلامي تقعفي جناحه الشرقي، فهي معنية بالأساس بمواجهة طالبان والقاعدة مواجهة فعالة وحاسمة في كل من أفغانستان وباكستان، وربطت الإدارة الأمريكية ربطاً مباشراً بين محاربة الإرهاب وبين النجاح في مواجهة (القاعدة) وطالبان، وهي معركة يمكن فيها تحقيق إنجازات نسبية ملموسة، مقارنة بالصراع العربي-الإسرائيلي، كما أنها قضية من السهل تحقيق إجماع وتوافق حولها سواء دولياًأو أمريكياً.
يعزز ذلك أهمية منطقة وسط آسيا البالغة في الاستراتيجية الأمريكية، بسبب تأثيرها المباشر في ميزان القوةالدولي المستقبلي في ظل بزوغ أطراف دولية جديدة جميعها آسيوية على رأسها الصين، بالإضافة إلى سيطرتها على مصادر الطاقة وطرق نقلها. فالتهدئة مع معسكر المعارضين والتقارب مع إيران يحققان للولايات المتحدة خروجاً آمناً من العراق، كما يوفران لها دعماً لا غنى عنه في مواجهة طالبان، هذا إلى جانب أنه يسمح بتوطيد النفوذ الأمريكي في وسط وشرقآسيا.
2- سياسات تجاه المعارضة في الدول الإسلامية: اقتصرت هذه التوجهات على الوعود الزائفة والحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فالولايات المتحدة تعطي الأولوية للأنظمة الحاكمة، وهو ما عبر عنه أوباما في خطابه للعالم الإسلامي، بقوله (لا يمكن لأية دولة أن تفرض نظاماً للحكم على أية دولة أخرى.. لكن الأمر الواضح بالتأكيد هو أنالحكومات التي تحمي هذه الحقوق هي في نهاية المطاف الحكومات التي تتمتع بقدر أكبرمن الاستقرار والنجاح والأمن).
3- سياسات تجاه الجماعات المسلحة الإسلامية: أعلن أوباما منذ بداية حملته الانتخابية أن العدو الأول للولايات المتحدة هو (تنظيم القاعدة). كما حمّل أوباما الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤولية تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، فقال في خطابه إلى العالم الإسلامي (لقد استغل المتطرفون الذين يمارسون العنف هذه التوترات (الاستعمار) عند أقلية صغيرة منالمسلمين بشكل فعال، ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، واستمر هؤلاء المتطرفون في مساعيهم الرامية إلى ارتكاب أعمال العنف ضد المدنيين، الأمر الذي حدا بالبعض في بلدي إلى اعتبار الإسلام معادياً لا محالة ليس لأمريكا وللبلدان الغربية فقط وإنماأيضاً لحقوق الإنسان. ونتج عن كل ذلك مزيد من الخوف وعدم الثقة.. إن المسألة الأولى التي يجب أن نواجهها هي التطرف العنيف بكافة أشكاله).
وهنا اتجهت إدارة أوباماإلى تبنيسياسات للتوافق وفتح قنوات للحوار مع ما سمته (معسكر المتطرفين)، حيث أعلت من قيمة الأدوات الدبلوماسية والقوة اللينة في التعامل مع المسلمين، مع توظيفها توظيفاًإيجابياً عند استخدام عناصر القوة الصلدة، وبدلاً من القيام بمواجهةمفتوحة مع كافة الحركات الإسلامية أو النظم الإسلامية، انحصرت المواجهة العسكرية معالأطراف الأكثر تطرفاً التي تحارب مباشرة الولايات المتحدة، في حين نقلت المواجهة معالأطراف الأخرى إلى الساحة السياسية والدبلوماسية، مع استعداد أكبر للتفاهم حولالأدوار المستقبلية، والجديد هو المنهج الأمريكي للتعامل مع الفاعلين (الإسلاميين) الذين يرفعونراية المقاومة بفتح أبواب الحوار وإنهاء عهد المواجهة الشاملة الحادة العنيفة، واللجوء إلى أدوات أخرى للضغط أكثر فاعلية.
وفي ظل هذه المستويات يمكن القول إن الاستراتيجية الأمريكية لإدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي، هدفت نحو تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، إلا أن ذلك ليس من الأمور السهلة، خصوصاً أنالصورة السلبية لها والمرسخة في كثير من بلدان العالم الإسلامي لم تتكون بينعشية وضحاها، ولن تتبدل بين ليلة وضحاها، وأن نجاح الدبلوماسية العامة الأمريكية لا يمكن أن ينفصل عن نجاح الدبلوماسية الرسمية، كما لا تعني سياسة أوباما تغييراً فيثوابت السياسة الخارجية الأمريكية. فالقراءة التاريخية للسياسة الخارجية الأمريكيةتجاه العالم الإسلامي، تكشف أن سياسات الإدارات الأمريكية على اختلافها، لم تتغير بصورة جوهرية، فهناكمصالح استراتيجية ثابتة، لم تتغير كثيراً على اختلاف الإدارات. وهو ما يؤسس صورة بنيوية ثابتة للسياسة الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي، لذا، فإن أي تغيير في السياسة الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي ومنه منطقة الشرق الأوسط سيكون تغييراً تكتيكياً وليس استراتيجياً.
هذا مع وجود إدراك أمريكي أن العالم الإسلامي ليس كتلة واحدة متجانسة مجتمعة في كيان واحد، وهذا يجعل مهمة أوباما للتقارب مع العالم الإسلامي ككل مهمة صعبة. فمن الصعوبة اعتماد خطاب موحد إلى العالم الإسلامي، فاستخدام قالب واحد للتعامل مع العالم الإسلامي لن يجدي لجملة من الاختلافات والتنافرات بين دول العالم الإسلامي، التي تشكل معوقاً لفرص التقارب الأمريكية معالعالم الإسلامي، يضاف إلى ذلك وجود قوى سياسية داخل الولايات المتحدة رافضة للتقارب مع العالمالإسلامي وإعادة تشكيل العلاقات الأمريكية – الإسلامية، وهي قوى مؤثرة في صناعة القرار الأمريكي. وهذا الأمر يفرض على أوباما إحداث صيغة توازنية في مقاربته العالم الإسلامي تحقق هدفيه من فتح صفحةجديدة مع العالم الإسلامي وعدم إغضاب المؤثرين في صناعة القرار الخارجيالأمريكي.
ثانياً: محددات استراتيجية إدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي
تمثل أحد أهداف سياسة أوباما الخارجية الرئيسية، في إعادة بناء الجسور مع العالم الإسلامي بهدف تحسين صورة أمريكا المشوهة، وبهدف جعلها في مأمن من الهجمات الإرهابية، وجاءت زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى إندونيسيا، كأول عاصمة إسلامية تزورها ذات مغزى سياسي كبير حول ملامح السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي في ظل إدارة أوباما، فجاكرتا عاصمة أكبر دولة إسلامية سكاناً، وثالث أكبر ديمقراطية في العالم بعد الهند والولايات المتحدة، واختيارهايعني أن الولايات المتحدة تتجه نحو احتواء العالم الإسلامي من أطرافه، وبعيداً عن منطقة الصراعات التي تغطي قلب العالم الإسلامي في الشرق الأوسط.
