قمة جدة: إعادة تشكيل خارطة التفاعلات العربية تجاه الإقليم والعالم

::cck::6450::/cck::
::introtext::

بشكل عام، أعاد الخطاب الرسمي لقمة جدة (مايو 2023م) الاعتبار لمصطلح “العالم العربي”، وهو المصطلح الذي تراجع لسنوات في ظل الأزمات والصراعات التي شهدتها المنطقة في العشرية السابقة على خلفية تنامي أدوار القوى الإقليمية في عمق خريطة العالم العربي، من هنا تأتي أهمية قمة جدة في إعادة ترميم خريطة “العالم العربي”، فقد عكست القمة  توجهًا واضحاً للتفاعلات العربية، في ظل تبني المملكة العربية السعودية مبادرة  لطي صفحة الصراعات والأزمات الإقليمية، وتعزيز مبادرات الشراكة والمصالح الإقليمية لإنهاء حقبة الاستقطاب الإقليمي، والاستثمار في عمليات التنمية الواسعة وإعادة الإعمار، كما لم تقتصر التفاعلات التي عكسها مشهد القمة على المستوى العربي بعودة سوريا، ومساعي تسوية الأزمات في اليمن وليبيا ولبنان، وتعزيز استيعاب العراق في حاضنته العربية، والعمل على تسوية الأزمة السودانية، بل امتدت القضايا الإقليمية على أساس تعزيز مبادئ السلام وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما شهدت استضافة استثنائية للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، وتلقت القمة في هذا السياق ردود أفعال دولية من روسيا والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، ما يشير إلى طبيعة الدور الجديد للسعودية كلاعب على المستوى الدولي في ظل التحولات المتزامنة التي يشهدها النظامان الإقليمي والدولي.

::/introtext::
::fulltext::

بشكل عام، أعاد الخطاب الرسمي لقمة جدة (مايو 2023م) الاعتبار لمصطلح “العالم العربي”، وهو المصطلح الذي تراجع لسنوات في ظل الأزمات والصراعات التي شهدتها المنطقة في العشرية السابقة على خلفية تنامي أدوار القوى الإقليمية في عمق خريطة العالم العربي، من هنا تأتي أهمية قمة جدة في إعادة ترميم خريطة “العالم العربي”، فقد عكست القمة  توجهًا واضحاً للتفاعلات العربية، في ظل تبني المملكة العربية السعودية مبادرة  لطي صفحة الصراعات والأزمات الإقليمية، وتعزيز مبادرات الشراكة والمصالح الإقليمية لإنهاء حقبة الاستقطاب الإقليمي، والاستثمار في عمليات التنمية الواسعة وإعادة الإعمار، كما لم تقتصر التفاعلات التي عكسها مشهد القمة على المستوى العربي بعودة سوريا، ومساعي تسوية الأزمات في اليمن وليبيا ولبنان، وتعزيز استيعاب العراق في حاضنته العربية، والعمل على تسوية الأزمة السودانية، بل امتدت القضايا الإقليمية على أساس تعزيز مبادئ السلام وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما شهدت استضافة استثنائية للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، وتلقت القمة في هذا السياق ردود أفعال دولية من روسيا والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، ما يشير إلى طبيعة الدور الجديد للسعودية كلاعب على المستوى الدولي في ظل التحولات المتزامنة التي يشهدها النظامان الإقليمي والدولي.

استعادة الزخم المؤسسي للعمل العربي المشترك

أعادت قمة جدة الاعتبار للعمل المؤسسي العربي، فمن الواضح أن المؤشرات الرئيسية التي كشف عنها انعقاد القمة العربية خلال شهر مايو 2023م، أن القمم العربية ليست مجرد انعقاد بروتوكولي لجامعة الدول العربية، بل آلية للعمل العربي المشترك لمواجهة التحديات ووضع  خطط العمل والمبادرات للتعامل معها، وأن تكون القمة العربية هي الإطار الرئيسي الذي تستعيد به جامعة الدول العربية تأثيرها ونفوذها، ليس فقط في مواجهة الأزمات التي تعاني منها المنطقة العربية ولكن كذلك في مواجهة القوى الإقليمية التي تمتلك أجندات ومشاريع تمتد داخل دول المنطقة، وكذلك القوى الدولية التي لها مصالح فيها وتتسارع أجنداتها فيما يتعلق بتحقيق تلك المصالح بما ينعكس على الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

وفي هذا الإطار وصف الدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث قمة جدة بأنها كانت قمة تاريخية بكل المقاييس، على حد تعبيره في حوار له في جريدة الشرق الأوسط إن القمة قد حملت أسباب نجاحها قبل انعقادها، في إشارة واضحة إلى نجاح المملكة العربية السعودية في توفير عوامل النجاح. ولا شك أن الجهود التي بذلها خادم الحرمين الشريفين وولي العهد رئيس مجلس الوزراء قد وضعت الأساس الذي ضمن لتلك القمة النجاح وأسفر عن عودة سوريا للجامعة العربية واستضافة المباحثات السودانية في جدة والتي تستمر حتى الآن.

دورية الانعقاد كانت أيضاً أحد إنجازات الإعداد السعودي لقمة جدة وهو ما يؤكد على عودة الجامعة العربية لامتلاك أدواتها وتأثيرها كمنظمة إقليمية تسعى للتعامل مع تطورات المنطقة ومتغيراتها والتفاعل معها بصورة أكثر إيجابية. ومثلت دورية الانعقاد كذلك إجراءً مهمًا يوفر مناخًا إيجابيًا لعمل الجامعة العربية بصورة كبيرة، حيث إنه منذ قمة تونس 2019م، كان واضحًا أن مؤسسة القمة تواجه تحديات حقيقة كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد يوسف أحمد في مقال منشور له، فلم تعقد قمة في عامي 2020 و2021م، كما أن قمة 2022م، لم تعقد في شهر مارس كما كان مقررًا لها بل عقدت في نوفمبر من نفس العام.

ويتفق الكثير من المراقبين على أن القمة العربية 32 والمعروفة باسم قمة جدة تعد قمة غير مسبوقة سواء فيما يتعلق بعملية الإعداد المسبق لها أو بما تم خلال انعقادها وما توصلت إليه من قرارات وتناولته من قضايا ورتبت تطورات في عمل الجامعة كانت تفتقده خلال السنوات الماضية بصورة واضحة. ولا شك أن الجامعة العربية قد تأثرت كثيرًا بالتطورات التي شهدتها المنطقة في السنوات العشر الأخيرة أو منذ ظهور السعي إلى تغيير الأنظمة العربية أو ما سُمّي بالربيع العربي.

فقد شهدت تلك الفترة انقسامات عربية واضحة وتدخلات خارجية وصياغة تحالفات بين تلك القوى المعنية بإحداث التغيير في المنطقة وبعض الدول العربية التي توافقت معها على ذلك، وهو ما أدى إلى تصاعد أزمات في العديد من الدول العربية، وحدوث انهيارات في نظم حكم حالت كل هذه الأمور دون أن يكون هناك موقف عربي جماعي متماسك ليس فقط لمواجهة هذه التحديات والتطورات والتدخلات الخارجية ولكن لاتخاذ قرار عربي يجمع عليه الجميع، فقد اختلفت الأمور بين دول ترى في القوى الإقليمية والدولية حليفًا وبعض القوى الأخرى التي تعتبرها عدوًا وهو ما أدى إلى نوع من الشلل في العمل الجماعي العربي وعمل الجامعة بصورة كبيرة.

