طالبت المحكمة الدولية بالوقف الفوري لتشييد الجدار والالتزام بجبر الضرر جراء تشييده
The Hague, Netherlands - September 04 2014 : the inside of the main room of the international court of justice with white seats for the judges
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. إبراهيم سيف منشاوي
مدرس القانون الدولي والتنظيم الدولي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ــ جامعة القاهرة
تعاطت محكمة العدل الدولية مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بشكل مباشر ولأول مرة، عندما طلبت منها الجمعية العامة للأمم المتحدة إصدار فتوى بشأن بناء الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2004م، وقد كان على المحكمة وقتذاك أن تتعاطي مع مجموعة معقدة من المسائل القانونية والسياسة للتوصل إلى نتيجة محددة في هذا السياق. وعلى الرغم من أن المحكمة في فتواها أقرت بعدم مشروعية بناء الجدار العازل، إلا أن ذلك لم يكن له أي تأثير يُذكر على أرض الواقع، إذ استمرت إسرائيل في بناء الجدار غير مكترثة بفتوى المحكمة.
وبعد فترة ليست بالقصيرة، ظهرت القضية الفلسطينية مجددًا أمام المحكمة، وبالتحديد عام 2018م، عندما أودعت دولة فلسطين بوصفها دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، طلبًا في قلم كتاب المحكمة بتاريخ 28 سبتمبر 2018م، ضد الولايات المتحدة الأمريكية بشأن نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى مدينة القدس بموجب قرار إدارة ترامب. فقد طلبت السلطة الفلسطينية من المحكمة بشكل أساسي أن تقضي في مسألة قانونية أساسية تكمن وراء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي السيادة على القدس، في سياق القرار السياسي الأمريكي بنقل السفارة. ومع ذلك، بعد تحديد المواعيد النهائية للمرافعات المكتوبة في عام 2019م، لم تنشر محكمة العدل الدولية أي معلومات عامة، مما يشير عادة إلى أن المدعي والمدعى عليه اتفقا على تعليق الإجراءات. غير أنه لم يمضٍ وقت طويل حتى طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة فتوى من المحكمة في 19 يناير 2023م، بشأن “الآثار القانونية الناشئة عن ممارسات وسياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”، وقد خلصت المحكمة في هذه الفتوى الصادرة في 19 يوليو 2024م، إلى عدم مشروعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولقد تبع الطلب الأخير الذي تقدمت به الجمعية العامة، قيام حكومة جنوب إفريقيا، عقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023م، برفع دعوى ضد الحكومة الإسرائيلية أمام المحكمة في 29 ديسمبر 2023م، ادعت فيها بارتكاب الأخيرة لأعمال إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. هذا وقد نظرت المحكمة في هذه الدعوى الأخيرة، وأصدرت فيها حتى الآن ثلاثة قرارات بالتدابير المؤقتة للحماية، طالبت بمقتضاها بالوقف الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
1-فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية لعام 2004:
اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (دإط-10/14) في 8 ديسمبر 2003م، في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة، طلبت بمقتضاه الفتوى من محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل. ووجهت الجمعية إلى المحكمة التساؤل التالي: “ما هي الآثار القانونية الناشئة عن تشييد الجدار الذي تقوم إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بإقامته في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في القدس الشرقية وحولها، على النحو المبين في تقرير الأمين العام، وذلك من حيث قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة؟
وفي فتواها التي أصدرتها في 19 يوليو 2004م، تناولت المحكمة الكثير من القضايا في القانون الدولي، مثل: مدى شرعية الجدار العازل في ضوء قواعد قانون الحرب؛ والحق في تقرير المصير؛ وقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني؛ وقانون حقوق الإنسان. وقد خلصت المحكمة في فتواها إلى أن تشييد الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية وما حولها، والنظام المرتبط به يخالف القانون الدولي، ويتنافى مع التزامات دولية منوطة بإسرائيل، مما يجعلها تتحمل تبعة المسؤولية الدولية بمقتضى القانون الدولي. وانتقلت المحكمة بعد أن خلصت إلى عدم شرعية بناء ذلك الجدار إلى تحديد الآثار القانونية الناشئة عن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي. فقد نوهت المحكمة في هذا الصدد إلى ضرورة امتثال إسرائيل للالتزام الذي يُوجب عليها احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والالتزامات المنوطة بها بمقتضى القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. فضلًا عن وضع حد للإخلال بالتزامها الدولي الناشئ عن تشييد الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك من خلال الوقف الفوري لأعمال تشييد ذلك الجدار، وإبطال القوانين واللوائح المعتمدة لإرساء النظام المرتبط به، مع الالتزام بجبر الضرر الذي لحق بجميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين من جراء تشييده.
