القرار يحمل استجابة إنسانية أكثر منها قانونية وعمل على أنسنة التدخل القضائي للمحكمة
Labor Law Lawyer Legal Business Technology Concept.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. هاجر قلديش
المستشار القانوني للاتحاد الإفريقي وأستاذ التعليم العالي بجامعة قرطاج ـ تونس
في عالمنا المعاصر وأمام اتساع النزاعات المسلحة وتصاعد حدة انتهاكات حقوق الإنسان، تأخذ قضايا حقوق الإنسان مكانة بارزة على أجندة المحافل الدولية. تُبذل جهود متواصلة من قبل المحاكم الدولية لحماية حقوق الشعوب، لا سيما في الدول النامية التي تعاني من النزاعات والأزمات. إلا أن الشرعية الدولية تواجه انتقادات حادة وتحديات كبيرة في تحقيق العدالة والحماية الفعالة لحقوق الأفراد، خاصة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني. هذه الانتقادات تعكس محدودية قدرة المحاكم الدولية على تقديم حماية جازمة لحقوق الشعوب المتضررة. كما تعكس صدى الوعي العام المتزايد في تطور ثقافة حقوق الإنسان، وهو ما يمكن أن يمثل عنصرًا حاسمًا في تعزيز فعالية المحاكم الدولية مستقبلًا.
أي أنه كلما تقدم المجتمع البشري وتزايد وعيه بحقوق الإنسان، ارتفعت قدرة المجتمع الدولي على محاسبة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات وتعزيز آليات العدالة. وهذا ما يعزز من الرفض العالمي للانتهاكات، ويجعل المجتمع الدولي أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق العدالة بطرق أكثر فعالية.
في هذا السياق، تستعرض هذه المقالة التحديات التي تحول دون فعالية المحاكم الدولية ذات الصبغة العالمية في حماية حقوق شعوب الدول النامية (وفي هذا الصدد لن نتعرض للمحاكم الدولية ذات الصبغة الإقليمية مثل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب)، وتنظر بإيجابية مأمولة إلى تطور الحماية مع تقدم ثقافة حقوق الإنسان، في ظل عالم يتطور فيه الوعي بحقوق الإنسان بشكل مستمر، خصوصًا في ظل مؤشرات الحرب على قطاع غزة.
أولاً: حدود فعالية المحاكم الدولية في التصدي للانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين
تعد المحاكم الدولية، مثل محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC)، من أبرز المؤسسات القضائية على الساحة العالمية. وفي الحرب الأخيرة على قطاع غزة، أصبحت الشرعية الدولية الممثلة في هذه المحاكم موضع نقد مكثف بسبب ضعف فعاليتها في التصدي للانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين. هذا النقد يعكس تزايد الإحباط من عدم قدرة المحاكم الدولية على تقديم العدالة الفعالة وتوفير حماية حقيقية للضحايا.
خصوصًا فيما يتعلق بقرار محكمة العدل الدولية (ICJ) في الدعوى التي تقدمت بها جنوب إفريقيا فيما يتعلق بالحرب على غزة، والتي جادلت فيه بأن “الأفعال والتقصيرات التي قامت بها إسرائيل هي ذات طابع إبادة جماعية لأنها تهدف إلى تدمير جزء كبير من المجموعة الوطنية والقومية والإثنية الفلسطينية، والتي هي الجزء الموجود في قطاع غزة من الشعب الفلسطيني (“الفلسطينيون في غزة”).
ومن وجهة نظر جنوب إفريقيا على المحكمة اتخاذ التدابير المؤقتة، إصدار حكم أولي في القضية، من أجل “منع مزيد من الضرر الشديد وغير القابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية” ولضمان امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية بعدم المشاركة في الإبادة الجماعية، ومنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
لا سيما أن التدابير المؤقتة تحتاج إلى حد أدنى من الإثبات كي تقوم المحكمة بالحكم بها، بحيث “لا يتعين على المحكمة أن تقرر أن جميع الأفعال موضع الشكوى يمكن أن تندرج ضمن أحكام اتفاقية الإبادة الجماعية”. ويعني انخفاض عبء الإثبات أن المحكمة لا يتعين عليها أن تثبت بشكل قاطع أن جميع الإجراءات المتضمنة في طلب جنوب إفريقيا تقع ضمن أحكام الاتفاقية، مما يسمح بعملية أكثر مرونة وسرعة عند طلب اتخاذ تدابير مؤقتة قبل الاستماع إلى القضية الكاملة المتعلقة بارتكاب إسرائيل للإبادة الجماعية.
