مخرجات مراكز الفكر ” لقاحات ” علمية لتحصين الأمة العربية من المخاطر الخارجية

::cck::5236::/cck::
::introtext::

أصبحت ” قوة المعلومات ” ضمن مفردات “القوة الشاملة” للدول، فاليوم لا يكفي أن تتفوق الدول عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا وسكانيًا، بل بات من الضروري أن تمتلك ” المعلومات ” وتوظف وتحلل هذه المعلومات بالشكل الصحيح حتى تكون القرارت التي تبنى على هذه المعلومات قرارات صحيحة، ولهذا تعد مراكز الدراسات والفكر هي ” الكتيبة الأولى ” في معركة أي دولة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية أوثقافية، وعندما تزيد التشابكات والتحديات تحتاج الدول والمجتمعات إلى مراكز الأبحاث من أجل ” ترتيب الأولويات ” و” رسم الخطط ” والتعرف على مدى قدرة الدولة والمجتمع على مجابهة هذه التحديات أو تلك، ويمر الإقليم العربي في تلك الآونه التاريخية بمنعطفات وتحديات غير مسبوقة على كافة المسارات تتطلب أن يكون هناك “إمداد وتموين ” معلوماتي  وتحليل دقيق لتلك المعلومات حتى يدرك صانع القرار العربي أين يقف ؟ ومتى يمكن أن يتحرك؟ وفي أي اتجاه عليه أن يتجه؟ ورغم زيادة الاهتمام بمراكز الأبحاث والفكر في العالم العربي خلال السنوات العشر الأخيرة إلا أن حجم التحديات والمشكلات تفرض أن يكون هناك ” رؤية مختلفة ” و” تعامل جديد” مع مراكز الأبحاث العربية سواء من حيث التمويل والكوادر المؤهلة حتى تكون هذه المراكز البحثية عونًا وسندًا وتقف عضضًا مع الدولة الوطنية العربية؟ ومن أكثر المؤشرات التي تؤكد تفوق الدول هي إهتمامها بمراكز الأبحاث وتخصيص الأموال اللازمة لإنجاز الأبحاث بدقة وسرعة تتناسب مع التحديات الخطيرة التي تواجه العالم العربي، لذلك يقاس تقدم الشعوب اليوم بمدى الاهتمام بمراكز الفكر، فما هي الأسباب التي تدفع بضرورة الاهتمام بمراكز الأبحاث العربية؟ وكيف يمكن الاستفادة منها في توفير ” اللقاحات المعلوماتية ” لتحصين المجتمع، والقيام بالخطوات الاستباقية والإجهاضية ضد كل من يحاول المساس بأمن واستقرار الدول العربية؟

::/introtext::
::fulltext::

أصبحت ” قوة المعلومات ” ضمن مفردات “القوة الشاملة” للدول، فاليوم لا يكفي أن تتفوق الدول عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا وسكانيًا، بل بات من الضروري أن تمتلك ” المعلومات ” وتوظف وتحلل هذه المعلومات بالشكل الصحيح حتى تكون القرارت التي تبنى على هذه المعلومات قرارات صحيحة، ولهذا تعد مراكز الدراسات والفكر هي ” الكتيبة الأولى ” في معركة أي دولة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية أوثقافية، وعندما تزيد التشابكات والتحديات تحتاج الدول والمجتمعات إلى مراكز الأبحاث من أجل ” ترتيب الأولويات ” و” رسم الخطط ” والتعرف على مدى قدرة الدولة والمجتمع على مجابهة هذه التحديات أو تلك، ويمر الإقليم العربي في تلك الآونه التاريخية بمنعطفات وتحديات غير مسبوقة على كافة المسارات تتطلب أن يكون هناك “إمداد وتموين ” معلوماتي  وتحليل دقيق لتلك المعلومات حتى يدرك صانع القرار العربي أين يقف ؟ ومتى يمكن أن يتحرك؟ وفي أي اتجاه عليه أن يتجه؟ ورغم زيادة الاهتمام بمراكز الأبحاث والفكر في العالم العربي خلال السنوات العشر الأخيرة إلا أن حجم التحديات والمشكلات تفرض أن يكون هناك ” رؤية مختلفة ” و” تعامل جديد” مع مراكز الأبحاث العربية سواء من حيث التمويل والكوادر المؤهلة حتى تكون هذه المراكز البحثية عونًا وسندًا وتقف عضضًا مع الدولة الوطنية العربية؟ ومن أكثر المؤشرات التي تؤكد تفوق الدول هي إهتمامها بمراكز الأبحاث وتخصيص الأموال اللازمة لإنجاز الأبحاث بدقة وسرعة تتناسب مع التحديات الخطيرة التي تواجه العالم العربي، لذلك يقاس تقدم الشعوب اليوم بمدى الاهتمام بمراكز الفكر، فما هي الأسباب التي تدفع بضرورة الاهتمام بمراكز الأبحاث العربية؟ وكيف يمكن الاستفادة منها في توفير ” اللقاحات المعلوماتية ” لتحصين المجتمع، والقيام بالخطوات الاستباقية والإجهاضية ضد كل من يحاول المساس بأمن واستقرار الدول العربية؟

تهديد وجودي

أصبحت مراكز الأبحاث والفكر ضرورة اليوم للعالم العربي وليس رفاهية نتيجة لعدد من التحديات الخطيرة التي تمر بها الأمة العربية، فلم يمر على الدول العربية من قبل فترة تحديات ومخاطر تماثل الأخطار الحالية، فالدولة الوطنية العربية تجابه لأول مرة ” تهديد وجودي ” منذ 2011م، وحتى الآن، بمعنى أن حدود ” سايكس  بيكو “1916م، التي أفرزت الخرائط والجغرافيا العربية الحالية يمكن أن تنتهي وتتغير إلى الأبد، فحدود سوريا التي كانت عليها قبل مارس 2011م، يشكك الكثيريون في العودة إليها في ظل التهديات التركية والإيرانية ، لأن خطط ” التتريك ” التركي لشمال وشمال شرق سوريا تؤكد أن هذه الأراضي لن تعود بسهولة للدولة السورية، وأن الأراضي التي تسيطر عليها تركيا شمال  وشمال شرق سوريا والتي تصل مساحتها  لثلاثة أمثال مساحة لبنان يمكن أن تلحق بمصير لواء الاسكندرون، أو شمال قبرص الذي تحتله تركيا منذ عام 1974 م، نفس الأمر بالنسبة للعراق، فهناك أطماع تركية لضم الموصل لتركيا، ويتحدث الرئيس التركي عن عام 2023 م، عندما يمر 100 عام على اتفاقية لوزان، ويقول أن تركيا ستستعيد كل أملاك السلطان عبد الحميد الثاني بما فيها الموصل ، ولذلك منذ 2011 تضع تركيا ” الليرة الموصلية ” في الميزانية التركية كدليل من جانبهم على أن الموصل أراضي تركية، وترى أنقرة في جو بايدن لو وصل للبيت الأبيض في 3 نوفمبر القادم  فرصة لتقسيم العراق، حيث طرح بايدن قرار لتقسيم العراق لثلاث دول، ونال مقترحه الإجماع في مجلس الشيوخ في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ويحاول أردوغان فرض نفس السيناريو في ليبيا بتقسيم ليبيا إلى شرق وغرب، وهو سيناريو تتماهى معه كثير من الدول الأوربية، الأمر الذي يدفع بالسؤال، هل لدى العالم العربي مراكز الأبحاث التي تستشرف هذا الخطر التركي ؟ وهل مراكز الأبحاث لديها الموارد الكافية لسرعة تقديم النصح والإرشاد ” تقدير الموقف ” حول هذه المخاطر لصانع القرار العربي، والأهم هل لدينا في العالم العربي مراكز أبحاث تستطيع أن ترفع منسوب ” الوعي العربي”  بتلك المخاطر، فهناك من يقول اليوم أن الاحتلال التركي لليبيا أفضل من إحتلالها من جانب دول أخرى، كما يرتبط بالمشروع التركي مخطط التنظيم الدولي للإخوان الذي يريد إسقاط كل الحكام العرب والسيطرة على 22 دولة عربية، ويرى هذا التنظيم في التهور والاندفاع التركي ” قبلة الحياة ” لمشروعهم العابر للحدود والسيطرة بالكامل على الإقليم العربي، وأن هذا المشروع الذي فشل بالوسائل الناعمة ” الثورات – شعارات الديمقراطية ”  يعود في محاولة لتحقيق أهدافة بالوسائل الخشنة العسكرية كما هو الحال اليوم في العراق وسوريا وليبيا والصومال

 4 عواصم عربية

هناك حاجة عربية غير مسبوقة لمعرفة أفضل السيناريوهات للتعامل مع المخاطر الإيرانية والأطماع الفارسية في الدول العربية، ومع ادعاء طهران أنها تتحكم في مركز صناعة القرار في 4 عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء يبرز السؤال عن أبرز السيناريوهات التي يمكن أن تقدمها مراكز الأبحاث العربية للتعامل مع السلوك الإيراني المزعزع للإستقرار في المنطقة العربية ، فالتقدير الأمريكي ثبت أنه خاطىء للغاية في طريقة التعامل مع إيران إبان حكم الرئيس السابق باراك أوباما ، والذي بنى نظرية تقول أن الاتفاق النووي ” 5+ 1 ” سيساعد ما أسماهم بالمعتدلين في النظام الإيراني للتخلي عن الأوهام الإيرانية بالسيطرة على دول المنطقة، والنتيجة أنه تأكد للجميع بعد ذلك  أن ما يسمى بالمعتدلين لا يقلوا تشددًا وتطرفًا عن الآخرين ، وأن كل ما يحدث في إيران يمثل تبادل أدوار بين هذه التيارات أو تلك ، وهنا تبرز الحاجة لمراكز أبحاث عربية تستطيع ليس فقط فهم العقلية والسياسة الإيرانية بل تستطيع أن تقنع نظرائها في أوروبا والولايات المتحدة بحقيقة السلوك الإيرانية، وحتى اليوم ما زال هناك بعض الأوروبيين ينتهجون أسلوب أوباما في التعامل مع إيران، وهو ما يحتاج إلى تصحيح لا يقوى عليه إلا مراكز أبحاث عربية متخصصة وذات كفاءة عالية، ولذلك الدول العربية وخاصة الخليجية تحتاج لمراكز أبحاث تجيب لها عن الأسئلة الهامة حول التعامل مع إيران ، هل ندعم المعارضة العربية الأهوازية ؟ ماذا عن المعارضة السياسية الإيرانية في الخارج ” مجاهدي خلق ” وأمثالها، وكيف ” نحصن المجتمعات العربية ” ضد التدخلات والدعاية الإيرانية؟ هل حان العمل على إسقاط النظام؟ هل العقوبات يمكن أن تأتي بنتائج عملية؟

  التنبؤ بالمخاطر

تحتاج الدول العربية لمراكز الأبحاث ليس فقط في تشخيص الواقع ورسم ” خريطة طريق ” للتعامل معه ، لكن العواصم العربية تحتاج لمراكز أبحاث تكون بمثابة ” قرون استشعار ” للمخاطر التي يمكن أن يحملها المستقبل لعالمنا العربي ، ولعل درس داعش القاسي وتهديداته للأمن القومي العربي تحتاج معالجة مختلفة للمخاطر المستقبلية، ومن أين تنبع وتأتي هذه المجموعات المتطرفة ؟، وللأسف الشديد فإن المقاربات الغربية للتعامل مع داعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة كانت تنطلق وتبدأ وتنتهي من الفهم الغربي والمصلحة الغربية دون أي مراعاة للمصالح العربية، وقيل كثيرًا أن داعش تنتشر لغياب التنمية والديمقراطية في العالم العربي ،لكن الواقع قد يقول نتائج مختلفة، ونحن  في حاجة لتصور عربي شامل لهذه الظاهرة التي أعتقد أن أبعاد التنمية والديمقراطية عوامل ثانوية للغاية، فحتى اليوم مثلاً لم يقم أي مركز أبحاث عربي بدراسة حالة ” الدواعش الفرنسيين ” فكل الإرهابيين والدواعش الكبار الفرنسيين والذين قاموا بذبح عدد غير قليل من الرهائن في سوريا والعراق ولدوا وترعرعوا  في مدينة ” ستراسبورج ” الفرنسية التي تستضيف البرلمان الأوروبي ،والإرهابي الذي قتل أكثر من 45 فرنسيًا في مسرح الباتاكلان عاش في شارع قريب جدًا من مبنى البرلمان الأوروبي في مدينة سترالسبورج وهي نموذج للحرية الفرنسية و بها أعلى معدلات النمو الاقتصادي الفرنسي  ، وهنا لا بد من قراءة مختلفة من خلال مراكز الأبحاث العربية حول الأسباب الحقيقية للظاهرة وليس مجرد تبني وجهات نظر الآخرين، لأن تبني وجهات النظر الأخرى سيزيد من الأزمة ، وهو ما تعكسة الأرقام حول عودة إنتشار داعش الرهيب في أوروبا وآسيا وإفريقيا ناهيك عن قبلة الحياة للتنظيمات الظلامية التي منحها لهم أردوغان سواء باحتلال شمال شرق سوريا أو احتلال مساحات تصل لـ800 ألف كيلو من الأراضي الليبية

مركز أبحاث أمريكية

كل مراكز الأبحاث الأمريكية القائمة في الولايات المتحدة أو خارجها لها هدف واحد وهو تقديم المشورة لصانع القرار الأمريكي ، لكن لا يوجد في العالم العربي مركز أبحاث واحد يمكن أن نطلق عليه ” مركز أبحاث أمريكي ” بمعنى الكلمة بحيث يستطيع أن يقدم للعالم العربي قراءة صحيحة للعقلية الأمريكية، وقدم فهم عميق لعملية إتخاذ القرار والتأثير في الرأي العام الأمريكي ، على الجانب الآخر  في الولايات المتحدة يوجد مراكز أبحاث تعرف كل صغيرة وكبيرة عن الدول العربية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فالفهم الأمريكي مثلاً للمشرق العربي قائم على 9 كتب وضعهم برنارد لويس، كما أن نظام اتخاذ القرار في الدول العربية بداية من ” نظام العمودية ” والقبيلة والعشيرة إلى أعلى المستويات تناولته عشرات بل مئات الدراسات الأمريكية، ولديهم فهم كامل وإدراك حقيقي لكل ما يموج به العالم العربي من أفكار وتوجهات، ولهذا يمكن القول أن أهمية مراكز الأبحاث العربية تكمن في المسارات التالية :

أولاً تقدير المواقف والذي يقوم على التفكير للحكومات بهدف ترشيد السياسات العامة وتقديم الأفكار الجديدة والرؤية الإبداعية، فعن طريق مراكز الأبحاث تستطيع الدول العربية تقدير حساب المكاسب والخسائر من أي قرار تعتزم القيام به لأن اتخاذ القرار دون ” تقدير موقف ” قد يؤدي لخسائر يصعب التراجع عنها أو تعويضها في الوقت القريب

ثانيًا القيام بالدور الاسترشادي للحكومة عندما تحتاج دراسات متخصصة في مجال دقيق، والحصول على الاسترشاد من مركز أبحاث وطني أو عربي أفضل بكثير من الحصول عليه من جهات أجنبية لا تخدم إلا مصالح الدول الغربية فقط، كما أن مراكز الأبحاث العربية هي الوحيدة التي يمكن أن تنجز هذا العمل بالسرعة والدقة التي تحتاجها الحكومة، بينما الطلب من مراكز أبحاث أجنبية سيتحول لمجرد رقم في قائمة الطلبات لدى المراكز الدولية

ثالثًا: توفير قاعدة بيانات للحكومة تستفيد منها في وضع الخطط الاستراتيجية أو حتى للتعامل مع المشاكل الطارئة، فمثلاً توفير بيانات دقيقة عن العمالة الموسمية أو غير المنتظمة ساعد الحكومة المصرية على تقديم مساعدات وإعانات مالية لهذه الفئات عندما توقف العمل بسبب كورونا

رابعًا: مرافقة خبراء مراكز الأبحاث للوفود الحكومية وتقديم النصح والخبرة لهم أثناء التفاوض، ولعب هؤلاء دورًا كبيرًا أثناء مفاوضات سد النهضة حيث كان لهم دور هام في دعم المفاوض المصري في جولات التفاوض الكثيرة، كما أن مراكز الأبحاث يمكن أن تقدم تقييم حقيقي وموضوعي عندما تحتاج الحكومة التعامل مع كيان أو جهة من بين جهات كثيرة، فاختيار المكاتب الفنية التي ستبحث معدلات الأمان في سد النهضة خضع لتقيييم من جانب مراكز الأبحاث لهذه المكاتب

خامسًا: من أبرز الأدوار التي يمكن أن تقوم بها مراكز الأبحاث وتحتاجها الدول العربية في الوقت الراهن هو ” الدبلوماسية البديلة ” حيث يمكن للدولة أن تنوب عنها بشكل غير رسمي  مراكز الأبحاث للحوار والنقاش مع الأطراف الأخرى حتى تستكشف نوايا الخصم أو الطرف الآخر ” وحدود التنازلات ” التي يمكن أن يقدم عليها، وكثير من الاتفاقيات الدولية كانت من “بنات أفكار” المراكز البحثية ، وأبرز مثال على ذلك أن اتفاق ” نيفاشا ” 2005م، بين السودانيين كان نتيجة لحوار غير رسمي بين باحثين وأكاديميين ينتمون للأطراف المختلفة في السودان في ذلك التوقييت

سادسًا: لعب دور ” القناة الخلفية ” بعيدًا عن القنوات الرسمية السياسية في التواصل مع الأطراف الأخرى، وهذا يوفر للمسؤولين الرسميين عدم الإحراج في التواصل مع الأطراف المعادية وقت الأزمات، وتشكل مراكز الأبحاث فرصة للفهم الصحيح ” بين المتخاصمين أو حتى المتحاربين، فكل الخلافات سوف تنتهي بالتفاوض أو البحث عن أرضيات مشتركة، وتستطيع مراكز الأبحاث العربية أن تنوب عن المفاوض العربي الرسمي للحصول على موقف ومعلومات من الطرف الآخر

سابعًا: التقليل من هامش الخطأ الذي يمكن أن يقع فيه المسؤولون الرسميون من خلال رسم إطار للتوافق أو الاختلاف مع الجانب الآخر، وتكمن الاستفادة من مراكز الأبحاث ” كـمساحة للمناورة ” يمكن للدول من خلالها طرح أفكار، وإذا تأكد خطأ أو ضعف هذه الأطروحات يمكن التراجع عنها، واستكشاف مدى قبول الرأي العام المحلي أو العربي لها 

ثامنًا: دعم توجه الدول العربية وترسيخ المصداقية للحكومات العربية، فالتقارير التي تصدرها مراكز الأبحاث أكثر مصداقية لدى المتلقي، ولهذا يمكن للحكومات الوطنية العربية وحتى المؤسسات العربية الاستفادة من مراكز الفكر في توصيل رسالة ما والتأكيد على النهج الذي يتفق مع المصالح العليا للوطن العربي ، وكل ذلك يتحقق من خلال دقة البيانات والمعلومات وسلامة التحليل والدلالات التي تعتمد عليها مخرجات مراكز الأبحاث ومخابزالأفكار، وهو ما يساهم في صناعة رأي عام حاشد لصالح القضايا الوطنية والعربية، حيث تقوم مراكز الأبحاث بسد حالة الفراغ بين الأبحاث الأكاديمية والواقع على الأرض

تاسعًا: تحديد الأولويات، فعالم اليوم به كثير من القضايا والتحديات المتزامنة، ويمكن لمراكز الأبحاث والفكر أن تحدد الأولويات وهل تستطيع الدولة مواجهة هذه التحديات بشكل متتالي أم متزامن؟

عاشرًا: تعد مراكز الأبحاث من أبرز مكونات ” القوة الناعمة ” للدول حيث تستطيع رسم صورة نمطية ذاتية إيجابية عن الدول العربي، وتقديم هذه الصورة سواء للرأى العام العربي أو الخارجي سواء من خلال الأدوات الخاصة كالإصدارات الإعلامية أو من خلال نشر النتائج التي تتوصل لها في وسائل الإعلام المختلفة سواء كانت محلية أو عربية أو دولية

مراكز الفكر وسياسة الباب

تقوم مراكز الأبحاث بدور الوسيط والتواصل بين عالم البحث والمعرفة، وعالم السياسة، ووصلت قيمة مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية لدرجة أن المسؤولين الكبار في الإدارات المتعاقبة سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين يقومون بالعمل في مراكز الأبحاث فور انتهاء عملهم في الإدارة، ويمكن أن يعودوا للإدارة الأمريكية الجديدة إذا كان ما يطرحونه يتوافق مع رؤية الرئيس الجديد أو الإدارة الجديدة، وفي نفس الوقت يمكن أن يستعين البيت الأبيض أو البنتاجون أو غيرهما من المؤسسات الأمريكية بالباحثين في مراكز الأبحاث لتولي مناصب تنفيذية رفيعة، وخير مثال على ذلك في الوقت الحالي ” ديفيد شينكر” مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ، وكان في السابق  يعمل مديرًا لمركز واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، وقبل ذلك عمل  مساعدًا لوزير الدفاع الأمريكي لشؤون سوريا ولبنان والعرق، وهكذا باتت مراكز الأبحاث جزء أصيل من عملية صنع القرار في الولايات المتحدة سواء كان الباحث يعمل في منصب تنفيذي أو كان يعمل في وضع الأبحاث وتحديد المسارات ، نفس السيناريو نراه مع “إريك تريجر” الباحث المتخصص في تنظيم الإخوان ، فكلما أراد الكونجرس أي مناقشة حول التنظيم الدولي للإخوان وتحليل سلوكهم يستدعي ” إريك تريجر ” ليفض التشابكات حول كيفية التعامل الأمريكي المستقبلي مع هذه الجماعة، ولهذا تعد سياسة ” الباب الدوار ” هامة للغاية سواء للمراكز البحثية أو للدول العربية، فوجود باحث حول صانع القرار يعطيه مساحة جديدة في رؤيته للقضية، وكذلك الأمر بالنسبة لمراكز الأبحاث التي عندما يعمل لديها باحثون شغلوا مناصب تنفيذية  في دوائر صنع القرار مما سيجعل من أطروحاتهم أكثر عملية وواقعية وليس مجرد نظريات بعيده عن التطبيق. 

القطاع الخاص ومراكز الأفكار

المؤكد أن إدراك أهمية مراكز الأبحاث لا يجب أن تكون فقط من جانب الحكومات والمؤسسات الرسمية العربية بل من جانب القطاع الخاص والشركات العملاقة ورجال الأعمال، فالدعم الكبير الذي تحصل عليه مراكز الأبحاث الغربية سواء كانت مراكز أبحاث خاصة أو داخل الجامعات يأتي من القطاع الخاص ورجال الأعمال ، لأن ثمار الأبحاث سواء كانت علمية أو سياسية أو إجتماعية ستصب في النهاية في صالح المجتمع ككل ، والقطاع الخاص سيكون من أوائل المستفيدين من مخرجات ونتائج مراكز الأبحاث العربية

 ولذلك تقتضي التحديات الإقليمية والدولية الراهنة أن يكون لدى الدول العربية مراكز أبحاث مرموقة وفاعلة ومؤثرة على كافة المستويات الوطنية والعربية والدولية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::5236::/cck::
::introtext::

أصبحت ” قوة المعلومات ” ضمن مفردات “القوة الشاملة” للدول، فاليوم لا يكفي أن تتفوق الدول عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا وسكانيًا، بل بات من الضروري أن تمتلك ” المعلومات ” وتوظف وتحلل هذه المعلومات بالشكل الصحيح حتى تكون القرارت التي تبنى على هذه المعلومات قرارات صحيحة، ولهذا تعد مراكز الدراسات والفكر هي ” الكتيبة الأولى ” في معركة أي دولة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية أوثقافية، وعندما تزيد التشابكات والتحديات تحتاج الدول والمجتمعات إلى مراكز الأبحاث من أجل ” ترتيب الأولويات ” و” رسم الخطط ” والتعرف على مدى قدرة الدولة والمجتمع على مجابهة هذه التحديات أو تلك، ويمر الإقليم العربي في تلك الآونه التاريخية بمنعطفات وتحديات غير مسبوقة على كافة المسارات تتطلب أن يكون هناك “إمداد وتموين ” معلوماتي  وتحليل دقيق لتلك المعلومات حتى يدرك صانع القرار العربي أين يقف ؟ ومتى يمكن أن يتحرك؟ وفي أي اتجاه عليه أن يتجه؟ ورغم زيادة الاهتمام بمراكز الأبحاث والفكر في العالم العربي خلال السنوات العشر الأخيرة إلا أن حجم التحديات والمشكلات تفرض أن يكون هناك ” رؤية مختلفة ” و” تعامل جديد” مع مراكز الأبحاث العربية سواء من حيث التمويل والكوادر المؤهلة حتى تكون هذه المراكز البحثية عونًا وسندًا وتقف عضضًا مع الدولة الوطنية العربية؟ ومن أكثر المؤشرات التي تؤكد تفوق الدول هي إهتمامها بمراكز الأبحاث وتخصيص الأموال اللازمة لإنجاز الأبحاث بدقة وسرعة تتناسب مع التحديات الخطيرة التي تواجه العالم العربي، لذلك يقاس تقدم الشعوب اليوم بمدى الاهتمام بمراكز الفكر، فما هي الأسباب التي تدفع بضرورة الاهتمام بمراكز الأبحاث العربية؟ وكيف يمكن الاستفادة منها في توفير ” اللقاحات المعلوماتية ” لتحصين المجتمع، والقيام بالخطوات الاستباقية والإجهاضية ضد كل من يحاول المساس بأمن واستقرار الدول العربية؟

::/introtext::
::fulltext::

أصبحت ” قوة المعلومات ” ضمن مفردات “القوة الشاملة” للدول، فاليوم لا يكفي أن تتفوق الدول عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا وسكانيًا، بل بات من الضروري أن تمتلك ” المعلومات ” وتوظف وتحلل هذه المعلومات بالشكل الصحيح حتى تكون القرارت التي تبنى على هذه المعلومات قرارات صحيحة، ولهذا تعد مراكز الدراسات والفكر هي ” الكتيبة الأولى ” في معركة أي دولة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية أوثقافية، وعندما تزيد التشابكات والتحديات تحتاج الدول والمجتمعات إلى مراكز الأبحاث من أجل ” ترتيب الأولويات ” و” رسم الخطط ” والتعرف على مدى قدرة الدولة والمجتمع على مجابهة هذه التحديات أو تلك، ويمر الإقليم العربي في تلك الآونه التاريخية بمنعطفات وتحديات غير مسبوقة على كافة المسارات تتطلب أن يكون هناك “إمداد وتموين ” معلوماتي  وتحليل دقيق لتلك المعلومات حتى يدرك صانع القرار العربي أين يقف ؟ ومتى يمكن أن يتحرك؟ وفي أي اتجاه عليه أن يتجه؟ ورغم زيادة الاهتمام بمراكز الأبحاث والفكر في العالم العربي خلال السنوات العشر الأخيرة إلا أن حجم التحديات والمشكلات تفرض أن يكون هناك ” رؤية مختلفة ” و” تعامل جديد” مع مراكز الأبحاث العربية سواء من حيث التمويل والكوادر المؤهلة حتى تكون هذه المراكز البحثية عونًا وسندًا وتقف عضضًا مع الدولة الوطنية العربية؟ ومن أكثر المؤشرات التي تؤكد تفوق الدول هي إهتمامها بمراكز الأبحاث وتخصيص الأموال اللازمة لإنجاز الأبحاث بدقة وسرعة تتناسب مع التحديات الخطيرة التي تواجه العالم العربي، لذلك يقاس تقدم الشعوب اليوم بمدى الاهتمام بمراكز الفكر، فما هي الأسباب التي تدفع بضرورة الاهتمام بمراكز الأبحاث العربية؟ وكيف يمكن الاستفادة منها في توفير ” اللقاحات المعلوماتية ” لتحصين المجتمع، والقيام بالخطوات الاستباقية والإجهاضية ضد كل من يحاول المساس بأمن واستقرار الدول العربية؟

تهديد وجودي

أصبحت مراكز الأبحاث والفكر ضرورة اليوم للعالم العربي وليس رفاهية نتيجة لعدد من التحديات الخطيرة التي تمر بها الأمة العربية، فلم يمر على الدول العربية من قبل فترة تحديات ومخاطر تماثل الأخطار الحالية، فالدولة الوطنية العربية تجابه لأول مرة ” تهديد وجودي ” منذ 2011م، وحتى الآن، بمعنى أن حدود ” سايكس  بيكو “1916م، التي أفرزت الخرائط والجغرافيا العربية الحالية يمكن أن تنتهي وتتغير إلى الأبد، فحدود سوريا التي كانت عليها قبل مارس 2011م، يشكك الكثيريون في العودة إليها في ظل التهديات التركية والإيرانية ، لأن خطط ” التتريك ” التركي لشمال وشمال شرق سوريا تؤكد أن هذه الأراضي لن تعود بسهولة للدولة السورية، وأن الأراضي التي تسيطر عليها تركيا شمال  وشمال شرق سوريا والتي تصل مساحتها  لثلاثة أمثال مساحة لبنان يمكن أن تلحق بمصير لواء الاسكندرون، أو شمال قبرص الذي تحتله تركيا منذ عام 1974 م، نفس الأمر بالنسبة للعراق، فهناك أطماع تركية لضم الموصل لتركيا، ويتحدث الرئيس التركي عن عام 2023 م، عندما يمر 100 عام على اتفاقية لوزان، ويقول أن تركيا ستستعيد كل أملاك السلطان عبد الحميد الثاني بما فيها الموصل ، ولذلك منذ 2011 تضع تركيا ” الليرة الموصلية ” في الميزانية التركية كدليل من جانبهم على أن الموصل أراضي تركية، وترى أنقرة في جو بايدن لو وصل للبيت الأبيض في 3 نوفمبر القادم  فرصة لتقسيم العراق، حيث طرح بايدن قرار لتقسيم العراق لثلاث دول، ونال مقترحه الإجماع في مجلس الشيوخ في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ويحاول أردوغان فرض نفس السيناريو في ليبيا بتقسيم ليبيا إلى شرق وغرب، وهو سيناريو تتماهى معه كثير من الدول الأوربية، الأمر الذي يدفع بالسؤال، هل لدى العالم العربي مراكز الأبحاث التي تستشرف هذا الخطر التركي ؟ وهل مراكز الأبحاث لديها الموارد الكافية لسرعة تقديم النصح والإرشاد ” تقدير الموقف ” حول هذه المخاطر لصانع القرار العربي، والأهم هل لدينا في العالم العربي مراكز أبحاث تستطيع أن ترفع منسوب ” الوعي العربي”  بتلك المخاطر، فهناك من يقول اليوم أن الاحتلال التركي لليبيا أفضل من إحتلالها من جانب دول أخرى، كما يرتبط بالمشروع التركي مخطط التنظيم الدولي للإخوان الذي يريد إسقاط كل الحكام العرب والسيطرة على 22 دولة عربية، ويرى هذا التنظيم في التهور والاندفاع التركي ” قبلة الحياة ” لمشروعهم العابر للحدود والسيطرة بالكامل على الإقليم العربي، وأن هذا المشروع الذي فشل بالوسائل الناعمة ” الثورات – شعارات الديمقراطية ”  يعود في محاولة لتحقيق أهدافة بالوسائل الخشنة العسكرية كما هو الحال اليوم في العراق وسوريا وليبيا والصومال

 4 عواصم عربية

هناك حاجة عربية غير مسبوقة لمعرفة أفضل السيناريوهات للتعامل مع المخاطر الإيرانية والأطماع الفارسية في الدول العربية، ومع ادعاء طهران أنها تتحكم في مركز صناعة القرار في 4 عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء يبرز السؤال عن أبرز السيناريوهات التي يمكن أن تقدمها مراكز الأبحاث العربية للتعامل مع السلوك الإيراني المزعزع للإستقرار في المنطقة العربية ، فالتقدير الأمريكي ثبت أنه خاطىء للغاية في طريقة التعامل مع إيران إبان حكم الرئيس السابق باراك أوباما ، والذي بنى نظرية تقول أن الاتفاق النووي ” 5+ 1 ” سيساعد ما أسماهم بالمعتدلين في النظام الإيراني للتخلي عن الأوهام الإيرانية بالسيطرة على دول المنطقة، والنتيجة أنه تأكد للجميع بعد ذلك  أن ما يسمى بالمعتدلين لا يقلوا تشددًا وتطرفًا عن الآخرين ، وأن كل ما يحدث في إيران يمثل تبادل أدوار بين هذه التيارات أو تلك ، وهنا تبرز الحاجة لمراكز أبحاث عربية تستطيع ليس فقط فهم العقلية والسياسة الإيرانية بل تستطيع أن تقنع نظرائها في أوروبا والولايات المتحدة بحقيقة السلوك الإيرانية، وحتى اليوم ما زال هناك بعض الأوروبيين ينتهجون أسلوب أوباما في التعامل مع إيران، وهو ما يحتاج إلى تصحيح لا يقوى عليه إلا مراكز أبحاث عربية متخصصة وذات كفاءة عالية، ولذلك الدول العربية وخاصة الخليجية تحتاج لمراكز أبحاث تجيب لها عن الأسئلة الهامة حول التعامل مع إيران ، هل ندعم المعارضة العربية الأهوازية ؟ ماذا عن المعارضة السياسية الإيرانية في الخارج ” مجاهدي خلق ” وأمثالها، وكيف ” نحصن المجتمعات العربية ” ضد التدخلات والدعاية الإيرانية؟ هل حان العمل على إسقاط النظام؟ هل العقوبات يمكن أن تأتي بنتائج عملية؟

  التنبؤ بالمخاطر

تحتاج الدول العربية لمراكز الأبحاث ليس فقط في تشخيص الواقع ورسم ” خريطة طريق ” للتعامل معه ، لكن العواصم العربية تحتاج لمراكز أبحاث تكون بمثابة ” قرون استشعار ” للمخاطر التي يمكن أن يحملها المستقبل لعالمنا العربي ، ولعل درس داعش القاسي وتهديداته للأمن القومي العربي تحتاج معالجة مختلفة للمخاطر المستقبلية، ومن أين تنبع وتأتي هذه المجموعات المتطرفة ؟، وللأسف الشديد فإن المقاربات الغربية للتعامل مع داعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة كانت تنطلق وتبدأ وتنتهي من الفهم الغربي والمصلحة الغربية دون أي مراعاة للمصالح العربية، وقيل كثيرًا أن داعش تنتشر لغياب التنمية والديمقراطية في العالم العربي ،لكن الواقع قد يقول نتائج مختلفة، ونحن  في حاجة لتصور عربي شامل لهذه الظاهرة التي أعتقد أن أبعاد التنمية والديمقراطية عوامل ثانوية للغاية، فحتى اليوم مثلاً لم يقم أي مركز أبحاث عربي بدراسة حالة ” الدواعش الفرنسيين ” فكل الإرهابيين والدواعش الكبار الفرنسيين والذين قاموا بذبح عدد غير قليل من الرهائن في سوريا والعراق ولدوا وترعرعوا  في مدينة ” ستراسبورج ” الفرنسية التي تستضيف البرلمان الأوروبي ،والإرهابي الذي قتل أكثر من 45 فرنسيًا في مسرح الباتاكلان عاش في شارع قريب جدًا من مبنى البرلمان الأوروبي في مدينة سترالسبورج وهي نموذج للحرية الفرنسية و بها أعلى معدلات النمو الاقتصادي الفرنسي  ، وهنا لا بد من قراءة مختلفة من خلال مراكز الأبحاث العربية حول الأسباب الحقيقية للظاهرة وليس مجرد تبني وجهات نظر الآخرين، لأن تبني وجهات النظر الأخرى سيزيد من الأزمة ، وهو ما تعكسة الأرقام حول عودة إنتشار داعش الرهيب في أوروبا وآسيا وإفريقيا ناهيك عن قبلة الحياة للتنظيمات الظلامية التي منحها لهم أردوغان سواء باحتلال شمال شرق سوريا أو احتلال مساحات تصل لـ800 ألف كيلو من الأراضي الليبية

مركز أبحاث أمريكية

كل مراكز الأبحاث الأمريكية القائمة في الولايات المتحدة أو خارجها لها هدف واحد وهو تقديم المشورة لصانع القرار الأمريكي ، لكن لا يوجد في العالم العربي مركز أبحاث واحد يمكن أن نطلق عليه ” مركز أبحاث أمريكي ” بمعنى الكلمة بحيث يستطيع أن يقدم للعالم العربي قراءة صحيحة للعقلية الأمريكية، وقدم فهم عميق لعملية إتخاذ القرار والتأثير في الرأي العام الأمريكي ، على الجانب الآخر  في الولايات المتحدة يوجد مراكز أبحاث تعرف كل صغيرة وكبيرة عن الدول العربية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فالفهم الأمريكي مثلاً للمشرق العربي قائم على 9 كتب وضعهم برنارد لويس، كما أن نظام اتخاذ القرار في الدول العربية بداية من ” نظام العمودية ” والقبيلة والعشيرة إلى أعلى المستويات تناولته عشرات بل مئات الدراسات الأمريكية، ولديهم فهم كامل وإدراك حقيقي لكل ما يموج به العالم العربي من أفكار وتوجهات، ولهذا يمكن القول أن أهمية مراكز الأبحاث العربية تكمن في المسارات التالية :

أولاً تقدير المواقف والذي يقوم على التفكير للحكومات بهدف ترشيد السياسات العامة وتقديم الأفكار الجديدة والرؤية الإبداعية، فعن طريق مراكز الأبحاث تستطيع الدول العربية تقدير حساب المكاسب والخسائر من أي قرار تعتزم القيام به لأن اتخاذ القرار دون ” تقدير موقف ” قد يؤدي لخسائر يصعب التراجع عنها أو تعويضها في الوقت القريب

ثانيًا القيام بالدور الاسترشادي للحكومة عندما تحتاج دراسات متخصصة في مجال دقيق، والحصول على الاسترشاد من مركز أبحاث وطني أو عربي أفضل بكثير من الحصول عليه من جهات أجنبية لا تخدم إلا مصالح الدول الغربية فقط، كما أن مراكز الأبحاث العربية هي الوحيدة التي يمكن أن تنجز هذا العمل بالسرعة والدقة التي تحتاجها الحكومة، بينما الطلب من مراكز أبحاث أجنبية سيتحول لمجرد رقم في قائمة الطلبات لدى المراكز الدولية

ثالثًا: توفير قاعدة بيانات للحكومة تستفيد منها في وضع الخطط الاستراتيجية أو حتى للتعامل مع المشاكل الطارئة، فمثلاً توفير بيانات دقيقة عن العمالة الموسمية أو غير المنتظمة ساعد الحكومة المصرية على تقديم مساعدات وإعانات مالية لهذه الفئات عندما توقف العمل بسبب كورونا

رابعًا: مرافقة خبراء مراكز الأبحاث للوفود الحكومية وتقديم النصح والخبرة لهم أثناء التفاوض، ولعب هؤلاء دورًا كبيرًا أثناء مفاوضات سد النهضة حيث كان لهم دور هام في دعم المفاوض المصري في جولات التفاوض الكثيرة، كما أن مراكز الأبحاث يمكن أن تقدم تقييم حقيقي وموضوعي عندما تحتاج الحكومة التعامل مع كيان أو جهة من بين جهات كثيرة، فاختيار المكاتب الفنية التي ستبحث معدلات الأمان في سد النهضة خضع لتقيييم من جانب مراكز الأبحاث لهذه المكاتب

خامسًا: من أبرز الأدوار التي يمكن أن تقوم بها مراكز الأبحاث وتحتاجها الدول العربية في الوقت الراهن هو ” الدبلوماسية البديلة ” حيث يمكن للدولة أن تنوب عنها بشكل غير رسمي  مراكز الأبحاث للحوار والنقاش مع الأطراف الأخرى حتى تستكشف نوايا الخصم أو الطرف الآخر ” وحدود التنازلات ” التي يمكن أن يقدم عليها، وكثير من الاتفاقيات الدولية كانت من “بنات أفكار” المراكز البحثية ، وأبرز مثال على ذلك أن اتفاق ” نيفاشا ” 2005م، بين السودانيين كان نتيجة لحوار غير رسمي بين باحثين وأكاديميين ينتمون للأطراف المختلفة في السودان في ذلك التوقييت

سادسًا: لعب دور ” القناة الخلفية ” بعيدًا عن القنوات الرسمية السياسية في التواصل مع الأطراف الأخرى، وهذا يوفر للمسؤولين الرسميين عدم الإحراج في التواصل مع الأطراف المعادية وقت الأزمات، وتشكل مراكز الأبحاث فرصة للفهم الصحيح ” بين المتخاصمين أو حتى المتحاربين، فكل الخلافات سوف تنتهي بالتفاوض أو البحث عن أرضيات مشتركة، وتستطيع مراكز الأبحاث العربية أن تنوب عن المفاوض العربي الرسمي للحصول على موقف ومعلومات من الطرف الآخر

سابعًا: التقليل من هامش الخطأ الذي يمكن أن يقع فيه المسؤولون الرسميون من خلال رسم إطار للتوافق أو الاختلاف مع الجانب الآخر، وتكمن الاستفادة من مراكز الأبحاث ” كـمساحة للمناورة ” يمكن للدول من خلالها طرح أفكار، وإذا تأكد خطأ أو ضعف هذه الأطروحات يمكن التراجع عنها، واستكشاف مدى قبول الرأي العام المحلي أو العربي لها 

ثامنًا: دعم توجه الدول العربية وترسيخ المصداقية للحكومات العربية، فالتقارير التي تصدرها مراكز الأبحاث أكثر مصداقية لدى المتلقي، ولهذا يمكن للحكومات الوطنية العربية وحتى المؤسسات العربية الاستفادة من مراكز الفكر في توصيل رسالة ما والتأكيد على النهج الذي يتفق مع المصالح العليا للوطن العربي ، وكل ذلك يتحقق من خلال دقة البيانات والمعلومات وسلامة التحليل والدلالات التي تعتمد عليها مخرجات مراكز الأبحاث ومخابزالأفكار، وهو ما يساهم في صناعة رأي عام حاشد لصالح القضايا الوطنية والعربية، حيث تقوم مراكز الأبحاث بسد حالة الفراغ بين الأبحاث الأكاديمية والواقع على الأرض

تاسعًا: تحديد الأولويات، فعالم اليوم به كثير من القضايا والتحديات المتزامنة، ويمكن لمراكز الأبحاث والفكر أن تحدد الأولويات وهل تستطيع الدولة مواجهة هذه التحديات بشكل متتالي أم متزامن؟

عاشرًا: تعد مراكز الأبحاث من أبرز مكونات ” القوة الناعمة ” للدول حيث تستطيع رسم صورة نمطية ذاتية إيجابية عن الدول العربي، وتقديم هذه الصورة سواء للرأى العام العربي أو الخارجي سواء من خلال الأدوات الخاصة كالإصدارات الإعلامية أو من خلال نشر النتائج التي تتوصل لها في وسائل الإعلام المختلفة سواء كانت محلية أو عربية أو دولية

مراكز الفكر وسياسة الباب

تقوم مراكز الأبحاث بدور الوسيط والتواصل بين عالم البحث والمعرفة، وعالم السياسة، ووصلت قيمة مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية لدرجة أن المسؤولين الكبار في الإدارات المتعاقبة سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين يقومون بالعمل في مراكز الأبحاث فور انتهاء عملهم في الإدارة، ويمكن أن يعودوا للإدارة الأمريكية الجديدة إذا كان ما يطرحونه يتوافق مع رؤية الرئيس الجديد أو الإدارة الجديدة، وفي نفس الوقت يمكن أن يستعين البيت الأبيض أو البنتاجون أو غيرهما من المؤسسات الأمريكية بالباحثين في مراكز الأبحاث لتولي مناصب تنفيذية رفيعة، وخير مثال على ذلك في الوقت الحالي ” ديفيد شينكر” مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ، وكان في السابق  يعمل مديرًا لمركز واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، وقبل ذلك عمل  مساعدًا لوزير الدفاع الأمريكي لشؤون سوريا ولبنان والعرق، وهكذا باتت مراكز الأبحاث جزء أصيل من عملية صنع القرار في الولايات المتحدة سواء كان الباحث يعمل في منصب تنفيذي أو كان يعمل في وضع الأبحاث وتحديد المسارات ، نفس السيناريو نراه مع “إريك تريجر” الباحث المتخصص في تنظيم الإخوان ، فكلما أراد الكونجرس أي مناقشة حول التنظيم الدولي للإخوان وتحليل سلوكهم يستدعي ” إريك تريجر ” ليفض التشابكات حول كيفية التعامل الأمريكي المستقبلي مع هذه الجماعة، ولهذا تعد سياسة ” الباب الدوار ” هامة للغاية سواء للمراكز البحثية أو للدول العربية، فوجود باحث حول صانع القرار يعطيه مساحة جديدة في رؤيته للقضية، وكذلك الأمر بالنسبة لمراكز الأبحاث التي عندما يعمل لديها باحثون شغلوا مناصب تنفيذية  في دوائر صنع القرار مما سيجعل من أطروحاتهم أكثر عملية وواقعية وليس مجرد نظريات بعيده عن التطبيق. 

القطاع الخاص ومراكز الأفكار

المؤكد أن إدراك أهمية مراكز الأبحاث لا يجب أن تكون فقط من جانب الحكومات والمؤسسات الرسمية العربية بل من جانب القطاع الخاص والشركات العملاقة ورجال الأعمال، فالدعم الكبير الذي تحصل عليه مراكز الأبحاث الغربية سواء كانت مراكز أبحاث خاصة أو داخل الجامعات يأتي من القطاع الخاص ورجال الأعمال ، لأن ثمار الأبحاث سواء كانت علمية أو سياسية أو إجتماعية ستصب في النهاية في صالح المجتمع ككل ، والقطاع الخاص سيكون من أوائل المستفيدين من مخرجات ونتائج مراكز الأبحاث العربية

 ولذلك تقتضي التحديات الإقليمية والدولية الراهنة أن يكون لدى الدول العربية مراكز أبحاث مرموقة وفاعلة ومؤثرة على كافة المستويات الوطنية والعربية والدولية.

::/fulltext::

::cck::5236::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *