الاتحاد النقدي الخليجي: المزايا والتحديات

::cck::3698::/cck::
::introtext::

نسعى إلىتحديد الخطوات التي قد تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إليها من أجل الاتحاد النقدي مع التأكيد على أهمية التدابير التحضيرية باعتبارها تشكل بعض أهم المزايا الاقتصادية، حيث لا يمكن أن تتكون مناطق العملة المثلى (OCA) إلا ضمن سوق موحّدة تتوفر فيها حرية التنقل للعمالة ورأس المال من ناحية، وتكون فيها العمليات المصرفية والقرارات المالية الخاصة بالميزانية خاضعة للمساءلة والمراقبة في إطار تنظيمات المؤسسات الإقليمية من ناحية أخرى، وبذلك عندما تتوجه الدول الأعضاء نحو توحيد العملة، فإنها تحتاج أولاً إلى إقامة سوق موحّدة، تكون أكثر قدرة على جذب المستثمرين من الداخل والخارج على حد سواء. ومع ذلك، فإنه إذا نجحت الدول الأعضاء في اجتياز مثل هذه المراحل التمهيدية وكوّنت عملة “واحدة” – وليست عملة مشتركة، بدرجات متفاوتة، مع العلاقات التي لا تزال تربط عملات هذه الدول بالدولار الأمريكي. فلعلّ القوة الدافعة تكون متمثلة في حوافز سياسية، وليست اقتصادية على غرار ما حدث في أوروبا.

::/introtext::
::fulltext::

نسعى إلىتحديد الخطوات التي قد تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إليها من أجل الاتحاد النقدي مع التأكيد على أهمية التدابير التحضيرية باعتبارها تشكل بعض أهم المزايا الاقتصادية، حيث لا يمكن أن تتكون مناطق العملة المثلى (OCA) إلا ضمن سوق موحّدة تتوفر فيها حرية التنقل للعمالة ورأس المال من ناحية، وتكون فيها العمليات المصرفية والقرارات المالية الخاصة بالميزانية خاضعة للمساءلة والمراقبة في إطار تنظيمات المؤسسات الإقليمية من ناحية أخرى، وبذلك عندما تتوجه الدول الأعضاء نحو توحيد العملة، فإنها تحتاج أولاً إلى إقامة سوق موحّدة، تكون أكثر قدرة على جذب المستثمرين من الداخل والخارج على حد سواء. ومع ذلك، فإنه إذا نجحت الدول الأعضاء في اجتياز مثل هذه المراحل التمهيدية وكوّنت عملة “واحدة” – وليست عملة مشتركة، بدرجات متفاوتة، مع العلاقات التي لا تزال تربط عملات هذه الدول بالدولار الأمريكي. فلعلّ القوة الدافعة تكون متمثلة في حوافز سياسية، وليست اقتصادية على غرار ما حدث في أوروبا.

وباعتبار أن منطقة اليورو هي البارومتر الوحيد الذي يمكن من خلاله قياس التوقعات والمزايا الخاصة بتكوين اتحاد نقدي، فإن هذا المقال سوف يعتمد على التجارب التي شهدتها هذه المنطقة. فعلى خلاف غيرها من تجارب الاتحاد النقدي، وبحكم الواقع أو بحكم القانون، اختارت الدول الأعضاء الثماني عشرة في منطقة اليورو التنازل عن سلطات اتخاذ القرار في شأن السياسات النقدية واعتماد اليورو كعملة موحدة، وفعلت ذلك لتحقيق جملة من الفوائد، وقد كان اعتماد اليورو عام 1999م، بمثابة القوة الدافعة لدول مجلس التعاون لكي تعتمد الاتفاقية الاقتصادية الموحّدة عام 2001م، والتي تنصّ المادة الثانية والعشرون منها على “العملة الموحّدة” المنشودة. وقد نجح اليورو، علاوة على ذلك، في تخطي أسوأ الأزمات المالية العالمية بسلام، ونجا من عواقب الكساد الذي تلاها، مما يثبت أن الاتحادات النقدية يمكن إدارتها، ربما ليس دائماً بطريقة مثلى، كما يمكن الحفاظ عليها، سواء خلال الانتعاش الاقتصادي أو خلال فترات الانكماش.

عملياً، لم يتحقق إلا القليل من التقدم في هذا الاتجاه منذ اعتماد الاتفاقية الاقتصادية الموحّدة، فالاتحاد الجمركي الخليجي والذي تم اعتماده جزئياً عام 2003م، لا يزال ينتظر التنفيذ الكامل، ويُعتبر الاتحاد الجمركي خطوة أساسية نحو إقامة سوق خليجية مشتركة كان مقرراً لها عام 2005م، إلاّ أنه في عام 2008م، وقعت أربع من الدول الأعضاء على اتفاقية اتحاد نقدي، تنص المادة الثالثة منها تحديداً على عملة موحّدة. وفي عام 2010م، باشر المجلس النقدي الخليجي أعماله.

فوائد الدينار الخليجي

هناك جوانب من التكلفة والتبعات والفوائد تترتب على انخراط مجموعة من الدول في اتحاد نقدي، ويعتمد حجم واحد من التبعات الأساسية – وهي فقدان استقلالية السياسة النقدية – على طبيعة السياسات النقدية المتبعة، وعلى سياسة أسعار الصرف، بشكل خاص. ويُقال إن الفائدة الرئيسية هي إزالة تكاليف المعاملات المرتبطة بالتحويل بين مختلِف العملات السيادية. وفيما يخصّ دول مجلس التعاون، ونظراً لربط هذه الدول عملتها بالدولار، فقد خسرت نسبة لا بأس بها من الاستقلالية في سياساتها النقدية[i]، كما قد تكون الفوائد من حيث خفض تكاليف المعاملات أقلّ وضوحاً مما كانت عليه بالنسبة لأعضاء منطقة اليورو.