العالم العربي أمام مفترق طرق:   

أشار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى أن العالم العربي يمر بتحديات وصعوبات كثيرة، محذر في كلمته أمام وزراء الخارجية العرب من أن هذا يجعلنا أمام مفترق طرق، ويجب علينا الوقوف صفًا واحدًا وبذل المزيد من الجهد لتعزيز العمل العربي المشترك من أجل مواجهة تلك الأزمات ووضع الحلول الكاملة لها. ويعتبر كثير من المراقبين أيضًا أن قمة جدة هي خطوة مؤكدة على طريق الأمل، فهي لم تكتفِ بإعادة ترتيب البيت العربي وإعادة ترميمه وتوفير سبل القوة له، وإنما وجهت من خلال القرارات التي أسفرت عنها القمة رسائل إيجابية إلى كل دول الإقليم والعالم وركزت على المواقف والأفعال والتعامل مع الأزمات بصورة عملية واضحة دون الاكتفاء بالبيانات والمواقف التي لا تسعى إلى الانخراط والاشتباك مع تلك الأزمات وإيجاد حلول لها.

ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن انعقاد القمة العربية في جدة والتي جاءت بعد سبعة أشهر من انعقاد القمة العربية في الجزائر دليل واضح على الحرص السعودي والعربي على دورية انعقاد القمة العربية، وهو الأمر الذي كان قائمًا حتى 2010م، والذي شهد نوعًا من التراجع خلال السنوات العشر الأخيرة، فلم تنعقد القمة لمدة ثلاث سنوات، وشهدت قمم عربية أخرى أزمات واضحة ومنها عندما اعتذرت المغرب عن استضافة القمة في وقت قصير وتم توفير الظروف المناسبة لانعقادها في موريتانيا.

وقيل في البداية إن جائحة كوفيد 19 هي السبب، بيد أن معظم اللقاءات الدولية لم تتوقف ولم تتأثر بالجائحة كما تم. وهو ما كشف عن وجود خلافات حقيقية حول قضايا أساسية ومواقف دول عربية متباينة فيما يتعلق بجدول أعمال القمة، وهو ما أدى إلى تأخرها. ورغم نجاح الجزائر في عقد القمة إلا أنها لم تنجح في تحقيق الطموحات التي كانت تستهدفها من القمة وخاصة عودة النظام السوري إلى الجامعة، وهو ما أدى إلى تراجع ومحدودية مخرجات تلك القمة بصورة كبيرة فيما يتعلق بالأزمات العربية ومواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة.

ولا شك أن مخرجات القمة العربية في جدة وما توصلت إليه من قرارات وما نجحت خلاله من صياغة مواقف عربية وتنسيق عربي جماعي فما يتعلق بالرؤية لمواجهة الأزمات العربية المختلفة قد تأثر بصورة كبيرة بما حققته السياسة الخارجية السعودية من التوصل إلى اتفاق مع إيران. فبالتأكيد كان جزءًا من جوانبه لا يتعلق فقط بالعلاقات الثنائية بين البلدين ولكن أيضًا بالمواقف الخاصة بإيران وامتدادها في عدد من الأزمات العربية، وهو ما شهد نوعًا من التهدئة وإزالة التوتر، ووفر أرضية مناسبة تسمح لتدخل عربي جماعي في تلك الأزمات ارتكازًا على أن يكون التفاهم بديلًا للتصادم مع إيران، ويسمح بحلحلة تلك الأزمات والوصول إلى توافقات بخصوص حلها ومواجهة ما تواجهه من ضغوط خارجية وامتدادات إقليمية متعددة.

إعلان استثنائي:

عطفاً على ما أشار إليه وزير خارجية السعودية بأن العالم العربي أمام مفترق طرق، يمكن النظر إلى أن إعلان جدة يشكل مدخلاً لهذا السياق، حيث أعاد ترتيب الأولويات العربية، فمخرجات القمة التي تصدر في البيان تشكل التعاطي مع قضايا جدول الأعمال، لكن إعلان جدة يشكل تصورًا آخر للتعاطي مع الأولويات الاستراتيجية، فقد أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية للعالم العربي ومفتاح للاستقرار الإقليمي، تلاها القضية السودانية، التي تشكل عامل ضغط على طي صفحة الأزمات والصراعات الإقليمية التي يتعين ألا تمتد وتفتح بؤرة جديدة لملفات تسعى القوى العربية إلى إنهائها وفي المقدمة منها السعودية، ثم توالت بقية الأزمات التي عكس الإعلان مداخل للتعامل معها كالأزمة اليمنية واللبنانية وغيرها، لكن من الأهمية بمكان النظر إلى التركيز على عملية التنمية كمنظور جديد للتعامل مع تلك الأزمات في سياق الخروج منها، بالإضافة إلى أن يكون ذلك مبنياً على فكر ورؤية استراتيجية وهو ما تجلي في البند الحادي عشر من الإعلان والذي يشير إلى مبادرة الرياض لإنشاء حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية خاصة وأنه أصبح لدى الرياض منصات عديدة من مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية والتي يمكن أن تشكل قاطرة لهذه المبادرة المهمة.

عودة دمشق:

لعل قرار عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية وتوجيه الدعوة للرئيس السوري للمشاركة في القمة يمثل إنجازًا كبيرًا وتغييرًا واضحًا في الموقف العربي للتعامل مع الأزمة السورية غاب وافتقدته المنطقة على مدى عشر سنوات، ويكشف في الكثير من جوانبه أن المبادرة السعودية على هذ المستوى قد وجهت رسالة واضحة بأن المنطقة العربية لم تكتفِ بالصمت أمام التحديات الخارجية والإقليمية وفي مواجهة الحصار والضغوط التي تمارس لأجندات مختلفة، فهذه المبادرة قد أعادت سوريا إلى الحضن العربي ووضعت أسس التعامل مع الأزمة السورية لم تكن شيكًا على بياض ولكن حددت أن تكون خطوة في مقابل خطوة وأن تكون العودة للجامعة العربية واستعادة سوريا مقعدها يرتبط بصورة كبيرة بتحقيق إنجازات على المستوى الداخلي تكفل تخفيف الاحتقان على المستوى الداخلي وإزالة التوتر القائم وتسمح بتخفيف الضغوط الخارجية عليها من قاعدة الحرص على تماسك الدولة السورية ورفض وجود أي تنظيمات أو ميليشيات عسكرية، ومحاصرة الامتدادات الإقليمية المختلفة التي تؤثر على الدولة السورية.

