11 مقترحًا لنجاح الحوار الإسلامي ـ الإسلامي في البحرين وخلاف المذاهب سياسي لا عقائدي
Beautiful areal view of Manama city, Bahrain. taken on 27 December 2019
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. ناجح إبراهيم
مفكر وكاتب وإسلامي
على قدم وساق تتواصل الاستعدادات لعقد مؤتمر الحوار الإسلامي / الإسلامي بالبحرين مطلع هذا العام ٢٠٢٥م، بهدف لم شمل الأمة وتعزيز وحدتها وترابطها ورتق الخرق الذي اتسع نتيجة الخلاف والصراع أو التطاحن الإسلامي / الإسلامي أو الطائفي أو المذهبي بين الأطياف الإسلامية من جهة أو بين الدول من جهة أخرى.
أشادت قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي استضافتها الكويت في مطلع شهر ديسمبر الماضي باستضافة المنامة مؤتمر الحوار الإسلامي ـ الإسلامي، وجاء في البند السادس من البيان الختامي للقمة “من أجل تعزيز قيم التعايش والوحدة الإسلامية والحوار بين المسلمين باعتباره ضرورة ملحة للم شمل الأمة والتلاحم والتضامن بين مختلف مكوناتها في مواجهة التحديات المشتركة “.
يتعاون في تنسيق وإعداد هذا المؤتمر جهات عديدة على رأسها منظمة التعاون الإسلامي والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالبحرين والأزهر الشريف بمصر ومجلس حكماء المسلمين الذي يتخذ من أبو ظبي مقراً له.
نشأت فكرة المؤتمر إثر محادثات هاتفية مطولة بين عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة وبين الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وأبدى الطرفان رغبة حميمة للسعي للم شمل الأمة وإعادة اللحمة الممزقة لها ورأب الصدع بين مذاهبها ودولها ومختلف مكوناتها.
وقد تبلورت فكرة المؤتمر بعد اللقاء الأخير في البحرين بين الملك حمد وشيخ الأزهر والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان عام ٢٠٢٢م، والذي سبقه بعام إصدار وثيقة الأخوة الإنسانية في الإمارات بين رأس أكبر جامع وجامعة في العالم الإسلامي العالم العظيم د. أحمد الطيب وبين رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس.
ودعا الإمام الأكبر المسلمين في العالم كله على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفكرية وخاصة المسلمين الشيعة للمسارعة بعقد حوار إسلامي / إسلامي جاد من أجل نبذ الفرقة والفتنة والصراع الطائفي وتجاوز صفحة الماضي.
وقد تبنى عاهل البحرين الفكرة ووجه مؤسسات المملكة بإعداد المؤتمر بالتعاون وإشراف منظمة التعاون الإسلامي والأزهر ومجلس حكماء المسلمين.
وقال رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالبحرين:” إن هذا الحوار ضروري في تأكيد مساحة الاتفاق الواسع في مجالات الاعتقاد والفكر والقيم باعتبار أن المسلمين جميعاً أمة واحدة”.
والحقيقة أنه بعد إصدار وثيقة الإخوة الإنسانية والتي تعد أكبر إنجازات الإمام الأكبر شيخ الأزهر والبابا فرنسيس تحدث الكثيرون على أن إصلاح البيت الإسلامي من الداخل له أولوية قصوى، وأن الحوار الداخلي الإسلامي/ الإسلامي قد يكون أهم من حوار المسلمين مع غيرهم.
وقد تعالت هذه الأصوات العاقلة في بلدان كثيرة وخاصة أن العالم العربي والإسلامي يعاني ويلات الصراع الشيعي ـ السني، وأن كثيراً من بلدان العالم الإسلامي متقاتلة سواء بالحرب الباردة أو الساخنة، وأن بعض البلاد الإسلامية ممزقة ومقسمة بين السنة والشيعة، وأن إصلاح البيت الإسلامي والعربي من الداخل أهم وأولى من الصلح مع الآخر غير المسلم.
ومن هنا انطلقت الفكرة لتجد أعظم الصدى بين هؤلاء العمالقة، وإذا كانت الأعوام السابقة شهدت عمق الأزمة بين السنة والشيعة من جهة، وبين السلفية والصوفية من جهة أخرى، وقسم الوطن العربي تقسيمًا خطيرًا يراه كل مبصر، مع قطيعة غير مسبوقة بين هذه البلاد، إن الأمل كبير في توحد الصف الإسلامي / الإسلامي وخاصة بعد التوغل الإسرائيلي في المنطقة وتهديدها لبلاد عربية كثيرة لن تجد الحضن الدافئ إلا في محيطها العربي والإسلامي.
حرب الثلاثين عاماً .. والحقيبة السوداء
تقاتل الكاثوليك والبروتستانت ٣٠ عاماً في معظم أرجاء أوروبا مما أدى إلى مصرع ١٢ مليون أوروبي في كارثة مروعة وغير مسبوقة، وكان ذلك في الفترة من ١٦١٨ إلى ١٦٤٨م، ويطلق عليها بعض المؤرخين اسم “حرب الثلاثين عاماً” وقد أدت فيما أدت إليه إلى انخفاض سكان ألمانيا بنسبة ٣٠% والذكور بنسبة ٥٠% لكثرة القتلى والمشردين بينهم وفي بعض المناطق قتل ثلثا السكان.
قد بدأ الصراع علي خلفيات طائفية بين الكاثوليك والبروتستانت تحولت إلي حمامات دماء أتت على الأخضر واليابس في ٢٠ دولة أوروبية، وانطوى هذا الصراع على الكثير من الانتهاكات الإنسانية المروعة والتي تتناقض جذرياً مع ما كان يدعيه كل طرف منها أنه يفعل ذلك لنصرة مذهبه الديني، فقد شهدت الكثير من القرى والمدن ساحات إعدام دون محاكمات، شنق فيها الكثير من السكان الأبرياء ،واغتصبت آلاف النسوة، وأخريات غيرهن لاقوا حتفهن بسبب الطعن أو التعذيب، وأخريات هربن ليعانين مع أولادهن من الجوع والصقيع وعلى حد تعبير ميلتون” كل أولئك قتلوا باسم الرب”.
بدأ هذا الصراع بانشقاق البروتستانت عن الكنيسة الكاثوليكية لأسباب لا يتسع المقام لذكرها، وبدأت الحرب بخطابات كراهية على أساس ديني في إحدى المدن الألمانية، ثم تطورت بعد أن حاول حاكم كاثوليكي متعصب لإحدى الولايات أن يفرض العقيدة الكاثوليكية على السكان البروتستانت ومنعهم من بناء الكنائس البروتستانتية فاندلعت ثورة بلغت ذروتها بإلقاء اثنين من ممثلي الإمبراطور من نوافذ القصر الملكي في براغ مما أشعل شرارة حرب الأعوام الثلاثين.
لقد بدأت الحرب بصراع طائفي ديني ثم انتهت إلى صراع سياسي وعسكري مدمر، وتعلمت أوروبا من هذه الحرب المدمرة أن خطاب الكراهية هو بداية الحرب، وأن جهات كثيرة تستثمر العداء والخلاف بين الطوائف الدينية لنشوب حرب تحقق مصالحها.
تعلمت أوروبا أيضاً أن استثمار الكراهية في الصراعات والحروب الدينية خسارة كبيرة وطويلة الأمد، وأنه يجب التعاطي بإيجابية مع دعوات الإصلاح الديني.
خلصت أوروبا من هذه الحرب أن السلام الذي تعيشه الآن لم يكن سهلاً، ولم يأت بسهولة.
من أهم النظريات التي اعتمدت عليها أوروبا في إنهاء هذه الحرب الدينية والطائفية المدمرة نظرية “دفن الحقيبة السوداء”.
نظرية دفن الحقيبة السوداء
اتفقت كل الأطراف بعد ٣٠ عاماً من الحرب على جمع كل خلافاتها وحروبها وصراعاتها وأحقادها ومشاكلها في حقيبة سوداء ودفن هذه الحقيبة تحت الأرض ولعن ومواجهة كل من يخرج هذه الحقيبة أو شيء منها أو يستدعيه أو يحييه مرة أخرى.
لو أن أمة المسلمين استدعت في كل صراعاتها وخلافتها العقائدية والتاريخية نظرية دفن الحقيبة السوداء لانتهت معظم مشاكلها، فالصراع السني ـ الشيعي مثلاً يكاد يأتي على الأخضر واليابس في الأمة العربية والإسلامية ويقسمها ويمزقها تمزيقًا وهو في الحقيقة ليس صراعاً بين السنة والشيعة بقدر ما هو صراع سياسي على النفوذ والسلطة يرتدي ثوب الطائفية ويلبس لبسها لذا ينبغي على الأمة الإسلامية تجاوزه، فقد كان خلافًا سياسياً تاريخياً بين فريقين من الصحابة هما فريق علي بن أبي طالب، وفريق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وهو خلاف سياسي وليس عقائدي وهو تاريخي ولكنه تحول بمرور الزمان إلي خلاف عقائدي حيث قام كل فريق بتدشين جملة من الأفكار والعقائد تدعم فريقه وجماعته ثم اتسع الشقاق والخلاف حتى أشعل العالم العربي سنوات طوال فالحرب العراقيةـ الإيرانية مثلاً كانت تسمى في العراق “قادسية صدام” وتسمى في إيران “الدفاع المقدس” واستمرت 8 سنوات وانتهت دون نصر، بل هزيمة للطرفين، وخلفت وراءها مليون قتيل وخسائر بلغت 400 مليار دولار كانت كافية لإحياء الأمة الإسلامية كلها، وضاعت مقدرات البلدين تماماً.
لو أننا قمنا بترك هذا الخلاف حول الخلافة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وما تمخض عنه من أمور، وترحمنا عليهما ودعونا للفريقين، لما تحول هذا الخلاف السياسي إلى خلاف عقائدي يتجذر ويتعمق بمرور الزمان وكأن على كل جيل من أجيال السنة أن تحمل أوزاراً وذنوباً لم ترتكبها ولم تحضرها ولم تشارك فيها، مثل تحميل الشيعة دماء الحسين لأهل السنة رغم أنهم يحبون الحسن والحسين معاً أكثر من غيرهم وأعمق من غيرهم، ويحبونهما دون جني مصلحة سياسية أو غيرها من وراء هذا الحب، إنه حب مخلص مجرد.
ما ذنب أجيال الشيعة يضربون ويجلدون أنفسهم كل عام وهم لا علاقة لهم بخذلان الحسين، فلم يشهدوا الواقعة ولم يكونوا طرفاً فيها ولماذا يملؤون أنفسهم بالحقد والكراهية على إخوانهم السنة الذين يعيشون معهم أو إلي جوارهم بحجة أنهم قتلة الحسين، فلا علاقة بسنة اليوم ولا شيعتهم بهذه الأحداث، وكلاهما يحب الحسين وآل الحسين وآل علي بن أبي طالب، وكان ينبغي عليهما أن يحب بعضهم البعض ويتعاونوا على البر والتقوى، ويكونوا يداً واحدة على عدوهم الحقيقي الذي يحتل أرضهم وبلادهم ويتعاونوا معاً في كل مجالات عمران الأرض فهذا لا خلاف عليه سواءً اقتصادية أو زراعية أو صناعية أو في مجالات البحث العلمي .
نحن بحاجة إلى هذه الحقيبة السوداء لندفن فيها كل صراعاتنا وحروبنا السابقة الإسلامية / الإسلامية وما أكثرها.
نحتاج أن ننظر أيضًا في المشتركات وما أكثرها، وندقق فيما ينبغي التعاون فيه من أمور الدنيا لتعمير الكون في كل مناحيه، فالتعاون الاقتصادي والزراعي والصناعي والتقني والأمني بين الدول السنية والشيعية أو الدول الصوفية والسلفية لا غبار عليه، ولا خلاف فيه، فليتعاون المسلمون بمذاهبهم المختلفة فيما اتفقوا فيه وهو الأكثر ويدفنوا في الحقيبة السوداء ما اختلفوا فيه وهو الأقل.
تعمير الكون كله متفق عليه فلننطلق من ذلك المتفق عليه وننحي المختلف عليه جانبًا الآن.
أزمة المسلمين كما قال الشيخ محمد حسين فضل الله وهو من أئمة الشيعة المنصفين أنهم “عاشوا مع التاريخ أكثر مما عاشوا مع الواقع ولم يأخذوا بقول الله تعالى “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ “فللتاريخ في الإسلام قاعدة مهمة أننا لا نعيش في داخله، ولكننا نأخذ منه العبرة والدرس الذي يحتاجه حاضرنا ولكن المسلمين استغرقوا في التاريخ وتحركوا في كل خصوصياته وخاصة الجانب السلبي منه “، وهذا كلام مهم جداً للشيخ فضل الله وكان من حكماء الشيعة رحمه الله.
مقترحات مهمة للحوار الإسلامي / الإسلامي
أولاً: فكرة المواطنة إسلاميًا
هذه الفكرة تبناها من قبل شيخ الأزهر د. الطيب في واحدة من أهم وثائق الأزهر مفهوم “المواطنة إسلاميًا “حيث شدد على بناء الأوطان على المواطنة، بلا تمييز بين مواطنيها بسبب دين أو مذهب أو لون أو جنس، فيعيش السني والشيعي والصوفي والسلفي والأباضي وغيرهم في بلدهم دون تفريق بين أحدهم والآخر ويتمتعون بنفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات.
أعظم ما تتمتع به مدرسة الأزهر الشريف أنها لا تكفر أحدًا من هؤلاء، فالمواطنة هو الشق العملي والحياتي للتسوية بين هؤلاء في العيش في أوطانهم، فليس من المعقول أن يحظى غير المسلمين بحق المواطنة في بلاد العرب والمسلمين ولا يحظى أصحاب المذهب الآخر بهذا الحق.
الحقيقة أن العقل العربي والإسلامي قد اختطفته المذهبية البغيضة وذهبت به بعيداً حتى وقعت الحروب بين بلاد السنة والشيعة وقتل فيها الآلاف وضاعت فيها مقدرات البلاد والعباد، وما حرب العراق وإيران منا ببعيد.
ثانيًا: وقف مسلسل التكفير:
فلا يجوز للسني أو الشيعي أو الأباضي أو السلفي أو الصوفي تكفير بعضهم بعضاً.
تكفير كل طائفة للأخرى يعد بمثابة القتل المعنوي بإخراجها عن الملة ،التكفير هو سوءة العصر وكل عصر وأي طائفة مسلمة تكفر الأخرى فلا أمل في التعاون أو الحوار المثمر بينهما، ولا أمل في العيش المشترك بينهما التكفير يعني أنك تسد الباب أمام الآخر لإقامة التواصل والتوافق، إنه يعني هدم كل الجسور بينهما.
التكفير هو قتل معنوي للآخر بإخراجه عن زمرة أمة الإسلام وعادة ما يتبع القتل المعنوي القتل المادي “فالتكفير والتفجير” وجهان لعملة واحدة، وإذا وجد الأول لابد من وجود الآخر، وهما معًا أسوأ عملتان أدخلتا قسراً وزورًا وبهتاناً في دنيا الإسلام الحنيف، ولوثت الثوب الأبيض لهذا الدين العظيم ودمرت دعوة الإسلام في أي مكان حلت به.
ثالثاً: العيش في الواقع وليس داخل التاريخ:
ينبغي أن يستند الحوار الإسلامي / الإسلامي على ترك النزاعات التاريخية، وأن نعيش مع الواقع أكثر مما نعيش مع التاريخ، وأن نترحم على أجدادنا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ونضع الآية الجامعة عنواناً لنا” تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ” فنأخذ العبرة من التاريخ ولا نعيش بداخله، ولا تلبس ذواتنا شخصيات الصراع التاريخي السابق، وكأننا الذين تصارعنا وتحاربنا وتقاتلنا.
كيف يعيش الشيعي العراقي إلى جوار السنة وهو يعتقد أنهم قتلة الحسين.
وكيف يقيم السنة إلى جوار الشيعة وهم يعتقدون أنهم الذين خذلوا الحسين ودعوه للقتل، والحقيقة أن هؤلاء السنة الذي يعيش إلى جوارهم ليس لهم شأن بذلك ولا الشيعة من مواطنيهم كانوا موجودين أصلاً وقتها.
رابعاً: حوار بلا حب لا جدوى منه:
الحوار بلا قلب ولا روح ولا حب لا جدوى منه الحوار بصيغة المناظرة سيئاته أكثر من حسناته الحوار الذي لا مردودات عملية له لا فائدة منه، وصدق المرحوم الشيخ/محمد حسين فضل الله أحد المخلصين الكبار في التقريب بين السنة والشيعة حينما قال” لابد أن تكون هناك ” روحية للحوار” لأن الحوار ليس أن أحدثك عما أراه وتحدثني عما تراه، وصدق حقاً فيما قال.
إنني أرى أن الحوار لا يكون أمام الكاميرات وللاستعراض الإعلامي أو أن يظهر كل فريق لجمهوره من الدهماء أنه الأقوى حجة أو الأعلى صوتاً أو الأكثر هجوماً وتطاولًا.
الحوار يكون للعلماء والكبار أصحاب القلب الكبير والعقل العظيم والصوت الهادئ والحب الكبير، والهم الذي لا ينفك لتوحيد مصالح وأوطان الإسلام والمسلمين، فالحوار مثل الوطن مشاركة لا مغالبة.
طالما ردد الإمام الأكبر د/أحمد الطيب شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين دعوته الشهيرة” أتوجه إلى علماء الأمة بأن ينهضوا لتحقيق وحدة علماء تجمع رموز الإسلام من سنة وشيعة وإباضية وغيرهم من أهل القبلة على مائدة واحدة لوضع حدود فاصلة لما ينبغي الاتفاق عليه وما يصح الاختلاف فيه، وأن تكون اختلافاتنا مثل اختلاف الصحابة والتابعين، اختلافًا يثري العلوم، ويتحول إلى معين لا ينضب من اليسر واللطف والرحمة”.
يعد الأزهر تاريخياً هو صاحب مدرسة التقريب بين المذاهب، وهو الذي قرر التعدد والتنوع المذهبي في مناهجه ومواقفه، ولولا حالة الاستخدام السياسي للمذهبية الدينية من أطراف كثيرة لتحول هذا التقريب إلى دافع لبناء أمة تخدم التعدد والتنوع في داخلها وتصهرهم في بوتقة واحدة تدخر الطاقات لبناء أمة قوية بدلاً من استنزاف جهودها وتمزيق طاقاتها.
خامساً: الحوار فن التعايش بين المذاهب :
ليس معني الحوار أن يترك كل أصحاب مذهب مذهبهم، فهذا لا يحدث عادة ولن يحدث، الحوار يعني أن يتوقف كل أصحاب مذهب عن أذى الآخر، أو شتمه أو تكفيره أو الكيد له، أو التآمر عليه، أو محاربته.
الحوار يعني كيف نتعايش سويًا ، كيف ننصهر في بوتقة الإسلام والوطن ،الحوار يعني كيف نعيش في سلام وأمان.
أو كما قال د/ محمد عمارة “فن التعايش بين المذاهب” وكما يقول آية الله محمد التسخيري “فكرة الحوار بين المذاهب لا تعني أبداً إلغاءها بل البحث عن المساحات المشتركة وتوسيعها عبر التفاهم وتطبيق ما اتفقوا عليه “.
وكما ردد مراراً مفتي سلطنة عمان الشيخ أحمد الخليلي ” نفكر فيما يجمع هذه الأمة، فهناك قواسم مشتركة كبرى مثل وحدة المصير والتجمع حول الكتاب والسنة حيث لا خلاف عليهما، أما الاختلاف في الجزئيات يمكن أن يناقش بأسلوب هادئ هادف يؤدي إلى التآلف والتقارب لا الشقاق والنزاع”.
سادساً: السياسة تفرق المسلمين عادة:
الحوار معناه كيف نبحث عن المشتركات وهي كثيرة جدًا بين هذه المذاهب ،نلتقي حول عناوين الإسلام الكبرى ، وإذا كان القرآن قد خاطب أهل الكتاب للقاء مع المسلمين حول كلمة سواء واضحة وبسيطة وهي ” أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا” فالمشتركات بين المذاهب الإسلامية الكبرى السنة والشيعة والسلفية والصوفية والإباضية أكثر وأكثر مما نتصور، فلتترك المختلف عليه، ودعنا من القراءات السياسية المذهبية للتاريخ، ودعنا من القراءات السياسية المختلفة للإسلام وصدق العلامة محمد رشيد رضا ” إن السياسة كانت سبباً في تفريق المسلمين في التاريخ ويمكن لو أردنا أن تكون سبباً لتجميعهم وتوحيدهم في الحاضر”.
فإن لم تكن سبباً للتجميع فلندعها كاملة ماضياً وحاضرًا ومستقبلًا وكما قال د/ سليم العوا “إن السياسة كانت سبباً رئيسياً في تدمير العلاقة بين مذهبي السنة والشيعة بل إنها كانت سبباً في وجودهما أصلاً”، وقال ” أن الخلاف المذهبي السني الشيعي تاريخي وواقعي وعميق وخطير، ولكن ينبغي على الأمة أن ترتفع فوقه وتعلو عليه ولا يعلو عليها”.
سابعاً: لا تذويب ولا تغليب ولا تسريب:
ينبغي أن يحرص الحوار الإسلامي / الإسلامي للتقريب بين المذاهب الإسلامية على الحكمة الجامعة التي قال بها بعض المهتمين بهذا الشأن حيث قال” التقريب بين المذاهب والحوار بينها ليس فيه تذويب ولا تغليب ولا تركيب ولا تسريب ولكنه تقريب وتقارب وتحاور ومشاركة وتآلف”.
صدق والله فهذا كله يدفع الأطراف للحوار ويشجعهم عليه دون خوف أو وجل، فلن يذوب مذهب في مذهب، ولن تذوب دولة في أخرى، ولن تبتلع دولة أخرى، ولن تكون دولة تابعة لأخرى فلن يتشيع السنة، ولن يتسنن الشيعة، فهذا غير منطقي ولا يحدث عادة، فكل طرف مقتنع عادة بمعتقداته الخاصة، ويعض عليها بالنواجذ بصرف النظر عن صحتها أو خطئها.
ثامناً: حوار البحث في العقائد والمذاهب فاشل:
ينبغي ألا يبحث المتحاورون كثيراً في العقائد أو الأفكار فالنقاش حولها يباعد بين المتحاورين ويضيق الصدور ويجعل الحوار يدور في حلقة مفرغة، أما الحوار الحقيقي المثمر هو الذي يدور على المشتركات الدينية والعقائدية والمصالح الدنيوية المشتركة.
والأخيرة لا نزاع عليها ولا خلاف، فبين أهل الأديان المختلفة مصالح مشتركة كثيرة، وبين أهل الدين الواحد مصالح دنيوية مشتركة أكثر وأكثر، فبين العرب مثلا لغة واحدة ومصير واحد، وحدود متجاورة ومصالح اقتصادية وسياسية وحدودية وأمنية وزراعية وصناعية وتقنية واحدة، وينبغي الدوران حولها، والتركيز عليها.
تاسعاً: لا يقتصر الحوار على علماء الدين والمذاهب:
كل الحوارات التي استغرقتها أفرع الخلافات العقائدية أو الفقهية أو الملاسنات الكلامية أو المناظرات بين المتحاورين فشلت تماماً، ولم تحقق أيا من أهدافها، بل أدت إلى مزيد من التباعد والشقاق، ولذا ينبغي ألا يقتصر الحوار على رجال الدين أو الفقه، لأن هؤلاء العلماء والمشايخ رغم فضلهم وعلمهم وزهدهم إلا أن زوايا اهتماماتهم الدينية تغلب على فكرهم وتحصر الحوار الإسلامي / الإسلامي في الزوايا الدينية، والخلافات العقائدية بين الفرق والمذاهب الإسلامية وهي مناطق ملغومة، خسائرها أكثر من منافعها.
أما إذا شارك في هذا الحوار اقتصاديون وعلماء زراعة وصناعة وسياسة بخلفية دينية عميقة، فهؤلاء معا سيبحثون عن المشتركات الدنيوية، وهي مناطق لا ألغام فيها ولا مطبات، ولا جدال، ولا تسويف، بيننا تعاون دنيوي سيفيد الطرفين ويقرب بينهما، وكما يقول العوام “المصالح تتصالح” ولربما إذا التقت المصالح تقترب القلوب، ومعها الأفهام، ثم الأفكار، وتذوب الخلافات والصراعات.
اللقاء المتواصل والمشاركة الدنيوية في المشاريع الاستراتيجية يذيب صخور القلوب والعقول ثم تلين الصعاب في العقائد والأفكار، أما إذا بدأنا بالعكس فلا أمل في تقارب أو تقريب، أو مصلحة دينية أو دنيوية، هكذا مرت التجارب السابقة دون أدنى نتيجة تذكر.
عاشراً: لا للحمقى والدهماء:
الخلاف بين المذاهب والفرق الإسلامية يزداد تأجيجاً إذا نزل من علياء عقل العلماء والحكماء إلى ساحة السوقة والبسطاء والدهماء، وهذه الجموع عادة لا عقل لها، لأنها تحمل عادة عقلاً عاطفياً جمعياً يتأثر بتشنج المتشنجين، وتعصب المتعصبين ومزايدة المزايدين، ويحب ويعشق هذه الشريحة التي تدغدغ عواطفهم وتهيج الجزء الأسود المعتم من عقولهم ،طلبًا للدنيا لا خدمة للشريعة والوطن ،وكراهية للعقل السديد، وهذه الشريحة من الدهماء وهي الغالبة المسيطرة على الشارع العربي والإسلامي للأسف تكره العلماء والحكماء من ذوي البصيرة والروية وتعتبر كلماتهم ضعفاً ووهماً وتخاذلاً.
لذا ينبغي وقف هؤلاء تماماً فضلاً عن استبعادهم وتلاميذهم من أي حوار، لأن وجود واحد منهم كفيل بتفخيخ أي حوار وقلب الطاولة على الجميع.
حادي عشر: وقف خطاب الكراهية والتحريض في القنوات الفضائية:
ينبغي وقف كل القنوات المحرضة على الفتنة بين المذاهب والدول، تلك القنوات التي ما تفتأ تدغدغ عواطف الشر ونوازع الكراهية الدينية، فخطاب الكراهية الطائفي هو الذي تسبب في حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت، وخطاب الكراهية الطائفي هو الذي أشعل الحرب الطائفية بين إيران والعراق والتي أوقعت مليون قتيل مسلم دون مصلحة واحدة للطرفين.
الحوار بين ثلة قليلة من العقلاء لن يصلح ما تفسده عشرات القنوات التي تكفر أو تفسق هذا الفريق أو ذاك، ولا عمل لبرامجها ومذيعيها سوى نشر الخطابات الطائفية وتأجيج مشاعر الاحتقان والكراهية، وإذاعة كل ما يسيء للآخر.
الحوار الإسلامي / الإسلامي سيبني بيتًا وهذه القنوات ستهدم مدينة، والخطاب الفكري المراهق أو الطائفي الكاره، تسويقه سريع، وحرائقه أسرع من الريح، أما خطاب الحكمة والعقل والتوحد فأنصاره أهل الحكمة وهم قليل وسيره بطيء مثل السلحفاة، وأعداؤه من ذوي الحمق أو المصالح كثر، وصدق القرآن ” وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ “وقد خبرت ذلك بنفسي ورأيته في تجارب كثيرة.
الميكروفون والشاشة مرض عربي مزمن، لا تكاد تبرأ منه دولة ولا مذهب ولا فصيل حتى بعض العقلاء إذا ما وقفوا أمام الميكروفون وأمام الجموع ذهب بعض عقلهم ومعظم حكمتهم رغبة في نفاق العوام، وما أدراك ما نفاق العوام إنه الداء الوبيل ومرض الأمة المستعصي وهو أشد خطراً على الأمة من نفاق ذوي السلطان.