وعليه، فإن تحليل التكلفة/ العائد الأهم الذي يحتاج صنّاع القرار في دول الخليج إلى أن يأخذوه في الحسبان فيما يتعلق ببيئة السوق، هو أن العملة الموحّدة، عندما يتم إطلاقها، فإنها سوف تعمل داخل المنطقة. وكما تبين في منطقة اليورو، يمكن أن تظهر تكاليف أخرى، وقد حدث هذا بالفعل من جراء محدودية العمالة، وحركة رأس المال والسلع / الخدمات، وعدم كفاية الهياكل المؤسسية. وهذا هو حقا لبّ المشكلة، ويتطلب الأمر تخفيف هذه التكاليف سوقاً “حرّة” عاملة وموحّدة، ومؤسسات مشتركة قوية تضمن الشفافية، وتُعنى بجملة أمور لتعزيز الاستقرار المالي، وتجميع وإدارة الموارد المالية العامة، وتقوم بموازنة المخاطربين الدول الأعضاء. ويمكن اعتبار إقامة كل من السوق وهذه المؤسسات (بغضّ النظر عن مواقع مقرّات الأخيرة) بمثابة خطوات أساسية تمهيداً لتشكيل الاتحاد النقدي في شكله العملي.

وهناك اعتبار آخر، وهو أن الاقتصادات الأكثر رخاءً من حيث الموارد أو من حيث الإنتاجية سوف تحتاج في بعض المراحل إلى تمويل البلدان الأكثر فقراً. وإذا أُريد لليورو أن يظلّ العملة الموحدة لمجموعات البلدان في شمال وجنوب منطقة اليورو فإن مثل هذه التحويلات المالية جنباً إلى جنب مع مزيد من الرقابة المكثفة (درجة معينة من التحكم المركزي) من قبل الدول الغنية على قرارات البلدان الأكثر فقراً بشؤون الميزانية هي أمر لا مفرّ منه. ويجب أن يتم تقييم مثل هذه التوقعات بعناية كبيرة من قبل جميع دول مجلس التعاون الخليجي المرشحة للانخراط في الاتحاد النقدي، وذلك بشأن كلٍّ من التكاليف والفوائد المتوقعة بالنسبة للدول الأغنى (نسبياً) والدول الأكثر فقراً، وبالنسبة للمنطقة.

القضايا النقدية              

إن درء المخاطر المتعلقة بالعملة ضمن أي اتحاد نقدي من شأنه التخفيف من عدم اليقين بشأن الأسعار المستقبلية للأفراد والمستثمرين، ومساعدتهم على اتخاذ قرارات أكثر صواباً لتحديد كمّية الإنتاج، وحجم الاستثمار والاستهلاك. كما يقلّل أيضاً من أوجه القصور التي يمكن أن تنشأ عندما تتقلب أسعار الصرف لأسباب غير أساسية. وعلى العكس من ذلك، يمكن لسياسات أسعار الصرف المرنة أن تقوم بامتصاص الصدمات عندما تكون قيمة الأجور والأسعار المحلية غير مرنة. وعلى سبيل المثال، إذا ما اتجه الطلب على صادرات بلد نحو الانخفاض، وبما أن كل الأمور الأخرى متساوية، فإن إنتاجها سوف ينخفض، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة مستويات البطالة وتدهور حسابها الجاري. ولمواجهة هذا الوضع، عن طريق سياسة نقدية مستقلة، يمكن خفض قيمة العملة للتخفيف من هذه الآثار السلبية من خلال تحسين القدرة التنافسية، وهو ما يؤدي إلى تحفيز زيادة الطلب على صادراتها.

ومن ناحية السياسة النقدية المستقلة، فإن دول مجلس التعاون حالياً لا تعوم عملاتها بكل حرية، ولكن حين تكون في اتحاد نقدي، فإنها سوف تفرّط في هذه الميزة، ويُحتمَل أن تُضطَرّ إلى الانسجام مع القرارات النقدية التي تعود بالفائدة على المنطقة عموماً، لكنها قد لا تخدم مصالحها المنفردة. ومن جهة أخرى، إذا أرادت دول المجلس أو عدد منها تشكيل اتحاد نقدي مع سوق أكثر تكاملاً ومع مؤسسات إقليمية قوية، فإن فرصة التعويم الحرّ للعملة قد تكون أكثر موثوقية، لأنها سوف تتأسس على السوق المحلية الأوسع نطاقاً للدينار الخليجي الموحّد، وعلى ثقله الجغرافي والسياسي. وفي حين يظل الارتباط بالدولار الخيار الأمثل في الفترة التي تلي إطلاق الاتحاد النقدي، إلاّ أنه على المدى المتوسط، يُستحسَن الارتباط بسلّة مرنة من العملات، تتضمن اليورو وعملات أخرى، مثل العملة الصينية، أو أسعار صرف معدّلة للانسجام مع كتلة ذات اقتصاد أكثر تنوعاً تسعى لتعزيز تجارتها الدولية التي لا تعتمد على الموارد الخام.

قضايا السوق

يرى روبرت مندل في أعماله النظرية الأساسية عن مناطق العملة المثلى أن مناطق العملة لن تكتسي صبغة “مثلى” إلاّ في المناطق التي سبق أن شهدت عواملها الداخلية حركية عالية[ii]. وقد يساعد تنقل العمالة ورأس المال من المناطق التي تراجع فيها الطلب نحو مناطق الطلب المرتفع على إحداث تغييرات معتدلة في الأجور ونسب البطالة. وفي حين أن العمالة تتمتع بحرية التنقل، من الناحية القانونية، إلاّ أن هذه الحرية ليست دائماً متاحة بسبب بعض العوائق العملية، مثل اختلاف اللغات. وترتب على قلة المرونة وجود حاجة إلى تخفيض قيمة العملة داخلياً في محاولة لاستعادة القدرة التنافسية التي يمكن ملاحظتها حالياً في بعض الدول الأعضاء في منطقة اليورو.