وهذا يعد إنجازًا غير مسبوق فيما يتعلق بالتعامل مع الأزمة السورية وتقديم رؤية إقليمية عربية يمكن التعامل معها مع القوى الدولية الكبرى التي تفرض حصارًا على سوريا وتطالب بأجندة قد تؤدي في النهاية إلى تفكك الدولة السورية. ويعتبر هذا الإنجاز مهمًا جدًا ليس فقط لسوريا ولكن فيما يتعلق بمواجهة السياسة الإكراهية المرتبطة بتدخل قوى كبرى وإقليمية في قضايا المنطقة العربية بصورة كبيرة. كما يعكس مرونة التعاطي العربي مع هذا الملف، إذ لم يكن بعض الأعضاء مرحبين بهذا القرار، لكن تم التوصل إلى صيغة تنطوي على آلية لتعامل الجامعة العربية كمؤسسة في إطار الاستحقاقات السياسية لملف الأزمة السورية، ويترك للأعضاء التعاطي بحرية مع النظام السوري.

أبعاد استراتيجية:

أولاً: تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي ارتبطت بالحرب الروسية ـ الأوكرانية والتي أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وأزمات اقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الكبرى على اتساع العالم من ناحية، وتزايد حجم الإنفاق العسكري بتداعياته الاجتماعية والاقتصادية في بلدان كبرى متعددة ما كانت تتوقع أن تتخذ هذه القرارات في استراتيجياتها بصفة دائمة. ولا شك أن ذلك قد أتاح للعديد من دول المنطقة بتراكم الثروة جراء ارتفاع أسعار الطاقة وحاجة المجتمع الدولي إليها بصورة غير مسبوقة وهو ما حرر تلك الدول من الضغوط التي كانت تتعرض لها من القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي كانت تتبنى ما يسمى بسياسة تغيير الأنظمة أو محاولة تشكيلها طبقًا لمنظورها الديمقراطي كما تراه وفي إطار سعيها للهيمنة عليها.

ثانياً: أن الصراع الدولي الذي تصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول حلف الناتو من ناحية تجاه الصين وروسيا من ناحية أخرى قد رتب تداعيات غير مسبوقة على دول العالم، وساعد على تنامي ما يمكن تسميته بالإقليمية الجديدة. ولا شك أن محاولة تغيير هيكل التوازن الدولي قد أتاح فرصة للحركة للقوى الإقليمية على اختلافها في محاولة لتغيير التوازن الدولي، فنمت أدوار للقوى الإقليمية بصورة كبيرة خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأتاحت فرصة لاستعادة جامعة الدول العربية كإطار جامع للعمل العربي المشترك تحرر من ضغوط كانت تمارس عليه وتحول دون تصاعده وممارسته الإيجابية.

ثالثاً: إن المنظمات الإقليمية في المنطقة وليست الجامعة العربية وحدها قد بدأت حراكًا ملحوظًا خلال العامين الأخيرين في محاولة للتوافق مع المتغيرات الدولية، وهو ما وضح في منظمة الإيجاد ومنظمة غاز شرق المتوسط وظهور تحالفات إقليمية أخرى مثل كواد وأوكوس، وحتى الدور المتنامي لحلف شمال الأطلسي الذي كان مفتقدًا خلال السنوات الماضية وصار أكثر تماسكًا. إذًا الجامعة العربية استفادت من المتغيرات التي شهدها العالم والتي انعكست على الإقليم في تحرر من ضغوط كانت تمارس عليها ومحاولة لاستعادة دورها كمنظمة إقليمية مؤثرة في المنطقة يتم من خلالها قيادة العمل العربي المشترك.

رابعاً: أن الخطوات والإجراءات التي قامت بها المملكة العربية السعودية في إطار إعدادها لقمة جدة الأخيرة تكشف عن متغير واضح هو دفع الجامعة العربية إلى دخول مرحلة جديدة جوهرها إدارة عملية توافق وفاعلية فيما يتعلق بمسؤوليتها في إدارة القضايا والمصالح العربية والتوافق مع المتغيرات الدولية الجديدة، والسعي إلى الدخول مباشرة في الأزمات العربية التي شهدت غيابًا لجامعة الدول العربية ودخول أطراف إقليمية أخرى لإدارة الصراع فيها، وهو ما شاهدناه في الأزمة الليبية ودخول الاتحاد الإفريقي كطرف مؤثر وكذلك في الأزمتين السودانية والسورية. وكان هذا الغياب مؤثرًا على موقف عربي موازن لمواقف الأطراف التي تمثل طرفًا أساسيًا في تلك المنظمات الإقليمية وأدوارًا لقوى إقليمية لها أجنداتها المختلفة، سواء إيران أو تركيا أو إثيوبيا أو دول أخرى.

الإعداد للقمة العربية استهدف استراتيجية واضحة وهي كيف يمكن صياغة موقف عربي متوافق، والتركيز على المشتركات وتجنب طرح الخلافات في المرحلة الحالية والتوصل إلى صيغ مشتركة وتفاهمات تكفل دورًا مشاركًا للجامعة العربية في تلك الأزمات وطرح رؤى من خلال العمل العربي المشترك لحل هذه الأزمات وعدم الاكتفاء بإدارة الصراع أو تسجيل مواقف. المعيار الرئيسي هنا هو كيف يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة ومواجهة التحديات من خلال الاشتباك مع الأزمات الموجودة بصورة أكثر إيجابية، وتوحيد الموقف العربي بصورة داعمة لتحقيق إنجاز على هذا المستوى.

خامساً: إنه كان واضحًا خلال عملية الإعداد أيضًا تجنب حالة الانقسام العربي فيما يتعلق بتباين الرؤى إزاء الأزمات العربية بصورة كبيرة وتبني مواقف تسمح بالتركيز على خطوات أولية للتعامل مع تلك الأزمات بما يستوعب المواقف المتناقضة على هذا المستوى، وعدم ربط الخطوات الأولى بأهداف كبرى يمكن أن تتحقق وتجنب العامل مع المواقف الدولية الإقليمية الحاكمة والمتفاعلة مع تلك الأزمات  لتثبيت موقف عربي مشترك يتبنى ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية وعدم تجزئتها ومواجهة الميليشيات العسكرية التي نشأت بصورة كبيرة هي والتنظيمات الإرهابية داخل تلك الدول وتجنب الحديث عن شكل أو صياغة أو طبيعة النظم الداخلية وكيفية تطورها على اعتبار أن ذلك شأن داخلي، والحرص على تماسك الدولة يقتضي أن تكون هذه المرحة هي مرحلة دعم الدولة المركزية ومواجهة التحديات الخارجية.

هذا التوجه الجديد الذي وضح خلال مرحلة الإعداد كان حاكمًا فيما يتعلق بالجلسات والاجتماعات التي سبقت انعقاد القمة، سواء خلال الجامعة العربية أو الجولات التي قام بها وزير الخارجية السعودي لعدد من الدول العربية أو المؤتمر الذي انعقد في الأردن؛ كل هذه لقاءات كان عنوانها الرئيسي كيف يمكن دعم المشتركات وتجاوز تباين الرؤى والخلافات حتى يمكن التوصل إلى قرارات تلبي الحد المناسب من الطموح العربي فيما يتعلق بمواجهة تطورات المنطقة وتحقيق الاستقرار والأمن فيها وإظهار دور مؤثر للجامعة العربية كانت تفتقده خلال السنوات الماضية.

