المرأة الخليجية بين مطالب الداخل وضغوط الخارج
::cck::760::/cck::
::introtext::
لم يحظ موضوع في غضون الأعوام الماضية بمثل هذا الكم الهائل من الاهتمام الذي حظي به موضوع المرأة، فبعد مؤتمر بكين 1995م تعددت صور الاهتمام محلياً وإقليمياً ودولياً ما بين جمعيات نسائية ومجالس للمرأة تنشأ، ودراسات تنشر، وندوات تعقد، ومؤتمرات تصدر توصيات متعددة، إن لم تكن متباينة بحسب المواقع الأيديولوجية لمنظمي تلك المؤتمرات والمشاركين فيها، وهو الأمر الذي أحدث وفرة تجاوزت الكم إلى النوع على صعيد الدراسات الخاصة بالمرأة.
::/introtext::
::fulltext::
لم يحظ موضوع في غضون الأعوام الماضية بمثل هذا الكم الهائل من الاهتمام الذي حظي به موضوع المرأة، فبعد مؤتمر بكين 1995م تعددت صور الاهتمام محلياً وإقليمياً ودولياً ما بين جمعيات نسائية ومجالس للمرأة تنشأ، ودراسات تنشر، وندوات تعقد، ومؤتمرات تصدر توصيات متعددة، إن لم تكن متباينة بحسب المواقع الأيديولوجية لمنظمي تلك المؤتمرات والمشاركين فيها، وهو الأمر الذي أحدث وفرة تجاوزت الكم إلى النوع على صعيد الدراسات الخاصة بالمرأة.
إذا كان جلّ الاهتمام العالمي بالمرأة المسلمة في السابق منصباً على المرأة المصرية والتونسية باعتبارهما النموذجين البارزين عربياً، وعلى المرأة التركية والإيرانية إقليمياً، فإن التركيز قد انصب بشكل ملحوظ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على المرأة الخليجية، إذ إن الولايات المتحدة صارة تنظر إلى المنطقة ككل والسعودية على وجه الخصوص؛ باعتبارها راعية الأصولية مفرخ الإرهاب، وذلك بفضل بيئتها الاجتماعية التقليدية المحافظة. ومن هنا فإنَّ قوائم الطلبات الأمريكية، الخفية والمعلنة، قد تخطت للمرة الأولى النظم السياسية الحاكمة، واتجهت مباشرة صوب المجتمعات العربية في مسعى منها لتعديل وتحوير هوية الشعوب العربية ومحو خصوصيتها الثقافية، وصار التركيز على العامل الثقافي بغرض إيجاد شرق أوسط مختلف يتبنى قيماً بديلة وأفكاراً جديدة هي في مجملها إفرازات الحضارة الغربية، وفي القلب من هذه القيم يأتي الحديث عن حقوق الأقليات، والديمقراطية، والتعليم الديني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإدماج النساء في عملية التنمية، وهي ما صارت تؤلف ما يعرف باسم قضايا الإصلاح.
ولا يفوتنا التنويه بأنَّ هذه القضايا هي مطلب داخلي ملح، وكان يجب معالجتها داخلياً وفق أطروحات تراعي الخصوصية الثقافية، وتأخذ في الاعتبار النسق المجتمعي القائم حالياً، إلا أنها صارت قضية ذات حساسية خاصة، لأنَّ طرحها أتى من الخارج، وبالتالي ارتفعت نبرة الكبرياء القومية في مواجهتها.
وقبل أن نخوض في الحديث عن أهم القضايا المتعلقة بالمرأة الخليجية، والمعالجات المختلفة لها، وآخر المستجدات التي طرأت على هذه القضايا، سنحاول تقديم بعض الملاحظات التي تلقي الضوء على أوضاع المرأة الخليجية بصفة عامة:
1- الحديث عن إشكالية المرأة الخليجية لا يعدّ استثناء عن إشكالية المرأة العربية، فهي تقاسمها معظم الهموم باستثناءات أقرب إلى الكم منها إلى الكيف. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أننا حينما نشير إلى (المرأة الخليجية) لا يعني أننا نغفل التباينات النوعية بين امرأة وأخرى، والراجعة إلى الانتماء إلى مجتمعات تختلف من حيث درجة التحضر أو البداوة، ومن حيث معدلات التحديث. إلا أن هذه التباينات لا تنفي وجود خصائص عامة مشتركة تبرر إطلاق مصطلح (المرأة الخليجية) كمصطلح قادر على توصيف نساء هذه المنطقة بشكل عام.
2- التحولات الاقتصادية السياسية التي خضعت لها منطقة الخليج منذ اكتشاف النفط تركت بصماتها على المرأة التي كسرت عنها طوق العزلة، ومكنتها الوفرة الاقتصادية من الالتحاق بمراحل التعليم المختلفة ودخول سوق العمل.
3- لم تشهد القاعدة البنيوية الاجتماعية القبلية حراكاً نتيجة لازدياد أعداد المتعلمات والعاملات لأسباب سوف نتعرض إليها لاحقاً.
4- ترتب على جمود التركيبة المجتمعية تأخر ظهور وعي نسائي بقضايا المرأة، حيث تأخر تكوين الجمعيات والهيئات النسائية المختلفة إلى حقبتي الستينات والسبعينات، وذلك على الرغم من تشابه أوضاع المرأة في البلدان العربية المختلفة، إلا أنَّ المرأة الخليجية لم تواجه وتقابل حركات التغيير التي عاشتها المرأة المصرية على سبيل المثال.