على الرغم من ذلك لم يصدر حكم صريح من المحكمة بضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. وهو التدبير الأهم والأول في قائمة التدابير التي طالبت بها جنوب إفريقيا، و الأهم على صعيد وقف الإبادة الجماعية، المحكمة اتجهت إلى إنذار سلطة الاحتلال وليس منعها من ارتكاب جرائمها، ولم تكن صيغة القرار حازمة باتجاه فرض التزام مطلق على سلطة الاحتلال بعدم الاستمرار في ارتكاب جرائمها، حيث استخدم القرار مصطلحات قابلة للتأويل “..أن تعمل (ما في وسعها)، على (تجنب)..”؛ مع أن المحكمة أكدت في القرار صراحة على معقولية اتهام إسرائيل بجريمة الإبادة على ضوء ما قدم من أدلة من قبل جنوب إفريقيا مما دفع المحكمة إلى رفض طلب إسرائيل برد الدعوى، لذلك فإن القرار كان يحمل في طياته استجابة إنسانية أكثر منها قانونية، أي عمل القرار على أنسنة التدخل القضائي للمحكمة. وأصدرت محكمة العدل الدولية مؤخرًا رأيًا استشاريًا تاريخيًا أجزمت فيه بأن سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية تنتهك القانون الدولي. وهذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها محكمة العدل الدولية موقفاً بشأن ما إذا كان “الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ 57 عاماً غير قانوني”. ورغم أن هذا الرأي استشاري مهم وقيمته المعنوية عالية وقد يكون له تأثير أكبر على الرأي الدولي فيما يتعلق ببناء إسرائيل للمستوطنات، وسيؤثر أيضًا على السياسات الإسرائيلية غير أنه يبقى رأيًا غير ملزم ولا يمكن تنفيذه بسهولة مثلما هو الشأن بالنسبة للرأي الاستشاري في قضية الجدار الفاصل. فمنظومة الاحتلال تضرب عرض الحائط بكل الشرعة الدولية بما فيها قرارات المحاكم الدولية بدعم وتواطئ من بعض القوى الكبرى والدول النافذة.
لذلك تعالت أصوات النقد بأن القضاء الدولي لا يزال لم يصل إلى حدود الفاعلية الكاملة في التصدي لجرائم الدول القوية المتنفذة في حق شعوب الدول النامية، وعلى الأغلب هذا يعود إلى مجموعة من التحديات، منها:
- القيود القانونية والسياسية:
أهمها الافتقار إلى السلطة التنفيذية: فالمحاكم الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية تفتقران إلى سلطة تنفيذية قوية لضمان تنفيذ أحكامهما. لذا، فإن قرار المحكمة قد يبقى دون تطبيق فعلي إذا لم يكن هناك دعم سياسي دولي أو ضغط دبلوماسي.
ويجب التذكير بأن محكمة العدل الدولية (ICJ) هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. ويتمثل دورها في تسوية المنازعات القانونية المقدمة من دولة أو أكثر وفقًا للقانون الدولي وإبداء الرأي الاستشاري بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إليها الجمعية العامة للأمم المتحدة (UNGA) أو مجلس الأمن (UNSC) أو غيرها من المنظمات الدولية.
- الضغوط السياسية:
إن التوترات السياسية والضغوطات التي تتعرض لها الدول الأعضاء في المحاكم الدولية يمكن أن تؤثر على قرارات المحكمة. في حالة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، تلعب الدول الكبرى في المجتمع الدولي دوراً مهماً في التأثير على مواقف المحاكم ونتائجها. فمثلاً لا يمكن لدولة ما أن تستخدم حق النقض ضد قرار محكمة العدل الدولية لأن هذه القرارات تنشئ التزامات ملزمة قانونًا. ومع ذلك، يتمتع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بناءً على طلب الدولة المتضررة، بسلطة اتخاذ تدابير خاصة لإنفاذ الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية (المادة 94 (2) من ميثاق الأمم المتحدة). ونظرًا لدعم الولايات المتحدة المستمر وغير المشروط على ما يبدو لإسرائيل، لا يمكننا أن نتوقع أي إجراء من مجلس الأمن الدولي يمكن أن يؤدي إلى أخذ قرار يلزم إسرائيل.
- التحديات العملية والإجرائية:
- طول الإجراءات: الإجراءات القانونية في المحاكم الدولية قد تكون بطيئة ومعقدة، مما يعوق سرعة اتخاذ القرارات وتنفيذها. في حالات النزاعات المستمرة مثل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، قد يؤدي البطء في الإجراءات إلى تفاقم الأزمات الإنسانية. وهذا واضح جدًا في التقارير الدولية لمؤسسات حقوق الإنسان حول معدل الخسائر الكبيرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، خصوصًا فيما يتعلق بعدد القتلى بين المدنيين لا سيما من النساء والأطفال.
- جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات: تتطلب المحاكم الدولية جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات بدقة لكن في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، قد يكون من الصعب جمع الأدلة بشكل موضوعي بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة. خصوصًا وأن الحرب لا زالت قائمة وتعدت شهرها التاسع، وتزداد كثافة وخطورة على الأرواح وهذا يعيق لجان البحث والتحري المنوط بعهدتها جمع الأدلة والتصوير من إمكانية الوصول إلى الأدلة.
- الافتقار إلى التزام الأطراف المعنية:
- رفض التعاون: في بعض الحالات، ترفض الأطراف المتورطة في النزاعات التعاون مع المحاكم الدولية. فإسرائيل، على سبيل المثال، تتجنب التعاون مع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، مما يعرقل الجهود القانونية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
- تحديات إنفاذ القرارات: حتى عندما تصدر المحاكم الدولية أحكامًا ضد الأطراف المتورطة في الانتهاكات، قد يكون من الصعب إنفاذ هذه القرارات على الأرض إذا لم يكن هناك دعم دولي فعال.
ثانيا: تأثير تقدم ثقافة حقوق الإنسان على فعالية المحاكم الدولية: كيف يساهم الوعي المتزايد في تحسين الحماية القانونية
حقوق الإنسان هي فكرة تراكمية، لم تكن وليدة اللحظة بل هي نتيجة تراكم معرفي وتجارب إنسانية عبر العصور تطورت مع مرور الزمن وتزداد قوة مع تقدم البشرية. هذه الفكرة تنمو وتزدهر مع تطور الوعي الجمعي للمجتمعات البشرية ومع تزايد الإدراك لأهمية حماية كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
وما يحدث في غزة اليوم يُعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وهذه الحقيقة باتت واضحة لمعظم المجتمع الدولي. فقبل خمسين عاماً، لم يكن هناك نفس المستوى من الوعي أو الفهم بأن مثل هذه الأفعال خاطئة. إذا نظرنا إلى الوراء، نجد أن الجرائم والانتهاكات الكبرى التي ارتكبت عبر التاريخ كانت غالباً تُعتبر مقبولة أو حتى عادية في ذلك الوقت. لم يكن هناك إطار قانوني أو أخلاقي عالمي يحكم هذه الأفعال أو يدينها. بغياب مفهوم حقوق الإنسان، لم يكن بالإمكان تصنيف الإبادات الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية كأفعال خاطئة.
اليوم، أصبح لدينا ميثاق دولي لحقوق الإنسان ومنظمات دولية تعمل على حمايتها وتعزيزها. هذا مؤشر يعكس تقدماً كبيراً في وعي المجتمع بحقوق الإنسان وضرورة احترامها.
أي أنه مع تقدم البشرية وتطور الثقافات المختلفة، بدأت فكرة حقوق الإنسان تتشكل وتأخذ طابعاً عالمياً. وللبناء على هذا التراكم والتطور حتى يصل إلى تعزيز ملموس في فعالية المحاكم الدولية على تحقيق العدالة وحماية الأفراد من الانتهاكات، وتعزيز القوانين والمعاهدات الدولية حتى الوصول إلى تحسينات مجدية لآليات العدالة الدولية وتعزيز المساءلة. نحن بحاجة الى:
- تعزيز الوعي بضرورة استقلالية القضاء الدولي:
وذلك من تعزيز ثقافة عامة للنأي بالمحاكم الدولية التي يُفترض أن تكون مستقلة وتعتمد على القوانين بعيداً عن الضغوط السياسية، والارتهان لها، وذلك من خلال حماية القُضاة وتحصينهم بعيدًا عن الضغوط والابتزاز واختيارهم ضمن معايير الشفافية وتاريخهم المستقل بدون تحيز إلى أي طرف من الأطراف.
محكمة العدل الدولية هي اّخر محفل قانوني ذي قيمة معنوية متميزة، والمفترض أن قراراتها ملزمة إلى جانب تقديم الآراء الاستشارية، لذلك يفترض أن تكون بعيدة عن التسيس والضغط السياسي، وتترك وحدها لتقول وتفسر القواعد القانونية وتكييف ممارسات الدول بناء عليها، فهي محكمة فنية، لذلك هي حرة. حالة الاستقلالية هذه، تُبقى المحاكم الدولية (بصفة عامة) أداة قوية في تعزيز قضائي عالمي مستقل ونزيه يضمن حقوق جميع الشعوب دون تمييز.
- توفير الأدلة والتوثيق:
الوعي المتزايد يساعد في تحسين جمع وتوثيق الأدلة المتعلقة بالانتهاكات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام يمكن أن توفر معلومات حيوية للمحاكم الدولية، مما يسهم في بناء قضايا قوية وتحقيق العدالة. وقد بدا هذا واضحًا فيما يتعلق بالدعوة المقدمة من جنوب إفريقيا من خلال الاهتمام الكبير الذي حظيت به تقارير المقررين الخاصين ومجموعات العمل التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وبعثات تقصي الحقائق. وفي حين أن هذا لم يُستخدم على نطاق واسع في القضايا السابقة المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، ونظرت المحكمة بشكل إيجابي إلى هذه الأدلة بسبب الجودة العالية والطبيعة الغنية بالمعلومات لتقارير الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن الطلب يؤكد اعتماده على البيانات والتقارير الواردة من رؤساء وهيئات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية وشهود عيان من غزة، بما في ذلك الصحفيين الفلسطينيين على الأرض، إلا أنه كان يميل في الغالب نحو المصادر الدولية مثل: الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، بدلاً من الاعتماد على نطاق واسع على المصادر الفلسطينية.
لذلك هناك حاجة إلى تحسين الإجراءات القانونية، من خلال تبسيطها وتطوير آليات أسرع لمعالجة القضايا، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لتحسين جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات.
- تعزيز التحرك الشعبي للجماهير (الرأي العام الدولي) لمناصرة قضايا شعوب الدول النامية المظلومة:
يساهم الوعي المتزايد بحقوق الإنسان في تعزيز الضغط الدولي على الحكومات والمنظمات للامتثال للقوانين الدولية. وعندما تكون القضايا الإنسانية تحت مجهر الرأي العام، يصبح من الصعب على الدول والأطراف المتورطة تجاهل المحاكم الدولية.
ويعتبر الرأي العام الدولي قوة ذات أثر كبير في حياة الناس اليومية، فهو الذي يبني الشهرة ويهدمها. ويؤازر الهيئات العامة ويضع القوانين ويلغيها، كما هو الذي يرعى التقاليد الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية أو يتنكر لها، وينفخ في الروح المعنوية أو يُثبّطها. وليس غريباً أن يوصف بأنه أكبر قوة عرفها البشر طوال تاريخهم الطويل، وأنه يمثل الإرادة الواحدة للجماعة الإنسانية. ويمثّل أيضًا القوة المعنوية التي تتحقق بها الأهداف المشتركة لكل جماعة منها. وإذا تحولت هذه القوة المعنوية إلى قوةٍ مادية في ظروف معينة، أصبحت كالطوفان، واكتسحت أمامها كل شيء ولم تبالِ بأي شيء. وكون الرأي العام نتاج جمعي، فهو ييسّر تنسيق العمل الذي لا يشترط أن يقوم على الإجماع، أي أن الرأي العام يتجه دائمًا نحو اتخاذ قرار رغم أنه لا يتسم بالإجماع.
وتوجد علاقة بين الرأي العام الدولي وبين مختلف السياسات التي تؤطرها الدولة أو الحكومة حيث أن ما يفكر فيه الجمهور هو ما تفعله الحكومة فهو وجهة نظر الأغلبية تجاه قضية مهمة وتكون مطروحة للنقاش بحثًا عن حل؛ فالرأي العام يملك التأثير في مسارات الحكومة وسياساتها والعكس صحيح. وهذه العلاقة تختلف من نظام لاّخر كنوع القضية ودرجة تمسك الجماهير. وأيضًا عند اتخاذ قرار لا يتلاءم مع اهتمامات ورغبات وطموحات الناس مما يحدث معارضة شعبية قوية. إن السياسة العامة في الدول الديمقراطية هي من صنع الرأي العام، ودفع الحكومات لمناصرة قضايا المظلومين هي أيضًا من صنع الرأي العام.
- تعزيز دور الإعلام والمجتمع المدني:
وسائل الإعلام والمجتمع المدني يلعبان دورًا كبيرًا في رفع الوعي حول الانتهاكات وتعزيز الضغط على المحاكم الدولية للقيام بدورها. فتغطية وسائل الإعلام وتوثيق المجتمع المدني للانتهاكات يعزز من القدرة على إثارة القضايا أمام المحاكم الدولية.
ويمكن أن يلعب الإعلام دورًا مهمًا في مراقبة القضاء الدولي، والتأكد من حيادتيه واستقلاله، فهو قوة هامة وفعالة في التأثير على صناعة القرارات القضائية سواء في مرحلة ما قبل القرار؛ أو بعده، يتمثل بشـرح وتفسير القرارات القضائية ومميزاتها سواء السلبية أو الإيجابية ومدى اتساقها بعدالة حقوق الإنسان، للرأي العام، وهي بذلك يمكن أن تؤثر في تنفيذ هذه القرارات، بتوجيهاتها تجاهها وأسلوبها في التعليق عليها.
لذلك فإنه من الضروري أن يكون هناك وسائل إعلام خاصة بمراقبة القضاء الدولي، وتكون مستقلة، وتهدف إلى تعزيز الحقائق للقضايا الحقوقية للشعوب النامية، من أجل حشد ظهير شعبي عام ومناصرين لها حتى في أروقة المؤسسات الدولية، ولدى الحكومات حول العالم.
وتعتمد هذه الوسائل في تكتيكها على متابعة قرارات المحاكم الدولية، وكل أنواع المقالات والأخبار المستندة إلى الرأي القانوني لخبراء موثوق بهم سواء في الصحافة ومواقع الانترنت، ووسائل الإعلام الدولية، ثم يتم ترجمة هذه المواد، وعرضها بما يسمح بتكييف المحتوي على نحو يناسب جماهير معينة. وذلك من خلال إسهامها في توضيح الخط الفاصل للجماهير بين الرأي والحقيقة، من خلال ما يصوغه المستشارون والمختصون في هذه الوسائل الإعلامية للمحتوى المنوي عرضه، من خلال استخدام كلمات معينة لتثبيت الحقائق لقضايا حقوق الإنسان والمطلوب مناصرتها والتصدي لمظلوميتها في ذهن المتابعين؛ بما يزيد من حدة التحامل على كل جهة دولية او متنفذة تحاول تضليل العدالة وابتزاز القضاء الدولي وتنقل للجماهير رسائل واضحة، تخبرهم بطريقة مباشرة، من هو الفريق المعتدي ومن هو صاحب الحق الشرعي.
- إغراق المحاكم الدولية بالدعاوى القضائية ضد الظلم:
يفترض ألا يقتصر دور هذه الوسائل أو الجماهير أو المنظمات الحقوقية على متابعة قرارات المحاكم والقضاء والكتابة حوله فحسب، بل أيضاً تتقدم أحيانًا بشكاوى رسمية لجهات دولية وقضائية مختلفة حول العالم، حول قضايا تتعلق بحقوق الشعوب النامية، أي إغراق المحاكم بمثل هذه القضايا، حتى يصبح الحديث عنها وتناولها شأنًا من العادات والتقاليد الإعلامية والعامة.
إن مقاضاة إسرائيل مثلًا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ومن ثم صدور قرار المحكمة بشأن ما يجب على سلطة الاحتلال اتخاذه من تدابير يعد سابقة تاريخية وأحد التابلوهات الدولية التي لم يجرؤ أحد مسبقًا على كسرها، وهذا أمر هام، حيث يعتبر مؤشر على أن سلطة الاحتلال لم تعد في حصانة من القانون الدولي والملاحقة القانونية والقضائية على ما ترتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني. وأيضًا شكلت مقاضاة سلطة الاحتلال وقرار المحكمة منبراً دوليًا لفضح وكشف جرائم الاحتلال وتصدير هذه الجرائم لسلم اهتمام المجتمع الدولي من منظمات وحكومات ورأي عام. كما أن القرار يأتي في سياق اتهام سلطة الاحتلال بجريمة الإبادة الجماعية التي استندت إليها المحكمة في قرارها ورأت أن هناك أسباب معقولة لذلك الاتهام، وبالتالي سلطة الاحتلال لا زالت موسومة أمام المحكمة والمجتمع الدولي بارتكاب هذه الجريمة، وهذا يتناقض كليًا مع الصورة التي دأبت على إيصالها لنفسها للمجتمع والجماهير الدولية، على أنها دولة ديمقراطية تحافظ على حقوق الإنسان.
- تعزيز التعاون الدولي:
أخيرًا يجب تشجيع الدول على تقديم الدعم للمحاكم الدولية وتعزيز الشراكات بين الدول والمنظمات الدولية لتحسين فعالية النظام القضائي العالمي، وذلك من خلال زيادة الشفافية والمساءلة في عمليات المحاكم وزيادة المساءلة يمكن أن يعزز من الثقة في النظام الدولي، ويزيد من الضغط على الأطراف المعنية للامتثال للقوانين الدولية.