وجاء التركيز على شعوب وحكومات هذه المنطقة لتحقيق أهداف عدة، من أهمها:محاولة وقف امتداد نفوذ التيارات والأفكار الإسلامية التي توصف بـ (المتشددة) من الشرق الأوسط إلى هذه المنطقة، عبر توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية مع دول هذه المنطقة وشعوبها، من ناحية، وتحسين صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات كبيرة من المسلمين يعيشون على أطراف العالم الإسلامي، ولا يتأثرون بشكل مباشر بسياسات واشنطن المنحازة لإسرائيل في الشرق الأوسط، ومحاولة تقديم نماذج إسلامية تقبل أنماط العيش الأمريكية، والترويج لها داخل بقية مناطق العالم الإسلامي، من ناحية ثانية، والسعي إلى وقف النفوذ الصيني المتصاعد في جنوب شرق آسيا، عبر تقوية النفوذ الأمريكي في المنطقة،انطلاقاً من إندونيسيا، إحدى أقوى أعضاء تجمع (آسيان)، وهو ما عززته الزيارة التي قام بها الرئيس أوباما إلى إندونيسيا، وتوجيه خطاب جديد منها للعالم الإسلامي، بعد خطابي أنقرة والقاهرة، وذلك في نوفمبر 2010.
واستندت إدارة أوباما إلى مقومات عدة، لتعزيز فرص نجاحها في تحقيق هذه الأهداف وتدشين عهد جديد من العلاقات مع العالمالإسلامي، ومن بين هذه المقومات:
1- القبول الذي يتمتع به أوباما في الأوساط الشعبية الإسلامية سواء إبان حملتهالانتخابية الرئاسية، أو بعد فوزه فيها، ولهذا شكل أوباما فرصة مواتية للولايات المتحدة لإعادة بناء الهوة بينها والعالم الإسلامي، ويفتح صفحة جديدة مع شعوبه. هذا، إلى جانب كاريزمية أوباما ونظرة شعوب العالم الإسلامي إليه على أنه وجه أمريكا الجديدة الذي يجسد رؤيتهم للولايات المتحدة كدولة الديمقراطية والحريات بعد تراجع هذه المشاعر خلال فترتي بوش. هذا بجانب تأثير جذور أوباما الإسلامية على مدركات شعوب العالم الإسلامي له.
2- نجاح أوباما فيإعادة صياغة الخطاب الأمريكي تجاه العالم الإسلامي، وتنقيته من النظرة الأمريكية الاستعلائية والألفاظ المتعجرفة، والاستدعاء المغلوط لنظرية (صراع الحضارات).
3- واقعية أوباما في تعامله مع العالم الإسلامي وقضاياه، حيث ينطلق من رؤيته العالم الإسلامي كما هو، وليس من رؤيته لما يجب أن يكون عليه، كما ينظر أوباما إلى العالم الإسلامي على أنه شريك استراتيجي على قدم المساواة مع الولايات المتحدة وليس كتهديد للأمن والمصلحة القومية الأمريكية.
وقد انعكس هذا التوجه على مقاربة أوباما لقضايا العالم الإسلامي، فجاء تعيين مبعوثين على درجة عالية من الكفاءة والمهنية السياسية إلى أقاليم الأزمات في العالم الإسلامي، وإعطاء القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية أولوية في تنفيذالسياسة الخارجية الأمريكية والحفاظ على أمن الولايات المتحدة ومصالحها.
ثالثاً: أدوات استراتيجية إدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي
تعددت الأدوات التي تبنتها الإدارة الأمريكية للتواصل مع العالم الإسلامي، ومن ذلك:
1- إعادة النظر في استراتيجية الحرب على الإرهاب: فقد أعاد أوباما النظر في مصطلح (الحرب علىالإرهاب)، حيث أصدر تعليمات للمسؤولين في البيت الأبيض بعدم استخدام هذا المصطلح. وتقوم مقاربة أوباما لـ (الحرب على الإرهاب) على مجموعة من الاعتبارات أهمهاحصر هذه الحرب في (أولئك الأفراد المتطرفين الذين يشنون هجمات على كل من الدولالإسلامية والغربية)، والتفرقة بين (المتطرفين) وبقية العالم الإسلامي.
وفي سياق محاولة علاج بعض تداعيات هذهالحرب، تعهد أوباما بإغلاق معتقل غوانتانامو لأنه (أصبح خطراً على الأمن القومي للولاياتالمتحدة، ووسيلة لتجنيد المعادين لها)، وأصدر أمراً تنفيذياً بإغلاق المعتقل خلال عام واحد، كما أصدر قراراً بإغلاق السجون السرية التي تديرها وكالة المخابراتالمركزية خارج أمريكا، وفتحت إدارته ملف تورط وكالة المخابرات المركزية في تعذيبالمشتبه فيهم في قضايا ما يسمى الإرهاب خلال إدارة بوش. كما أمر بمنع استعمالأساليب الاستجواب القاسية، التي رأى فيها تقويضاً لحكم القانون،وتتنافى مع القيم والمبادئ الأمريكية وتؤدي إلى تزايد كراهية العالم للولاياتالمتحدة وتجنيد مزيد من الإرهابيين، وتعهد بمحاكمة المعتقلين في محاكم مدنية وإنهاء المحاكم العسكرية التي شكلتها إدارة بوش.
كما قرر أوباما في أغسطس 2009 تشكيل وحدة تحقيق جديدة تابعة للبيت الأبيض تضم نخبة منالمحققين لاستجواب المعتقلين المشتبه في كونهم من كبار (الإرهابيين)، بحيث تخضعلرقابة مباشرة من البيت الأبيض، وتكون بعيدة عن التضليل من جانب وكالة المخابراتالمركزية. وفيأكتوبر 2009، وقع أوباما على مذكرةقانون تعطي معتقلي غوانتانامو مزيداً من الحقوق القانونية لاسيما حق الدفاع، إلاأنها لم تتضمن ضرورة مثول المتهمين في غوانتانامو أمام القضاء الفيدرالي المدني،وأقرت صراحة باستمرار المحاكم العسكرية التي أنشأتها إدارةبوش.
2- تعيين أول مندوبة خاصة إلى المجتمعات الإسلامية في وزارة الخارجية الأمريكية: ففي 27 يونيو أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تعيين مسلمة من أصل كشميري، هي فرح بانديث، كمندوبة للمجتمعات الإسلامية، كماتم إنشاء (مكتب المندوب الخاص إلى المجتمعات الإسلامية) (OSRMC). وسوف يعمل المكتب على إشراك الجيل القادم وبناء شراكات جديدة. كما سيتصل مباشرة مع المسلمين في كافة أنحاء العالم، ويتبادل الأفكار مع القادة والأفراد غير الرسميين داخل المجتمعات المختلفة، لإيجاد حلول مستدامة للتحديات التي تواجهها. كما سيعمل على تعزيز التعليم القائم على المبادرة، وتمكين الحصول على التمويل اللازم لأصحاب المشاريع الحرة من كل الأنواع، وتشجيع الرعاية التوجيهية بين كبار رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الناشئة.
ويهدف المكتبكذلك إلى بناء شراكات بين أصحاب المشاريع التقنية الرائدة والنساء الناشطات الأوائل لإيجاد مبادرات متقدمة لزيادة محو الأمية وتعزيز التعليم والقيادة بين النساء المسلمات. ومن خلال تطوير فهم محلي وتطبيق نهج مختلف قليلاً في إشراك المسلمين، يمكن تحقيق خطوات كبيرة في المعايير والممارسات التعليمية. كما سيساعد على إسماع أصوات من يقاومون التطرف المستند إلى العنف. كما سيستضيف منافسات ابتكارية اجتماعية يتم فيها تحدي أصحاب الأعمال الحرة ومطوري التكنولوجيا والمؤلفين لإنشاء برامج تعزز الاندماج الاجتماعي، وإيجاد فرص العمل والتفكير الناقد.
3- تعيين مبعوث خاص إلى منظمة المؤتمر الإسلامي: في 13 فبراير 2010، عيّن الرئيس أوباما (رشاد حسين)، ممثلاً خاصاً إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. وقال أوباما: (سيعمل رشاد حسين بصفته ممثلاً خاصاً لدى منظمة المؤتمر الإسلامي على توسيع وتعميق علاقات الشراكة التي تسعى إليها الولايات المتحدة مع المسلمين حول العالم).
4- الدعوةإلى قمة اندماج اقتصادي مع العالم الإسلامي: فقد دعا الرئيسأوباما إلى عقد قمة دولية في واشنطن حول الاندماجالاقتصادي مع العالم الإسلامي، في خطوة أكد البيت الأبيض أنها جزء من الإجراءاتالعملية التي تعهد بها أوباما خلال (خطاب القاهرة).
5- إلغاء مصطلح الإرهاب الإسلاميمن وثائق الأمن القومي الأمريكي، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المسلمين من (منظار الإرهاب)، ويعتبر هذا الإجراء تغيراً بارزاً في سياسة الأمن القومي الأمريكية، إذ كانت إدارة جورج بوش وضعت عبارة (قتال التطرف الإسلامي العسكري هو أبرز صراعأيديولوجي في بداية القرن الحادي والعشرين). وتأتي هذه المراجعات جزءاً من جهود أكبر تتضمن تغيير الطريقة التي تتم فيها مخاطبة المسلمين، والموضوعات التي يتم تناولها معهم.
رابعاً: تقييم استراتيجية إدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي
في إطار الاعتبارات والمحاور السابقة، يمكن الوقوف على عدد من الملاحظات في ما يتعلق بتقييم استراتيجية أوباما تجاه العالم الإسلامي، من بينها:
1- إن التوجهات السياسية الأمريكية، لم يطرأ عليها تغيير فعلي يستدعي كل هذا الصخب السياسي والإعلامي، للترويج لعلاقات أمريكية جديدة تجاه العالم الإسلامي، وقيام الرئيس الأمريكي بتوجيه أكثر من خطاب للعالم الإسلامي. فالعلاقات على صعيد الأنظمة، اقتصرت على تحقيق الموازنة بين إيران وبعض الأنظمة التي أزعجها النفوذ الإيراني المتزايد. وبالنسبة للسياسات الأمريكية تجاه المعارضة في الدول الإسلامية، فلم تخرج عن إطار الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما حدث تراجع في استخدام هذه الملفات كأداة للضغط على الأنظمة في الدول الإسلامية، لأن المصلحة الأمريكية تقتضي ذلك، فيما لم تقدم إدارة أوباما أي جديد فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية المسلحة سوي استبدال مصطلح (الإرهاب) بـ (التطرف).
2- إن الولايات المتحدة تسعى من خلال خطابها الجديد للعالم الإسلامي إلى مواجهة معضلة المقاومة الإسلامية، التي تمثل النقطة المحورية في (السياسات الأمريكية الجديدة تجاه العالم الإسلامي). فحركات المقاومة الإسلامية تعلن عن شرعيتها التي تراها منطقية فضلاً عن شرعيتها المستمدة من القوانين والمواثيق الدولية، بالإضافةً إلى شعبيتها الواسعة لدى الشعوب الإسلامية، والتي تخشى الولايات المتحدة من استغلالها سياسياً، حيث إن حركات المقاومة لا يمكن للولايات المتحدة تصنيفها على أنها جماعات مسلحة، ولا مجرد تيارات معارضة، وفي الوقت ذاته تضع أمامها خطوطاً حمراً سياسية لمنعها من الوصول إلى السلطة، وإن نجحت حركة مقاومة في صياغة مشروع سياسي مكّنها من الوصول إلى السلطة، تسعى الولايات المتحدة بشتى الطرق إلى إسقاطها واستبدالها بأنظمة حليفة لها، لأنها تدرك يقيناً أن المقاومة ستغلب مصالح شعوبها على المصالح الأمريكية.
3- إن الرئيس أوباما نظراً لما لمسه من تطورات وصورة سيئةللولايات المتحدة في العالم الإسلامي نتيجة لسياسة بوش ونتيجة أيضاً لمعايشته للحياة في دول إسلامية وانتمائه الإفريقي-الأمريكي، فهو يظهر قدراً منالتفهم لقضايا المسلمين والعرب، لكن لهذا التفهم حدوداً ومحددات. فينبغي ألاننسى أن الرئيس أوباما هو ابن شرعي للثقافة والتراث الأمريكي، وللمؤسسات السياسيةوالدستورية والاجتماعية والثقافية الأمريكية، والتي لها دور فاعل في بلورة السياسة لأي رئيس في النظام الأمريكي، وإذا كان من الممكن أن يحسّن أوباما من صورة العرب والمسلمين لدىالشعب الأمريكي أو من صورة أمريكا السيئة لدى الدول العربية والإسلامية بدرجة معقولة، إلاأنه محدود الإمكانات في حل المشكلات العميقة الجذور، التي تؤثر في علاقات الطرفين، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي.
4- إن معرفة ما يصنع أوباما ضرورية، سواء من باب (الثقافة العامة) أو من باب البحث عنأرضية موضوعية أو نقاط لممارسة سياسات (المصالح) المتبادلة والمتكاملة، لكنيستحيل تحقيق الفائدة من كل ذلك، مالم نجعلها أولاً (ذات علاقة بأنفسنا)، وصناعة القرار المشترك فيما بيننا ولدينا.
5- إن هناكالعديد من التحديات الداخلية التي تزيد من تعقيد جهود أوباما اللازمة للحصول على دعم الرأي العام لسياسة خارجية عقلانية تكون قادرة على التعامل مع المعضلات العالمية التي تواجه الولايات المتحدة في الساحة الدولية. ويسعى أوباما بالفطرة إلى تحقيق التوافق، فهذه هي خبرته السياسية التي يمتلكها، والتي كانت سبباً أساسياً في نجاحه الانتخابي؛ فنزعة التوافق مدعومة بالإلهام الشخصي والقدرة على التعبير عن آمال العامة، لكنه لم يستطع إحداث النقلة من الخطيب المفوه إلى رجل الدولة القوي.
وأمام هذه الملاحظات فإن نجاح أوباما في تحسين صورة الولايات المتحدة بين المسلمين، يتوقف على ترجمة المبادئ التي أعلنها في خطابه إلى واقع عملي، إلا أن ذلك تواجهه تحديات عديدة، من بينها:
* التغلب على ردود الفعل الغاضبة على هذا الخطاب داخل الولايات المتحدة من جانب المحافظين الجدد، وأصدقاء إسرائيل، الذين تساندهم شبكات إعلامية قوية ومؤثرة، وبعض قيادات الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي. فقد انتقدواأوباما لأنه لم يستخدم مصطلح الإرهاب ولا الإرهابيين في وصف ما يعتبرونه خطراً إسلامياً على أمن الولايات المتحدة، وأنه وضع معاناة الفلسطينيين والإسرائيليين على قدم المساواة، وأنه في الوقت الذي يسعى فيه إلى الحوار مع أعداء الولايات المتحدة مثل إيران، فإنه يملي سياسات على إسرائيل.
* كيفية التعامل مع قضية البرنامج النووي الإيراني، حيث ستزداد الضغوط على الرئيس الأمريكي من جانب إسرائيل ودوائر محافظة في الولايات المتحدة لدفعه إلى التخلي عن سياسة الحوار مع الحكومة الإيرانية، وليس فقط تشديد العقوبات عليها، بل السماح والتعاون مع إسرائيل للقيام بعمل عسكري ضد منشآتها النووية، في الوقت الذي تظل فيه إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، على الرغم من تلميحات إدارة أوباما بضرورة انضمام كل دول المنطقة إلى اتفاقية حظر السلاح النووي، وهو أمر ليس من المحتمل أن تقبله إسرائيل.
* تنفيذ وعده بالإقلاع عن القوة العسكرية في التعامل مع الجماعات المسلحة التي تقاوم حكومات صديقة للولايات المتحدة سواء في العراق أو أفغانستان أو باكستان.
* التغلب على السلبيات التي عانت منها إدارته في التعاطي مع قضايا العالم الإسلامي، ومن ذلك استمرار نهج الحرب (وقائيةأو استباقية) مع تبديل بعض الأساليب ومحاور التركيز عليها بين أفغانستان وباكستانوالعراق واليمن، وتبديل العناوين جزئياً، مع بقاء المضمون، واستمرار منطق الهيمنة مع بعض التعديل في مراكز الثقل ما بين ملفات إيران، وآبار الخليج، وجبهات باب المندب، والعقدة اللبنانية-السورية، ومنابع النيل، والشمال الإفريقي، على الخريطة الإقليمية، وكذلك استمرار الاندماج الصهيو/أمريكيفي قضية فلسطين، واختزال البعد الإنساني والقانوني،المحلي والدولي، في قضايا غوانتانامو، وأبو غريب، إلى مجرد أوراق في جولة أخرى من جولات الصراع السياسي وغير السياسي داخل الولايات المتحدةالأمريكية، ومواصلة ممارسات خنق الوجود الإسلامي المتنامي في أمريكا والغرب عموماً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::769::/cck::
::introtext::
في الرابع من يونيو 2009، وقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطيباً أمام الآلاف من العلماء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من مختلف الفئات، المصرية والعربية والإسلامية، في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة. ومع الكلمات الأولى للخطاب أبهر أوباما الحضور عندما بدأ حديثه بقوله (السلام عليكم)، فتعالى تصفيقهم وهتافات بعضهم، وأسقطت تحية الإسلام والعديد من الآيات القرآنية التي استشهد بها في خطابه وتأكيده على أن (واجبه الدفاع عن صورة الإسلام) وتلويحه بإسلام والده (حسين)، وأزال الحواجز بينه وبين الجمهور الذي تناسى أنه أمام رئيس أمريكي، رغم أن الخطاب لم يقدم في النهاية طرحاً يختلف في مضمونه عن الإدارات الأمريكية السابقة.
::/introtext::
::fulltext::
في الرابع من يونيو 2009، وقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطيباً أمام الآلاف من العلماء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من مختلف الفئات، المصرية والعربية والإسلامية، في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة. ومع الكلمات الأولى للخطاب أبهر أوباما الحضور عندما بدأ حديثه بقوله (السلام عليكم)، فتعالى تصفيقهم وهتافات بعضهم، وأسقطت تحية الإسلام والعديد من الآيات القرآنية التي استشهد بها في خطابه وتأكيده على أن (واجبه الدفاع عن صورة الإسلام) وتلويحه بإسلام والده (حسين)، وأزال الحواجز بينه وبين الجمهور الذي تناسى أنه أمام رئيس أمريكي، رغم أن الخطاب لم يقدم في النهاية طرحاً يختلف في مضمونه عن الإدارات الأمريكية السابقة.
لم يكن خطاب أوباما موجهاً للمسلمين والعرب فقط، وإنما لكافة الأطراف الأخرى المعنية بالعلاقة بين المسلمين والولايات المتحدة خاصة الشعب الأمريكي وإسرائيل. وإذا كان أوباما قد تحدث بصراحة في كثير من القضايا التي تهم المسلمين، فقد كان يراعي ردود أفعال الإسرائيليين والأمريكيين. لذا فقد شمل الخطاب كافة هذه الأطراف. فتحدث للعرب والمسلمين، وتحدثأيضاً للإسرائيليين واليهود، وللسنة والشيعة، وللأقليات والجماعات الدينية والعرقية كالأقباط وأهل دارفور، كما تحدث للجماعات والتيارات السياسية المعارضة،وسعى إلى إرضاء الأطراف كافة من خلال العديد من المفردات التي تضمنها خطابه، ليجد كل طرف ما يريد، ويبني عليه وفقاً لتصوراته وتوجهاته.
هذا على الرغم من أنه، من وجهة نظر الكثيرين، ليس هناك جديد في لهجة خطاب أوباما وحماسته وبراعته الخطابية وتواصله السحري مع مستمعيه، ولا في مضامينه ومصطلحاته ومفاهيمه، ليس فقط الموجهة للعالم الإسلامي، لكن في كل أعماله الفكرية والأدبية، التي هي أقرب الأدبية للروايات جيدة الصياغة شديدة الحبكة، بداية من أول كتاب صاغه (أحلام من أبي)،وصولاً إلى كل خطاباته، التي يلقيها في كل المحافل والمناسبات، الداخلية والخارجية، ففي كل خطاباته إلى العالم الإسلامي يؤكد أوباما أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حرب مع الإسلام، وأنها لن تكون معه في حرب، وأن العلاقات الأمريكية – الإسلامية لابد أم تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.
لقد حاول أوباما في خطابه ألاَّ يكون موجهاً إلى شعوب الدول الإسلامية، لكنه كان موجهاً إلى أي مسلم يعيش في أي بلد حتى إن كانت غير إسلامية، فهو خطاب إلى كل المسلمين وليس إلى العالم الإسلامي فقط. ولكسب قلوب وعقول كل المسلمين كرر أوباما كلمة القرآن الكريم خمس مرات في خطابه، واستشهد بالقرآن أربع مرات ولم يستشهد بالتلمود والكتاب المقدس إلا مرة واحدة من كل منهما.
ومن وجهة نظر البعض، جاء خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي في إطار الاستقطابالجديد الذي يحكم السياسة العالمية، والذي حل محل الاستقطاب القديم (الشيوعي- الرأسمالي)، فضلاً عن أنه جاء معبراً عن الأسلوب المختلف للتعامل مع الطرف الآخر. فإذا كانت الولايات المتحدة قد تعاملت مع الخصم القديم (السوفييتي) منخلال بناء ترسانة نووية هائلة، ومن خلال استراتيجية توازن الرعب النووي، فإنالتعامل مع الخصم الجديد جعل الولايات المتحدة والعالم الغربي يشهران أسلحة أخرىأكثر ملاءمة، تمتد من العمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان إلى المعونات الاقتصادية، واستمالة الحكومات والقوى الصديقة، فضلاً عن مخاطبة الرأيالعام السائد في العالم الإسلامي لعزل قوى (التطرف).

وفي الجزء الأول من الخطاب، طرح أوباماجوهر رسالته للعالم الإسلامي، وهي أن هناك الآن توتراً كبيراً في العلاقة بينالولايات المتحدة والمسلمين في أنحاء العالم، وهذا التوتر وإن كانت له أسبابهالتاريخية العميقة في العلاقة بين الغرب والأقطار الإسلامية، فإن له أسبابهالمعاصرة التي بلغت ذروتها بأحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، هذا الوضع يجب أنيتوقف، ويجب أن يبحث الطرفان عن بداية جديدة لعلاقتهما، لأن المصالح المشتركة التيتربط بينهما أكبر وأقوى بكثير من العوامل التي تفصل بينهما.
وكان أوباماعميقاً عندما عزا اعتقاده بعمق وحيوية العلاقة بين بلاده والعالم الإسلامي إلى تجربته الشخصية، وإلى تاريخ الحضارة الإسلامية، ثم إلى حقيقة أن الإسلام كان،ولا يزال، جزءاً من قصة الولايات المتحدة. ثم تعهد أوباما، بناء على ذلك، بأن يتصدىللصورة النمطية السائدة عن الإسلام في بلاده،وطالب بأن يتخلى المسلمون عن الصورة السلبية في مخيلتهم عن الولاياتالمتحدة.
ثم انتقل للحديث عماسماه (مصادر التوتر) في العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، أي التطرفالعنيف بكل أشكاله (في أفغانستان وباكستان والعراق وإزاء قوى التطرف بشكل عام) ثمالوضع بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين والعالم العربي، والأسلحة النووية،والديمقراطية، والحرية الدينية، وحقوق المرأة، ثم التنمية الاقتصادية، وتنميةالفرص، مركزاً على التعليم بشكل خاص.
وقد انطوت استراتيجية أوباما على اختلاف فياللغة والتكتيك وليس في المواقف والسياسات، فقد تجنب استخدام تعبير (الإرهاب) الذي ساد في عهد بوش، فضلاً عن أن أوباما زار مصروالمملكة العربية السعودية من دون المرور على إسرائيل، وهو أمر غير معتاد من رئيس أمريكي. كما أنه فيحديثه عن إيران، اعترف بالممارسات الأمريكية السابقة المعادية للشعب الإيرانيوللديمقراطية هناك، لكن هذا كله لم يمس الأسس والعناصر التقليدية للسياسةالأمريكية.
وتضمن خطاب أوباما شحنة عاطفية قوية، وانطوي على لهجة (تبشيرية) واضحة، واستشهد أكثر من مرة بآيات من القرآن الكريم، فضلاً عناقتباسات من الإنجيل والتوراة، كما اتسم خطاب أوباما بدرجة عالية منالتوازن الدقيق بين دعوته التبشيرية الجديدة والمتفائلة، والتزامه بالأسس التقليديةوالعملية للسياسة الأمريكية، سواء في ما يتعلق بالعالم الإسلامي بشكل عام، أوبالقضايا التفصيلية التي عالجها، بدءاً من الصراع العربي – الإسرائيلي، وسعي إيرانلامتلاك السلاح النووي، وحتى قضايا الديمقراطية، والحرية الدينية، وحقوقالمرأة.
ويمكن تناول وضع العالم الإسلامي في استراتيجية أوباما، وفق محاور رئيسية عدة ، على النحو التالي:
أولاً: توجهات استراتيجية أوباما نحو العالم الإسلامي:
تعدد مستويات الاستراتيجية الأمريكية لإدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي، سواء تجاه الأنظمة في الدول الإسلامية، أو تجاه المعارضة، أو تجاه الجماعات المسلحة الإسلامية، في هذه الدول:
1- سياسات تجاه الأنظمة في الدول الإسلامية: تتسم هذه السياسات بالاستقرار والثبات، لأنها تقوم على مصالح استراتيجية متبادلة، حيث ترى الولايات المتحدة في قوة الأنظمة في الدول الإسلامية المتحالفة معها واستقرارها، حمايةً لمصالحها في العالم الإسلامي، وبالتالي فهذه العلاقة لا تسعى الولايات المتحدة إلى تغييرها. لكن شهدت العلاقات الأمريكية مع بعض هذه الأنظمة تراجعاً ملحوظاً، على خلفية سياسات إدارة جورج بوش، وأصبح على إدارة أوباما أن تعيد التوازن لهذه العلاقات سواء مع الأنظمة في الدول الإسلامية السنية، والتي تمثل للولايات المتحدة مصالح استراتيجية من جهة، أو مع إيران والأنظمة التي تدور في فلكها من جهةٍ أخرى.
وعند استعراض الخطاب الأمريكي الرسمي لإدارة أوباما، يتضح أن معركة أوباما الأولى في العالم الإسلامي تقعفي جناحه الشرقي، فهي معنية بالأساس بمواجهة طالبان والقاعدة مواجهة فعالة وحاسمة في كل من أفغانستان وباكستان، وربطت الإدارة الأمريكية ربطاً مباشراً بين محاربة الإرهاب وبين النجاح في مواجهة (القاعدة) وطالبان، وهي معركة يمكن فيها تحقيق إنجازات نسبية ملموسة، مقارنة بالصراع العربي-الإسرائيلي، كما أنها قضية من السهل تحقيق إجماع وتوافق حولها سواء دولياًأو أمريكياً.
يعزز ذلك أهمية منطقة وسط آسيا البالغة في الاستراتيجية الأمريكية، بسبب تأثيرها المباشر في ميزان القوةالدولي المستقبلي في ظل بزوغ أطراف دولية جديدة جميعها آسيوية على رأسها الصين، بالإضافة إلى سيطرتها على مصادر الطاقة وطرق نقلها. فالتهدئة مع معسكر المعارضين والتقارب مع إيران يحققان للولايات المتحدة خروجاً آمناً من العراق، كما يوفران لها دعماً لا غنى عنه في مواجهة طالبان، هذا إلى جانب أنه يسمح بتوطيد النفوذ الأمريكي في وسط وشرقآسيا.
2- سياسات تجاه المعارضة في الدول الإسلامية: اقتصرت هذه التوجهات على الوعود الزائفة والحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فالولايات المتحدة تعطي الأولوية للأنظمة الحاكمة، وهو ما عبر عنه أوباما في خطابه للعالم الإسلامي، بقوله (لا يمكن لأية دولة أن تفرض نظاماً للحكم على أية دولة أخرى.. لكن الأمر الواضح بالتأكيد هو أنالحكومات التي تحمي هذه الحقوق هي في نهاية المطاف الحكومات التي تتمتع بقدر أكبرمن الاستقرار والنجاح والأمن).
3- سياسات تجاه الجماعات المسلحة الإسلامية: أعلن أوباما منذ بداية حملته الانتخابية أن العدو الأول للولايات المتحدة هو (تنظيم القاعدة). كما حمّل أوباما الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤولية تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، فقال في خطابه إلى العالم الإسلامي (لقد استغل المتطرفون الذين يمارسون العنف هذه التوترات (الاستعمار) عند أقلية صغيرة منالمسلمين بشكل فعال، ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، واستمر هؤلاء المتطرفون في مساعيهم الرامية إلى ارتكاب أعمال العنف ضد المدنيين، الأمر الذي حدا بالبعض في بلدي إلى اعتبار الإسلام معادياً لا محالة ليس لأمريكا وللبلدان الغربية فقط وإنماأيضاً لحقوق الإنسان. ونتج عن كل ذلك مزيد من الخوف وعدم الثقة.. إن المسألة الأولى التي يجب أن نواجهها هي التطرف العنيف بكافة أشكاله).
وهنا اتجهت إدارة أوباماإلى تبنيسياسات للتوافق وفتح قنوات للحوار مع ما سمته (معسكر المتطرفين)، حيث أعلت من قيمة الأدوات الدبلوماسية والقوة اللينة في التعامل مع المسلمين، مع توظيفها توظيفاًإيجابياً عند استخدام عناصر القوة الصلدة، وبدلاً من القيام بمواجهةمفتوحة مع كافة الحركات الإسلامية أو النظم الإسلامية، انحصرت المواجهة العسكرية معالأطراف الأكثر تطرفاً التي تحارب مباشرة الولايات المتحدة، في حين نقلت المواجهة معالأطراف الأخرى إلى الساحة السياسية والدبلوماسية، مع استعداد أكبر للتفاهم حولالأدوار المستقبلية، والجديد هو المنهج الأمريكي للتعامل مع الفاعلين (الإسلاميين) الذين يرفعونراية المقاومة بفتح أبواب الحوار وإنهاء عهد المواجهة الشاملة الحادة العنيفة، واللجوء إلى أدوات أخرى للضغط أكثر فاعلية.
وفي ظل هذه المستويات يمكن القول إن الاستراتيجية الأمريكية لإدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي، هدفت نحو تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، إلا أن ذلك ليس من الأمور السهلة، خصوصاً أنالصورة السلبية لها والمرسخة في كثير من بلدان العالم الإسلامي لم تتكون بينعشية وضحاها، ولن تتبدل بين ليلة وضحاها، وأن نجاح الدبلوماسية العامة الأمريكية لا يمكن أن ينفصل عن نجاح الدبلوماسية الرسمية، كما لا تعني سياسة أوباما تغييراً فيثوابت السياسة الخارجية الأمريكية. فالقراءة التاريخية للسياسة الخارجية الأمريكيةتجاه العالم الإسلامي، تكشف أن سياسات الإدارات الأمريكية على اختلافها، لم تتغير بصورة جوهرية، فهناكمصالح استراتيجية ثابتة، لم تتغير كثيراً على اختلاف الإدارات. وهو ما يؤسس صورة بنيوية ثابتة للسياسة الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي، لذا، فإن أي تغيير في السياسة الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي ومنه منطقة الشرق الأوسط سيكون تغييراً تكتيكياً وليس استراتيجياً.
هذا مع وجود إدراك أمريكي أن العالم الإسلامي ليس كتلة واحدة متجانسة مجتمعة في كيان واحد، وهذا يجعل مهمة أوباما للتقارب مع العالم الإسلامي ككل مهمة صعبة. فمن الصعوبة اعتماد خطاب موحد إلى العالم الإسلامي، فاستخدام قالب واحد للتعامل مع العالم الإسلامي لن يجدي لجملة من الاختلافات والتنافرات بين دول العالم الإسلامي، التي تشكل معوقاً لفرص التقارب الأمريكية معالعالم الإسلامي، يضاف إلى ذلك وجود قوى سياسية داخل الولايات المتحدة رافضة للتقارب مع العالمالإسلامي وإعادة تشكيل العلاقات الأمريكية – الإسلامية، وهي قوى مؤثرة في صناعة القرار الأمريكي. وهذا الأمر يفرض على أوباما إحداث صيغة توازنية في مقاربته العالم الإسلامي تحقق هدفيه من فتح صفحةجديدة مع العالم الإسلامي وعدم إغضاب المؤثرين في صناعة القرار الخارجيالأمريكي.
ثانياً: محددات استراتيجية إدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي
تمثل أحد أهداف سياسة أوباما الخارجية الرئيسية، في إعادة بناء الجسور مع العالم الإسلامي بهدف تحسين صورة أمريكا المشوهة، وبهدف جعلها في مأمن من الهجمات الإرهابية، وجاءت زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى إندونيسيا، كأول عاصمة إسلامية تزورها ذات مغزى سياسي كبير حول ملامح السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي في ظل إدارة أوباما، فجاكرتا عاصمة أكبر دولة إسلامية سكاناً، وثالث أكبر ديمقراطية في العالم بعد الهند والولايات المتحدة، واختيارهايعني أن الولايات المتحدة تتجه نحو احتواء العالم الإسلامي من أطرافه، وبعيداً عن منطقة الصراعات التي تغطي قلب العالم الإسلامي في الشرق الأوسط.
وجاء التركيز على شعوب وحكومات هذه المنطقة لتحقيق أهداف عدة، من أهمها:محاولة وقف امتداد نفوذ التيارات والأفكار الإسلامية التي توصف بـ (المتشددة) من الشرق الأوسط إلى هذه المنطقة، عبر توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية مع دول هذه المنطقة وشعوبها، من ناحية، وتحسين صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات كبيرة من المسلمين يعيشون على أطراف العالم الإسلامي، ولا يتأثرون بشكل مباشر بسياسات واشنطن المنحازة لإسرائيل في الشرق الأوسط، ومحاولة تقديم نماذج إسلامية تقبل أنماط العيش الأمريكية، والترويج لها داخل بقية مناطق العالم الإسلامي، من ناحية ثانية، والسعي إلى وقف النفوذ الصيني المتصاعد في جنوب شرق آسيا، عبر تقوية النفوذ الأمريكي في المنطقة،انطلاقاً من إندونيسيا، إحدى أقوى أعضاء تجمع (آسيان)، وهو ما عززته الزيارة التي قام بها الرئيس أوباما إلى إندونيسيا، وتوجيه خطاب جديد منها للعالم الإسلامي، بعد خطابي أنقرة والقاهرة، وذلك في نوفمبر 2010.
واستندت إدارة أوباما إلى مقومات عدة، لتعزيز فرص نجاحها في تحقيق هذه الأهداف وتدشين عهد جديد من العلاقات مع العالمالإسلامي، ومن بين هذه المقومات:
1- القبول الذي يتمتع به أوباما في الأوساط الشعبية الإسلامية سواء إبان حملتهالانتخابية الرئاسية، أو بعد فوزه فيها، ولهذا شكل أوباما فرصة مواتية للولايات المتحدة لإعادة بناء الهوة بينها والعالم الإسلامي، ويفتح صفحة جديدة مع شعوبه. هذا، إلى جانب كاريزمية أوباما ونظرة شعوب العالم الإسلامي إليه على أنه وجه أمريكا الجديدة الذي يجسد رؤيتهم للولايات المتحدة كدولة الديمقراطية والحريات بعد تراجع هذه المشاعر خلال فترتي بوش. هذا بجانب تأثير جذور أوباما الإسلامية على مدركات شعوب العالم الإسلامي له.
2- نجاح أوباما فيإعادة صياغة الخطاب الأمريكي تجاه العالم الإسلامي، وتنقيته من النظرة الأمريكية الاستعلائية والألفاظ المتعجرفة، والاستدعاء المغلوط لنظرية (صراع الحضارات).
3- واقعية أوباما في تعامله مع العالم الإسلامي وقضاياه، حيث ينطلق من رؤيته العالم الإسلامي كما هو، وليس من رؤيته لما يجب أن يكون عليه، كما ينظر أوباما إلى العالم الإسلامي على أنه شريك استراتيجي على قدم المساواة مع الولايات المتحدة وليس كتهديد للأمن والمصلحة القومية الأمريكية.
وقد انعكس هذا التوجه على مقاربة أوباما لقضايا العالم الإسلامي، فجاء تعيين مبعوثين على درجة عالية من الكفاءة والمهنية السياسية إلى أقاليم الأزمات في العالم الإسلامي، وإعطاء القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية أولوية في تنفيذالسياسة الخارجية الأمريكية والحفاظ على أمن الولايات المتحدة ومصالحها.
ثالثاً: أدوات استراتيجية إدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي
تعددت الأدوات التي تبنتها الإدارة الأمريكية للتواصل مع العالم الإسلامي، ومن ذلك:
1- إعادة النظر في استراتيجية الحرب على الإرهاب: فقد أعاد أوباما النظر في مصطلح (الحرب علىالإرهاب)، حيث أصدر تعليمات للمسؤولين في البيت الأبيض بعدم استخدام هذا المصطلح. وتقوم مقاربة أوباما لـ (الحرب على الإرهاب) على مجموعة من الاعتبارات أهمهاحصر هذه الحرب في (أولئك الأفراد المتطرفين الذين يشنون هجمات على كل من الدولالإسلامية والغربية)، والتفرقة بين (المتطرفين) وبقية العالم الإسلامي.
وفي سياق محاولة علاج بعض تداعيات هذهالحرب، تعهد أوباما بإغلاق معتقل غوانتانامو لأنه (أصبح خطراً على الأمن القومي للولاياتالمتحدة، ووسيلة لتجنيد المعادين لها)، وأصدر أمراً تنفيذياً بإغلاق المعتقل خلال عام واحد، كما أصدر قراراً بإغلاق السجون السرية التي تديرها وكالة المخابراتالمركزية خارج أمريكا، وفتحت إدارته ملف تورط وكالة المخابرات المركزية في تعذيبالمشتبه فيهم في قضايا ما يسمى الإرهاب خلال إدارة بوش. كما أمر بمنع استعمالأساليب الاستجواب القاسية، التي رأى فيها تقويضاً لحكم القانون،وتتنافى مع القيم والمبادئ الأمريكية وتؤدي إلى تزايد كراهية العالم للولاياتالمتحدة وتجنيد مزيد من الإرهابيين، وتعهد بمحاكمة المعتقلين في محاكم مدنية وإنهاء المحاكم العسكرية التي شكلتها إدارة بوش.
كما قرر أوباما في أغسطس 2009 تشكيل وحدة تحقيق جديدة تابعة للبيت الأبيض تضم نخبة منالمحققين لاستجواب المعتقلين المشتبه في كونهم من كبار (الإرهابيين)، بحيث تخضعلرقابة مباشرة من البيت الأبيض، وتكون بعيدة عن التضليل من جانب وكالة المخابراتالمركزية. وفيأكتوبر 2009، وقع أوباما على مذكرةقانون تعطي معتقلي غوانتانامو مزيداً من الحقوق القانونية لاسيما حق الدفاع، إلاأنها لم تتضمن ضرورة مثول المتهمين في غوانتانامو أمام القضاء الفيدرالي المدني،وأقرت صراحة باستمرار المحاكم العسكرية التي أنشأتها إدارةبوش.
2- تعيين أول مندوبة خاصة إلى المجتمعات الإسلامية في وزارة الخارجية الأمريكية: ففي 27 يونيو أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تعيين مسلمة من أصل كشميري، هي فرح بانديث، كمندوبة للمجتمعات الإسلامية، كماتم إنشاء (مكتب المندوب الخاص إلى المجتمعات الإسلامية) (OSRMC). وسوف يعمل المكتب على إشراك الجيل القادم وبناء شراكات جديدة. كما سيتصل مباشرة مع المسلمين في كافة أنحاء العالم، ويتبادل الأفكار مع القادة والأفراد غير الرسميين داخل المجتمعات المختلفة، لإيجاد حلول مستدامة للتحديات التي تواجهها. كما سيعمل على تعزيز التعليم القائم على المبادرة، وتمكين الحصول على التمويل اللازم لأصحاب المشاريع الحرة من كل الأنواع، وتشجيع الرعاية التوجيهية بين كبار رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الناشئة.
ويهدف المكتبكذلك إلى بناء شراكات بين أصحاب المشاريع التقنية الرائدة والنساء الناشطات الأوائل لإيجاد مبادرات متقدمة لزيادة محو الأمية وتعزيز التعليم والقيادة بين النساء المسلمات. ومن خلال تطوير فهم محلي وتطبيق نهج مختلف قليلاً في إشراك المسلمين، يمكن تحقيق خطوات كبيرة في المعايير والممارسات التعليمية. كما سيساعد على إسماع أصوات من يقاومون التطرف المستند إلى العنف. كما سيستضيف منافسات ابتكارية اجتماعية يتم فيها تحدي أصحاب الأعمال الحرة ومطوري التكنولوجيا والمؤلفين لإنشاء برامج تعزز الاندماج الاجتماعي، وإيجاد فرص العمل والتفكير الناقد.
3- تعيين مبعوث خاص إلى منظمة المؤتمر الإسلامي: في 13 فبراير 2010، عيّن الرئيس أوباما (رشاد حسين)، ممثلاً خاصاً إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. وقال أوباما: (سيعمل رشاد حسين بصفته ممثلاً خاصاً لدى منظمة المؤتمر الإسلامي على توسيع وتعميق علاقات الشراكة التي تسعى إليها الولايات المتحدة مع المسلمين حول العالم).
4- الدعوةإلى قمة اندماج اقتصادي مع العالم الإسلامي: فقد دعا الرئيسأوباما إلى عقد قمة دولية في واشنطن حول الاندماجالاقتصادي مع العالم الإسلامي، في خطوة أكد البيت الأبيض أنها جزء من الإجراءاتالعملية التي تعهد بها أوباما خلال (خطاب القاهرة).
5- إلغاء مصطلح الإرهاب الإسلاميمن وثائق الأمن القومي الأمريكي، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المسلمين من (منظار الإرهاب)، ويعتبر هذا الإجراء تغيراً بارزاً في سياسة الأمن القومي الأمريكية، إذ كانت إدارة جورج بوش وضعت عبارة (قتال التطرف الإسلامي العسكري هو أبرز صراعأيديولوجي في بداية القرن الحادي والعشرين). وتأتي هذه المراجعات جزءاً من جهود أكبر تتضمن تغيير الطريقة التي تتم فيها مخاطبة المسلمين، والموضوعات التي يتم تناولها معهم.
رابعاً: تقييم استراتيجية إدارة أوباما تجاه العالم الإسلامي
في إطار الاعتبارات والمحاور السابقة، يمكن الوقوف على عدد من الملاحظات في ما يتعلق بتقييم استراتيجية أوباما تجاه العالم الإسلامي، من بينها:
1- إن التوجهات السياسية الأمريكية، لم يطرأ عليها تغيير فعلي يستدعي كل هذا الصخب السياسي والإعلامي، للترويج لعلاقات أمريكية جديدة تجاه العالم الإسلامي، وقيام الرئيس الأمريكي بتوجيه أكثر من خطاب للعالم الإسلامي. فالعلاقات على صعيد الأنظمة، اقتصرت على تحقيق الموازنة بين إيران وبعض الأنظمة التي أزعجها النفوذ الإيراني المتزايد. وبالنسبة للسياسات الأمريكية تجاه المعارضة في الدول الإسلامية، فلم تخرج عن إطار الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما حدث تراجع في استخدام هذه الملفات كأداة للضغط على الأنظمة في الدول الإسلامية، لأن المصلحة الأمريكية تقتضي ذلك، فيما لم تقدم إدارة أوباما أي جديد فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية المسلحة سوي استبدال مصطلح (الإرهاب) بـ (التطرف).
2- إن الولايات المتحدة تسعى من خلال خطابها الجديد للعالم الإسلامي إلى مواجهة معضلة المقاومة الإسلامية، التي تمثل النقطة المحورية في (السياسات الأمريكية الجديدة تجاه العالم الإسلامي). فحركات المقاومة الإسلامية تعلن عن شرعيتها التي تراها منطقية فضلاً عن شرعيتها المستمدة من القوانين والمواثيق الدولية، بالإضافةً إلى شعبيتها الواسعة لدى الشعوب الإسلامية، والتي تخشى الولايات المتحدة من استغلالها سياسياً، حيث إن حركات المقاومة لا يمكن للولايات المتحدة تصنيفها على أنها جماعات مسلحة، ولا مجرد تيارات معارضة، وفي الوقت ذاته تضع أمامها خطوطاً حمراً سياسية لمنعها من الوصول إلى السلطة، وإن نجحت حركة مقاومة في صياغة مشروع سياسي مكّنها من الوصول إلى السلطة، تسعى الولايات المتحدة بشتى الطرق إلى إسقاطها واستبدالها بأنظمة حليفة لها، لأنها تدرك يقيناً أن المقاومة ستغلب مصالح شعوبها على المصالح الأمريكية.
3- إن الرئيس أوباما نظراً لما لمسه من تطورات وصورة سيئةللولايات المتحدة في العالم الإسلامي نتيجة لسياسة بوش ونتيجة أيضاً لمعايشته للحياة في دول إسلامية وانتمائه الإفريقي-الأمريكي، فهو يظهر قدراً منالتفهم لقضايا المسلمين والعرب، لكن لهذا التفهم حدوداً ومحددات. فينبغي ألاننسى أن الرئيس أوباما هو ابن شرعي للثقافة والتراث الأمريكي، وللمؤسسات السياسيةوالدستورية والاجتماعية والثقافية الأمريكية، والتي لها دور فاعل في بلورة السياسة لأي رئيس في النظام الأمريكي، وإذا كان من الممكن أن يحسّن أوباما من صورة العرب والمسلمين لدىالشعب الأمريكي أو من صورة أمريكا السيئة لدى الدول العربية والإسلامية بدرجة معقولة، إلاأنه محدود الإمكانات في حل المشكلات العميقة الجذور، التي تؤثر في علاقات الطرفين، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي.
4- إن معرفة ما يصنع أوباما ضرورية، سواء من باب (الثقافة العامة) أو من باب البحث عنأرضية موضوعية أو نقاط لممارسة سياسات (المصالح) المتبادلة والمتكاملة، لكنيستحيل تحقيق الفائدة من كل ذلك، مالم نجعلها أولاً (ذات علاقة بأنفسنا)، وصناعة القرار المشترك فيما بيننا ولدينا.
5- إن هناكالعديد من التحديات الداخلية التي تزيد من تعقيد جهود أوباما اللازمة للحصول على دعم الرأي العام لسياسة خارجية عقلانية تكون قادرة على التعامل مع المعضلات العالمية التي تواجه الولايات المتحدة في الساحة الدولية. ويسعى أوباما بالفطرة إلى تحقيق التوافق، فهذه هي خبرته السياسية التي يمتلكها، والتي كانت سبباً أساسياً في نجاحه الانتخابي؛ فنزعة التوافق مدعومة بالإلهام الشخصي والقدرة على التعبير عن آمال العامة، لكنه لم يستطع إحداث النقلة من الخطيب المفوه إلى رجل الدولة القوي.
وأمام هذه الملاحظات فإن نجاح أوباما في تحسين صورة الولايات المتحدة بين المسلمين، يتوقف على ترجمة المبادئ التي أعلنها في خطابه إلى واقع عملي، إلا أن ذلك تواجهه تحديات عديدة، من بينها:
* التغلب على ردود الفعل الغاضبة على هذا الخطاب داخل الولايات المتحدة من جانب المحافظين الجدد، وأصدقاء إسرائيل، الذين تساندهم شبكات إعلامية قوية ومؤثرة، وبعض قيادات الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي. فقد انتقدواأوباما لأنه لم يستخدم مصطلح الإرهاب ولا الإرهابيين في وصف ما يعتبرونه خطراً إسلامياً على أمن الولايات المتحدة، وأنه وضع معاناة الفلسطينيين والإسرائيليين على قدم المساواة، وأنه في الوقت الذي يسعى فيه إلى الحوار مع أعداء الولايات المتحدة مثل إيران، فإنه يملي سياسات على إسرائيل.
* كيفية التعامل مع قضية البرنامج النووي الإيراني، حيث ستزداد الضغوط على الرئيس الأمريكي من جانب إسرائيل ودوائر محافظة في الولايات المتحدة لدفعه إلى التخلي عن سياسة الحوار مع الحكومة الإيرانية، وليس فقط تشديد العقوبات عليها، بل السماح والتعاون مع إسرائيل للقيام بعمل عسكري ضد منشآتها النووية، في الوقت الذي تظل فيه إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، على الرغم من تلميحات إدارة أوباما بضرورة انضمام كل دول المنطقة إلى اتفاقية حظر السلاح النووي، وهو أمر ليس من المحتمل أن تقبله إسرائيل.
* تنفيذ وعده بالإقلاع عن القوة العسكرية في التعامل مع الجماعات المسلحة التي تقاوم حكومات صديقة للولايات المتحدة سواء في العراق أو أفغانستان أو باكستان.
* التغلب على السلبيات التي عانت منها إدارته في التعاطي مع قضايا العالم الإسلامي، ومن ذلك استمرار نهج الحرب (وقائيةأو استباقية) مع تبديل بعض الأساليب ومحاور التركيز عليها بين أفغانستان وباكستانوالعراق واليمن، وتبديل العناوين جزئياً، مع بقاء المضمون، واستمرار منطق الهيمنة مع بعض التعديل في مراكز الثقل ما بين ملفات إيران، وآبار الخليج، وجبهات باب المندب، والعقدة اللبنانية-السورية، ومنابع النيل، والشمال الإفريقي، على الخريطة الإقليمية، وكذلك استمرار الاندماج الصهيو/أمريكيفي قضية فلسطين، واختزال البعد الإنساني والقانوني،المحلي والدولي، في قضايا غوانتانامو، وأبو غريب، إلى مجرد أوراق في جولة أخرى من جولات الصراع السياسي وغير السياسي داخل الولايات المتحدةالأمريكية، ومواصلة ممارسات خنق الوجود الإسلامي المتنامي في أمريكا والغرب عموماً.
::/fulltext::
::cck::769::/cck::