ليس صحيحاً على الإطلاق أنَّ الأعداد الكبيرة للمتعلمات والعاملات يعني تلقائياً وضعاً أفضل للمرأة الخليجية
5- تعد المرأة البحرينية والكويتية استثناء من هذا التعميم، فقد شاركت الأولى بقوة منذ منتصف الخمسينات في الحركة الوطنية ضد الاستعمار، وكان لها دور فعال في الانتفاضة الشعبية التي شهدتها البحرين عام 1994م. أما المرأة الكويتية فقد طالبت منذ مطلع السبعينات بحقوقها السياسية والاجتماعية، وعقب انتهاء حرب الخليج الثانية اندلعت تظاهرات نسائية تطالب بمنح المرأة حق المشاركة في انتخابات مجلس الأمة.
6- استهدفت برامج عمل الجمعيات النسائية في مستهل عهدها دعم قضايا المرأة الخليجية المختلفة من تعليم وتنمية من خلال المواقع التقليدية للمرأة (عن طريق تحمل المرأة لمسؤولياتها وأداء المهام التي تلائمها باعتبارها أختاً وزوجة وعضواً فعالاً ومؤثراً في المجتمع)، كما اقتصرت اهتماماتها على النشاط الاجتماعي والخيري، وبمرور الوقت وبفضل سيطرة نخبة سياسية اقتصادية متغربة واحتكارها عمل النسوة تم تغييب قضايا الفئات الدنيا من النساء من برامج هذه الجمعيات، واستعارة قضايا المرأة الغربية وتعميمها باعتبارها قضايا النساء في كل زمان ومكان، الأمر الذي أدى إلى وجود حاجز كبير بين الواقع الذي ترزح تحته غالبية النساء وبين ما تنادي به هذه الجمعيات.
وثمة أفكار وقضايا تنشر لا لأصالتها أو صوابها، وإنما للإلحاح في إعادة طرحها في كل مناسبة وبكل الوسائل، ومن هذه القضايا ما يتعلق بإشكالية المرأة الخليجية التي لا تنفك الصحافة العالمية والعربية الآن عن الحديث عنها، وتطرح من خلالها رؤى متباينة وهي إشكالية ليست يسيرة كما يتوهم البعض، فالقضايا التي تؤسس عليها الإشكالية تأخذ أحد بعدين، أحدهما يروج له دعاة تيار النسوة، ويتعلق بقضايا إلحاق المرأة بكافة مراحل التعليم من دون استثناء، وولوجها مجالات العمل المختلفة جنباً إلى جنب مع الرجل، وأخيراً مشاركتها في الحياة السياسية وإلغاء كافة القوانين والنصوص التي قد تتعارض مع ذلك.
أما البعد الآخر المسكوت عنه، فلا يتعلق فقط بتلك الصعوبات الخارجية التي تقابلها المرأة، وإنما يتعلق بقضية وعي المرأة الخليجية بذاتها وإنسانيتها وفاعليتها في الحياة العامة، ووعي المجتمع بهذه الفاعلية.
وحين تطرح إشكالية حقوق المرأة فإنها تطرح على اعتبار أنها جزء من إشكالية أكبر هي إشكالية حقوق الإنسان ككل، ومن المفهوم أنَّ دعاة النسائية حينما يشيرون إلى مسألة حقوق الإنسان فإنهم يعدون النسق الغربي هو الإطار المرجعي لقضايا حقوق الإنسان في العالم أجمع، وهو اتجاه يزكيه اتجاه الإدارة الأمريكية لاتخاذ مسألة حقوق الإنسان كعصا للضغط على بعض الدول لتغيير مواقفها بشأن قضايا سياسية واستراتيجية.
ويتحدد موقف الولايات المتحدة الرسمي من حقوق الإنسان في العالم من خلال تقارير سنوية تصدرها واشنطن كل عام، وهذه التقارير تعدت كونها مجرد أداة إعلامية ذات فائدة، إلى كونها (أداة سياسية حيوية)، وقد احتلت مسألة حقوق المرأة الخليجية جزءاً كبيراً من عام 2003 مقارنة بالأعوام السابقة، الأمر الذي يعكس مدى الاهتمام الذي احتلته على سلم أولويات الإدارة الأمريكية. وقد أشاد التقرير بالخطوة القطرية في انتخابات المجلس البلدي وتعيين أول امرأة كوزيرة، كما أشاد أيضاً بالانتخابات الأردنية.
أما التقرير الخاص بحقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، فقد ركزت أجزاء مطولة من التقرير على إدانة قوانين الشريعة الإسلامية المعمول بها وخاصة باعتبار شهادة المرأة أمام المحاكم الشرعية لا تحمل نفس شهادة الرجل. أما بخصوص الميراث فقد نص على أنَّه (أخضعت النساء أيضاً إلى التمييز بموجب أحكام الشريعة الإسلامية كما تفسرها الحكومة، التي تنص على أنَّ الابنة تحصل على نص مبلغ الإرث الممنوح إلى شقيقها).
أما بالنسبة للحجاب فقد عدَّه التقرير إحدى أدوات القمع لأنَّه (يفرض على المرأة أن ترتدي في الأماكن العامة عباءة سوداء تغطي كامل جسمها ورأسها وشعرها)، وأنَّ هذا يتم فرضه أيضاً على نساء الجنسيات الأخرى حتى إن كن غير مسلمات. وأخيراً تناول التقرير مسألة تعدد الزوجات في فقرة مطولة، ودان تمتع الرجال بهذا الحق، وأنَّ القانون السعودي لا يشترط أن يبلغ الرجل زوجته بأمر زواجه من أخرى.