وتتسم دول مجلس التعاون حالياً بدرجة عالية من التقارب الهيكلي، على الرغم من أن هذا الوضع قد يبدأ في التباعد إذا ما أفضت برامج التنويع الاقتصادي الجاري تنفيذها إلى تخصصات قطاعية. وطبقاً لهذه النظرة، إذا ازدادت درجة التباعد الهيكلي، فقد تحدث بعض الصدمات، وإذا حصلت هذه الصدمات داخل اتحاد نقدي، فإن آلية سياسة العملة الموحدة قد تفقد صيغتها المثلى[iii]. ومع ذلك، إذا تم في البداية إنشاء سوق موحدة عاملة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى مواءمة توزيع وتشتيت هذه الصدمات إلى حدٍّ ما -شريطة أن تكون حركة كل من العمالة ورأس المال مطلقة تشريعياً وعملياً. وعلى سبيل المثال، عندما يخسر أحد المستثمرين في أحد بلدان الاتحاد النقدي، عليه أن يتمكن من الكسب بشكل متزامن في بلد آخر. وفي الحقيقة، فقد أثبت علماء الاقتصاد النقدي جدوى كل من التناظر وعدم التناظر في العلاقة بين مجموعات الدول المنخرطة في اتحاد نقدي، وبذلك فإن التماثل بينها ليس بالضرورة عاملاً مساعداً وعدمه ليس عائقاً في كلّ الحالات.

وفي الحالتين، يُعتقَد أن الاتحاد النقدي يسهم في تعميق التكامل على المدى الطويل، وأن ذلك يتم من خلال القضاء على الحواجز بين الأسواق، وتحسين شفافية التسعير، وزيادة المنافسة، وتحسين تدفق التكنولوجيا والأفكار. ويشمل أيضاً زيادة حجم التجارة البينية في السلع والخدمات، وتمكين المستثمرين من الوصول إلى أسواق مالية أكثر عمقاً وسيولة، وهذا من شأنه أن يقلّل من تكاليف الاقتراض. وعموماً، يتمكن أعضاء الاتحاد النقدي من ضمان قدر أكبر من الكفاءة الديناميكية، ويمكنهم استغلال ميزة المقارنة بفاعلية أكبر. ومن المثير للاهتمام أن نسبة كبيرة من المشروعات المملوكة في الأغلب من قبل المواطنين الخليجيين ملائمة تماماً لتعميق تكامل السوق، ولإنشاء شكل من أشكال الاتحاد النقدي يضم دول مجلس التعاون الخليجي[iv].

الآفاق المستقبلية

لم تعد معايير ماستريخت للتقارب كافية في حدّ ذاتها لتشكل الركائز الأساسية لإعداد الوحدة النقدية. وفي حين أن السعي لمواءمة هذه المعايير التي تشمل على سبيل المثال المواءمة بين معدلات التضخم للأعضاء المحتملين ونسب الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي للحكومات في الفترة التي تسبق الاتحاد النقدي لا يزال ضرورياً، فإن التنسيق والمواءمة المالية في فترة ما بعد تشكيل الاتحاد هو الأمر الأكثر أهمية، وله الدور الأعظم في جعل الاتحاد النقدي يتسم بالفاعلية والكفاءة والاستدامة، والشروط الثابتة لإنشاء اتحاد نقدي تتوفر فيه مقوّمات منطقة العملة المثلى هي مرونة الأسعار وحرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال والسلع. وبعبارة أخرى، فإن إقامة سوق واحدة تمارس فيها المنافسة الحرة. إن أحد الدروس الرئيسية التي يمكن استخلاصها من أزمة منطقة اليورو هو أن الاتحاد النقدي لا يكون مجدياً إلا إذا نشأ بين بلدان متشابهة من حيث البنية الاجتماعية والاقتصادية أو بين البلدان التي ترغب في أن تصبح متماثلة في المدى المتوسط​​، على الرغم من ترددها على المدى القصير في القبول بدمج نُظُمها الاقتصادية، وبناءً على ذلك، كلما اقتربت مجموعة من الدول من ذلك الوضع، أصبحت أكثر كفاءة وتأهيلاً لتوحيد العملة ضمنياً، وهذا يعني القبول بضرورة تحويل جزء من الإيرادات من الدول الغنية إلى الدول الأقل ثراءً. وعلى صانعي القرار داخل مجموعة دول مجلس التعاون أن يقرّروا ما إذا كانت التكلفة العالية لدعم التعليم والصحة والمعاشات وبرامج التوظيف للدول الأقلّ رخاءً سوف تطغى عليها، على المدى الأبعد، المكاسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية ذات الصبغة الإقليمية الموسعة كالأمن والاستقرار وميزة السوق الموحّدة القادرة على تعزيز مستويات أعلى من التجارة البينية ومكاسب الإنتاجية في معظم القطاعات الاقتصادية، إن لم نقل كلها.

العملة المشتركة كخطوة أولى

هناك فرق في الواقع بين العملة الموحّدة (الواحدة) والعملة المشتركة، حيث أن اليورو هو عملة موحّدة (واحدة)، ولكن قبيل إطلاقه، كان هناك اقتراحًا بديلًا يطرح عملة مشتركة: “الإيكو الثابت” (Hard Ecu). وقد رأى البعض أن هذا المقترح من شأنه توفير بعض المزايا الاقتصادية – خفض تكاليف المعاملات وتعزيز مزيد من التجارة البينية – دون تكبّد أي من التكاليف السياسية. وقد سبق أن دعت بريطانيا لذلك عام1990م، بحجة أنها عرضت على المستثمرين والأفراد الاختيار بين عملتين – عملتهم الأصلية والعملة المشتركة، بحيث يمكنهم الاستبدال فيما بينها-ولم تـرَ عملة الإيكو النور لأن اهتمام المفوضية الأوروبية، كما يرى بدرو شوارتز، كان من بين أسباب أخرى ينصب بالأساس باتجاه سياسات الاتحاد أكثر منه باتجاه اقتصاد المنافسة[v]. ومع ذلك، فإنه بالنسبة لدول مجلس التعاون يمكن أن يُنظَر للعملة المشتركة على أنها خطوة انتقالية، لأنها قد تؤدي إلى تطبيع استخدام الدينار الخليجي. وقد تقتصر فائدتها على السياح والشركات الصغيرة والمتوسطة، إلاّ إذا تم العمل بها في سوق واحدة تضم دول مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك، فإن وحدة صرف مادية قد تساعد على تسهيل الانتقال إلى مثل هذه السوق.