سادساً: إنه كان من الواضح أن الحركة السعودية على مستوياتها المتعددة سواء الثنائية أو الجماعية التي شهدتها الشهور التي سبقت انعقاد القمة، كانت تستهدف بصورة رئيسية استعادة التأثير وتعزيز العمل الجماعي ووضع سياسات عربية مشتركة وواضحة بشأن القضايا الأساسية التي أتاحت مناخًا للتدخلات الإقليمية والدولية في المنطقة، والاقتراب من قضايا المنطقة واهتماماتها بصورة مكثفة، ليس فقط على المستويات السياسية، والعسكرية، والأمنية والاقتصادية، بل امتدت لمواجهة التحديات الأمنية غير التقليدية.

هذا النهج أفضى إلى طرح قضايا كانت غائبه عن العمل الجماعي العربي طوال سنوات طويلة، ومنها قضية الأمن الغذائي والمعاناة التي يمر بها عدد من الدول العربية على هذا المستوى، وهي قضية لم تكن مطروحة، علاوة على قضايا وتحديات الأمن المائي، حيث تتعدد الدول العربية التي تعاني من مشاكل مرتبطة بالماء ليس فقط قضية سد النهضة، والاشتباك المصري السوداني مع إثيوبيا ومشاريعها التي تستهدف التضييق على دول المصب فيما يتعلق بحقوقها المائية، ولكن كذلك الموقف الإيراني من طاقات العراق المائية، والموقف التركي من الاستحقاقات السورية والعراقية من المياه، وهي قضايا جوهرية كانت توضع على الهامش في قضايا العمل الجماعي والقمم العربية.

وأسهمت المساعي السعودية في وضع هذه القضايا في صدارة الاهتمام العربي، على اعتبار أن قضية الأمن القومي العربي لا تقتصر فقط على مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية، في ظل ما تمثله التهديدات غير التقليدية كعامل رئيسي في قضية البقاء والاستقرار في الدول العربية، بما ينعكس على تماسك الدول العربية واستقرارها في نهاية المطاف.

قمة جدة على النحو السابق قد أكدت على وجود موقف عربي جماعي يدعم الشرعية في الدول العربية ودول الأزمات بصفة خاصة، ولا شك أن مشاركة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالرغم من وجود سلطة الحوثيين غير الشرعية في صنعاء، وكذلك تمثيل ليبيا من خلال رئيس المجلس الرئاسي، ومشاركة الرئيس السوري، وتمثيل السودان كذلك بمبعوث قائد الجيش –رغم الانشقاق الحادث- يؤكد على مبدأ واضح طالما ظل الاعتراف بأن هناك مشكلات داخلية واجبة الحل عن طريق التفاهم والحوار، ولكن المعيار الرئيسي والحاكم على هذا المستوى هو دعم الشرعية في تلك الدول حرصًا على تماسك الدولة وعدم تفككها.

ويرى بعض المراقبين أن خلو إعلان قمة جدة من متابعة ما جرى خلال قمة الجزائر، حيث أن الإعلان الصادر في قمة الجزائر بشأن تحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية والتي وقعت عليه تلك الفصائل لم تشر إليه القمة العربية في جدة ولم تتابعه، وهو ما يمكن القول بأن ذلك ارتبط بتقدير المملكة العربية السعودية والدول العربية الكبرى، بأنه قد سبق إجراء محاولات سابقة للمصالحة، وأن إعلان الجزائر لم يكن فعليًا خطوة تحتاج للمتابعة، حيث سبق لتلك الفصائل التوقيع على إعلانات سابقة واتفاقات متعددة سواء في جدة أو القاهرة والدوحة، لكنها لم تنفذ لاستمرار الموقف المتناقض لطرفي الصراع في فلسطين. وعليه لم تكن هناك مهمة واجبة لمتابعة أهداف بيان الجزائر، وهو ما تم تجنبه، إذ لم يرتب الإعلان منذ صدور أية متغيرات أو اجتماعات، فضلاً عن عدم متابعة الجزائر تنفيذ الخطوات أو دعوة الأطراف المختلفة لتنفيذ ما تم التوقيع عليه.

وفي التقدير، إن قمة جدة سواء فيما يتعلق بعمليات الإعداد التي سبقت انعقادها والاتصالات التي جرت على مستويات متعددة من القيادة السعودية بصورة واضحة لتهيئة المناخ للتوصل لتفاهمات وقرارات من القمة العربية، قد حققت نوعًا من الإنجاز غير المسبوق، لكن يحتاج للبناء عليه. وفي الاعتقاد، لن تعتبر المملكة العربية السعودية أن القمة العربية هي الإنجاز الذي يجب أن يكتفي الحراك السعودي بخصوصه، وعليه فما تم التوصل إليه من قرارات خاصة فيما يتعلق بقضايا الأزمات العربية – السورية والسودانية-بالتحديد سوف تحتاج إلى مواقف وتحركات جديدة، تشارك فيها الدول المعنية لتقديم الدعم لدول الأزمات لتحقيق إنجاز أو لتوفيق أوضاعها وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في قمة الرياض كخطوط عريضة لحل تلك الأزمات.

ولعل تشكيل مجموعات عمل خاصة بالأزمتين السورية والسودانية يمثل تحركًا على هذا المستوى، يحتاج لنوع من المتابعة، عبر الدول المعنية بالانخراط في الأزمة والمقبولة من أطراف الأزمة لتقديم حلول لها، وتحقيق إنجاز، وتنفيذ ما طرح عبر مبدأ خطوة مقابل خطوة، حتى يتحقق ما تصبو إليه الجامعة العربية من تفاعل مع الأزمات والتوصل لحلول لها.

ومن ناحية أخرى، فإن اهتمام القمة العربية بقضايا الأزمات المائية ومعاناة بعض الدول من مشاكل وتحديات مائية ومشاريع لدول خارج الجامعة العربية، يتطلب أن يكون هناك حراك أكثر وضوحًا واجتماعات متعددة لاتخاذ قرارات ومواقف لا تكتفي بالإدانة والشجب لممارسات الأطراف الأخرى، بل للبحث عن صيغة تكفل تدخلًا من أطراف عربية لها تأثير في التعامل مع تلك الدول، للوصول لحلول وسط تكفل وضع حلول مقبولة ومناسبة لتلك الأزمات، وتواجه تحديًا للأمن غير التقليدي التي تواجهه الدول العربية.

وفيما يتعلق بقضية الأمن الغذائي، فالأمر يحتاج إلى عقد جلسات أخرى وطرح فرص للاستثمار في مجال الأمن الغذائي تستفيد منه الدول التي تتوافر لها المقومات الزراعية والأراضي والمناخ والفرص الاستثمارية، وكذلك الدول التي تملك محافظ الاستثمار، بما يحقق نوعًا من الاندماج العربي والعمل العربي المشترك على المستوى الاقتصادي، ويكفل مواجهة تهديدات تؤثر على الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

إن ما حققته السعودية من إنجاز في القمة العربية الأخيرة يعيد لجامعة الدول العربية تأثيرها ويستعيد لها دورها المؤثر كمنظمة إقليمية في وقت تتصاعد فيه ظاهرة “الإقليمية الجديدة”، التي تتيح فرصًا للمنظمات والقوى الإقليمية لممارسة أدوارًا على مستوى العالم في ظل الصراع الدولي، بما يتيح الفرص أمام المنظمات الإقليمية للقيام بأدوار تحد من الامتدادات الدولية المتصارعة للتحرك بما يحقق مصالح كل منها، هذه الفرص تستدعي مواصلة العمل العربي المشترك، والذي لن يتحقق بانفراد دولة ما بقيادته ولكن بصيغة موقف عربي –وليكن بمن حضر- عبر الدول الراغبة في لعب وممارسة أدوار إيجابية مع عدم التصادم مع القوى الإقليمية بصورة كبيرة ومحاولة إيجاد قواسم وأرضية مشتركة معها، بما يعزز من دور جامعة الدول العربية والعمل العربي المشترك.