الحديث عن إشكالية المرأة الخليجية لا يعدّ استثناء عن إشكالية المرأة العربية
أما بخصوص التعليم، فقد أوضح التقرير أنَّ المرأة استطاعت الحصول على تعليم مجاني، لكنه مفصول عن الرجال حتى المستوى الجامعي، وأنَّ الجامعيات السعوديات استثنين من دراسة مواضيع كالهندسة، والصحافة، وفن العمارة، وأضاف أنَّ القانون ينص على أنَّ بإمكان النساء أن يدرسن في الخارج شرط أن يرافقهن زوج أو قريب ذكر، ومع ذلك لم يطبق هذا التقييد قسرياً في الممارسة الفعلية. أما بالنسبة للعمل فقد دان التقرير تركز معظم العاملات في قطاعات معينة أهمها التعليم والصحة.
ويتضح من استعراضها لأهم ما جاء به التقرير الأمريكي أنَّ جل انتقادات الإدارة الأمريكية كانت موجهة إلى قوانين الشريعة الإسلامية، التي لم تعد متوافقة مع المنظور الأمريكي لحقوق الإنسان، وهو ما يحمل على الاعتقاد بأنه لم يعد هناك مجال مطلقاً للتوفيق بين قوانين الشريعة الإسلامية والرؤية الأمريكية لحقوق الإنسان، وأنَّ أي محاولة للادعاء بإمكانية التقريب بينهما سيكون مآلها الفشل.
وبفعل الضغوط الداخلية والإلحاح الأمريكي على ضرورة توسيع قاعدة مشاركة النساء في العملية السياسية دفعت بعض الدول الخليجية إلى الإسراع باتخاذ خطوات من شأنها الادعاء بأنها تسير في هذا السبيل، ومن ذلك الإعلان عن تشكيل مجالس للمرأة في معظم البلدان الخليجية. أما المملكة العربية السعودية التي تبدو أكثر روية في الإقدام على مثل هذه الخطوات، فقد تمَّ الإعلان فيها عن قيام مجلس حقوق الإنسان الذي ضمَّ في عضويته ثلاث نساء، كما شاركت 10 سيدات من أصل 60 مشاركاً في جلسات الحوار الوطني الثاني الذي عقد في أواخر العام الماضي، كما شاركت المرأة بنصيب أوفى في جلسات الحوار الوطني الثالث الذي عقد في المدينة المنورة قبل أشهر عدة وكان بعنوان (المرأة: حقوقها وواجباتها)، وفي بادرة جديدة من نوعها أعلنت قطر في شهر مايو 2003 عن تعيين شيخة المحمود كأول وزيرة قطرية، وتعد بذلك أول وزيرة خليجية على الإطلاق، تبعتها سلطنة عمان بتعيين راوية البوسعيدي كأول وزيرة عمانية، وجاء ذلك أثناء الاحتفال بيوم المرأة العالمي لعام 2004م. إذاً هناك اتجاه رسمي لمنح المرأة حقها السياسي عن طريق سن تشريعات جديدة، إلا أنه يؤخذ على هذه التشريعات أنها (محاولات فوقية) لن تؤتي ثمارها في تفعيل مشاركة المرأة، ولن يتعدى تأثيرها القشرة الخارجية للمجتمع، وسيظل الأمر رهناً بحدوث تغييرات بنيوية في القاعدة الاقتصادية والاجتماعية، وبتغيير أشكال الوعي المجتمعي من عادات وتقاليد وأعراف، إذ ليست العبرة بقوانين تسن، وإنما بتطبيق هذه القوانين.
وهناك ملاحظة أخرى بالنسبة لمسألة القوانين والتشريعات، وهي أنها من المفترض أن تكون محصلة واقع اجتماعي وما يسوده من علاقات مجتمعية وإنتاجية، لذا يظل حدوث تطور اجتماعي شرطاً لا بدّ منه لسنّ التشريعات والقوانين، ومن المفارقات أنَّ هناك مجتمعات خليجية حققت تطوراً نسبياً على هذا الصعيد كالكويت والبحرين، ورغم ذلك ظلَّت القوانين المعمول بها لا ترقى إلى مستوى التطور المجتمعي، في حين أن مجتمعات أخرى ليست على الدرجة ذاتها من التطور الاجتماعي ـ وتعدّ قطر مثالاً بارزاً على ذلك ـ ورغم ذلك فإنَّ القوانين المعمول بها تسابق الواقع الاجتماعي. وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أنَّ القوانين التي تمَّ الإعلان عنها مؤخراً في بعض الدول الخليجية ليست وليدة حاجة مجتمعية، وأنَّ هناك عوامل أخرى، تتعلق بوجود ضغوط خارجية هي التي أملتها.
إن كل هذه المستجدات الجديدة التي فرضت نفسها على الساحة السياسية حتمت ضرورة إجراء مراجعة سياسية من جانب القوى السياسية المختلفة لمواكبة هذه التطورات، فقد أعلنت الحركة الدستورية الإسلامية في الكويت، أحد أبرز المعارضين لمنح المرأة حق الانتخاب، أنها بصدد تقييم ودراسة موقفها من الحقوق السياسية للمرأة. وأوضحت أنَّ ذلك يأتي في إطار طرح مبادرات إصلاحية ومشاريع تنموية داخلية تساهم في مواجهة المشاريع التغريبية، ومن الواضح أنَّ الحركة اضطرت لاتخاذ هذا الموقف في أعقاب زيارة مسؤولة الشؤون الخارجية الأمريكية جوانا ليفنسون إلى الكويت لبحث حقوق المرأة، وتصريح رئيس الدولة الشيخ صباح الأحمد بالتزام بلاده بحقوق المرأة السياسية وتعديل قانون الانتخاب.
