التعويض العامل المشترك في ولاية المحكمتين تلتزم به الدولة أمام “العدل” والمجرم أمام “الجنائية
The Hague, Netherlands - November 3, 2017: The flag and the main building of International Criminal Court.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. ارحيم سليمان الكبيسي
أستاذ القانون العام بجامعتي طرابلس والعالمية الإسلامية ـ سابقَا
ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى تداعت الدول المنتصرة في الحرب إلى اجتماع في أحد فنادق نيويورك للوصول إلى اتفاق يتم بموجبه ترميم الخسائر الكونية، في البشر والحجر ووضع قواعد قانونية تحول دون تكرار المأساة الكونية واشتعال الحرب مرة أخرى. وهكذا كان ميثاق الأمم المتحدة، ومن بين مفردات هذا الميثاق محكمة العدل الدولية.
الجرائم الدولية هي انتهاكات خطيرة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتشير هذه الانتهاكات إلى صورتين مختلفتين من المسؤولية أولاهما في مواجهة الدول أمام محكمة العدل الدولية، وثانيهما في مواجهة الأفراد أمام المحكمة الجنائية الدولية.
سنعالج هذا الموضوع من خلال محكمة العدل الدولية في مبحث أول والمحكمة الجنائية الدولية في مبحث ثان.
محكمة العدل الدولية
تأسست محكمة العدل الدولية عام 1945م، كوسيلة لتسوية النزاعات بين الدول، كما تقدم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي تحال إليها من قبل أجهزة الأمم المتحدة الأخرى المعتمدة. محكمة العدل الدولية هي واحدة من الأجهزة الرئيسية الست للأمم المتحدة التي تشمل الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي، والاجتماعي، ومجلس الوصاية، والأمانة العامة. ومحكمة العدل الدولية هي المحكمة الوحيدة التي تتولى تسوية النزاعات بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهذا يعني إنها تقدم مساهمة مهمة في السلم والأمن العالميين وتوفر وسيلة للدول لحل القضايا دون اللجوء إلى الصراع.
محكمة العدل الدولية تفصل في نوعين من القضايا وهما:
- القضايا الخلافية: وهي نزاعات قانونية بين الدول.
- الإجراءات الاستشارية: وهي طلبات للحصول على فتاوى بشأن المسائل القانونية المحالة إليها من أجهزة الأمم المتحدة وبعض الوكالات المتخصصة.
لمحكمة العدل الدولية نشاط قضائي واسع، وقد زاد الاهتمام الإعلامي بالمحكمة في أعقاب قرار جنوب إفريقيا برفع دعوى ضد إسرائيل فيما يتصل بالانتهاكات الإسرائيلية لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية فيما يتعلق بالفلسطينيين في قطاع غزة.
ووفقاً للدعوى التي تقدمت بها جنوب إفريقيا فإن أفعال إسرائيل تعتبر ذات طابع إبادة جماعية، لأنها ترتكب بالقصد المحدد المطلوب لتدمير الفلسطينيين في غزة.
يمكن لأي دولة عضو أن ترفع دعوى ضد أي دولة عضو أخرى سواء أكانت في صراع مباشر أم لا، وذلك انحيازًا للمصلحة المشتركة للمجتمع الدولي. ولهذا انضمت عديد من الدول إلى جنوب إفريقيا لمحاسبة إسرائيل على فعلتها ضد الفلسطينيين.
ينعقد الاختصاص لمحكمة العدل الدولية قضائياً واستشاريًا، فهي بقدر ما تصير إلى أحكام ملزمة للدول، فإنها تصير إلى آراء استشارية، ومنها ما قررته في عام 2004م، من أن الجدار الذي بنته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة يتعارض مع القانون الدولي.
تعتبر أحكام محكمة العدل الدولية نهائية وليست هناك إمكانية للاستئناف. والأمر متروك للدول المعنية لتطبيق قرارات المحكمة، وفي حالة عدم الالتزام الطوعي لتنفيذ أحكام المحكمة، يحال الأمر إلى مجلس الأمن الذي تتحكم في قراراته الدول صاحبة حق الاعتراض، وهو ما حصل بالنسبة لإسرائيل المحمية بالفيتو الأمريكي.
محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. واللجوء إلى محكمة العدل الدولية مكفول لأشخاص القانون الدولي سواء كان هذا اللجوء في منازعة قضائية أو في حالة اللجوء لطلب رأي استشاري. ولا يكون لحكم المحكمة قوة الإلزام إلا بالنسبة لمن صدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل فيه.
العلاقة بين مجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية
تنص المادة 94 على وجوب امتثال جميع أعضاء الأمم المتحدة لقرارات المحكمة المتعلقة بهم، وإذا لم تمتثل الأطراف يمكن عرض القضية على مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات الإنفاذ.
تعترض طريقة الإنفاذ صعوبات جمة، خصوصاً إذا كان الحكم ضد أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أو حلفائه. وعلى سبيل المثال في قضية نيكاراغوا لم تمتثل الولايات المتحدة بقرار محكمة العدل الدولية وبالتالي لا توجد طريقة لإجبار الولايات المتحدة لتنفيذ الحكم إلا باللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق، وهذا مستحيل لأن العمل القسري بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لا يمكن تبريره إلا إذا كان السلم والأمن الدوليين على المحك وهذا مستحيل.
إذا كانت أمريكا قد قبلت الاختصاص الإلزامي للمحكمة عند إنشائها فإنها سحبت هذه الولاية التي وضحت في قضية نيكاراغوا.
كذلك نظرت المحكمة في العلاقة بين محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، عندما طلبت ليبيا اتخاذ تدابير مؤقتة لحماية حقوقها التي زعمت أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة تنتهكها بفرض عقوبات اقتصادية، وهذه العقوبات قد أذن بها مجلس الأمن مما أدى إلى تضارب محتمل بين مهام الفصل السابع لمجلس الأمن والوظيفة القضائية للمحكمة.
يبدو واضحاً كان هناك إحجاماً بينًا من جانب أعضاء المحكمة عن التورط في نزاع بطريقة تجعله يحتمل أن يتعارض مع المجلس. وذكرت المحكمة في قضية نيكاراغوا إنه لا يوجد تناقض ضروري بين الإجراءات التي يتخذها مجلس الأمن والبت في محكمة العدل الدولية، ومع ذلك عندما يكون هناك مجال للصراع يبدو أن التوازن لصالح مجلس الأمن.
إذا أخفق أي من الطرفين في (أداء الالتزامات المفروضة عليه بموجب حكم صادر عن المحكمة) فقد يطلب من مجلس الأمن (تقديم توصيات أو اتخاذ قرار بشأن التدابير) إذا رأى مجلس الأمن أن هذه الإجراءات ضرورية في الممارسة العملية، قُيدت صلاحيات المحكمة بسبب عدم استعداد الطرف الخاسر للالتزام بحكم المحكمة وعدم استعداد مجلس الأمن لفرض العواقب.
ومع ذلك من الناحية النظرية (فيما يتعلق بأطراف القضية يكون حكم المحكمة ملزماً ونهائياً وغير قابل للاستئناف).
وتجاوزاً لهذه الإشكالات تم حل قضية إسقاط الطائرة بان أمريكان بتعويض المتضررين.
المحكمة الجنائية الدولية
الصفحة الثانية للعدالة الدولية هي المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2002م، لمحاكمة المسؤولين عن أخطر الجرائم التي تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان.
المحكمة الجنائية الدولية هي هيئة مستقلة غير تابعة للأمم المتحدة أو أي مؤسسة دولية أخرى، ولا يمكن لأي دولة أو جهة أن تؤثر على ما يصدر من المحكمة.
قرارات المحكمة ملزمة وهي لا تصدر قرارات فقط بل تصدر مذكرات اعتقال مثل المذكرة التي صدرت بحق الرئيس الروسي لاتهامه بارتكاب جريمة حرب.
تسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى محاكمة المتهمين بأخطر الجرائم وضمان وصول الضحايا إلى العدالة، وإجراء محاكمات عادلة واستكمال عمل المحاكم الوطنية.
تمييز المحكمة الجنائية الدولية عن محكمة العدل الدولية
بالرغم من الدور الرائد للمحكمتين لإقرار ميزان العدل إلا أن الاختلاف بين المؤسستين واضح، كما أن الخلط بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية كبير.
محكمة العدل الدولية تعد أحد أجهزة الأمم المتحدة، أما المحكمة الجنائية الدولية فهي مستقلة قانوناً عن الأمم المتحدة على الرغم من تأييد الجمعية العامة لها.
لقد سلطت الأضواء مؤخراً على محكمة الجنايات الدولية بعد أن قدم المدعي العام كريم خان طلبات للدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة لإصدار أوامر بإلقاء القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير دفاعه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق أحداث 7 أكتوبر والحرب في غزة ومعهما كبار قادة حماس.
ويبدو أن المدعي العام أمسك العصا من الوسط حين ساوى بين الجلاد والضحية، ذلك أن غزة والضفة الغربية أراضي فلسطينية وأن المقاومة الفلسطينية في حالة دفاع شرعي استنادًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وأن الكيان الصهيوني في حالة عدوان طبقاً للمادة 5 من نظام روما والمحكمة الجنائية الدولية.
نقاط الاختلاف والائتلاف بين المحكمتين
المحكمة الجنائية الدولية منفصلة تماماً عن محكمة العدل الدولية بالرغم من الوظيفة القضائية لكل منهما.
محكمة العدل الدولية تفصل في أي نزاع قانوني بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة فيما لا علاقة للمحكمة الجنائية الدولية بالدول، بل بالأشخاص الذين يرتكبون جرائم على درجة من الخطورة وترسل مذكرات توقيف بحقهم مهما سما الشخص في الوظيفة العامة، ولا حصانة لأحد، وهو ما تعرض له كل من بوتين وعمر البشير، إلا أن التطبيق العملي يحول دون تطبيق القرارات في مواجهة من يتحكم على الساحة الدولية.
تحرك الدعاوى في المحكمة الجنائية الدولية وفق واحدة من الآليات التالية:
- من قبل المدعي العام بالمحكمة.
- أن تقوم دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية بإحالة جرائم مرتكبة في إقليمها إلى المدعي العام.
- تقوم دولة غير عضو بتقديم دعوى بحسب المعلومات عن ارتكاب جرائم خطيرة.
- تدخل مجلس الأمن الدولي بتقديم حالة معينة يعتقد إنها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يتم ارتكابها كما حصل في أحداث دارفور.
إن تحريك الدعوى أمام محكمة الجنايات الدولية يستوجب صدور أمر اعتقال ضد المتهم بارتكاب مثل هذه الجرائم.
إلا أن الواقع العملي أن مذكرات الاعتقال قد لا تجد مجالاً للتطبيق، وكثيراً ما تتجاهل الدول الأعضاء مذكرات الاعتقال، مثل حالة عمر البشير في جنوب إفريقيا والأردن.
ويشير الفقه القضائي إلى الصعوبات التي تعترض تطبيق قرارات الاعتقال، حتى وصفت (بالعدالة القاسية) ذلك إن بعض الدول مستعدة للاستهزاء بالتزاماتها تجاه المحكمة. وهذا ما حصل بعد صدور أوامر الاعتقال ضد رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعه، حيث وجهت كلمات قاسية للمدعي العام وللمحكمة الجنائية الدولية. كما أن مجلس النواب الأمريكي طالب بفرض عقوبات على المحكمة لأنها أصدرت مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه.
لكن وبالرغم من إفلات البشير من الاعتقال في بعض الدول الأعضاء، فإن أوامر الاعتقال لا تزال تفرض قيوداً على سفر من يواجهونها، بما في ذلك الرئيس الروسي.
ومع ذلك لا يمكننا مغادرة الانتقائية في قرارات المحكمة الجنائية الدولية. وذلك أن الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق، لم يتحرك المدعي العام بشأنها.
ولعل العدوان على العراق دون سند شرعي شكل جريمة على قدر كبير من الخطورة مما يستوجب تحريك الدعوى الجنائية ومساءلة من أرتكب الفعل ومن ساعد على تدمير العراق وبالتالي كان المفروض على المدعي العام للمحكمة الجنائية أن يتصدى لهذه الجريمة.
إن ما جرى بعد 9/4/2003م، في العراق لم يكن إلا بداية لجرائم متتالية لا تعد ولا تحصى، وهي جرائم إبادة تقع تحت اختصاص المحكمة الجنائية الدولية:
- الفلوجة:
تم تدمير هذه المدينة باستخدام أسلحة محرمة دولياً من الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، وقد تم استهدافها مرتين والأرقام تتحدث عن قتل ستة آلاف مدني ومثلهم أو أكثر من الجرحى منهم 78 شخصاً دفنوا في قبر جماعي لاستحالة معرفة ملامحهم، وتم تدمير 36 ألف مسكن و63 مسجداً.
- نفس الحالة لجريمة أخرى في مدينة حديثة _ محافظة الأنبار، في شهر 11 من عام 2005 تم قتل 24 شخصاً بدم بارد من قبل جنود الاحتلال الأمريكي والقتلى أطفال ونساء.
هذه أمثلة لجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية مما تخضع للاختصاص الحصري لمحكمة الجنايات الدولية.
الرؤيا القضائية لعمل المحكمة الجنائية الدولية
من أجل بناء عالم أكثر عدلاً، وعدم إفلات المجرمين من العقاب، تمارس المحكمة الجنائية عملها بعيداً عن الضغوط رائدها إحقاق الحق وترسيخ قيم العدالة. وهي تمارس عملها وفق الآلية التالية:
- محاكمة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة: هذا الإرث القضائي يشكل بناءً موثوقاً للسوابق القضائية. ومع ذلك تواجه المحكمة صعوبات في الوصول إلى العدالة المطلقة.
- إشراك المجني عليهم: من خلال سماع من لحق بهم من ضرر من جراء أية جريمة تندرج تحت اختصاص المحكمة.
- إجراء محاكمة عادلة: لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
- المحكمة الجنائية الدولية ليست بديلاً للمحاكم الوطنية، ذلك أن الاختصاص بالدرجة الأولى يكون للقضاء الوطني، أما المحكمة الجنائية الدولية فهي الملاذ الأخير، فهي لا تتدخل إلا إذا كانت الدولة التي ارتكبت فيها الجرائم الخطيرة تندرج ضمن اختصاص المحكمة غير راغبة أو غير قادرة حقاً على القيام بذلك.
الاختصاص المعقود للقضاء الدولي في مواجهة الجرائم الخطيرة التي ترتكبها إسرائيل في حرب غزة. الكيان الصهيوني أرتكب العديد من الجرائم خلال الحرب المستمرة على غزة ومنها الإبادة الجماعية والتهجير القسري للمدنيين، واستهداف المدارس والمستشفيات وقطع إمدادات الماء والكهرباء عن الفلسطينيين في حالة من العقاب الجماعي.
السؤال المطروح يكمن في مدى انتهاك الكيان الصهيوني لقواعد القانون الدولي الإنساني في حرب غزة؟ بحيث بدت المؤسسات الدولية عاجزة على الفعل قانونياً لإيجاد حلول لهذه الأزمة، وبالتالي فقدت هذه المؤسسات المصداقية تجاه الدول والشعوب لقواعد القانون الدولي.
ويبدو أن الأمين العام للأمم المتحدة وقد هاله ما رأى من تدمير لغزة وصورة البؤس للأطفال والشيوخ والنساء، أعلن خلال واحد من اجتماعات مجلس الأمن الدولي، أن الحرب لها قواعد ولا بد من توفير الحماية للمدنيين، وأن هناك دليلاً بالفعل على ارتكاب جرائم حرب، وأن الأمم المتحدة تعكف على جمع الأدلة من أجل بدء ملاحقات قانونية محتملة.
الأمين العام للأمم المتحدة أستخدم المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة (للأمين العام أن ينبه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين) وهي المرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة وهي سلطة عليا للأمين العام وخطوة نادرة استخدمها في حرب غزة والعدوان المستمر على أهلها.
قواعد القانون الدولي الإنساني أو قانون جنيف، يجد مصدره في اتفاقات جنيف الأربعة، والبروتوكولات الإضافية 1977، 2005م.
هذه القواعد القانونية يستوجب الالتزام بها في أوقات الحرب وما بعدها وإلا تمت مساءلة الدولة أو الجهة أمام القضاء الدولي.
قواعد القانون الدولي الإنساني قواعد آمرة ملزمة للدول الأطراف، ولا يجوز لأحد الانحراف عنها، وبناء على ذلك فإن القانون الدولي الإنساني ألزم الدول إدخال أحكام ومبادئ هذا القانون في تشريعاتها الداخلية.
تعد جريمة حرب الانتهاكات والمخالفات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويخضع للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية كافة الأشخاص بغض النظر عن صفة ومنصب مرتكب المخالفة أو الانتهاك.
طبقاً للمادة الخامسة من النظام الداخلي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن الاختصاص معقود لها عند اقتراف جريمة من الجرائم التالية:
جريمة الإبادة الجماعية ـ الجرائم ضد الإنسانية ــ جرائم الحرب ــ جرائم العدوان. وتتحقق جريمة الإبادة الجماعية في حالة إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها جزئياً أو كلياً وهو ما يتحقق في حالة سكان غزة بمنع إمرار المواد الغذائية والطبية لأهل غزة.
تتحقق الجرائم ضد الإنسانية في حالة إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان من المناطق التي يتواجد بها السكان بصورة مشروعة. وهو ما يتحقق لأهل غزة عند ترحيلهم من منطقة إلى أخرى.
تتحقق جرائم الحرب عند استخدام أسلحة محرمة دولياً وإعدام العشرات من الفلسطينيين عند اقتحام القوات الإسرائيلية للمخيمات أو أماكن إيوائهم.
تعمدت القوات الإسرائيلية توجيه هجماتها ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقات جنيف ((سيارات الإسعاف، سيارات الهلال الأحمر)).
تدمير المستشفيات حتى خرجت عن الخدمة وأصبح من الصعب تقديم الخدمة الطبية للجرحى والمصابين.
استهداف الإعلاميين واغتيال عدد كبير من الصحفيين ورجال الإعلام الذين يغطون الانتهاكات، حتى بلغ العدد ما يناهز 135 إعلاميًا في محاولة لاغتيال الحقيقة.
ولعل الإحصاءات التي تنشرها وزارة الصحة يومياً تثبت أن عدد الشهداء 37798 حتى يومنا هذا ((27/6/2024م)) والعدد في تزايد. كما أن عدد الجرحى ناهز 86 ألف جريح جلهم من النساء والأطفال وهو ما ينطبق على الشهداء.
منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة أعلنت بتاريخ 24/6/2024 أن أكثر من مائة طفل يقتلون أو يصابون كل يوم في غزة.
جميع الجرائم المرتكبة على الساحة الدولية والتي تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لا زلنا نفتقد الإرادة الحاسمة لمحاسبة مرتكبيها، بل أن الاستهداف يكون في مواجهة دول العالم الثالث، والانتقائية واضحة في مساءلة المجرمين، خصوصاً إذا كان هذا المجرم أو ذاك محمي بقوة عظمى تسمح له بالتمرد على قرارات المحكمة الجنائية الدولية، ومع ذلك يبقى القضاء هو الملاذ الوحيد لإنصاف المظلومين وإحقاق العدالة ولو بعد حين، طالما أن الجرائم التي تختص بها المحكمة الجنائية الدولية لا تسقط بالتقادم
الخاتمة
اتضح لنا من خلال البحث أن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تساهمان في دعم حالة القانون والعدالة في كل العالم.
رايتان كلتاهما عزيزتان على الحياة القانونية، إقامة ميزان العدل من ناحية، وألا يفلت أحد من العقاب بسبب ارتكابه جريمة من ناحية أخرى. ومع ذلك فإن مظاهر الاختلاف موجودة في هذه المحكمة عن تلك ومنها:
- لا تتحرك محكمة العدل الدولية من تلقاء نفسها لتحريك الدعوى، في حين تستطيع المحكمة الجنائية الدولية من خلال المدعي العام مباشرة التحقيق.
- أحكام وقرارات محكمة العدل الدولية نهائية لا تقبل الطعن استئنافًا ونقضاً، بعكس قرارات وأحكام المحكمة الجنائية الدولية.
- عدد قضاة محكمة العدل الدولية خمسة عشر قاضياً أما عدد قضاة المحكمة الجنائية الدولية ثمانية عشر قاضياً ينتخبون بعيداً عن أجهزة الأمم المتحدة.
- الجانب المشترك في ولاية المحكمتين هو التعويض، مع فروق بين المحكمتين، فالمسؤول عن التعويض أمام محكمة العدل الدولية ليس المجرم بل الدولة التي أقيمت ضدها الإجراءات، بينما المسؤول عن التعويض أمام المحكمة الجنائية الدولية المجرم الذي أدانته المحكمة وليست الدولة.