مؤسسات بينية خاضعة للمساءلة

بالرغم من وجود مقر ّأمانة عامة لمجلس التعاون الخليجي في السعودية، ومجلس للنقد الخليجي في البحرين، تظل كلّ سلطات القرار الملزمة بيد حكومات الدول المعنية[vi]. غير أن النجاح في إقامة الاتحاد النقدي يتطلب التنازل جزئياً عن السيادة الوطنية في عدد من مجالات سياسة الاقتصاد الكلّي. فمثلاً يتطلب الأمر إنشاء مؤسسة نقدية إقليمية تتولى تنفيذ سياسة واحدة للنقد وأسعار الصرف تتماشى والظروف الاقتصادية والنقدية والمالية وتخدم المصالح العليا للكتلة الاقتصادية عموماً. ويظلّ التقارب المالي أبرز التحديات، ويحتاج إلى الدعم عن طريق إطار عمل للسياسة المالية[vii]. ورجوعاً إلى منطقة اليورو، يرى وولفغانغ مونشاو أنه لضمان الاستدامة في المستقبل يجب العمل على بناء نظام مؤسسي قوي للإدارة الاقتصادية[viii]. وتتطلب الاتحادات النقدية الفعالة وجود مؤسسات قادرة على دعم قطاع مالي متكامل وفعال على أن تمتلك صلاحيات تغطي المعايير الرقابية المتفق عليها، والقدرة على الوصول إلى السيولة، وإلى تسهيلات قروض الملاذ الأخير من البنك المركزي، وآليات القرار المشترك، ونظام ذي مصداقية لضمان الودائع.

ولعل دول مجلس التعاون تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الفصل بين مخاطر الدولة ومخاطر القطاع المصرفي “الخاص”، وعلى تعزيز نُظُم حل الخلافات بين مختلِف الحكومات المعنية والمؤسسات المالية الخاصة داخل الاتحاد. وبذلك، يجب على أعضاء الاتحاد النقدي من دول مجلس التعاون الخليجي إنشاء آليات مراقبة إقليمية قوية، وتنسيق السياسات وإجراءات التكافل المالي والتحويلات المالية. ولتحقيق ذلك، يحتاج المبدأ الحالي “بلد واحد، صوت واحد” إلى إعادة صياغة ليتخذ شكل نظام للتصويت الموزون بما يتناسب وحجم الاقتصاد والموارد والسكان لكل بلد. ومن دون مؤسسات إقليمية خاضعة للمساءلة وتتمتع بدرجة معينة من السلطة التنفيذية، ليمكن توقع حصول عملية انتقال سلس نحو السوق الواحدة والاتحاد النقدي.

أخيراً

وفقاً لمارك كارني، محافظ البنك المركزي الإنجليزي، يتطلب النجاح في توحيد العملة “بعض التنازل عن السيادة الوطنية، وهي اعتبارات تتجاوز الشأن الاقتصادي البحت”[ix]. وهذا يعني أن الدول الأعضاء المحتمل انضمامها للاتحاد النقدي من دول مجلس التعاون سوف تحتاج إلى التخلي عن السيادة الوطنية في مجالات أخرى غير السياسة النقدية، وذلك في مراحل معينة من الدورة الاقتصادية. وهكذا، بينما قد يفضي تشكيل السوق الموحّدة إلى منافع اقتصادية، وتكتسب القدرة على تعميق التجارة البينية (غير النفطية). وفي حين يمكن للعملة الموحّدة أن تعزّز التكامل الاقتصادي والسياسي الأعمق، فقد تتطلب في الوقت ذاته عملية مقايضة كبرى. وإذا كان الاتحاد النقدي لا يمثل الأفق الأمثلفي شكل سوق موحّدة والقبول العام بالتكامل الأعمق، فيجب أن تستند القرارات إلى نوعية المشهد الاجتماعي والاقتصادي الذي تتطلع إليه كل دولة من الدول الراغبة في العضوية على مدى العقد القادم. وإذا كانت هذه التطلعات منسجماً بعضها مع بعض عموماً، فإن مشروع الاتحاد النقدي يبقى مطروحاً. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد يكون الخيار الأفضل هو العملة “المشتركة”، ففي حين يساعد ذلك الخيار على تيسير التجارة البينية، فإنه لا يتطلب إصلاحات مؤسسية شاملة، ولا الالتزامات المصاحبة لنظام العملة “الموحّدة”.

 

 

 

 

 

الهوامش

[i] بالتعبير الدقيق، تحافظ خمس دول فقط من الدول الأعضاء الست على تثبيت سعر عملتها وربطها بالدولار. وقد قامت الكويت بربط دينارها بالدولار ما بين عامي 2003 و2007، لكنها تربط عملتها حالياً بسلّة من العملات. ومع ذلك، فإن هذا الربط لا يزال، بحسب الآراء المتداولة على نطاق واسع، يميل بثقله نحو الدولار.

[ii]. انظر:

 Mundell, R. A. (1961). A Theory of Optimum Currency Areas. The American Economic Review, 51(4), 657-665.

 

[iii] انظر على سبيل المثال:

 Sturm, M., & Siegfried, N. (2005). Regional monetary Integration in the member states of the Gulf Cooperation Council European Central Bank Occasional Paper Series. Frankfurt: European Central Bank.

[iv] انظر في هذا الصدد:

Rutledge, E. J. (2008). Business Expectations for a Common Currency in the Arabian Gulf. Journal of Development and Economic Policies, 10(1), 37-55. And: Rutledge, E. J. (2008). Is EMU a viable model for monetary integration in the Arabian Gulf? Journal of Economic Policy Reform, 11(2), 123-134.

 

[v].انظر:

 Schwartz, P. (2013). Why the Euro Failed and How it Will Survive. Cato Journal, 33(3), 521–534.

 

[vi] . انظر:

Rutledge, E. J. (2012). Monetary Union in the Gulf: Prospects for a Single Currency in the Arabian Peninsula. London: Routledge.

[vii]. انظر:

Sturm, M., & Siegfried, N. (2005). Regional monetary Integration in the member states of the Gulf Cooperation Council European Central Bank Occasional Paper Series. Frankfurt: European Central Bank.

[viii]. انظر:

 Münchau, W. (2013). The Euro at a Crossroads. Cato Journal, 33(3), 535–540.

[ix]. انظر:

Carney, M. (2014). The economics of currency unions.  London: Bank of England.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3698::/cck::
::introtext::

نسعى إلىتحديد الخطوات التي قد تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إليها من أجل الاتحاد النقدي مع التأكيد على أهمية التدابير التحضيرية باعتبارها تشكل بعض أهم المزايا الاقتصادية، حيث لا يمكن أن تتكون مناطق العملة المثلى (OCA) إلا ضمن سوق موحّدة تتوفر فيها حرية التنقل للعمالة ورأس المال من ناحية، وتكون فيها العمليات المصرفية والقرارات المالية الخاصة بالميزانية خاضعة للمساءلة والمراقبة في إطار تنظيمات المؤسسات الإقليمية من ناحية أخرى، وبذلك عندما تتوجه الدول الأعضاء نحو توحيد العملة، فإنها تحتاج أولاً إلى إقامة سوق موحّدة، تكون أكثر قدرة على جذب المستثمرين من الداخل والخارج على حد سواء. ومع ذلك، فإنه إذا نجحت الدول الأعضاء في اجتياز مثل هذه المراحل التمهيدية وكوّنت عملة “واحدة” – وليست عملة مشتركة، بدرجات متفاوتة، مع العلاقات التي لا تزال تربط عملات هذه الدول بالدولار الأمريكي. فلعلّ القوة الدافعة تكون متمثلة في حوافز سياسية، وليست اقتصادية على غرار ما حدث في أوروبا.

::/introtext::
::fulltext::

نسعى إلىتحديد الخطوات التي قد تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إليها من أجل الاتحاد النقدي مع التأكيد على أهمية التدابير التحضيرية باعتبارها تشكل بعض أهم المزايا الاقتصادية، حيث لا يمكن أن تتكون مناطق العملة المثلى (OCA) إلا ضمن سوق موحّدة تتوفر فيها حرية التنقل للعمالة ورأس المال من ناحية، وتكون فيها العمليات المصرفية والقرارات المالية الخاصة بالميزانية خاضعة للمساءلة والمراقبة في إطار تنظيمات المؤسسات الإقليمية من ناحية أخرى، وبذلك عندما تتوجه الدول الأعضاء نحو توحيد العملة، فإنها تحتاج أولاً إلى إقامة سوق موحّدة، تكون أكثر قدرة على جذب المستثمرين من الداخل والخارج على حد سواء. ومع ذلك، فإنه إذا نجحت الدول الأعضاء في اجتياز مثل هذه المراحل التمهيدية وكوّنت عملة “واحدة” – وليست عملة مشتركة، بدرجات متفاوتة، مع العلاقات التي لا تزال تربط عملات هذه الدول بالدولار الأمريكي. فلعلّ القوة الدافعة تكون متمثلة في حوافز سياسية، وليست اقتصادية على غرار ما حدث في أوروبا.

وباعتبار أن منطقة اليورو هي البارومتر الوحيد الذي يمكن من خلاله قياس التوقعات والمزايا الخاصة بتكوين اتحاد نقدي، فإن هذا المقال سوف يعتمد على التجارب التي شهدتها هذه المنطقة. فعلى خلاف غيرها من تجارب الاتحاد النقدي، وبحكم الواقع أو بحكم القانون، اختارت الدول الأعضاء الثماني عشرة في منطقة اليورو التنازل عن سلطات اتخاذ القرار في شأن السياسات النقدية واعتماد اليورو كعملة موحدة، وفعلت ذلك لتحقيق جملة من الفوائد، وقد كان اعتماد اليورو عام 1999م، بمثابة القوة الدافعة لدول مجلس التعاون لكي تعتمد الاتفاقية الاقتصادية الموحّدة عام 2001م، والتي تنصّ المادة الثانية والعشرون منها على “العملة الموحّدة” المنشودة. وقد نجح اليورو، علاوة على ذلك، في تخطي أسوأ الأزمات المالية العالمية بسلام، ونجا من عواقب الكساد الذي تلاها، مما يثبت أن الاتحادات النقدية يمكن إدارتها، ربما ليس دائماً بطريقة مثلى، كما يمكن الحفاظ عليها، سواء خلال الانتعاش الاقتصادي أو خلال فترات الانكماش.

عملياً، لم يتحقق إلا القليل من التقدم في هذا الاتجاه منذ اعتماد الاتفاقية الاقتصادية الموحّدة، فالاتحاد الجمركي الخليجي والذي تم اعتماده جزئياً عام 2003م، لا يزال ينتظر التنفيذ الكامل، ويُعتبر الاتحاد الجمركي خطوة أساسية نحو إقامة سوق خليجية مشتركة كان مقرراً لها عام 2005م، إلاّ أنه في عام 2008م، وقعت أربع من الدول الأعضاء على اتفاقية اتحاد نقدي، تنص المادة الثالثة منها تحديداً على عملة موحّدة. وفي عام 2010م، باشر المجلس النقدي الخليجي أعماله.

فوائد الدينار الخليجي

هناك جوانب من التكلفة والتبعات والفوائد تترتب على انخراط مجموعة من الدول في اتحاد نقدي، ويعتمد حجم واحد من التبعات الأساسية – وهي فقدان استقلالية السياسة النقدية – على طبيعة السياسات النقدية المتبعة، وعلى سياسة أسعار الصرف، بشكل خاص. ويُقال إن الفائدة الرئيسية هي إزالة تكاليف المعاملات المرتبطة بالتحويل بين مختلِف العملات السيادية. وفيما يخصّ دول مجلس التعاون، ونظراً لربط هذه الدول عملتها بالدولار، فقد خسرت نسبة لا بأس بها من الاستقلالية في سياساتها النقدية[i]، كما قد تكون الفوائد من حيث خفض تكاليف المعاملات أقلّ وضوحاً مما كانت عليه بالنسبة لأعضاء منطقة اليورو.

وعليه، فإن تحليل التكلفة/ العائد الأهم الذي يحتاج صنّاع القرار في دول الخليج إلى أن يأخذوه في الحسبان فيما يتعلق ببيئة السوق، هو أن العملة الموحّدة، عندما يتم إطلاقها، فإنها سوف تعمل داخل المنطقة. وكما تبين في منطقة اليورو، يمكن أن تظهر تكاليف أخرى، وقد حدث هذا بالفعل من جراء محدودية العمالة، وحركة رأس المال والسلع / الخدمات، وعدم كفاية الهياكل المؤسسية. وهذا هو حقا لبّ المشكلة، ويتطلب الأمر تخفيف هذه التكاليف سوقاً “حرّة” عاملة وموحّدة، ومؤسسات مشتركة قوية تضمن الشفافية، وتُعنى بجملة أمور لتعزيز الاستقرار المالي، وتجميع وإدارة الموارد المالية العامة، وتقوم بموازنة المخاطربين الدول الأعضاء. ويمكن اعتبار إقامة كل من السوق وهذه المؤسسات (بغضّ النظر عن مواقع مقرّات الأخيرة) بمثابة خطوات أساسية تمهيداً لتشكيل الاتحاد النقدي في شكله العملي.

وهناك اعتبار آخر، وهو أن الاقتصادات الأكثر رخاءً من حيث الموارد أو من حيث الإنتاجية سوف تحتاج في بعض المراحل إلى تمويل البلدان الأكثر فقراً. وإذا أُريد لليورو أن يظلّ العملة الموحدة لمجموعات البلدان في شمال وجنوب منطقة اليورو فإن مثل هذه التحويلات المالية جنباً إلى جنب مع مزيد من الرقابة المكثفة (درجة معينة من التحكم المركزي) من قبل الدول الغنية على قرارات البلدان الأكثر فقراً بشؤون الميزانية هي أمر لا مفرّ منه. ويجب أن يتم تقييم مثل هذه التوقعات بعناية كبيرة من قبل جميع دول مجلس التعاون الخليجي المرشحة للانخراط في الاتحاد النقدي، وذلك بشأن كلٍّ من التكاليف والفوائد المتوقعة بالنسبة للدول الأغنى (نسبياً) والدول الأكثر فقراً، وبالنسبة للمنطقة.

القضايا النقدية              

إن درء المخاطر المتعلقة بالعملة ضمن أي اتحاد نقدي من شأنه التخفيف من عدم اليقين بشأن الأسعار المستقبلية للأفراد والمستثمرين، ومساعدتهم على اتخاذ قرارات أكثر صواباً لتحديد كمّية الإنتاج، وحجم الاستثمار والاستهلاك. كما يقلّل أيضاً من أوجه القصور التي يمكن أن تنشأ عندما تتقلب أسعار الصرف لأسباب غير أساسية. وعلى العكس من ذلك، يمكن لسياسات أسعار الصرف المرنة أن تقوم بامتصاص الصدمات عندما تكون قيمة الأجور والأسعار المحلية غير مرنة. وعلى سبيل المثال، إذا ما اتجه الطلب على صادرات بلد نحو الانخفاض، وبما أن كل الأمور الأخرى متساوية، فإن إنتاجها سوف ينخفض، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة مستويات البطالة وتدهور حسابها الجاري. ولمواجهة هذا الوضع، عن طريق سياسة نقدية مستقلة، يمكن خفض قيمة العملة للتخفيف من هذه الآثار السلبية من خلال تحسين القدرة التنافسية، وهو ما يؤدي إلى تحفيز زيادة الطلب على صادراتها.

ومن ناحية السياسة النقدية المستقلة، فإن دول مجلس التعاون حالياً لا تعوم عملاتها بكل حرية، ولكن حين تكون في اتحاد نقدي، فإنها سوف تفرّط في هذه الميزة، ويُحتمَل أن تُضطَرّ إلى الانسجام مع القرارات النقدية التي تعود بالفائدة على المنطقة عموماً، لكنها قد لا تخدم مصالحها المنفردة. ومن جهة أخرى، إذا أرادت دول المجلس أو عدد منها تشكيل اتحاد نقدي مع سوق أكثر تكاملاً ومع مؤسسات إقليمية قوية، فإن فرصة التعويم الحرّ للعملة قد تكون أكثر موثوقية، لأنها سوف تتأسس على السوق المحلية الأوسع نطاقاً للدينار الخليجي الموحّد، وعلى ثقله الجغرافي والسياسي. وفي حين يظل الارتباط بالدولار الخيار الأمثل في الفترة التي تلي إطلاق الاتحاد النقدي، إلاّ أنه على المدى المتوسط، يُستحسَن الارتباط بسلّة مرنة من العملات، تتضمن اليورو وعملات أخرى، مثل العملة الصينية، أو أسعار صرف معدّلة للانسجام مع كتلة ذات اقتصاد أكثر تنوعاً تسعى لتعزيز تجارتها الدولية التي لا تعتمد على الموارد الخام.

قضايا السوق

يرى روبرت مندل في أعماله النظرية الأساسية عن مناطق العملة المثلى أن مناطق العملة لن تكتسي صبغة “مثلى” إلاّ في المناطق التي سبق أن شهدت عواملها الداخلية حركية عالية[ii]. وقد يساعد تنقل العمالة ورأس المال من المناطق التي تراجع فيها الطلب نحو مناطق الطلب المرتفع على إحداث تغييرات معتدلة في الأجور ونسب البطالة. وفي حين أن العمالة تتمتع بحرية التنقل، من الناحية القانونية، إلاّ أن هذه الحرية ليست دائماً متاحة بسبب بعض العوائق العملية، مثل اختلاف اللغات. وترتب على قلة المرونة وجود حاجة إلى تخفيض قيمة العملة داخلياً في محاولة لاستعادة القدرة التنافسية التي يمكن ملاحظتها حالياً في بعض الدول الأعضاء في منطقة اليورو.

وتتسم دول مجلس التعاون حالياً بدرجة عالية من التقارب الهيكلي، على الرغم من أن هذا الوضع قد يبدأ في التباعد إذا ما أفضت برامج التنويع الاقتصادي الجاري تنفيذها إلى تخصصات قطاعية. وطبقاً لهذه النظرة، إذا ازدادت درجة التباعد الهيكلي، فقد تحدث بعض الصدمات، وإذا حصلت هذه الصدمات داخل اتحاد نقدي، فإن آلية سياسة العملة الموحدة قد تفقد صيغتها المثلى[iii]. ومع ذلك، إذا تم في البداية إنشاء سوق موحدة عاملة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى مواءمة توزيع وتشتيت هذه الصدمات إلى حدٍّ ما -شريطة أن تكون حركة كل من العمالة ورأس المال مطلقة تشريعياً وعملياً. وعلى سبيل المثال، عندما يخسر أحد المستثمرين في أحد بلدان الاتحاد النقدي، عليه أن يتمكن من الكسب بشكل متزامن في بلد آخر. وفي الحقيقة، فقد أثبت علماء الاقتصاد النقدي جدوى كل من التناظر وعدم التناظر في العلاقة بين مجموعات الدول المنخرطة في اتحاد نقدي، وبذلك فإن التماثل بينها ليس بالضرورة عاملاً مساعداً وعدمه ليس عائقاً في كلّ الحالات.

وفي الحالتين، يُعتقَد أن الاتحاد النقدي يسهم في تعميق التكامل على المدى الطويل، وأن ذلك يتم من خلال القضاء على الحواجز بين الأسواق، وتحسين شفافية التسعير، وزيادة المنافسة، وتحسين تدفق التكنولوجيا والأفكار. ويشمل أيضاً زيادة حجم التجارة البينية في السلع والخدمات، وتمكين المستثمرين من الوصول إلى أسواق مالية أكثر عمقاً وسيولة، وهذا من شأنه أن يقلّل من تكاليف الاقتراض. وعموماً، يتمكن أعضاء الاتحاد النقدي من ضمان قدر أكبر من الكفاءة الديناميكية، ويمكنهم استغلال ميزة المقارنة بفاعلية أكبر. ومن المثير للاهتمام أن نسبة كبيرة من المشروعات المملوكة في الأغلب من قبل المواطنين الخليجيين ملائمة تماماً لتعميق تكامل السوق، ولإنشاء شكل من أشكال الاتحاد النقدي يضم دول مجلس التعاون الخليجي[iv].

الآفاق المستقبلية

لم تعد معايير ماستريخت للتقارب كافية في حدّ ذاتها لتشكل الركائز الأساسية لإعداد الوحدة النقدية. وفي حين أن السعي لمواءمة هذه المعايير التي تشمل على سبيل المثال المواءمة بين معدلات التضخم للأعضاء المحتملين ونسب الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي للحكومات في الفترة التي تسبق الاتحاد النقدي لا يزال ضرورياً، فإن التنسيق والمواءمة المالية في فترة ما بعد تشكيل الاتحاد هو الأمر الأكثر أهمية، وله الدور الأعظم في جعل الاتحاد النقدي يتسم بالفاعلية والكفاءة والاستدامة، والشروط الثابتة لإنشاء اتحاد نقدي تتوفر فيه مقوّمات منطقة العملة المثلى هي مرونة الأسعار وحرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال والسلع. وبعبارة أخرى، فإن إقامة سوق واحدة تمارس فيها المنافسة الحرة. إن أحد الدروس الرئيسية التي يمكن استخلاصها من أزمة منطقة اليورو هو أن الاتحاد النقدي لا يكون مجدياً إلا إذا نشأ بين بلدان متشابهة من حيث البنية الاجتماعية والاقتصادية أو بين البلدان التي ترغب في أن تصبح متماثلة في المدى المتوسط​​، على الرغم من ترددها على المدى القصير في القبول بدمج نُظُمها الاقتصادية، وبناءً على ذلك، كلما اقتربت مجموعة من الدول من ذلك الوضع، أصبحت أكثر كفاءة وتأهيلاً لتوحيد العملة ضمنياً، وهذا يعني القبول بضرورة تحويل جزء من الإيرادات من الدول الغنية إلى الدول الأقل ثراءً. وعلى صانعي القرار داخل مجموعة دول مجلس التعاون أن يقرّروا ما إذا كانت التكلفة العالية لدعم التعليم والصحة والمعاشات وبرامج التوظيف للدول الأقلّ رخاءً سوف تطغى عليها، على المدى الأبعد، المكاسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية ذات الصبغة الإقليمية الموسعة كالأمن والاستقرار وميزة السوق الموحّدة القادرة على تعزيز مستويات أعلى من التجارة البينية ومكاسب الإنتاجية في معظم القطاعات الاقتصادية، إن لم نقل كلها.

العملة المشتركة كخطوة أولى

هناك فرق في الواقع بين العملة الموحّدة (الواحدة) والعملة المشتركة، حيث أن اليورو هو عملة موحّدة (واحدة)، ولكن قبيل إطلاقه، كان هناك اقتراحًا بديلًا يطرح عملة مشتركة: “الإيكو الثابت” (Hard Ecu). وقد رأى البعض أن هذا المقترح من شأنه توفير بعض المزايا الاقتصادية – خفض تكاليف المعاملات وتعزيز مزيد من التجارة البينية – دون تكبّد أي من التكاليف السياسية. وقد سبق أن دعت بريطانيا لذلك عام1990م، بحجة أنها عرضت على المستثمرين والأفراد الاختيار بين عملتين – عملتهم الأصلية والعملة المشتركة، بحيث يمكنهم الاستبدال فيما بينها-ولم تـرَ عملة الإيكو النور لأن اهتمام المفوضية الأوروبية، كما يرى بدرو شوارتز، كان من بين أسباب أخرى ينصب بالأساس باتجاه سياسات الاتحاد أكثر منه باتجاه اقتصاد المنافسة[v]. ومع ذلك، فإنه بالنسبة لدول مجلس التعاون يمكن أن يُنظَر للعملة المشتركة على أنها خطوة انتقالية، لأنها قد تؤدي إلى تطبيع استخدام الدينار الخليجي. وقد تقتصر فائدتها على السياح والشركات الصغيرة والمتوسطة، إلاّ إذا تم العمل بها في سوق واحدة تضم دول مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك، فإن وحدة صرف مادية قد تساعد على تسهيل الانتقال إلى مثل هذه السوق.

مؤسسات بينية خاضعة للمساءلة

بالرغم من وجود مقر ّأمانة عامة لمجلس التعاون الخليجي في السعودية، ومجلس للنقد الخليجي في البحرين، تظل كلّ سلطات القرار الملزمة بيد حكومات الدول المعنية[vi]. غير أن النجاح في إقامة الاتحاد النقدي يتطلب التنازل جزئياً عن السيادة الوطنية في عدد من مجالات سياسة الاقتصاد الكلّي. فمثلاً يتطلب الأمر إنشاء مؤسسة نقدية إقليمية تتولى تنفيذ سياسة واحدة للنقد وأسعار الصرف تتماشى والظروف الاقتصادية والنقدية والمالية وتخدم المصالح العليا للكتلة الاقتصادية عموماً. ويظلّ التقارب المالي أبرز التحديات، ويحتاج إلى الدعم عن طريق إطار عمل للسياسة المالية[vii]. ورجوعاً إلى منطقة اليورو، يرى وولفغانغ مونشاو أنه لضمان الاستدامة في المستقبل يجب العمل على بناء نظام مؤسسي قوي للإدارة الاقتصادية[viii]. وتتطلب الاتحادات النقدية الفعالة وجود مؤسسات قادرة على دعم قطاع مالي متكامل وفعال على أن تمتلك صلاحيات تغطي المعايير الرقابية المتفق عليها، والقدرة على الوصول إلى السيولة، وإلى تسهيلات قروض الملاذ الأخير من البنك المركزي، وآليات القرار المشترك، ونظام ذي مصداقية لضمان الودائع.

ولعل دول مجلس التعاون تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الفصل بين مخاطر الدولة ومخاطر القطاع المصرفي “الخاص”، وعلى تعزيز نُظُم حل الخلافات بين مختلِف الحكومات المعنية والمؤسسات المالية الخاصة داخل الاتحاد. وبذلك، يجب على أعضاء الاتحاد النقدي من دول مجلس التعاون الخليجي إنشاء آليات مراقبة إقليمية قوية، وتنسيق السياسات وإجراءات التكافل المالي والتحويلات المالية. ولتحقيق ذلك، يحتاج المبدأ الحالي “بلد واحد، صوت واحد” إلى إعادة صياغة ليتخذ شكل نظام للتصويت الموزون بما يتناسب وحجم الاقتصاد والموارد والسكان لكل بلد. ومن دون مؤسسات إقليمية خاضعة للمساءلة وتتمتع بدرجة معينة من السلطة التنفيذية، ليمكن توقع حصول عملية انتقال سلس نحو السوق الواحدة والاتحاد النقدي.

أخيراً

وفقاً لمارك كارني، محافظ البنك المركزي الإنجليزي، يتطلب النجاح في توحيد العملة “بعض التنازل عن السيادة الوطنية، وهي اعتبارات تتجاوز الشأن الاقتصادي البحت”[ix]. وهذا يعني أن الدول الأعضاء المحتمل انضمامها للاتحاد النقدي من دول مجلس التعاون سوف تحتاج إلى التخلي عن السيادة الوطنية في مجالات أخرى غير السياسة النقدية، وذلك في مراحل معينة من الدورة الاقتصادية. وهكذا، بينما قد يفضي تشكيل السوق الموحّدة إلى منافع اقتصادية، وتكتسب القدرة على تعميق التجارة البينية (غير النفطية). وفي حين يمكن للعملة الموحّدة أن تعزّز التكامل الاقتصادي والسياسي الأعمق، فقد تتطلب في الوقت ذاته عملية مقايضة كبرى. وإذا كان الاتحاد النقدي لا يمثل الأفق الأمثلفي شكل سوق موحّدة والقبول العام بالتكامل الأعمق، فيجب أن تستند القرارات إلى نوعية المشهد الاجتماعي والاقتصادي الذي تتطلع إليه كل دولة من الدول الراغبة في العضوية على مدى العقد القادم. وإذا كانت هذه التطلعات منسجماً بعضها مع بعض عموماً، فإن مشروع الاتحاد النقدي يبقى مطروحاً. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد يكون الخيار الأفضل هو العملة “المشتركة”، ففي حين يساعد ذلك الخيار على تيسير التجارة البينية، فإنه لا يتطلب إصلاحات مؤسسية شاملة، ولا الالتزامات المصاحبة لنظام العملة “الموحّدة”.

 

 

 

 

 

الهوامش

[i] بالتعبير الدقيق، تحافظ خمس دول فقط من الدول الأعضاء الست على تثبيت سعر عملتها وربطها بالدولار. وقد قامت الكويت بربط دينارها بالدولار ما بين عامي 2003 و2007، لكنها تربط عملتها حالياً بسلّة من العملات. ومع ذلك، فإن هذا الربط لا يزال، بحسب الآراء المتداولة على نطاق واسع، يميل بثقله نحو الدولار.

[ii]. انظر:

 Mundell, R. A. (1961). A Theory of Optimum Currency Areas. The American Economic Review, 51(4), 657-665.

 

[iii] انظر على سبيل المثال:

 Sturm, M., & Siegfried, N. (2005). Regional monetary Integration in the member states of the Gulf Cooperation Council European Central Bank Occasional Paper Series. Frankfurt: European Central Bank.

[iv] انظر في هذا الصدد:

Rutledge, E. J. (2008). Business Expectations for a Common Currency in the Arabian Gulf. Journal of Development and Economic Policies, 10(1), 37-55. And: Rutledge, E. J. (2008). Is EMU a viable model for monetary integration in the Arabian Gulf? Journal of Economic Policy Reform, 11(2), 123-134.

 

[v].انظر:

 Schwartz, P. (2013). Why the Euro Failed and How it Will Survive. Cato Journal, 33(3), 521–534.

 

[vi] . انظر:

Rutledge, E. J. (2012). Monetary Union in the Gulf: Prospects for a Single Currency in the Arabian Peninsula. London: Routledge.

[vii]. انظر:

Sturm, M., & Siegfried, N. (2005). Regional monetary Integration in the member states of the Gulf Cooperation Council European Central Bank Occasional Paper Series. Frankfurt: European Central Bank.

[viii]. انظر:

 Münchau, W. (2013). The Euro at a Crossroads. Cato Journal, 33(3), 535–540.

[ix]. انظر:

Carney, M. (2014). The economics of currency unions.  London: Bank of England.

::/fulltext::
::cck::3698::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *