الأزمات الاقتصادية الإيرانية تزيد الضغوط على الفئات الأكثر فقرًا وتؤدي لتوترات اجتماعية
::cck::6290::/cck::
::introtext::
من المفارقات في العلاقات الاقتصادية الدولية أن تفرض العقوبات الاقتصادية لتحقيق أغراض سياسية، لكنها في الغالب لا تسفر إلا عن نتائج وخسائر اقتصادية، هكذا كانت العقوبات الغربية على إيران بدءًا من العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في يوليو عام 2012م، وانتهاءً بالعقوبات الأمريكية عام 2018م، والتي حظرت تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية، إضافة لحظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة، وفرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، وعلى البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.
::/introtext::
::fulltext::
من المفارقات في العلاقات الاقتصادية الدولية أن تفرض العقوبات الاقتصادية لتحقيق أغراض سياسية، لكنها في الغالب لا تسفر إلا عن نتائج وخسائر اقتصادية، هكذا كانت العقوبات الغربية على إيران بدءًا من العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في يوليو عام 2012م، وانتهاءً بالعقوبات الأمريكية عام 2018م، والتي حظرت تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية، إضافة لحظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة، وفرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، وعلى البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.
من ناحية أخرى يرتكز الاقتصاد الإيراني على قطاع الهيدروكربونات والزراعة والخدمات، فضلاً عن تدخل الدولة الملحوظ في التصنيع والخدمات المالية، ولا يزال النشاط الاقتصادي والإيرادات الحكومية تعتمد على عائدات النفط، مما يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات الخارجية، وقد تسببت الصدمات الخارجية، بما في ذلك العقوبات وتقلب أسعار السلع الأساسية، في ركود دام عقدًا من الزمان.كما تسبب الانكماش الكبير في صادرات النفط في ضغوط كبيرة على المالية العامة الحكومية ودفع التضخم إلى أكثر من 40٪ لمدة أربع سنوات متتالية، وأدى التضخم المرتفع والمستمر إلى انخفاض كبير في القوة الشرائية للأسر، وفي الوقت نفسه، لم يكن خلق فرص العمل كافيًا لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب والمتعلمين والداخلين الجدد إلى سوق العمل. ويتناول المقال أبرز المصاعب والأزمات التي تواجه الاقتصاد الإيراني وانعكاساتها على العلاقات الاقتصادية الدولية لإيران.
أولًا: أبعاد الأزمة الاقتصادية في إيران
- الصورة الكلية للاقتصاد الإيراني
يبلغ عدد سكان إيران وفق آخر الإحصاءات 85 مليون نسمة عام 2021م، ويقدر الناتج المحلي الإجمالي بنحو359.71 مليار دولار أمريكي، ويبلغ متوسط دخل الفرد حوالي 4091.2 دولار سنويًا مما يضعها ضمن الدول النامية متوسطة الدخل الشريحة العليا بالكاد، وتعاني من مشكلتي التضخم الذي تجاوز حدود 40% مؤخرًا ويتوقع استمراره عند مستويات مرتفعة لسنوات قادمة، كما تشكل البطالة نسبة عالية تجاوزت 11% مؤخرًا، ويعيش نسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر بمستوياته المختلفة، وقد حقق الاقتصاد الوطني نموًا ملحوظًا عام 2016- 2017م، عقب الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية على البلاد، ومع إعادة فرض العقوبات وانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي بدأت موجة من الركود الاقتصادي بشكل حاد ضرب البلاد خلال الفترة 2017- 2019م، متزامنًا مع أزمة كورونا العالمية.
وتحتل إيران المرتبة الثانية عالميًا في احتياطيات الغاز الطبيعي والمرتبة الرابعة في احتياطيات النفط الخام المؤكدة، ورغم أن قاعدتها الاقتصادية متنوعة نسبيًا، إلا أن النشاط الاقتصادي والإيرادات الحكومية يعتمدان على عائدات النفط، وبالتالي يتسمان بالتقلب.
|
|
18/2019 |
19/2020 |
20/2021 |
21/2022 |
22/2023E |
|
الدخل والنمو الاقتصادي: الناتج المحلي بالمليون $ |
|
|
|
|
|
|
معدل النمو السنوي % |
-2.3 |
-2.7 |
3.3 |
4.7 |
2.9 |
|
معدل نمو الدخل الفردي % |
-3.6 |
-4.0 |
2.0 |
3.4 |
1.7 |
|
متوسط نصيب الفرد بالدولار |
4054.8 |
3422.2 |
2854.2 |
4230.5 |
5060.0 |
|
نمو الاستهلاك الفردي % |
-1.7 |
-4.8 |
0.5 |
3.9 |
2.4 |
|
مؤشرات الأسعار |
|
|
|
|
|
|
معدل التضخم السنوي% |
31.2 |
41.2 |
47.1 |
40.2 |
54.8 |
|
سعر الصرف الأجنبي: دولار مقابل الريال |
64849.9 |
96438.2 |
170151.5 |
185632.6 |
235876.4 |
|
الرقم القياسي لسعر الصرف عام 2016 = 100 |
71.1 |
65.9 |
52.8 |
68.2 |
83.4 |
|
المالية العامة |
|
|
|
|
|
|
الايراد العام %من الناتج |
13.7 |
9.7 |
7.3 |
8.8 |
11.2 |
|
الانفاق العام % الناتج |
15.4 |
14.2 |
13.0 |
14.1 |
15.7 |
|
العجز أو الفائض% من الناتج |
-1.9 |
-1.5 |
-1.8 |
-1.1 |
3.8 |
|
الدين الحكومي للناتج % |
34.2 |
42.7 |
44.7 |
40.8 |
39.2 |
|
الدين الخارجي للناتج % |
0.1 |
0.1 |
0.2 |
|
|
|
التجارة الخارجية % من الناتج: |
|
|
|
|
|
|
الصادرات السلعية |
27.9 |
21.1 |
20.8 |
22.1 |
13.4 |
|
الواردات السلعية |
18.6 |
20.5 |
19.4 |
17.7 |
13.4 |
|
صافي ميزان الخدمات |
-1.9 |
-1.5 |
-1.8 |
-1.1 |
3.8 |
|
صافي الحساب الجاري مليار$ |
26241.2 – |
1302.0 – |
-1003.1 |
12585.7 |
16550.0 |
|
صافي الحساب الجاري |
3.5 |
-0.5 |
-0.4 |
7.9 |
3.8 |
|
الاستثمار الاجنبي المباشر |
0.7 |
0.5 |
0.6 |
|
|
|
الدين الخارجي |
1.7 |
1.7 |
2.4 |
|
|
|
نسبة خدمة الدين للصادرات |
0.2 |
0.5 |
0.9 |
|
|
|
السكان وقوة العمل: عدد السكان بالمليون نسمة |
81.8 |
82.9 |
84.0 |
85.0 |
86.0 |
|
معدل نمو السكان سنويًا % |
1.4 |
1.4 |
1.3 |
1.2 |
1.2 |
|
معدل البطالة % قوة العمل |
12.2 |
10.7 |
12.2 |
11.5 |
… |
المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية في العالم
- اتساع نطاق العقوبات الدولية وتزايد حدة الفقر في إيران
كانت العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي عام 2012م، ضد إيران نذير شؤم على الإيرانيين، حيث انخفض سعر النفط في السوق العالمية بعد إقرار هذه العقوبات مباشرة، وتلا ذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية في الأسوق الداخلية الإيرانية بشكلٍ كبير. وعلى الرغم من كل الإجراءات التي لجأ إليها الإيرانيون للتخفيف من تأثير العقوبات، فقد تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة، إذ فقد الريال الإيراني، في هذا العام وحده، نحو 80% من قيمته أمام الدولار الأميركي. وأخذ معدل الفقر في إيران اتجاهات تصاعدية في السنوات التالية بالتوازي مع تراجع متوسط دخل الفرد ومعدل النمو الاقتصادي، وحقق معدل النمو الاقتصادي معدلات نمو سالبة خلال الفترة 2014-2019م، بلغت (-2.02 %) وسجل معدل الفقر 27.6% عام 2019م، بزيادة قدرها 5 درجات مئوية عن العام السابق.
وتزامنت الزيادة في معدلات الفقر مع تزايد اختلال ميزان العدالة في توزيع الدخل سوءًا، خلال تلك الفترة (2014-2019) نتيجة تراجع مستويات إنفاق أفقر 40% من السكان مع تراجع نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يشير إليه ارتفاع معامل جيني إلى 40% والذي يمثل طريقة بسيطة لقياس توزيع الدخل في المجتمع، ويتراح معامل جيني بين صفر وواحد صحيح. ويعتبر الصفر مؤشرًا للمساواة في دخول أفراد المجتمع الواحد، بينما يشير الرقم واحد إلى ارتفاع عدم المساواة، ويخلق بيئة لعدم الاستقرار الاجتماعي، حيث تكون نسبة الفقراء مرتفعة، مما يثير مشاعر الضغينة تجاه عدد قليل من الأثرياء الذين تتركز في يدهم دون غيرهم معظم الثروات.
وبحسب مؤشرات الفقر الثلاثة التي يعدها البنك الدولي ويصنف بها دول العالم بحسب متوسط دخل الفرد حدد البنك الدولي خط الفقر العالمي عندد 2.15 $، وخط الفقر للدول متوسطة الدخل الشريحة الدنيا 3.65 دولار، وخط الفقر للدول متوسطة الدخل الشريحة العليا 6.65 $ ويمكن رصد مستويات الفقر وأعداد الفقراء وفق هذه المؤشرات في إيران على النحو التالي:
|
خط الفقر |
عدد الفقراء ألف نسمة |
نسبة الفقراء من السكان |
|
2.15 $ (53651.8 ريال إيراني) |
870.9 |
1.1 % |
|
3.65 $ (91083.3 ريال إيراني) |
5,156.7 |
6.2 % |
|
6.65 $ (170937.1 ريال إيراني |
22,861.6 |
26.6 % |
ومعنى ذلك أن أكثر من ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفق متوسط دخل الفرد في الدول متوسطة الدخل الشريحة العليا، ويرجع الأثر الحاد للأزمة الاقتصادية على الفئات الفقيرة بسبب استمرار تصاعد الضغوط التضخمية، وتراجع القيمة الحقيقية للدعم النقدي، والذي تقدمه الحكومة في مجابهة ارتفاع أسعار الطاقة وفي أعقاب محاولتها لإصلاح دعم الغذاء.
- انخفاض معدل النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة
حقق متوسط دخل الفرد خلال الفترة 2014-2019م، معدل نمو سلبي بلغ (1.38) وبلغ هذا المعدل بالنسبة لأفقر 40% من السكان (2.49%). ولم يكن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي ضعيفًا في بعض السنوات فحسب، بل انكمش هذا الناتج في ثلاث سنوات تحديدًا، وهي 2012 و2013 و2015م، قبل أن يعود لنمو سريع بلغ 8.8 بالمئة في عام 2016م، بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية، لكن النمو السريع في عام واحد لم يكن كافيًا لامتصاص بطالة متراكمة منذ عدة سنوات بين الشباب الإيراني، بل سرعان ما عادت الاتجاهات الانكماشية وحقق الاقتصاد معدلات نمو سالبة حتى قبل وباء كورونا.
تتعدى نسب البطالة بين الإيرانيين من قوة العمل 11.5% في السنوات الأخيرة، وتمثل بدورها مصدرًا للفقر والقلاقل الاجتماعية وتسبب ضغوطًا على الموازنة العامة للدولة، فضلًا عن دلالات وجود طاقات انتاجية مهدرة، وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب تحت سن الثلاثين نحو 26.7 بالمئة حسب إحصائيات منظمة العمل الدولية، مما يعني أن الاقتصاد الإيراني لم يحقق نموًا كافيًا لتوليد وظائف للداخلين الجدد أو لكل من يبحث عنها.
وتتسببت الصدمات الخارجية، بما في ذلك العقوبات الدولية وتقلب أسعار السلع الأولية في اضطرابات داخلية على مستوى النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وكانت وراء ما شهده الاقتصاد الوطني من ركود دام عشر سنوات انتهت في 2019/2020م، وقد شكل الانكماش الكبير في صادرات النفط ضغوطًا كبيرة على المالية الحكومية ودفع التضخم إلى أكثر من 40% لثلاث سنوات متتالية 2021، 2022م، ومتوقع عام 2023م، وأدى استمرار ارتفاع التضخم إلى انخفاض كبير في القوة الشرائية للأسر الإيرانية، وزاد من سوء توزيع الدخل والثروة، وفي الوقت نفسه، لم يكن خلق فرص العمل كافيًا لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب والمتعلمين الملتحقين بسوق العمل، مما تسبب في قلاقل اجتماعية مقلقة.
ولا يزال معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي مكبلًا باختناقات على المستوى المحلي والدولي، حيث يتوقع ألا يتعدى 2% عام 2023م، ولا تزال توقعات التضخم عالية، (40%، 30%، 25% أعوام 2023، 2024، 2025م، على التوالي) مما يثقل كاهل المستهلكين ويضغط على مستوى الطلب بعد التعافي الذي حدث في أعقاب كوفيد 19، وإن كان التحسن في معدلات النمو المتوقعة خلال الفترة 2023-2025م، مرتبطة بالتحسن في المتوقع في أسعار النفط وسد فجوة العرض في الأسواق العالمية.
ومن المتوقع أن تستفيد القطاعات غير النفطية من الارتفاع في الايرادات البترولية، ومع ذلك سيظل الاقتصاد الإيراني تحت ضغط كل من استمرار الحظر والعقوبات الدولية، وتراجع الاستثمارات في قطاع النفط، ونقص الطاقة، والتضخم العالمي، وتداعيات وباء كورونا، على سوق العمل مما سيحد من توقعات النمو مستقبلا، ويزيد من توقعات البطالة.
- استمرار الضغوط التضخمية
علاوة على البطالة الواسعة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني، يعاني الإيرانيون منذ عدة سنوات من ارتفاع مستمر في الأسعار بلغت 36.6 % عام 2013م، عندما تراجعت إيرادات إيران من النفط بسبب العقوبات الاقتصادية، واضطرت الحكومة الإيرانية إلى تخفيض قيمة الريال الإيراني بشكل كبير، واستمرت موجات التضخم التي حدثت في السنوات العشر الأخيرة مما أدى إلى تراجع ملموس في القدرة الشرائية للكثير من الإيرانيين.
وحسب إحصاءات البنك الدولي، فقد انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر إلى 8 بالمئة من إجمالي السكان خلال الفترة من 2009 إلى 2013م، ولكنها زادت مرة أخرى إلى 10.4 بالمئة في عام 2014م، ويعتمد الملايين من أبناء الأسر الفقيرة على الدعم المالي الذي تقدمه الدولة، ولكن ارتفاع الأسعار يعني ببساطة انخفاض حاد في القدرة الشرائية للإيرانيين وتراجع مستوى معيشة الفقراء، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وهو ما يفسر رد الفعل الغاضب والسريع على الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا.
وقد تسارعت معدلات التضخم في إيران نتيجة ضغوط من جانب الطلب ومن جانب العرض على حد سواء مما زاد من الضغوط على مستوى معيشة الطبقات الفقيرة من الإيرانيين، ولمدة ثلاث سنوات على التوالي تتجاوز معدلات التضخم 35%) 2019/2020 -2021/2022م)وقد غذى هذه الاتجاهات توسعًا كبيرًا في المعروض النقدي والتوقعات بمزيد من الارتفاع في الأسعار فضلًا عن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.
- مخاطر التغيرات المناخية
تواجه إيران تحديات حادة تتعلق بتغير المناخ، بما في ذلك موجات الجفاف الشديدة التي تحد من الإنتاج الزراعي في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء العالمية وانعدام الأمن الغذائي، ويمكن لتحديات تغير المناخ التي تزداد حدة، أن يكون لها تأثير كبير على الآفاق الاقتصادية، وزيادة الضغوط على الفئات الأكثر احتياجاً، وتشكل مخاطر محتملة للتوترات الاجتماعية، لاسيما أنه من المتوقع أن يؤدي النمو المتواضع إلى خلق فرص عمل محدودة، وتزايد معدلات البطالة.
وتمثل ندرة المياه في إيران مشكلة حيوية وتواجه البلاد مستقبلاً غير مؤكد فيما يتعلق بموارده المائية الطبيعية التي لا تفي باحتياجات البلاد الاستهلاكية، ولاشك أن التغيرات المناخية سوف تزيد من الفجوة الواسعة بين الطلب على المياه والموارد المحدودة منها، وتزيد من التحديات التي تواجه إيران، فضلًا عن سوء الاستغلال وانخفاض إنتاجية المياه الزراعية بشكل كبير، حيث يستهلك القطاع الزراعي 92% من موارد البلاد من المياه، كما أن التغيرات المناخية ستأثر سلبًا على كل من الناتج المحلي الإجمالي والطلب على العمالة وأسعار الغذاء
وفي أحد سيناريوهات تقرير البنك الدولي فإن انخفاض المتاح من الموارد المائية بنسبة 20%، مع ارتفاع درجة حرارة المناخ، سيؤثران سلبًا على إنتاجية المحاصيل، وينخفض الناتج المحلي الإجمالي 7% (بالمقارنة بعام 2016م) أو بنحو 30 مليار دولار. كما سينخفض الطلب على العمالة بنحو 4.8%، ونحو 10% بالنسبة لسنة الأساس 2016م، بالنسبة للأنشطة الزراعية والأنشطة غير الزراعية على التوالي.
- الوضع المالي للموازنة العامة
فرض اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية وما تبعها من ارتفاع كبير في أسعار الغذاء ضغوطًا كبيرة على الوضع المالي وارتفعت فاتورة دعم السلع الغذائية المستوردة، مما دفع الحكومة إلى إلغاء الدعم المقدم لبعض السلع الأساسية الغذائية المستوردة ورفعت الحكومة من أسعار الشراء للقمح المنتج محليًا، وكذلك أسعار بعض المنتجات التي يتم تسعيرها جبريًا لمنع المضاربات.
ومع ذلك ستظل إيران ترزح تحت وطأة تصاعد نمو الإنفاق العام نتيجة ارتفاع فاتورة الأجور والمعاشات وارتفاع تكاليف استيراد السلع الغذائية والمصروفات التحويلية (الدعم) المقدمة للفقراء مما سيشكل ضغوطًا على الموازنة العامة للدولة، ومن المتوقع أن يستمر العجز عند 4.4% من الناتج المحلى خلال الفترة 2022-2024م.
وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط، بسبب انتعاش الطلب العالمي والحرب في أوكرانيا، قد أدى إلى زيادة عائدات تصدير النفط، وموارد الحكومة المالية، فإن ارتفاع أسعار السلع الأولية الأخرى، بما في ذلك المواد الغذائية، أدى إلى زيادة كبيرة في فاتورة الدعم المقدم للفقراء، وتفرض هذه الزيادة ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة الحكومية حيث بلغ الدعم المباشر لأسعار المواد الغذائية 5% من إجمالي الناتج المحلي حتى قبل الارتفاع الأخير في الأسعار.
- ميزان المدفوعات والتبادل التجاري الخارجي
رغم ان التوقعات الخاصة بالحساب الجاري في ميزان المدفوعات تشير إلى استمرار الفائض نتيجة التحسن المتوقع في أسواق وأسعار النفط العالمية، إلا أن الاقتصاد الإيراني سيظل تحت وطأة عدد من المخاطر الأساسية، ومن أهم هذه المخاطر استمرار الارتفاع في أسعار الغذاء العالمية، وعودة المخاطر من متحورات كوفيد 19 وعدم إحراز تحسن في مقابلة التغيرات المناخية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد أسعار الغذاء عالميًا، ومما لا شك فيه أن هذه التطورات سيكون لها تأثيرات سيئة على الإمدادات من المحاصيل والأسمدة ويرفع من أخطار الأمن الغذائي، وستسبب ضغوطًا على المعاملات الاقتصادية الخارجية، مع قدرة البلاد المحدودة في الحصول على موارد بالنقد الأجنبي.
ثانيًا: تأثير الأزمات الاقتصادية على علاقات إيران الإقليمية والدولية
- البحث عن نفوذ اقتصادي في إفريقيا
أدت العقوبات الاقتصادية ضد إيران، إلى جعل الاقتصاد الإيراني في عزلة، فقد انسحب المستثمرون الأجانب والشركات الدولية الكبيرة من الشراكة مع إيران، وبدأت الحكومة تسعى لمواجهة عزلتها الاقتصادية. حيث اختارت القارة الإفريقية لتحقيق هدفها، خاصة مع ضآلة نصيب إيران من تجارة القارة الخارجية.
وتأتي المشكلات المصرفية وقضايا البنية التحتية والنقل في إيران، كأبرز معوقات التجارة مع إفريقيا إلى جانب القيود الناجمة عن العقوبات المفروضة، ورغم أن مركز الاستثمار الإيراني–الإفريقي قد تأسس عام 2016م، بهدف استكشاف الطاقات وآليات الاستثمار في الدول الإفريقية، بالإضافة إلى مجلس التعاون الاقتصادي الإيراني-الإفريقي الذي بدأ أعماله في عام 2000م، إلا إنهما لم يتمكنا حتى الآن من تسهيل طريق إيران لدخول القارة الإفريقية.
إضافة إلى أن إيران ليست عضوة في كثير من الاتفاقيات الاقتصادية الإقليمية والقارية مع إفريقيا، مما أدى إلى أن تدفع البلاد رسومًا جمركية أكثر لكي تستطيع التصدير إلى البلدان الإفريقية، فضلًا عن قوة المنافسين الذين يسيطرون على السوق الإفريقية، ومن بينهم الصين التي تمتلك وحدها أكثر من ربع حجم المبادلات التجارية والاقتصادية في هذه القارة، وتستثمر 60 مليار دولار في المشاريع الحقيقية والدائمة والمستدامة في القارة الإفريقية.
- بدء العلاقات التجارية مع الصين
ترتكز الشراكة الاقتصادية بين إيران والصين على موارد الطاقة الوفيرة لإيران واحتياجات الصين المتزايدة من الطاقة، لكن الصين لا تعتمد بشكل كبير على إيران لسد احتياجاتها من الطاقة. في المقابل، وعلى الرغم من تعاونهما في مجال الطاقة والتجارة والمصالح الجيوسياسية المشتركة، من المحتمل أن يكون لإيران والصين مصالح متباينة بشأن عدد من القضايا، وهو ما يعني أن العلاقة ستتشكل بناء على مصالح استراتيجية تتعدى أبعادها الأهداف الاقتصادية، فالصين تصب اهتمامها في المجال الجيوسياسي لخدمة مصالحها الخارج.
والواقع أن الهدف الاقتصادي الصرف منها قد لا يكون محفزًا للصين كثيرًا مع استمرار العقوبات الأمريكية على إيران وحالة الضعف الكبير الواقع على السوق الإيرانية، من هنا نشهد ضألة الحصاد حيث بلغ متوسط الاستثمار الصيني في إيران 1.8 مليار دولار سنويًا منذ 2005م، حتى اليوم. وفي ظل العقوبات الراهنة، تمحورت التجارة أكثر نحو الدول المجاورة، إضافة إلى الصين، وتستخدم الحكومة قنوات صرف العملات الثنائية والمقايضة وغيرها من قنوات الدفع غير المباشرة بشكل متزايد لتسوية المعاملات الدولية، مع ندرة النقد الأجنبي، بسبب العقوبات.
ومع وصول مساعي الصين في مشروع طريق الحرير إلى خطوات متقدمة، فإنها تحاول التأكيد على أهمية مشروعها الاقتصادي وسلامة نواياها، وذلك بربط طرق الإمداد اللوجستية بإيران والتي توصلها بنقاط جيوسياسية غاية في الأهمية. لذا فإن شراكة الصين وإيران في طريقها للتقدم وربما الازدهار في المستقبل القريب، حيث تعتبر إيران إحدى الدول المهمة في مبادرة الحزام والطريق.
خلاصة القول
لا تزال مخاطر الأزمات الاقتصادية لإيران كبيرة نتيجة تحديات تغير المناخ المكثفة مثل الفيضانات المتكررة والجفاف والعواصف الترابية، فضلًا عن نقص الطاقة، ويمكن لهذه التحديات، مقترنة بالضغوط التضخمية الأخيرة، أن تزيد من الضغوط على الفئات الأكثر ضعفًا وتشكل خطرًا محتملًا يتمثل في حدوث توترات اجتماعية، لا سيما وأن النمو المتواضع من المتوقع أن يولد فرص عمل محدودة. وعلى المدى المتوسط، من المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي متواضعًا إذا ظلت العقوبات الاقتصادية قائمة، وأن يؤدي ضعف الطلب العالمي والمنافسة الجديدة من صادرات النفط الروسية المخفضة إلى الصين، إلى إضعاف توسع قطاع النفط الإيراني، كما سيتأثر الطلب المحلي بالأثر السلبي لارتفاع التضخم على الاستهلاك والاستثمار.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::6290::/cck::
::introtext::
من المفارقات في العلاقات الاقتصادية الدولية أن تفرض العقوبات الاقتصادية لتحقيق أغراض سياسية، لكنها في الغالب لا تسفر إلا عن نتائج وخسائر اقتصادية، هكذا كانت العقوبات الغربية على إيران بدءًا من العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في يوليو عام 2012م، وانتهاءً بالعقوبات الأمريكية عام 2018م، والتي حظرت تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية، إضافة لحظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة، وفرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، وعلى البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.
::/introtext::
::fulltext::
من المفارقات في العلاقات الاقتصادية الدولية أن تفرض العقوبات الاقتصادية لتحقيق أغراض سياسية، لكنها في الغالب لا تسفر إلا عن نتائج وخسائر اقتصادية، هكذا كانت العقوبات الغربية على إيران بدءًا من العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في يوليو عام 2012م، وانتهاءً بالعقوبات الأمريكية عام 2018م، والتي حظرت تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية، إضافة لحظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة، وفرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، وعلى البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.
من ناحية أخرى يرتكز الاقتصاد الإيراني على قطاع الهيدروكربونات والزراعة والخدمات، فضلاً عن تدخل الدولة الملحوظ في التصنيع والخدمات المالية، ولا يزال النشاط الاقتصادي والإيرادات الحكومية تعتمد على عائدات النفط، مما يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات الخارجية، وقد تسببت الصدمات الخارجية، بما في ذلك العقوبات وتقلب أسعار السلع الأساسية، في ركود دام عقدًا من الزمان.كما تسبب الانكماش الكبير في صادرات النفط في ضغوط كبيرة على المالية العامة الحكومية ودفع التضخم إلى أكثر من 40٪ لمدة أربع سنوات متتالية، وأدى التضخم المرتفع والمستمر إلى انخفاض كبير في القوة الشرائية للأسر، وفي الوقت نفسه، لم يكن خلق فرص العمل كافيًا لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب والمتعلمين والداخلين الجدد إلى سوق العمل. ويتناول المقال أبرز المصاعب والأزمات التي تواجه الاقتصاد الإيراني وانعكاساتها على العلاقات الاقتصادية الدولية لإيران.
أولًا: أبعاد الأزمة الاقتصادية في إيران
- الصورة الكلية للاقتصاد الإيراني
يبلغ عدد سكان إيران وفق آخر الإحصاءات 85 مليون نسمة عام 2021م، ويقدر الناتج المحلي الإجمالي بنحو359.71 مليار دولار أمريكي، ويبلغ متوسط دخل الفرد حوالي 4091.2 دولار سنويًا مما يضعها ضمن الدول النامية متوسطة الدخل الشريحة العليا بالكاد، وتعاني من مشكلتي التضخم الذي تجاوز حدود 40% مؤخرًا ويتوقع استمراره عند مستويات مرتفعة لسنوات قادمة، كما تشكل البطالة نسبة عالية تجاوزت 11% مؤخرًا، ويعيش نسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر بمستوياته المختلفة، وقد حقق الاقتصاد الوطني نموًا ملحوظًا عام 2016- 2017م، عقب الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية على البلاد، ومع إعادة فرض العقوبات وانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي بدأت موجة من الركود الاقتصادي بشكل حاد ضرب البلاد خلال الفترة 2017- 2019م، متزامنًا مع أزمة كورونا العالمية.
وتحتل إيران المرتبة الثانية عالميًا في احتياطيات الغاز الطبيعي والمرتبة الرابعة في احتياطيات النفط الخام المؤكدة، ورغم أن قاعدتها الاقتصادية متنوعة نسبيًا، إلا أن النشاط الاقتصادي والإيرادات الحكومية يعتمدان على عائدات النفط، وبالتالي يتسمان بالتقلب.
|
|
18/2019 |
19/2020 |
20/2021 |
21/2022 |
22/2023E |
|
الدخل والنمو الاقتصادي: الناتج المحلي بالمليون $ |
|
|
|
|
|
|
معدل النمو السنوي % |
-2.3 |
-2.7 |
3.3 |
4.7 |
2.9 |
|
معدل نمو الدخل الفردي % |
-3.6 |
-4.0 |
2.0 |
3.4 |
1.7 |
|
متوسط نصيب الفرد بالدولار |
4054.8 |
3422.2 |
2854.2 |
4230.5 |
5060.0 |
|
نمو الاستهلاك الفردي % |
-1.7 |
-4.8 |
0.5 |
3.9 |
2.4 |
|
مؤشرات الأسعار |
|
|
|
|
|
|
معدل التضخم السنوي% |
31.2 |
41.2 |
47.1 |
40.2 |
54.8 |
|
سعر الصرف الأجنبي: دولار مقابل الريال |
64849.9 |
96438.2 |
170151.5 |
185632.6 |
235876.4 |
|
الرقم القياسي لسعر الصرف عام 2016 = 100 |
71.1 |
65.9 |
52.8 |
68.2 |
83.4 |
|
المالية العامة |
|
|
|
|
|
|
الايراد العام %من الناتج |
13.7 |
9.7 |
7.3 |
8.8 |
11.2 |
|
الانفاق العام % الناتج |
15.4 |
14.2 |
13.0 |
14.1 |
15.7 |
|
العجز أو الفائض% من الناتج |
-1.9 |
-1.5 |
-1.8 |
-1.1 |
3.8 |
|
الدين الحكومي للناتج % |
34.2 |
42.7 |
44.7 |
40.8 |
39.2 |
|
الدين الخارجي للناتج % |
0.1 |
0.1 |
0.2 |
|
|
|
التجارة الخارجية % من الناتج: |
|
|
|
|
|
|
الصادرات السلعية |
27.9 |
21.1 |
20.8 |
22.1 |
13.4 |
|
الواردات السلعية |
18.6 |
20.5 |
19.4 |
17.7 |
13.4 |
|
صافي ميزان الخدمات |
-1.9 |
-1.5 |
-1.8 |
-1.1 |
3.8 |
|
صافي الحساب الجاري مليار$ |
26241.2 – |
1302.0 – |
-1003.1 |
12585.7 |
16550.0 |
|
صافي الحساب الجاري |
3.5 |
-0.5 |
-0.4 |
7.9 |
3.8 |
|
الاستثمار الاجنبي المباشر |
0.7 |
0.5 |
0.6 |
|
|
|
الدين الخارجي |
1.7 |
1.7 |
2.4 |
|
|
|
نسبة خدمة الدين للصادرات |
0.2 |
0.5 |
0.9 |
|
|
|
السكان وقوة العمل: عدد السكان بالمليون نسمة |
81.8 |
82.9 |
84.0 |
85.0 |
86.0 |
|
معدل نمو السكان سنويًا % |
1.4 |
1.4 |
1.3 |
1.2 |
1.2 |
|
معدل البطالة % قوة العمل |
12.2 |
10.7 |
12.2 |
11.5 |
… |
المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية في العالم
- اتساع نطاق العقوبات الدولية وتزايد حدة الفقر في إيران
كانت العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي عام 2012م، ضد إيران نذير شؤم على الإيرانيين، حيث انخفض سعر النفط في السوق العالمية بعد إقرار هذه العقوبات مباشرة، وتلا ذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية في الأسوق الداخلية الإيرانية بشكلٍ كبير. وعلى الرغم من كل الإجراءات التي لجأ إليها الإيرانيون للتخفيف من تأثير العقوبات، فقد تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة، إذ فقد الريال الإيراني، في هذا العام وحده، نحو 80% من قيمته أمام الدولار الأميركي. وأخذ معدل الفقر في إيران اتجاهات تصاعدية في السنوات التالية بالتوازي مع تراجع متوسط دخل الفرد ومعدل النمو الاقتصادي، وحقق معدل النمو الاقتصادي معدلات نمو سالبة خلال الفترة 2014-2019م، بلغت (-2.02 %) وسجل معدل الفقر 27.6% عام 2019م، بزيادة قدرها 5 درجات مئوية عن العام السابق.
وتزامنت الزيادة في معدلات الفقر مع تزايد اختلال ميزان العدالة في توزيع الدخل سوءًا، خلال تلك الفترة (2014-2019) نتيجة تراجع مستويات إنفاق أفقر 40% من السكان مع تراجع نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يشير إليه ارتفاع معامل جيني إلى 40% والذي يمثل طريقة بسيطة لقياس توزيع الدخل في المجتمع، ويتراح معامل جيني بين صفر وواحد صحيح. ويعتبر الصفر مؤشرًا للمساواة في دخول أفراد المجتمع الواحد، بينما يشير الرقم واحد إلى ارتفاع عدم المساواة، ويخلق بيئة لعدم الاستقرار الاجتماعي، حيث تكون نسبة الفقراء مرتفعة، مما يثير مشاعر الضغينة تجاه عدد قليل من الأثرياء الذين تتركز في يدهم دون غيرهم معظم الثروات.
وبحسب مؤشرات الفقر الثلاثة التي يعدها البنك الدولي ويصنف بها دول العالم بحسب متوسط دخل الفرد حدد البنك الدولي خط الفقر العالمي عندد 2.15 $، وخط الفقر للدول متوسطة الدخل الشريحة الدنيا 3.65 دولار، وخط الفقر للدول متوسطة الدخل الشريحة العليا 6.65 $ ويمكن رصد مستويات الفقر وأعداد الفقراء وفق هذه المؤشرات في إيران على النحو التالي:
|
خط الفقر |
عدد الفقراء ألف نسمة |
نسبة الفقراء من السكان |
|
2.15 $ (53651.8 ريال إيراني) |
870.9 |
1.1 % |
|
3.65 $ (91083.3 ريال إيراني) |
5,156.7 |
6.2 % |
|
6.65 $ (170937.1 ريال إيراني |
22,861.6 |
26.6 % |
ومعنى ذلك أن أكثر من ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفق متوسط دخل الفرد في الدول متوسطة الدخل الشريحة العليا، ويرجع الأثر الحاد للأزمة الاقتصادية على الفئات الفقيرة بسبب استمرار تصاعد الضغوط التضخمية، وتراجع القيمة الحقيقية للدعم النقدي، والذي تقدمه الحكومة في مجابهة ارتفاع أسعار الطاقة وفي أعقاب محاولتها لإصلاح دعم الغذاء.
- انخفاض معدل النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة
حقق متوسط دخل الفرد خلال الفترة 2014-2019م، معدل نمو سلبي بلغ (1.38) وبلغ هذا المعدل بالنسبة لأفقر 40% من السكان (2.49%). ولم يكن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي ضعيفًا في بعض السنوات فحسب، بل انكمش هذا الناتج في ثلاث سنوات تحديدًا، وهي 2012 و2013 و2015م، قبل أن يعود لنمو سريع بلغ 8.8 بالمئة في عام 2016م، بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية، لكن النمو السريع في عام واحد لم يكن كافيًا لامتصاص بطالة متراكمة منذ عدة سنوات بين الشباب الإيراني، بل سرعان ما عادت الاتجاهات الانكماشية وحقق الاقتصاد معدلات نمو سالبة حتى قبل وباء كورونا.
تتعدى نسب البطالة بين الإيرانيين من قوة العمل 11.5% في السنوات الأخيرة، وتمثل بدورها مصدرًا للفقر والقلاقل الاجتماعية وتسبب ضغوطًا على الموازنة العامة للدولة، فضلًا عن دلالات وجود طاقات انتاجية مهدرة، وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب تحت سن الثلاثين نحو 26.7 بالمئة حسب إحصائيات منظمة العمل الدولية، مما يعني أن الاقتصاد الإيراني لم يحقق نموًا كافيًا لتوليد وظائف للداخلين الجدد أو لكل من يبحث عنها.
وتتسببت الصدمات الخارجية، بما في ذلك العقوبات الدولية وتقلب أسعار السلع الأولية في اضطرابات داخلية على مستوى النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وكانت وراء ما شهده الاقتصاد الوطني من ركود دام عشر سنوات انتهت في 2019/2020م، وقد شكل الانكماش الكبير في صادرات النفط ضغوطًا كبيرة على المالية الحكومية ودفع التضخم إلى أكثر من 40% لثلاث سنوات متتالية 2021، 2022م، ومتوقع عام 2023م، وأدى استمرار ارتفاع التضخم إلى انخفاض كبير في القوة الشرائية للأسر الإيرانية، وزاد من سوء توزيع الدخل والثروة، وفي الوقت نفسه، لم يكن خلق فرص العمل كافيًا لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب والمتعلمين الملتحقين بسوق العمل، مما تسبب في قلاقل اجتماعية مقلقة.
ولا يزال معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي مكبلًا باختناقات على المستوى المحلي والدولي، حيث يتوقع ألا يتعدى 2% عام 2023م، ولا تزال توقعات التضخم عالية، (40%، 30%، 25% أعوام 2023، 2024، 2025م، على التوالي) مما يثقل كاهل المستهلكين ويضغط على مستوى الطلب بعد التعافي الذي حدث في أعقاب كوفيد 19، وإن كان التحسن في معدلات النمو المتوقعة خلال الفترة 2023-2025م، مرتبطة بالتحسن في المتوقع في أسعار النفط وسد فجوة العرض في الأسواق العالمية.
ومن المتوقع أن تستفيد القطاعات غير النفطية من الارتفاع في الايرادات البترولية، ومع ذلك سيظل الاقتصاد الإيراني تحت ضغط كل من استمرار الحظر والعقوبات الدولية، وتراجع الاستثمارات في قطاع النفط، ونقص الطاقة، والتضخم العالمي، وتداعيات وباء كورونا، على سوق العمل مما سيحد من توقعات النمو مستقبلا، ويزيد من توقعات البطالة.
- استمرار الضغوط التضخمية
علاوة على البطالة الواسعة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني، يعاني الإيرانيون منذ عدة سنوات من ارتفاع مستمر في الأسعار بلغت 36.6 % عام 2013م، عندما تراجعت إيرادات إيران من النفط بسبب العقوبات الاقتصادية، واضطرت الحكومة الإيرانية إلى تخفيض قيمة الريال الإيراني بشكل كبير، واستمرت موجات التضخم التي حدثت في السنوات العشر الأخيرة مما أدى إلى تراجع ملموس في القدرة الشرائية للكثير من الإيرانيين.
وحسب إحصاءات البنك الدولي، فقد انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر إلى 8 بالمئة من إجمالي السكان خلال الفترة من 2009 إلى 2013م، ولكنها زادت مرة أخرى إلى 10.4 بالمئة في عام 2014م، ويعتمد الملايين من أبناء الأسر الفقيرة على الدعم المالي الذي تقدمه الدولة، ولكن ارتفاع الأسعار يعني ببساطة انخفاض حاد في القدرة الشرائية للإيرانيين وتراجع مستوى معيشة الفقراء، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وهو ما يفسر رد الفعل الغاضب والسريع على الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا.
وقد تسارعت معدلات التضخم في إيران نتيجة ضغوط من جانب الطلب ومن جانب العرض على حد سواء مما زاد من الضغوط على مستوى معيشة الطبقات الفقيرة من الإيرانيين، ولمدة ثلاث سنوات على التوالي تتجاوز معدلات التضخم 35%) 2019/2020 -2021/2022م)وقد غذى هذه الاتجاهات توسعًا كبيرًا في المعروض النقدي والتوقعات بمزيد من الارتفاع في الأسعار فضلًا عن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.
- مخاطر التغيرات المناخية
تواجه إيران تحديات حادة تتعلق بتغير المناخ، بما في ذلك موجات الجفاف الشديدة التي تحد من الإنتاج الزراعي في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء العالمية وانعدام الأمن الغذائي، ويمكن لتحديات تغير المناخ التي تزداد حدة، أن يكون لها تأثير كبير على الآفاق الاقتصادية، وزيادة الضغوط على الفئات الأكثر احتياجاً، وتشكل مخاطر محتملة للتوترات الاجتماعية، لاسيما أنه من المتوقع أن يؤدي النمو المتواضع إلى خلق فرص عمل محدودة، وتزايد معدلات البطالة.
وتمثل ندرة المياه في إيران مشكلة حيوية وتواجه البلاد مستقبلاً غير مؤكد فيما يتعلق بموارده المائية الطبيعية التي لا تفي باحتياجات البلاد الاستهلاكية، ولاشك أن التغيرات المناخية سوف تزيد من الفجوة الواسعة بين الطلب على المياه والموارد المحدودة منها، وتزيد من التحديات التي تواجه إيران، فضلًا عن سوء الاستغلال وانخفاض إنتاجية المياه الزراعية بشكل كبير، حيث يستهلك القطاع الزراعي 92% من موارد البلاد من المياه، كما أن التغيرات المناخية ستأثر سلبًا على كل من الناتج المحلي الإجمالي والطلب على العمالة وأسعار الغذاء
وفي أحد سيناريوهات تقرير البنك الدولي فإن انخفاض المتاح من الموارد المائية بنسبة 20%، مع ارتفاع درجة حرارة المناخ، سيؤثران سلبًا على إنتاجية المحاصيل، وينخفض الناتج المحلي الإجمالي 7% (بالمقارنة بعام 2016م) أو بنحو 30 مليار دولار. كما سينخفض الطلب على العمالة بنحو 4.8%، ونحو 10% بالنسبة لسنة الأساس 2016م، بالنسبة للأنشطة الزراعية والأنشطة غير الزراعية على التوالي.
- الوضع المالي للموازنة العامة
فرض اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية وما تبعها من ارتفاع كبير في أسعار الغذاء ضغوطًا كبيرة على الوضع المالي وارتفعت فاتورة دعم السلع الغذائية المستوردة، مما دفع الحكومة إلى إلغاء الدعم المقدم لبعض السلع الأساسية الغذائية المستوردة ورفعت الحكومة من أسعار الشراء للقمح المنتج محليًا، وكذلك أسعار بعض المنتجات التي يتم تسعيرها جبريًا لمنع المضاربات.
ومع ذلك ستظل إيران ترزح تحت وطأة تصاعد نمو الإنفاق العام نتيجة ارتفاع فاتورة الأجور والمعاشات وارتفاع تكاليف استيراد السلع الغذائية والمصروفات التحويلية (الدعم) المقدمة للفقراء مما سيشكل ضغوطًا على الموازنة العامة للدولة، ومن المتوقع أن يستمر العجز عند 4.4% من الناتج المحلى خلال الفترة 2022-2024م.
وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط، بسبب انتعاش الطلب العالمي والحرب في أوكرانيا، قد أدى إلى زيادة عائدات تصدير النفط، وموارد الحكومة المالية، فإن ارتفاع أسعار السلع الأولية الأخرى، بما في ذلك المواد الغذائية، أدى إلى زيادة كبيرة في فاتورة الدعم المقدم للفقراء، وتفرض هذه الزيادة ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة الحكومية حيث بلغ الدعم المباشر لأسعار المواد الغذائية 5% من إجمالي الناتج المحلي حتى قبل الارتفاع الأخير في الأسعار.
- ميزان المدفوعات والتبادل التجاري الخارجي
رغم ان التوقعات الخاصة بالحساب الجاري في ميزان المدفوعات تشير إلى استمرار الفائض نتيجة التحسن المتوقع في أسواق وأسعار النفط العالمية، إلا أن الاقتصاد الإيراني سيظل تحت وطأة عدد من المخاطر الأساسية، ومن أهم هذه المخاطر استمرار الارتفاع في أسعار الغذاء العالمية، وعودة المخاطر من متحورات كوفيد 19 وعدم إحراز تحسن في مقابلة التغيرات المناخية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد أسعار الغذاء عالميًا، ومما لا شك فيه أن هذه التطورات سيكون لها تأثيرات سيئة على الإمدادات من المحاصيل والأسمدة ويرفع من أخطار الأمن الغذائي، وستسبب ضغوطًا على المعاملات الاقتصادية الخارجية، مع قدرة البلاد المحدودة في الحصول على موارد بالنقد الأجنبي.
ثانيًا: تأثير الأزمات الاقتصادية على علاقات إيران الإقليمية والدولية
- البحث عن نفوذ اقتصادي في إفريقيا
أدت العقوبات الاقتصادية ضد إيران، إلى جعل الاقتصاد الإيراني في عزلة، فقد انسحب المستثمرون الأجانب والشركات الدولية الكبيرة من الشراكة مع إيران، وبدأت الحكومة تسعى لمواجهة عزلتها الاقتصادية. حيث اختارت القارة الإفريقية لتحقيق هدفها، خاصة مع ضآلة نصيب إيران من تجارة القارة الخارجية.
وتأتي المشكلات المصرفية وقضايا البنية التحتية والنقل في إيران، كأبرز معوقات التجارة مع إفريقيا إلى جانب القيود الناجمة عن العقوبات المفروضة، ورغم أن مركز الاستثمار الإيراني–الإفريقي قد تأسس عام 2016م، بهدف استكشاف الطاقات وآليات الاستثمار في الدول الإفريقية، بالإضافة إلى مجلس التعاون الاقتصادي الإيراني-الإفريقي الذي بدأ أعماله في عام 2000م، إلا إنهما لم يتمكنا حتى الآن من تسهيل طريق إيران لدخول القارة الإفريقية.
إضافة إلى أن إيران ليست عضوة في كثير من الاتفاقيات الاقتصادية الإقليمية والقارية مع إفريقيا، مما أدى إلى أن تدفع البلاد رسومًا جمركية أكثر لكي تستطيع التصدير إلى البلدان الإفريقية، فضلًا عن قوة المنافسين الذين يسيطرون على السوق الإفريقية، ومن بينهم الصين التي تمتلك وحدها أكثر من ربع حجم المبادلات التجارية والاقتصادية في هذه القارة، وتستثمر 60 مليار دولار في المشاريع الحقيقية والدائمة والمستدامة في القارة الإفريقية.
- بدء العلاقات التجارية مع الصين
ترتكز الشراكة الاقتصادية بين إيران والصين على موارد الطاقة الوفيرة لإيران واحتياجات الصين المتزايدة من الطاقة، لكن الصين لا تعتمد بشكل كبير على إيران لسد احتياجاتها من الطاقة. في المقابل، وعلى الرغم من تعاونهما في مجال الطاقة والتجارة والمصالح الجيوسياسية المشتركة، من المحتمل أن يكون لإيران والصين مصالح متباينة بشأن عدد من القضايا، وهو ما يعني أن العلاقة ستتشكل بناء على مصالح استراتيجية تتعدى أبعادها الأهداف الاقتصادية، فالصين تصب اهتمامها في المجال الجيوسياسي لخدمة مصالحها الخارج.
والواقع أن الهدف الاقتصادي الصرف منها قد لا يكون محفزًا للصين كثيرًا مع استمرار العقوبات الأمريكية على إيران وحالة الضعف الكبير الواقع على السوق الإيرانية، من هنا نشهد ضألة الحصاد حيث بلغ متوسط الاستثمار الصيني في إيران 1.8 مليار دولار سنويًا منذ 2005م، حتى اليوم. وفي ظل العقوبات الراهنة، تمحورت التجارة أكثر نحو الدول المجاورة، إضافة إلى الصين، وتستخدم الحكومة قنوات صرف العملات الثنائية والمقايضة وغيرها من قنوات الدفع غير المباشرة بشكل متزايد لتسوية المعاملات الدولية، مع ندرة النقد الأجنبي، بسبب العقوبات.
ومع وصول مساعي الصين في مشروع طريق الحرير إلى خطوات متقدمة، فإنها تحاول التأكيد على أهمية مشروعها الاقتصادي وسلامة نواياها، وذلك بربط طرق الإمداد اللوجستية بإيران والتي توصلها بنقاط جيوسياسية غاية في الأهمية. لذا فإن شراكة الصين وإيران في طريقها للتقدم وربما الازدهار في المستقبل القريب، حيث تعتبر إيران إحدى الدول المهمة في مبادرة الحزام والطريق.
خلاصة القول
لا تزال مخاطر الأزمات الاقتصادية لإيران كبيرة نتيجة تحديات تغير المناخ المكثفة مثل الفيضانات المتكررة والجفاف والعواصف الترابية، فضلًا عن نقص الطاقة، ويمكن لهذه التحديات، مقترنة بالضغوط التضخمية الأخيرة، أن تزيد من الضغوط على الفئات الأكثر ضعفًا وتشكل خطرًا محتملًا يتمثل في حدوث توترات اجتماعية، لا سيما وأن النمو المتواضع من المتوقع أن يولد فرص عمل محدودة. وعلى المدى المتوسط، من المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي متواضعًا إذا ظلت العقوبات الاقتصادية قائمة، وأن يؤدي ضعف الطلب العالمي والمنافسة الجديدة من صادرات النفط الروسية المخفضة إلى الصين، إلى إضعاف توسع قطاع النفط الإيراني، كما سيتأثر الطلب المحلي بالأثر السلبي لارتفاع التضخم على الاستهلاك والاستثمار.
::/fulltext::
::cck::6290::/cck::