::/fulltext::

image
Getting your Trinity Audio player ready...

د. محمد مجاهد الزيات

مستشار المركز المصري للفكر والدراسات السياسية والاستراتيجية


بشكل عام، أعاد الخطاب الرسمي لقمة جدة (مايو 2023م) الاعتبار لمصطلح “العالم العربي”، وهو المصطلح الذي تراجع لسنوات في ظل الأزمات والصراعات التي شهدتها المنطقة في العشرية السابقة على خلفية تنامي أدوار القوى الإقليمية في عمق خريطة العالم العربي، من هنا تأتي أهمية قمة جدة في إعادة ترميم خريطة “العالم العربي”، فقد عكست القمة  توجهًا واضحاً للتفاعلات العربية، في ظل تبني المملكة العربية السعودية مبادرة  لطي صفحة الصراعات والأزمات الإقليمية، وتعزيز مبادرات الشراكة والمصالح الإقليمية لإنهاء حقبة الاستقطاب الإقليمي، والاستثمار في عمليات التنمية الواسعة وإعادة الإعمار، كما لم تقتصر التفاعلات التي عكسها مشهد القمة على المستوى العربي بعودة سوريا، ومساعي تسوية الأزمات في اليمن وليبيا ولبنان، وتعزيز استيعاب العراق في حاضنته العربية، والعمل على تسوية الأزمة السودانية، بل امتدت القضايا الإقليمية على أساس تعزيز مبادئ السلام وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما شهدت استضافة استثنائية للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، وتلقت القمة في هذا السياق ردود أفعال دولية من روسيا والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، ما يشير إلى طبيعة الدور الجديد للسعودية كلاعب على المستوى الدولي في ظل التحولات المتزامنة التي يشهدها النظامان الإقليمي والدولي.

استعادة الزخم المؤسسي للعمل العربي المشترك

أعادت قمة جدة الاعتبار للعمل المؤسسي العربي، فمن الواضح أن المؤشرات الرئيسية التي كشف عنها انعقاد القمة العربية خلال شهر مايو 2023م، أن القمم العربية ليست مجرد انعقاد بروتوكولي لجامعة الدول العربية، بل آلية للعمل العربي المشترك لمواجهة التحديات ووضع  خطط العمل والمبادرات للتعامل معها، وأن تكون القمة العربية هي الإطار الرئيسي الذي تستعيد به جامعة الدول العربية تأثيرها ونفوذها، ليس فقط في مواجهة الأزمات التي تعاني منها المنطقة العربية ولكن كذلك في مواجهة القوى الإقليمية التي تمتلك أجندات ومشاريع تمتد داخل دول المنطقة، وكذلك القوى الدولية التي لها مصالح فيها وتتسارع أجنداتها فيما يتعلق بتحقيق تلك المصالح بما ينعكس على الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

وفي هذا الإطار وصف الدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث قمة جدة بأنها كانت قمة تاريخية بكل المقاييس، على حد تعبيره في حوار له في جريدة الشرق الأوسط إن القمة قد حملت أسباب نجاحها قبل انعقادها، في إشارة واضحة إلى نجاح المملكة العربية السعودية في توفير عوامل النجاح. ولا شك أن الجهود التي بذلها خادم الحرمين الشريفين وولي العهد رئيس مجلس الوزراء قد وضعت الأساس الذي ضمن لتلك القمة النجاح وأسفر عن عودة سوريا للجامعة العربية واستضافة المباحثات السودانية في جدة والتي تستمر حتى الآن.

دورية الانعقاد كانت أيضاً أحد إنجازات الإعداد السعودي لقمة جدة وهو ما يؤكد على عودة الجامعة العربية لامتلاك أدواتها وتأثيرها كمنظمة إقليمية تسعى للتعامل مع تطورات المنطقة ومتغيراتها والتفاعل معها بصورة أكثر إيجابية. ومثلت دورية الانعقاد كذلك إجراءً مهمًا يوفر مناخًا إيجابيًا لعمل الجامعة العربية بصورة كبيرة، حيث إنه منذ قمة تونس 2019م، كان واضحًا أن مؤسسة القمة تواجه تحديات حقيقة كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد يوسف أحمد في مقال منشور له، فلم تعقد قمة في عامي 2020 و2021م، كما أن قمة 2022م، لم تعقد في شهر مارس كما كان مقررًا لها بل عقدت في نوفمبر من نفس العام.

ويتفق الكثير من المراقبين على أن القمة العربية 32 والمعروفة باسم قمة جدة تعد قمة غير مسبوقة سواء فيما يتعلق بعملية الإعداد المسبق لها أو بما تم خلال انعقادها وما توصلت إليه من قرارات وتناولته من قضايا ورتبت تطورات في عمل الجامعة كانت تفتقده خلال السنوات الماضية بصورة واضحة. ولا شك أن الجامعة العربية قد تأثرت كثيرًا بالتطورات التي شهدتها المنطقة في السنوات العشر الأخيرة أو منذ ظهور السعي إلى تغيير الأنظمة العربية أو ما سُمّي بالربيع العربي.

فقد شهدت تلك الفترة انقسامات عربية واضحة وتدخلات خارجية وصياغة تحالفات بين تلك القوى المعنية بإحداث التغيير في المنطقة وبعض الدول العربية التي توافقت معها على ذلك، وهو ما أدى إلى تصاعد أزمات في العديد من الدول العربية، وحدوث انهيارات في نظم حكم حالت كل هذه الأمور دون أن يكون هناك موقف عربي جماعي متماسك ليس فقط لمواجهة هذه التحديات والتطورات والتدخلات الخارجية ولكن لاتخاذ قرار عربي يجمع عليه الجميع، فقد اختلفت الأمور بين دول ترى في القوى الإقليمية والدولية حليفًا وبعض القوى الأخرى التي تعتبرها عدوًا وهو ما أدى إلى نوع من الشلل في العمل الجماعي العربي وعمل الجامعة بصورة كبيرة.

العالم العربي أمام مفترق طرق:   

أشار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى أن العالم العربي يمر بتحديات وصعوبات كثيرة، محذر في كلمته أمام وزراء الخارجية العرب من أن هذا يجعلنا أمام مفترق طرق، ويجب علينا الوقوف صفًا واحدًا وبذل المزيد من الجهد لتعزيز العمل العربي المشترك من أجل مواجهة تلك الأزمات ووضع الحلول الكاملة لها. ويعتبر كثير من المراقبين أيضًا أن قمة جدة هي خطوة مؤكدة على طريق الأمل، فهي لم تكتفِ بإعادة ترتيب البيت العربي وإعادة ترميمه وتوفير سبل القوة له، وإنما وجهت من خلال القرارات التي أسفرت عنها القمة رسائل إيجابية إلى كل دول الإقليم والعالم وركزت على المواقف والأفعال والتعامل مع الأزمات بصورة عملية واضحة دون الاكتفاء بالبيانات والمواقف التي لا تسعى إلى الانخراط والاشتباك مع تلك الأزمات وإيجاد حلول لها.

ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن انعقاد القمة العربية في جدة والتي جاءت بعد سبعة أشهر من انعقاد القمة العربية في الجزائر دليل واضح على الحرص السعودي والعربي على دورية انعقاد القمة العربية، وهو الأمر الذي كان قائمًا حتى 2010م، والذي شهد نوعًا من التراجع خلال السنوات العشر الأخيرة، فلم تنعقد القمة لمدة ثلاث سنوات، وشهدت قمم عربية أخرى أزمات واضحة ومنها عندما اعتذرت المغرب عن استضافة القمة في وقت قصير وتم توفير الظروف المناسبة لانعقادها في موريتانيا.

وقيل في البداية إن جائحة كوفيد 19 هي السبب، بيد أن معظم اللقاءات الدولية لم تتوقف ولم تتأثر بالجائحة كما تم. وهو ما كشف عن وجود خلافات حقيقية حول قضايا أساسية ومواقف دول عربية متباينة فيما يتعلق بجدول أعمال القمة، وهو ما أدى إلى تأخرها. ورغم نجاح الجزائر في عقد القمة إلا أنها لم تنجح في تحقيق الطموحات التي كانت تستهدفها من القمة وخاصة عودة النظام السوري إلى الجامعة، وهو ما أدى إلى تراجع ومحدودية مخرجات تلك القمة بصورة كبيرة فيما يتعلق بالأزمات العربية ومواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة.

ولا شك أن مخرجات القمة العربية في جدة وما توصلت إليه من قرارات وما نجحت خلاله من صياغة مواقف عربية وتنسيق عربي جماعي فما يتعلق بالرؤية لمواجهة الأزمات العربية المختلفة قد تأثر بصورة كبيرة بما حققته السياسة الخارجية السعودية من التوصل إلى اتفاق مع إيران. فبالتأكيد كان جزءًا من جوانبه لا يتعلق فقط بالعلاقات الثنائية بين البلدين ولكن أيضًا بالمواقف الخاصة بإيران وامتدادها في عدد من الأزمات العربية، وهو ما شهد نوعًا من التهدئة وإزالة التوتر، ووفر أرضية مناسبة تسمح لتدخل عربي جماعي في تلك الأزمات ارتكازًا على أن يكون التفاهم بديلًا للتصادم مع إيران، ويسمح بحلحلة تلك الأزمات والوصول إلى توافقات بخصوص حلها ومواجهة ما تواجهه من ضغوط خارجية وامتدادات إقليمية متعددة.

إعلان استثنائي:

عطفاً على ما أشار إليه وزير خارجية السعودية بأن العالم العربي أمام مفترق طرق، يمكن النظر إلى أن إعلان جدة يشكل مدخلاً لهذا السياق، حيث أعاد ترتيب الأولويات العربية، فمخرجات القمة التي تصدر في البيان تشكل التعاطي مع قضايا جدول الأعمال، لكن إعلان جدة يشكل تصورًا آخر للتعاطي مع الأولويات الاستراتيجية، فقد أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية للعالم العربي ومفتاح للاستقرار الإقليمي، تلاها القضية السودانية، التي تشكل عامل ضغط على طي صفحة الأزمات والصراعات الإقليمية التي يتعين ألا تمتد وتفتح بؤرة جديدة لملفات تسعى القوى العربية إلى إنهائها وفي المقدمة منها السعودية، ثم توالت بقية الأزمات التي عكس الإعلان مداخل للتعامل معها كالأزمة اليمنية واللبنانية وغيرها، لكن من الأهمية بمكان النظر إلى التركيز على عملية التنمية كمنظور جديد للتعامل مع تلك الأزمات في سياق الخروج منها، بالإضافة إلى أن يكون ذلك مبنياً على فكر ورؤية استراتيجية وهو ما تجلي في البند الحادي عشر من الإعلان والذي يشير إلى مبادرة الرياض لإنشاء حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية خاصة وأنه أصبح لدى الرياض منصات عديدة من مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية والتي يمكن أن تشكل قاطرة لهذه المبادرة المهمة.

عودة دمشق:

لعل قرار عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية وتوجيه الدعوة للرئيس السوري للمشاركة في القمة يمثل إنجازًا كبيرًا وتغييرًا واضحًا في الموقف العربي للتعامل مع الأزمة السورية غاب وافتقدته المنطقة على مدى عشر سنوات، ويكشف في الكثير من جوانبه أن المبادرة السعودية على هذ المستوى قد وجهت رسالة واضحة بأن المنطقة العربية لم تكتفِ بالصمت أمام التحديات الخارجية والإقليمية وفي مواجهة الحصار والضغوط التي تمارس لأجندات مختلفة، فهذه المبادرة قد أعادت سوريا إلى الحضن العربي ووضعت أسس التعامل مع الأزمة السورية لم تكن شيكًا على بياض ولكن حددت أن تكون خطوة في مقابل خطوة وأن تكون العودة للجامعة العربية واستعادة سوريا مقعدها يرتبط بصورة كبيرة بتحقيق إنجازات على المستوى الداخلي تكفل تخفيف الاحتقان على المستوى الداخلي وإزالة التوتر القائم وتسمح بتخفيف الضغوط الخارجية عليها من قاعدة الحرص على تماسك الدولة السورية ورفض وجود أي تنظيمات أو ميليشيات عسكرية، ومحاصرة الامتدادات الإقليمية المختلفة التي تؤثر على الدولة السورية.

وهذا يعد إنجازًا غير مسبوق فيما يتعلق بالتعامل مع الأزمة السورية وتقديم رؤية إقليمية عربية يمكن التعامل معها مع القوى الدولية الكبرى التي تفرض حصارًا على سوريا وتطالب بأجندة قد تؤدي في النهاية إلى تفكك الدولة السورية. ويعتبر هذا الإنجاز مهمًا جدًا ليس فقط لسوريا ولكن فيما يتعلق بمواجهة السياسة الإكراهية المرتبطة بتدخل قوى كبرى وإقليمية في قضايا المنطقة العربية بصورة كبيرة. كما يعكس مرونة التعاطي العربي مع هذا الملف، إذ لم يكن بعض الأعضاء مرحبين بهذا القرار، لكن تم التوصل إلى صيغة تنطوي على آلية لتعامل الجامعة العربية كمؤسسة في إطار الاستحقاقات السياسية لملف الأزمة السورية، ويترك للأعضاء التعاطي بحرية مع النظام السوري.