وتأتي على رأس أولويات الأجندة النسائية بالنسبة لحقوق المرأة الخليجية مسألة التوسع في إدماج المرأة في التنمية، ويمكن إرجاع ذلك إلى كون معظم فلسفات وأفكار التيار النسوي مستمدة من النظام الرأسمالي وعلاقاته، ولذلك فإن منظوره يخضع لمفاهيم اقتصاد السوق كالعرض والطلب، والربحية، والعمل في مقابل أجر، وهي مفاهيم لا تتحقق إلا بخروج المرأة للعمل خارج منزلها، وفي هذا الاتجاه تحتل الجداول الإحصائية مكان الصدارة في التباهي بالتقدم والازدهار اللذين لحقا بأوضاع المرأة الخليجية من خلال مقارنة أعداد المتعلمات والعاملات حالياً بأعدادهن في فترات سابقة، لإعطاء استنتاجات معينة تؤكد أنَّ ازدياد نسبة المتعلمات والعاملات، وارتياد المرأة مجالات جديدة لم تكن متاحة لها من قبل يعدان دلالة قاطعة على الإنجازات التي حققتها المرأة الخليجية. وعلى جانب آخر فقد لوحظ أنه حتى الآن لا تزال بعض الدول (قطر والسعودية) لا تسمح للفتيات بالتعليم الفني، كما أن بعض التخصصات العلمية في الجامعات لا يزال دخولها قاصراً على الذكور، الأمر الذي يحول بلا شك دون دخول النساء بعض مجالات العمل، التي تظل قاصرة على الرجال.
ورغم النسب المرتفعة التي تشير إلى ازدياد نسبة النساء العاملات، فالملاحظ أنَّ التغيير الذي طرأ على حياة المرأة الخليجية ورصدته الدراسات هو تطور كمي وليس تطوراً نوعياً، إذ ليس صحيحاً على الإطلاق أنَّ الأعداد الكبيرة للمتعلمات والعاملات يعني تلقائياً وضعاً أفضل للمرأة الخليجية من دون النظر إلى الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية-السياسية المحيطة، أو أنه يعكس ارتقاء في وعي الخليجية بذاتها ووعي مجتمعها بها. أما من ناحية النوع فغالباً ما ينظر إلى عمل المرأة لا من زاوية الإنتاج، بل من زاوية شد الشاغر والحديث عن فتح آفاق جديدة أمام المرأة، بغض النظر عن الأعداد الضئيلة التي تلحق بها، والتي لن تكون مؤثرة مطلقاً في عجلة التنمية، مما يرجح أنَّ السماح بارتياد المرأة مجالات عمل جديدة هو من قبيل التمثيل الرمزي وبغرض تجميل صورة المجتمعات الخليجية أمام المجتمع العالمي والتشدق بما تحققه المرأة من إنجازات، وليس له أي أبعاد معيارية.
ارتياد المرأة مجالات جديدة يعد دلالة قاطعة على الإنجازات التي حققتها المرأة الخليجية
وتعدُّ المملكة العربية السعودية الأسبق على صعيد فتح مجالات عمل جديدة أمام المرأة، وليس هذا راجعاً بالضرورة حسبما هو شائع إلى ضغوط خارجية فقط؛ بقدر ما هو راجع إلى وجود حالة من القلق المجتمعي ناجمة عن تصاعد معدلات العمليات الإرهابية، ووجود ضغوط قوية في الداخل تطالب القيادة السياسية بالإصلاح وتوسيع قاعدة المشاركة وفتح آفاق عمل جديدة أمام المرأة.
نحن إذن أمام معالجة تحاول الإفلات – بخطى حثيثة – من ضغوط خارجية متزايدة لم تعد خفية، تساندها مطالب داخلية بالمسارعة في الإصلاح من دون إبطاء، لتلبية الأجندة العالمية، الأمر الذي صار يخشى معه حدوث هزة يمكن أن يتعرض لها مجتمع قبلي عاش في شبه عزلة عما حوله من تيارات وثقافات، مما أدى إلى احتفاظه إلى وقت قريب للغاية ببنية اجتماعية وأعراف وتقاليد كانت مثار تغيير في المجتمعات العربية المجاورة.
ونظراً لكون الأسرة هي أولى الوحدات الاجتماعية تأثراً بالتغييرات الاجتماعية الاقتصادية التي أصابت المجتمع الخليجي مؤخراً؛ فقد امتدت إليها ظلال هذه التغييرات، فصار التوجه إلى بناء الأسرة النووية – المستقلة من حيث الدخل الاقتصادي والمسكن – بديلاً عن الأسرة الممتدة هو الاتجاه السائد حالياً، وهو اتجاه آخذ في الانتشار في معظم البلدان الخليجية وخصوصاً بين فئات الحضر، الشباب المتعلمين والطبقة المتوسطة من السكان. ويرى بعض الباحثين أنَّ سيادة الأسرة النووية (توفر الخلفية الضرورية لتحرير المرأة)، أما الشرط الأساسي لتحريرها فهو انفتاحها على التعليم وولوجها سوق العمل.
وتبين من العرض السابق أنَّ المرأة الخليجية في العام الماضي كانت محل اهتمام في الداخل والخارج، وأنَّ إشكالياتها قد نوقشت بشكل واسع، وقد جرى التعامل معها بسخاء، إذ منحت الكثير من الحقوق الشكلية وبخاصة تلك المتعلقة بالمساواة القانونية في ممارسة الحقوق السياسية، والتنمية، والتعليم، إلا أنَّ إشكالياتها الحقيقية والأكثر عمقاً والمتعلقة بوعيها لذاتها وإنسانيتها وهويتها الدينية والثقافية لم تشغل حيزاً من النقاش، وهو ما نرغب في أن تتم مناقشته في أقرب وقت خشية أن ننجرف جميعاً لمواجهة تيار الأطروحات الغربية، ونغفل أن وعي المرأة الخليجية بذاتها هو الكفيل وحده بدحض كل هذه الأطروحات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::760::/cck::
::introtext::
لم يحظ موضوع في غضون الأعوام الماضية بمثل هذا الكم الهائل من الاهتمام الذي حظي به موضوع المرأة، فبعد مؤتمر بكين 1995م تعددت صور الاهتمام محلياً وإقليمياً ودولياً ما بين جمعيات نسائية ومجالس للمرأة تنشأ، ودراسات تنشر، وندوات تعقد، ومؤتمرات تصدر توصيات متعددة، إن لم تكن متباينة بحسب المواقع الأيديولوجية لمنظمي تلك المؤتمرات والمشاركين فيها، وهو الأمر الذي أحدث وفرة تجاوزت الكم إلى النوع على صعيد الدراسات الخاصة بالمرأة.
::/introtext::
::fulltext::
لم يحظ موضوع في غضون الأعوام الماضية بمثل هذا الكم الهائل من الاهتمام الذي حظي به موضوع المرأة، فبعد مؤتمر بكين 1995م تعددت صور الاهتمام محلياً وإقليمياً ودولياً ما بين جمعيات نسائية ومجالس للمرأة تنشأ، ودراسات تنشر، وندوات تعقد، ومؤتمرات تصدر توصيات متعددة، إن لم تكن متباينة بحسب المواقع الأيديولوجية لمنظمي تلك المؤتمرات والمشاركين فيها، وهو الأمر الذي أحدث وفرة تجاوزت الكم إلى النوع على صعيد الدراسات الخاصة بالمرأة.
إذا كان جلّ الاهتمام العالمي بالمرأة المسلمة في السابق منصباً على المرأة المصرية والتونسية باعتبارهما النموذجين البارزين عربياً، وعلى المرأة التركية والإيرانية إقليمياً، فإن التركيز قد انصب بشكل ملحوظ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على المرأة الخليجية، إذ إن الولايات المتحدة صارة تنظر إلى المنطقة ككل والسعودية على وجه الخصوص؛ باعتبارها راعية الأصولية مفرخ الإرهاب، وذلك بفضل بيئتها الاجتماعية التقليدية المحافظة. ومن هنا فإنَّ قوائم الطلبات الأمريكية، الخفية والمعلنة، قد تخطت للمرة الأولى النظم السياسية الحاكمة، واتجهت مباشرة صوب المجتمعات العربية في مسعى منها لتعديل وتحوير هوية الشعوب العربية ومحو خصوصيتها الثقافية، وصار التركيز على العامل الثقافي بغرض إيجاد شرق أوسط مختلف يتبنى قيماً بديلة وأفكاراً جديدة هي في مجملها إفرازات الحضارة الغربية، وفي القلب من هذه القيم يأتي الحديث عن حقوق الأقليات، والديمقراطية، والتعليم الديني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإدماج النساء في عملية التنمية، وهي ما صارت تؤلف ما يعرف باسم قضايا الإصلاح.
ولا يفوتنا التنويه بأنَّ هذه القضايا هي مطلب داخلي ملح، وكان يجب معالجتها داخلياً وفق أطروحات تراعي الخصوصية الثقافية، وتأخذ في الاعتبار النسق المجتمعي القائم حالياً، إلا أنها صارت قضية ذات حساسية خاصة، لأنَّ طرحها أتى من الخارج، وبالتالي ارتفعت نبرة الكبرياء القومية في مواجهتها.
وقبل أن نخوض في الحديث عن أهم القضايا المتعلقة بالمرأة الخليجية، والمعالجات المختلفة لها، وآخر المستجدات التي طرأت على هذه القضايا، سنحاول تقديم بعض الملاحظات التي تلقي الضوء على أوضاع المرأة الخليجية بصفة عامة:
1- الحديث عن إشكالية المرأة الخليجية لا يعدّ استثناء عن إشكالية المرأة العربية، فهي تقاسمها معظم الهموم باستثناءات أقرب إلى الكم منها إلى الكيف. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أننا حينما نشير إلى (المرأة الخليجية) لا يعني أننا نغفل التباينات النوعية بين امرأة وأخرى، والراجعة إلى الانتماء إلى مجتمعات تختلف من حيث درجة التحضر أو البداوة، ومن حيث معدلات التحديث. إلا أن هذه التباينات لا تنفي وجود خصائص عامة مشتركة تبرر إطلاق مصطلح (المرأة الخليجية) كمصطلح قادر على توصيف نساء هذه المنطقة بشكل عام.
2- التحولات الاقتصادية السياسية التي خضعت لها منطقة الخليج منذ اكتشاف النفط تركت بصماتها على المرأة التي كسرت عنها طوق العزلة، ومكنتها الوفرة الاقتصادية من الالتحاق بمراحل التعليم المختلفة ودخول سوق العمل.
3- لم تشهد القاعدة البنيوية الاجتماعية القبلية حراكاً نتيجة لازدياد أعداد المتعلمات والعاملات لأسباب سوف نتعرض إليها لاحقاً.
4- ترتب على جمود التركيبة المجتمعية تأخر ظهور وعي نسائي بقضايا المرأة، حيث تأخر تكوين الجمعيات والهيئات النسائية المختلفة إلى حقبتي الستينات والسبعينات، وذلك على الرغم من تشابه أوضاع المرأة في البلدان العربية المختلفة، إلا أنَّ المرأة الخليجية لم تواجه وتقابل حركات التغيير التي عاشتها المرأة المصرية على سبيل المثال.

ليس صحيحاً على الإطلاق أنَّ الأعداد الكبيرة للمتعلمات والعاملات يعني تلقائياً وضعاً أفضل للمرأة الخليجية
5- تعد المرأة البحرينية والكويتية استثناء من هذا التعميم، فقد شاركت الأولى بقوة منذ منتصف الخمسينات في الحركة الوطنية ضد الاستعمار، وكان لها دور فعال في الانتفاضة الشعبية التي شهدتها البحرين عام 1994م. أما المرأة الكويتية فقد طالبت منذ مطلع السبعينات بحقوقها السياسية والاجتماعية، وعقب انتهاء حرب الخليج الثانية اندلعت تظاهرات نسائية تطالب بمنح المرأة حق المشاركة في انتخابات مجلس الأمة.
6- استهدفت برامج عمل الجمعيات النسائية في مستهل عهدها دعم قضايا المرأة الخليجية المختلفة من تعليم وتنمية من خلال المواقع التقليدية للمرأة (عن طريق تحمل المرأة لمسؤولياتها وأداء المهام التي تلائمها باعتبارها أختاً وزوجة وعضواً فعالاً ومؤثراً في المجتمع)، كما اقتصرت اهتماماتها على النشاط الاجتماعي والخيري، وبمرور الوقت وبفضل سيطرة نخبة سياسية اقتصادية متغربة واحتكارها عمل النسوة تم تغييب قضايا الفئات الدنيا من النساء من برامج هذه الجمعيات، واستعارة قضايا المرأة الغربية وتعميمها باعتبارها قضايا النساء في كل زمان ومكان، الأمر الذي أدى إلى وجود حاجز كبير بين الواقع الذي ترزح تحته غالبية النساء وبين ما تنادي به هذه الجمعيات.
وثمة أفكار وقضايا تنشر لا لأصالتها أو صوابها، وإنما للإلحاح في إعادة طرحها في كل مناسبة وبكل الوسائل، ومن هذه القضايا ما يتعلق بإشكالية المرأة الخليجية التي لا تنفك الصحافة العالمية والعربية الآن عن الحديث عنها، وتطرح من خلالها رؤى متباينة وهي إشكالية ليست يسيرة كما يتوهم البعض، فالقضايا التي تؤسس عليها الإشكالية تأخذ أحد بعدين، أحدهما يروج له دعاة تيار النسوة، ويتعلق بقضايا إلحاق المرأة بكافة مراحل التعليم من دون استثناء، وولوجها مجالات العمل المختلفة جنباً إلى جنب مع الرجل، وأخيراً مشاركتها في الحياة السياسية وإلغاء كافة القوانين والنصوص التي قد تتعارض مع ذلك.
أما البعد الآخر المسكوت عنه، فلا يتعلق فقط بتلك الصعوبات الخارجية التي تقابلها المرأة، وإنما يتعلق بقضية وعي المرأة الخليجية بذاتها وإنسانيتها وفاعليتها في الحياة العامة، ووعي المجتمع بهذه الفاعلية.
وحين تطرح إشكالية حقوق المرأة فإنها تطرح على اعتبار أنها جزء من إشكالية أكبر هي إشكالية حقوق الإنسان ككل، ومن المفهوم أنَّ دعاة النسائية حينما يشيرون إلى مسألة حقوق الإنسان فإنهم يعدون النسق الغربي هو الإطار المرجعي لقضايا حقوق الإنسان في العالم أجمع، وهو اتجاه يزكيه اتجاه الإدارة الأمريكية لاتخاذ مسألة حقوق الإنسان كعصا للضغط على بعض الدول لتغيير مواقفها بشأن قضايا سياسية واستراتيجية.
ويتحدد موقف الولايات المتحدة الرسمي من حقوق الإنسان في العالم من خلال تقارير سنوية تصدرها واشنطن كل عام، وهذه التقارير تعدت كونها مجرد أداة إعلامية ذات فائدة، إلى كونها (أداة سياسية حيوية)، وقد احتلت مسألة حقوق المرأة الخليجية جزءاً كبيراً من عام 2003 مقارنة بالأعوام السابقة، الأمر الذي يعكس مدى الاهتمام الذي احتلته على سلم أولويات الإدارة الأمريكية. وقد أشاد التقرير بالخطوة القطرية في انتخابات المجلس البلدي وتعيين أول امرأة كوزيرة، كما أشاد أيضاً بالانتخابات الأردنية.
أما التقرير الخاص بحقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، فقد ركزت أجزاء مطولة من التقرير على إدانة قوانين الشريعة الإسلامية المعمول بها وخاصة باعتبار شهادة المرأة أمام المحاكم الشرعية لا تحمل نفس شهادة الرجل. أما بخصوص الميراث فقد نص على أنَّه (أخضعت النساء أيضاً إلى التمييز بموجب أحكام الشريعة الإسلامية كما تفسرها الحكومة، التي تنص على أنَّ الابنة تحصل على نص مبلغ الإرث الممنوح إلى شقيقها).
أما بالنسبة للحجاب فقد عدَّه التقرير إحدى أدوات القمع لأنَّه (يفرض على المرأة أن ترتدي في الأماكن العامة عباءة سوداء تغطي كامل جسمها ورأسها وشعرها)، وأنَّ هذا يتم فرضه أيضاً على نساء الجنسيات الأخرى حتى إن كن غير مسلمات. وأخيراً تناول التقرير مسألة تعدد الزوجات في فقرة مطولة، ودان تمتع الرجال بهذا الحق، وأنَّ القانون السعودي لا يشترط أن يبلغ الرجل زوجته بأمر زواجه من أخرى.
الحديث عن إشكالية المرأة الخليجية لا يعدّ استثناء عن إشكالية المرأة العربية
أما بخصوص التعليم، فقد أوضح التقرير أنَّ المرأة استطاعت الحصول على تعليم مجاني، لكنه مفصول عن الرجال حتى المستوى الجامعي، وأنَّ الجامعيات السعوديات استثنين من دراسة مواضيع كالهندسة، والصحافة، وفن العمارة، وأضاف أنَّ القانون ينص على أنَّ بإمكان النساء أن يدرسن في الخارج شرط أن يرافقهن زوج أو قريب ذكر، ومع ذلك لم يطبق هذا التقييد قسرياً في الممارسة الفعلية. أما بالنسبة للعمل فقد دان التقرير تركز معظم العاملات في قطاعات معينة أهمها التعليم والصحة.
ويتضح من استعراضها لأهم ما جاء به التقرير الأمريكي أنَّ جل انتقادات الإدارة الأمريكية كانت موجهة إلى قوانين الشريعة الإسلامية، التي لم تعد متوافقة مع المنظور الأمريكي لحقوق الإنسان، وهو ما يحمل على الاعتقاد بأنه لم يعد هناك مجال مطلقاً للتوفيق بين قوانين الشريعة الإسلامية والرؤية الأمريكية لحقوق الإنسان، وأنَّ أي محاولة للادعاء بإمكانية التقريب بينهما سيكون مآلها الفشل.
وبفعل الضغوط الداخلية والإلحاح الأمريكي على ضرورة توسيع قاعدة مشاركة النساء في العملية السياسية دفعت بعض الدول الخليجية إلى الإسراع باتخاذ خطوات من شأنها الادعاء بأنها تسير في هذا السبيل، ومن ذلك الإعلان عن تشكيل مجالس للمرأة في معظم البلدان الخليجية. أما المملكة العربية السعودية التي تبدو أكثر روية في الإقدام على مثل هذه الخطوات، فقد تمَّ الإعلان فيها عن قيام مجلس حقوق الإنسان الذي ضمَّ في عضويته ثلاث نساء، كما شاركت 10 سيدات من أصل 60 مشاركاً في جلسات الحوار الوطني الثاني الذي عقد في أواخر العام الماضي، كما شاركت المرأة بنصيب أوفى في جلسات الحوار الوطني الثالث الذي عقد في المدينة المنورة قبل أشهر عدة وكان بعنوان (المرأة: حقوقها وواجباتها)، وفي بادرة جديدة من نوعها أعلنت قطر في شهر مايو 2003 عن تعيين شيخة المحمود كأول وزيرة قطرية، وتعد بذلك أول وزيرة خليجية على الإطلاق، تبعتها سلطنة عمان بتعيين راوية البوسعيدي كأول وزيرة عمانية، وجاء ذلك أثناء الاحتفال بيوم المرأة العالمي لعام 2004م. إذاً هناك اتجاه رسمي لمنح المرأة حقها السياسي عن طريق سن تشريعات جديدة، إلا أنه يؤخذ على هذه التشريعات أنها (محاولات فوقية) لن تؤتي ثمارها في تفعيل مشاركة المرأة، ولن يتعدى تأثيرها القشرة الخارجية للمجتمع، وسيظل الأمر رهناً بحدوث تغييرات بنيوية في القاعدة الاقتصادية والاجتماعية، وبتغيير أشكال الوعي المجتمعي من عادات وتقاليد وأعراف، إذ ليست العبرة بقوانين تسن، وإنما بتطبيق هذه القوانين.
وهناك ملاحظة أخرى بالنسبة لمسألة القوانين والتشريعات، وهي أنها من المفترض أن تكون محصلة واقع اجتماعي وما يسوده من علاقات مجتمعية وإنتاجية، لذا يظل حدوث تطور اجتماعي شرطاً لا بدّ منه لسنّ التشريعات والقوانين، ومن المفارقات أنَّ هناك مجتمعات خليجية حققت تطوراً نسبياً على هذا الصعيد كالكويت والبحرين، ورغم ذلك ظلَّت القوانين المعمول بها لا ترقى إلى مستوى التطور المجتمعي، في حين أن مجتمعات أخرى ليست على الدرجة ذاتها من التطور الاجتماعي ـ وتعدّ قطر مثالاً بارزاً على ذلك ـ ورغم ذلك فإنَّ القوانين المعمول بها تسابق الواقع الاجتماعي. وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أنَّ القوانين التي تمَّ الإعلان عنها مؤخراً في بعض الدول الخليجية ليست وليدة حاجة مجتمعية، وأنَّ هناك عوامل أخرى، تتعلق بوجود ضغوط خارجية هي التي أملتها.
إن كل هذه المستجدات الجديدة التي فرضت نفسها على الساحة السياسية حتمت ضرورة إجراء مراجعة سياسية من جانب القوى السياسية المختلفة لمواكبة هذه التطورات، فقد أعلنت الحركة الدستورية الإسلامية في الكويت، أحد أبرز المعارضين لمنح المرأة حق الانتخاب، أنها بصدد تقييم ودراسة موقفها من الحقوق السياسية للمرأة. وأوضحت أنَّ ذلك يأتي في إطار طرح مبادرات إصلاحية ومشاريع تنموية داخلية تساهم في مواجهة المشاريع التغريبية، ومن الواضح أنَّ الحركة اضطرت لاتخاذ هذا الموقف في أعقاب زيارة مسؤولة الشؤون الخارجية الأمريكية جوانا ليفنسون إلى الكويت لبحث حقوق المرأة، وتصريح رئيس الدولة الشيخ صباح الأحمد بالتزام بلاده بحقوق المرأة السياسية وتعديل قانون الانتخاب.
وتأتي على رأس أولويات الأجندة النسائية بالنسبة لحقوق المرأة الخليجية مسألة التوسع في إدماج المرأة في التنمية، ويمكن إرجاع ذلك إلى كون معظم فلسفات وأفكار التيار النسوي مستمدة من النظام الرأسمالي وعلاقاته، ولذلك فإن منظوره يخضع لمفاهيم اقتصاد السوق كالعرض والطلب، والربحية، والعمل في مقابل أجر، وهي مفاهيم لا تتحقق إلا بخروج المرأة للعمل خارج منزلها، وفي هذا الاتجاه تحتل الجداول الإحصائية مكان الصدارة في التباهي بالتقدم والازدهار اللذين لحقا بأوضاع المرأة الخليجية من خلال مقارنة أعداد المتعلمات والعاملات حالياً بأعدادهن في فترات سابقة، لإعطاء استنتاجات معينة تؤكد أنَّ ازدياد نسبة المتعلمات والعاملات، وارتياد المرأة مجالات جديدة لم تكن متاحة لها من قبل يعدان دلالة قاطعة على الإنجازات التي حققتها المرأة الخليجية. وعلى جانب آخر فقد لوحظ أنه حتى الآن لا تزال بعض الدول (قطر والسعودية) لا تسمح للفتيات بالتعليم الفني، كما أن بعض التخصصات العلمية في الجامعات لا يزال دخولها قاصراً على الذكور، الأمر الذي يحول بلا شك دون دخول النساء بعض مجالات العمل، التي تظل قاصرة على الرجال.
ورغم النسب المرتفعة التي تشير إلى ازدياد نسبة النساء العاملات، فالملاحظ أنَّ التغيير الذي طرأ على حياة المرأة الخليجية ورصدته الدراسات هو تطور كمي وليس تطوراً نوعياً، إذ ليس صحيحاً على الإطلاق أنَّ الأعداد الكبيرة للمتعلمات والعاملات يعني تلقائياً وضعاً أفضل للمرأة الخليجية من دون النظر إلى الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية-السياسية المحيطة، أو أنه يعكس ارتقاء في وعي الخليجية بذاتها ووعي مجتمعها بها. أما من ناحية النوع فغالباً ما ينظر إلى عمل المرأة لا من زاوية الإنتاج، بل من زاوية شد الشاغر والحديث عن فتح آفاق جديدة أمام المرأة، بغض النظر عن الأعداد الضئيلة التي تلحق بها، والتي لن تكون مؤثرة مطلقاً في عجلة التنمية، مما يرجح أنَّ السماح بارتياد المرأة مجالات عمل جديدة هو من قبيل التمثيل الرمزي وبغرض تجميل صورة المجتمعات الخليجية أمام المجتمع العالمي والتشدق بما تحققه المرأة من إنجازات، وليس له أي أبعاد معيارية.
ارتياد المرأة مجالات جديدة يعد دلالة قاطعة على الإنجازات التي حققتها المرأة الخليجية
وتعدُّ المملكة العربية السعودية الأسبق على صعيد فتح مجالات عمل جديدة أمام المرأة، وليس هذا راجعاً بالضرورة حسبما هو شائع إلى ضغوط خارجية فقط؛ بقدر ما هو راجع إلى وجود حالة من القلق المجتمعي ناجمة عن تصاعد معدلات العمليات الإرهابية، ووجود ضغوط قوية في الداخل تطالب القيادة السياسية بالإصلاح وتوسيع قاعدة المشاركة وفتح آفاق عمل جديدة أمام المرأة.
نحن إذن أمام معالجة تحاول الإفلات – بخطى حثيثة – من ضغوط خارجية متزايدة لم تعد خفية، تساندها مطالب داخلية بالمسارعة في الإصلاح من دون إبطاء، لتلبية الأجندة العالمية، الأمر الذي صار يخشى معه حدوث هزة يمكن أن يتعرض لها مجتمع قبلي عاش في شبه عزلة عما حوله من تيارات وثقافات، مما أدى إلى احتفاظه إلى وقت قريب للغاية ببنية اجتماعية وأعراف وتقاليد كانت مثار تغيير في المجتمعات العربية المجاورة.
ونظراً لكون الأسرة هي أولى الوحدات الاجتماعية تأثراً بالتغييرات الاجتماعية الاقتصادية التي أصابت المجتمع الخليجي مؤخراً؛ فقد امتدت إليها ظلال هذه التغييرات، فصار التوجه إلى بناء الأسرة النووية – المستقلة من حيث الدخل الاقتصادي والمسكن – بديلاً عن الأسرة الممتدة هو الاتجاه السائد حالياً، وهو اتجاه آخذ في الانتشار في معظم البلدان الخليجية وخصوصاً بين فئات الحضر، الشباب المتعلمين والطبقة المتوسطة من السكان. ويرى بعض الباحثين أنَّ سيادة الأسرة النووية (توفر الخلفية الضرورية لتحرير المرأة)، أما الشرط الأساسي لتحريرها فهو انفتاحها على التعليم وولوجها سوق العمل.
وتبين من العرض السابق أنَّ المرأة الخليجية في العام الماضي كانت محل اهتمام في الداخل والخارج، وأنَّ إشكالياتها قد نوقشت بشكل واسع، وقد جرى التعامل معها بسخاء، إذ منحت الكثير من الحقوق الشكلية وبخاصة تلك المتعلقة بالمساواة القانونية في ممارسة الحقوق السياسية، والتنمية، والتعليم، إلا أنَّ إشكالياتها الحقيقية والأكثر عمقاً والمتعلقة بوعيها لذاتها وإنسانيتها وهويتها الدينية والثقافية لم تشغل حيزاً من النقاش، وهو ما نرغب في أن تتم مناقشته في أقرب وقت خشية أن ننجرف جميعاً لمواجهة تيار الأطروحات الغربية، ونغفل أن وعي المرأة الخليجية بذاتها هو الكفيل وحده بدحض كل هذه الأطروحات.
::/fulltext::
::cck::760::/cck::