كذلك، لاحظت المحكمة أن الالتزامات التي أخلت بها إسرائيل تشمل بعض الالتزامات ذات الحجية تجاه الكافة erga omnes، واستشهدت المحكمة هنا بقضائها السابق في قضية برشلونة تراكشن، التي وصفت فيها تلك الالتزامات بأنها بحكم طبيعتها “تهم الدول كافة”، و”بالنظر إلى أهمية الحقوق المتصلة بها، يمكن اعتبار أن للدول كافة مصلحة قانونية في حمايتها”. والالتزامات ذات الحجية تجاه الكافة التي أخلت بها إسرائيل شملت: الالتزام باحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير؛ وبعض الالتزامات الواجبة عليها بمقتضى القانون الدولي الإنساني. واستأنست المحكمة في ذلك بما جاء عن الحق في تقرير المصير في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625(د-25)، الذي نص على: “يقع على عاتق كل دولة، سواء بالاشتراك مع غيرها أو بصورة منفردة، تعزيز مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب والحق في تقرير المصير، وفقًا لأحكام الميثاق، وتقديم المساعدة إلى الأمم المتحدة في الاضطلاع بالمسؤوليات الموكلة إليها بموجب الميثاق فيما يتعلق بتطبيق هذا المبدأ”.
وعلى الجانب الآخر، وضعت المحكمة مجموعة من الالتزامات على عاتق الأطراف الثلاثة، عندما ألزمت جميع الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير المشروع الناتج عن بناء الجدار العازل، والالتزام بعدم تقديم العون أو المساعدة لاستمرار ذلك الوضع. وهذه الالتزامات التي وضعتها المحكمة على عاتق جميع الدول، هي ذات الالتزامات الواردة في المادة (41) من مشروع مسؤولية الدول، تلك المادة التي تتعامل مع “الاختلالات الخطيرة بالتزامات بمقتضى القواعد القطعية من القواعد العامة للقانون الدولي (القواعد الآمرة)”.
2-قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة (جنوب إفريقيا ضد إسرائيل) 29 ديسمبر 2023:
منذ اندلاع الحرب الحالية بين حماس وسلطة الاحتلال الإسرائيلية في 7 أكتوبر 2023م، اتهمت إسرائيل غير مرة بارتكابها لجريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، وقد بلغ الأمر ذروته في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، والتي أوردت فيها عددًا من الوقائع يشير إلى قيام سلطة الاحتلال الإسرائيلية بارتكاب إبادة جماعية ضد السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، وانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م، (“اتفاقية الإبادة الجماعية”).
ففي المذكرة الأولية التي قدمتها جنوب إفريقيا للمحكمة، أشارت إلى وجود أدلة دامغة على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني أو على الأقل الفشل في منع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية (المسئولية التقصيرية)، منها على سبيل المثال لا الحصر: تصريحات ممثلي الدولة الإسرائيلية التي تعبر عن نية الإبادة الجماعية؛ والحرمان المتعمد من الحصول على الغذاء والماء؛ وعرقلة المساعدات الإنسانية؛ وقتل المدنيين؛ والتسبب في ضرر عقلي وجسدي خطير لهم؛ والطرد والتهجير الجماعي للفلسطينيين. والأحرى من ذلك، أن جنوب إفريقيا طلبت من المحكمة أن تأمر باتخاذ عدد كبير من “التدابير المؤقتة” قبل الفصل في القضية، بما في ذلك إصدار أمر لإسرائيل “بالتعليق الفوري لعملياتها العسكرية في غزة وضدها”، و”وقف القتل والتسبب في أذى عقلي وجسدي خطير للشعب الفلسطيني في غزة”، و”تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية”.
ولا يخفى أن القضية حاليًا في مرحلة الإجراءات أو التدابير المؤقتة، وقد أصدرت المحكمة في هذه القضية حتى هذه اللحظة ثلاثة قرارات بالتدابير المؤقتة للحماية، كان أخرها القرار الذي أصدرته في 24 مايو 2024م، والذي أمرت فيه إسرائيل بالوقف الفوري لهجومها العسكري، وأي عمل آخر في محافظة رفح، والذي قد يفرض على الفلسطينيين في غزة ظروف معيشية يمكن أن تؤدي إلى تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، وأمرت المحكمة أيضًا إسرائيل بفتح معبر رفح، للسماح لبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بالدخول إلى غزة، وتقديم تقرير إلى المحكمة في غضون شهر واحد بشأن امتثالها لأوامر المحكمة. كما أكدت المحكمة من جديد أوامرها السابقة وكررت دعوتها للإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن الذين تحتجزهم حماس والجماعات المسلحة الأخرى.
والحق أن قرارات المحكمة بالتدابير المؤقتة لا تعني انتهاء هذه القضية أو أن الحكم النهائي فيها قد صدر، لأنه سيتعين على المحكمة لاحقًا أن تقرر ما إذا كانت ستمضي قدمًا لنظر الموضوع “الأسس الموضوعية”، الأمر الذي سيؤدي وقتها إلى قيام المحكمة بالبحث فيما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية أم لا. والحقيقة، أن ذلك الأمر قد يستغرق عدة سنوات من أجل إصدار حكم في هذه القضية. إذ يتعين على المحكمة وهي في سبيل إصدار الحكم النهائي أن تفند العديد من الحجج الإسرائيلية، والتي من بينها حجة الدفاع الشرعي عن النفس. فسلطة الاحتلال الإسرائيلي ترى أن العمليات العسكرية التي تقوم بها حاليًا في قطاع غزة، إنما تأتي في إطار الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51). وبالتالي، يتعين على المحكمة حينئذ أن تبحث في مسألة ما إذا كانت إسرائيل يحق لها أن تباشر الدفاع الشرعي عن النفس أم لا بموجب المادة (51) من الميثاق. ولا يخفى أن هذه المسألة – أي حق سلطة الاحتلال في التذرع بالدفاع عن النفس لتبرير استخدام القوة في الأراضي المحتلة – إنما هي محل لجدال فقهي كبير في القانون الدولي والممارسة الدولية. غير أن محكمة العدل الدولية قد أزالت كل لبس يتعلق بهذا الجدال العقيم في فتواها بشأن مدى مشروعية بناء الجدار العازل في الأراضي المحتلة لعام 2004م، عندما ادعت إسرائيل بأن الجدار العازل هو إجراء للدفاع عن النفس، ذلك أن المحكمة رفضت رفضًا قاطعًا في هذه الفتوى هذه الحجة الإسرائيلية في الفقرة (139)، وخلصت إلى نتيجة مفادها بأن المادة (51) من الميثاق لا صلة لها بهذه القضية. وقد استندت المحكمة آنذاك إلى سببين أساسيين لدحض الادعاء الإسرائيلي: (السبب الأول) أكدت المحكمة على أن الدول فقط هي التي يمكنها شن هجمات مسلحة والرد من أجل الدفاع عن النفس؛ (السبب الثاني) ذهبت المحكمة إلى أن وضع الأرض المحتلة تحت الاحتلال في حد ذاته يستبعد تطبيق الدفاع عن النفس.
3-فتوى الآثار القانونية الناشئة عن ممارسات وسياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية 2024:
أصدرت محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024م، رأيًا استشاريًا جديدًا بشأن “الآثار القانونية الناشئة عن ممارسات وسياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”، وذلك بناءً على الطلب الذي أودعته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قلم كتاب المحكمة في 19 يناير 2023م، أي قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بسبب أحداث السابع من أكتوبر 2023م، وذلك في إطار الجهود الدولية المبذولة لزيادة الوعي بالقضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، حيث اتخذت الجمعية العامة القرار 247/ 77 في 30 ديسمبر 2022م، لاستفتاء المحكمة في المسائل التالية:
- ما هي الآثار القانونية الناشئة عن انتهاك إسرائيل المستمر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، نتيجة لاحتلالها طويل الأمد واستيطانها وضمها للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م، بما في ذلك التدابير الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية وطبيعة مدينة القدس المقدسة ووضعها، ومن اعتمادها للتشريعات والتدابير التمييزية ذات الصلة؟
- كيف تؤثر سياسات وممارسات إسرائيل المشار إليها في الفقرة (أ) أعلاه على الوضع القانوني للاحتلال، وما هي التبعات القانونية التي تترتب على هذا الوضع بالنسبة لجميع الدول والأمم المتحدة؟
وقد ذهبت المحكمة في فتواها الصادرة في 19 يوليو 2024م، إلى أن استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ينتهك قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وهو ما يعتبر ترديدًا لفتواها بشأن الجدار العازل لعام 2004م، وأنه يتعين على إسرائيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة في أسرع وقت ممكن. كما استنتجت المحكمة في هذه الفتوى أن السياسات والممارسات المختلفة التي تتبعها إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة هي سياسات تمييزية تنتهك قاعدة حظر الفصل والتمييز العنصري، وتنتهك كذلك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير نظرًا لاستمرار سياسات بناء المستوطنات، وتهجير الفلسطينيين، وحرمانهم من مواردهم الطبيعية، فضلاً عن سياسة الضم الشاملة. لهذا خلصت المحكمة في النهاية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي الممتد للأراضي الفلسطينية المحتلة يشكل عملًا غير مشروع يستتبع مسؤوليتها الدولية، لأنه نتج عن الانتهاكات المتكررة لحظر الاستيلاء على الأقاليم بالقوة ولحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. ومن ثم فقد ألزمت المحكمة إسرائيل بوضع حد لتلك الأعمال غير القانونية، كالوقف الفوري لجميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة، والالتزام بإلغاء جميع التشريعات والتدابير التي تخلق أو تحافظ على هذا الوضع غير المشروع، بما في ذلك تلك التي تميز ضد الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وكذلك جميع التدابير التي تهدف إلى تعديل التركيبة السكانية لأي جزء من هذه الأرض. كما ألزمت إسرائيل بتقديم التعويض الكامل عن الأضرار الناجمة عن أفعالها غير المشروعة دولياً لجميع الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين المعنيين. هذا إلى جانب أن المحكمة ألزمت الدول والأمم المتحدة بضرورة وضع حد لهذه الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وعدم تقديم يد العون والمساعدة لسلطة الاحتلال لتمكينها من الاستمرار في ممارساتها غير المشروعة بحق الشعب الفلسطيني.
خاتمة:
يتضح-إذًا-في ضوء ما تقدم أن محكمة العدل الدولية قد تمكنت من إصدار بعض القرارات التي جاءت في صالح القضية الفلسطينية، كان أخرها فتوى عام 2024م، التي أكدت فيها على عدم مشروعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولكن على الرغم من أهمية هذه القرارات والفتاوى، ولا سيما تلك المتعلقة بالقرارات التي اتخذت فيها تدابير مؤقتة في قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، إلا أنه من المشاهد عملًا وقوع انتهاكات متكررة للتدابير التي تشير إليها المحكمة في العديد من الحالات، وأخرها تلك التي أمرت بها في قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة (جنوب إفريقيا ضد إسرائيل)، حيث لم ينفك الكيان المحتل عن انتهاك هذه التدابير من خلال إعمال آلة القتل في الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وارتكاب المجازر اليومية بحقه. وكان من شأن ذلك أن أثار التساؤل عن مدى إلزامية أوامر المحكمة بالتدابير المؤقتة للحماية، وعن كيفية إنفاذ هذه الأوامر، ومدى اختصاص مجلس الأمن الدولي بهذه المسألة في ضوء ما تنص عليه المادة 94(2) من ميثاق الأمم المتحدة. وفي الحقيقة كان الخلاف قائمًا، حتى صدور القرار الخاص بقضية لا غراند، حول الطبيعة الملزمة للتدابير المؤقتة التي تأمر بها محكمة العدل الدولية بموجب نص المادة (41) من النظام الأساسي، وذلك على الرغم من الأهمية الكبيرة والمحددة لهذه التدابير في حماية الإجراءات القضائية. فقد قضت المحكمة في لا غراند بأن “صلاحية الإشارة إلى التدابير المؤقتة تستلزم أن تكون هذه التدابير ملزمة بقدر ما تستند السلطة المعنية إلى الضرورة، عندما تستدعي الظروف ذلك، لحماية حقوق الأطراف وتجنب المساس بها على النحو الذي يحدده الحكم النهائي للمحكمة”. فلا شك أنه بعد صدور قرار لا غراند، أصبحت مسألة إلزامية التدابير المؤقتة للحماية لا جدال فيها، غير أن ما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن مسألة إنفاذ هذه التدابير في الممارسة القضائية لمحكمة العدل الدولية منذ صدور حكم لا غراند لم تكن متماثلة، مما أثار الجدل عن مدى اختصاص مجلس الأمن الدولي بإنفاذ التدابير المؤقتة حال انتهاكها؟ في الواقع، هذه المسألة نُوقشت أمام مجلس الأمن الدولي في مناسبتين: قضية شركة النفط الأنجلو-إيرانية لعام 1951م، وقضية الإبادة الجماعية في البوسنة لعام 1993م. ويبدو من الممارسة المتبعة أمام المجلس أن التدابير المؤقتة ذات طابع عرضي فقط وتتوقف عن العمل عند صدور الحكم المعني، وهو ما يمثل حجة قوية لصالح عدم انطباق المادة 94(2) من ميثاق الأمم المتحدة على مثل هذه التدابير، ويدعم الرأي القائل بأن سلطة المجلس تتعلق فقط بإنفاذ الأحكام النهائية وليس التدابير المؤقتة للحماية. وحتى مع فرض التسليم بأن المجلس له اختصاص أصيل بإنفاذ الأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية بالتدابير المؤقتة، فإن ذلك قد يصطدم في المقام الأول بحق النقض أو الفيتو، والذي قد يحول دون إصدار قرار من المجلس في نهاية المطاف.
وهذا بطبيعة الحال، يختلف عن الأحكام التي تصدرها محكمة العدل الدولية. ولكن كما سبق وذكرنا، فإن الأمر سوف يستغرق وقتًا طويلًا حتى تصدر المحكمة قرارها النهائي في قضية تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية (جنوب إفريقيا ضد إسرائيل). وعلى فرض التسليم بإصدار المحكمة حكمًا ضد إسرائيل، فإنه يتعين في هذه الحالة أن تذعن سلطة الاحتلال لهذا الحكم، وإلا جاز لمجلس الأمن الدولي أن يتدخل لاتخاذ التدابير المناسبة لحمل المدعي عليه على تنفيذ الحكم في حالة التقاعس طبقًا لنص المادة 94(2) من ميثاق الأمم المتحدة. ولكن هذا مرهون بعدم قيام أي من الأعضاء الدائمين في المجلس باستخدام حق الفيتو (النقض)، فلو استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية-على سبيل المثال-حق الفيتو في هذه الحالة، سيمنع ذلك صدور قرار المجلس الذي سيحمل المدعي عليه على تنفيذ حكم المحكمة، مما سيعرقل تحقيق العدالة الدولية ويضعها في مأزق كبير، ويعيد إلى الواجهة الادعاءات التي تنادي بعدم جدوى نظام العدالة الدولية لكونه نظامًا برمته مبني على التمييز، بسبب الإسراف في استخدام حق الفيتو بما يخدم القوى الكبرى والدول التي تدور في فلكها. والواقع، أن هذه الادعاءات تلامس جزءًا كبيرًا من الحقيقة، وتلقي الضوء على مسألة غاية في الأهمية والحساسية في ذات الوقت، ألا وهي أهمية إصلاح منظومة الأمم المتحدة بالكامل، ولا سيما العضوية في مجلس الأمن وحق الفيتو، حتى يمكن إنقاذ النظام الدولي الحالي بمؤسساته وقواعده المختلفة.