أبعاد استراتيجية:

أولاً: تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي ارتبطت بالحرب الروسية ـ الأوكرانية والتي أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وأزمات اقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الكبرى على اتساع العالم من ناحية، وتزايد حجم الإنفاق العسكري بتداعياته الاجتماعية والاقتصادية في بلدان كبرى متعددة ما كانت تتوقع أن تتخذ هذه القرارات في استراتيجياتها بصفة دائمة. ولا شك أن ذلك قد أتاح للعديد من دول المنطقة بتراكم الثروة جراء ارتفاع أسعار الطاقة وحاجة المجتمع الدولي إليها بصورة غير مسبوقة وهو ما حرر تلك الدول من الضغوط التي كانت تتعرض لها من القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي كانت تتبنى ما يسمى بسياسة تغيير الأنظمة أو محاولة تشكيلها طبقًا لمنظورها الديمقراطي كما تراه وفي إطار سعيها للهيمنة عليها.

ثانياً: أن الصراع الدولي الذي تصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول حلف الناتو من ناحية تجاه الصين وروسيا من ناحية أخرى قد رتب تداعيات غير مسبوقة على دول العالم، وساعد على تنامي ما يمكن تسميته بالإقليمية الجديدة. ولا شك أن محاولة تغيير هيكل التوازن الدولي قد أتاح فرصة للحركة للقوى الإقليمية على اختلافها في محاولة لتغيير التوازن الدولي، فنمت أدوار للقوى الإقليمية بصورة كبيرة خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأتاحت فرصة لاستعادة جامعة الدول العربية كإطار جامع للعمل العربي المشترك تحرر من ضغوط كانت تمارس عليه وتحول دون تصاعده وممارسته الإيجابية.

ثالثاً: إن المنظمات الإقليمية في المنطقة وليست الجامعة العربية وحدها قد بدأت حراكًا ملحوظًا خلال العامين الأخيرين في محاولة للتوافق مع المتغيرات الدولية، وهو ما وضح في منظمة الإيجاد ومنظمة غاز شرق المتوسط وظهور تحالفات إقليمية أخرى مثل كواد وأوكوس، وحتى الدور المتنامي لحلف شمال الأطلسي الذي كان مفتقدًا خلال السنوات الماضية وصار أكثر تماسكًا. إذًا الجامعة العربية استفادت من المتغيرات التي شهدها العالم والتي انعكست على الإقليم في تحرر من ضغوط كانت تمارس عليها ومحاولة لاستعادة دورها كمنظمة إقليمية مؤثرة في المنطقة يتم من خلالها قيادة العمل العربي المشترك.

رابعاً: أن الخطوات والإجراءات التي قامت بها المملكة العربية السعودية في إطار إعدادها لقمة جدة الأخيرة تكشف عن متغير واضح هو دفع الجامعة العربية إلى دخول مرحلة جديدة جوهرها إدارة عملية توافق وفاعلية فيما يتعلق بمسؤوليتها في إدارة القضايا والمصالح العربية والتوافق مع المتغيرات الدولية الجديدة، والسعي إلى الدخول مباشرة في الأزمات العربية التي شهدت غيابًا لجامعة الدول العربية ودخول أطراف إقليمية أخرى لإدارة الصراع فيها، وهو ما شاهدناه في الأزمة الليبية ودخول الاتحاد الإفريقي كطرف مؤثر وكذلك في الأزمتين السودانية والسورية. وكان هذا الغياب مؤثرًا على موقف عربي موازن لمواقف الأطراف التي تمثل طرفًا أساسيًا في تلك المنظمات الإقليمية وأدوارًا لقوى إقليمية لها أجنداتها المختلفة، سواء إيران أو تركيا أو إثيوبيا أو دول أخرى.

الإعداد للقمة العربية استهدف استراتيجية واضحة وهي كيف يمكن صياغة موقف عربي متوافق، والتركيز على المشتركات وتجنب طرح الخلافات في المرحلة الحالية والتوصل إلى صيغ مشتركة وتفاهمات تكفل دورًا مشاركًا للجامعة العربية في تلك الأزمات وطرح رؤى من خلال العمل العربي المشترك لحل هذه الأزمات وعدم الاكتفاء بإدارة الصراع أو تسجيل مواقف. المعيار الرئيسي هنا هو كيف يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة ومواجهة التحديات من خلال الاشتباك مع الأزمات الموجودة بصورة أكثر إيجابية، وتوحيد الموقف العربي بصورة داعمة لتحقيق إنجاز على هذا المستوى.

خامساً: إنه كان واضحًا خلال عملية الإعداد أيضًا تجنب حالة الانقسام العربي فيما يتعلق بتباين الرؤى إزاء الأزمات العربية بصورة كبيرة وتبني مواقف تسمح بالتركيز على خطوات أولية للتعامل مع تلك الأزمات بما يستوعب المواقف المتناقضة على هذا المستوى، وعدم ربط الخطوات الأولى بأهداف كبرى يمكن أن تتحقق وتجنب العامل مع المواقف الدولية الإقليمية الحاكمة والمتفاعلة مع تلك الأزمات  لتثبيت موقف عربي مشترك يتبنى ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية وعدم تجزئتها ومواجهة الميليشيات العسكرية التي نشأت بصورة كبيرة هي والتنظيمات الإرهابية داخل تلك الدول وتجنب الحديث عن شكل أو صياغة أو طبيعة النظم الداخلية وكيفية تطورها على اعتبار أن ذلك شأن داخلي، والحرص على تماسك الدولة يقتضي أن تكون هذه المرحة هي مرحلة دعم الدولة المركزية ومواجهة التحديات الخارجية.

هذا التوجه الجديد الذي وضح خلال مرحلة الإعداد كان حاكمًا فيما يتعلق بالجلسات والاجتماعات التي سبقت انعقاد القمة، سواء خلال الجامعة العربية أو الجولات التي قام بها وزير الخارجية السعودي لعدد من الدول العربية أو المؤتمر الذي انعقد في الأردن؛ كل هذه لقاءات كان عنوانها الرئيسي كيف يمكن دعم المشتركات وتجاوز تباين الرؤى والخلافات حتى يمكن التوصل إلى قرارات تلبي الحد المناسب من الطموح العربي فيما يتعلق بمواجهة تطورات المنطقة وتحقيق الاستقرار والأمن فيها وإظهار دور مؤثر للجامعة العربية كانت تفتقده خلال السنوات الماضية.

سادساً: إنه كان من الواضح أن الحركة السعودية على مستوياتها المتعددة سواء الثنائية أو الجماعية التي شهدتها الشهور التي سبقت انعقاد القمة، كانت تستهدف بصورة رئيسية استعادة التأثير وتعزيز العمل الجماعي ووضع سياسات عربية مشتركة وواضحة بشأن القضايا الأساسية التي أتاحت مناخًا للتدخلات الإقليمية والدولية في المنطقة، والاقتراب من قضايا المنطقة واهتماماتها بصورة مكثفة، ليس فقط على المستويات السياسية، والعسكرية، والأمنية والاقتصادية، بل امتدت لمواجهة التحديات الأمنية غير التقليدية.

هذا النهج أفضى إلى طرح قضايا كانت غائبه عن العمل الجماعي العربي طوال سنوات طويلة، ومنها قضية الأمن الغذائي والمعاناة التي يمر بها عدد من الدول العربية على هذا المستوى، وهي قضية لم تكن مطروحة، علاوة على قضايا وتحديات الأمن المائي، حيث تتعدد الدول العربية التي تعاني من مشاكل مرتبطة بالماء ليس فقط قضية سد النهضة، والاشتباك المصري السوداني مع إثيوبيا ومشاريعها التي تستهدف التضييق على دول المصب فيما يتعلق بحقوقها المائية، ولكن كذلك الموقف الإيراني من طاقات العراق المائية، والموقف التركي من الاستحقاقات السورية والعراقية من المياه، وهي قضايا جوهرية كانت توضع على الهامش في قضايا العمل الجماعي والقمم العربية.

وأسهمت المساعي السعودية في وضع هذه القضايا في صدارة الاهتمام العربي، على اعتبار أن قضية الأمن القومي العربي لا تقتصر فقط على مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية، في ظل ما تمثله التهديدات غير التقليدية كعامل رئيسي في قضية البقاء والاستقرار في الدول العربية، بما ينعكس على تماسك الدول العربية واستقرارها في نهاية المطاف.

قمة جدة على النحو السابق قد أكدت على وجود موقف عربي جماعي يدعم الشرعية في الدول العربية ودول الأزمات بصفة خاصة، ولا شك أن مشاركة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالرغم من وجود سلطة الحوثيين غير الشرعية في صنعاء، وكذلك تمثيل ليبيا من خلال رئيس المجلس الرئاسي، ومشاركة الرئيس السوري، وتمثيل السودان كذلك بمبعوث قائد الجيش –رغم الانشقاق الحادث- يؤكد على مبدأ واضح طالما ظل الاعتراف بأن هناك مشكلات داخلية واجبة الحل عن طريق التفاهم والحوار، ولكن المعيار الرئيسي والحاكم على هذا المستوى هو دعم الشرعية في تلك الدول حرصًا على تماسك الدولة وعدم تفككها.

ويرى بعض المراقبين أن خلو إعلان قمة جدة من متابعة ما جرى خلال قمة الجزائر، حيث أن الإعلان الصادر في قمة الجزائر بشأن تحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية والتي وقعت عليه تلك الفصائل لم تشر إليه القمة العربية في جدة ولم تتابعه، وهو ما يمكن القول بأن ذلك ارتبط بتقدير المملكة العربية السعودية والدول العربية الكبرى، بأنه قد سبق إجراء محاولات سابقة للمصالحة، وأن إعلان الجزائر لم يكن فعليًا خطوة تحتاج للمتابعة، حيث سبق لتلك الفصائل التوقيع على إعلانات سابقة واتفاقات متعددة سواء في جدة أو القاهرة والدوحة، لكنها لم تنفذ لاستمرار الموقف المتناقض لطرفي الصراع في فلسطين. وعليه لم تكن هناك مهمة واجبة لمتابعة أهداف بيان الجزائر، وهو ما تم تجنبه، إذ لم يرتب الإعلان منذ صدور أية متغيرات أو اجتماعات، فضلاً عن عدم متابعة الجزائر تنفيذ الخطوات أو دعوة الأطراف المختلفة لتنفيذ ما تم التوقيع عليه.

وفي التقدير، إن قمة جدة سواء فيما يتعلق بعمليات الإعداد التي سبقت انعقادها والاتصالات التي جرت على مستويات متعددة من القيادة السعودية بصورة واضحة لتهيئة المناخ للتوصل لتفاهمات وقرارات من القمة العربية، قد حققت نوعًا من الإنجاز غير المسبوق، لكن يحتاج للبناء عليه. وفي الاعتقاد، لن تعتبر المملكة العربية السعودية أن القمة العربية هي الإنجاز الذي يجب أن يكتفي الحراك السعودي بخصوصه، وعليه فما تم التوصل إليه من قرارات خاصة فيما يتعلق بقضايا الأزمات العربية – السورية والسودانية-بالتحديد سوف تحتاج إلى مواقف وتحركات جديدة، تشارك فيها الدول المعنية لتقديم الدعم لدول الأزمات لتحقيق إنجاز أو لتوفيق أوضاعها وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في قمة الرياض كخطوط عريضة لحل تلك الأزمات.

ولعل تشكيل مجموعات عمل خاصة بالأزمتين السورية والسودانية يمثل تحركًا على هذا المستوى، يحتاج لنوع من المتابعة، عبر الدول المعنية بالانخراط في الأزمة والمقبولة من أطراف الأزمة لتقديم حلول لها، وتحقيق إنجاز، وتنفيذ ما طرح عبر مبدأ خطوة مقابل خطوة، حتى يتحقق ما تصبو إليه الجامعة العربية من تفاعل مع الأزمات والتوصل لحلول لها.

ومن ناحية أخرى، فإن اهتمام القمة العربية بقضايا الأزمات المائية ومعاناة بعض الدول من مشاكل وتحديات مائية ومشاريع لدول خارج الجامعة العربية، يتطلب أن يكون هناك حراك أكثر وضوحًا واجتماعات متعددة لاتخاذ قرارات ومواقف لا تكتفي بالإدانة والشجب لممارسات الأطراف الأخرى، بل للبحث عن صيغة تكفل تدخلًا من أطراف عربية لها تأثير في التعامل مع تلك الدول، للوصول لحلول وسط تكفل وضع حلول مقبولة ومناسبة لتلك الأزمات، وتواجه تحديًا للأمن غير التقليدي التي تواجهه الدول العربية.

وفيما يتعلق بقضية الأمن الغذائي، فالأمر يحتاج إلى عقد جلسات أخرى وطرح فرص للاستثمار في مجال الأمن الغذائي تستفيد منه الدول التي تتوافر لها المقومات الزراعية والأراضي والمناخ والفرص الاستثمارية، وكذلك الدول التي تملك محافظ الاستثمار، بما يحقق نوعًا من الاندماج العربي والعمل العربي المشترك على المستوى الاقتصادي، ويكفل مواجهة تهديدات تؤثر على الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

إن ما حققته السعودية من إنجاز في القمة العربية الأخيرة يعيد لجامعة الدول العربية تأثيرها ويستعيد لها دورها المؤثر كمنظمة إقليمية في وقت تتصاعد فيه ظاهرة “الإقليمية الجديدة”، التي تتيح فرصًا للمنظمات والقوى الإقليمية لممارسة أدوارًا على مستوى العالم في ظل الصراع الدولي، بما يتيح الفرص أمام المنظمات الإقليمية للقيام بأدوار تحد من الامتدادات الدولية المتصارعة للتحرك بما يحقق مصالح كل منها، هذه الفرص تستدعي مواصلة العمل العربي المشترك، والذي لن يتحقق بانفراد دولة ما بقيادته ولكن بصيغة موقف عربي –وليكن بمن حضر- عبر الدول الراغبة في لعب وممارسة أدوار إيجابية مع عدم التصادم مع القوى الإقليمية بصورة كبيرة ومحاولة إيجاد قواسم وأرضية مشتركة معها، بما يعزز من دور جامعة الدول العربية والعمل العربي المشترك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *