استقرار السودان يتطلب خارطة طريق دولية بموافقة الدول الكبرى ودول الجوار وتنفيذها قسريًا
Sudan flag on the map
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


السفير عادل شرفي
سفير سوداني سابق
اندلعت الحرب في السودان في 25 أبريل 2023م، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع نتيجة تعقيدات سياسية متراكمة، بدأت الأزمة عندما تحالف قادة الجيش والدعم السريع مع قيادات من النظام السابق، ضد ثورة الشعب السوداني على نظام الرئيس الذي خلعته ثورة ديسمبر المجيدة في 2018م. وتصاعد الأمر حتى حدوث المذبحة التي ارتكبها التحالف ضد المدنيين أمام القيادة العامة ثم كان التفاوض بين بعض القوى السياسية والجيش والذي انتهى بالاتفاق بين الجيش السوداني وبعض القوى السياسية المدنية على اقتسام السلطة لفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، إلا أن التحالف السابق استطاع القيام بانقلاب عسكري في 25 أكتوبر 2021م، ثم حدث الخلاف بين الشريكين الجيش السوداني والدعم السريع بسبب قرار الجيش دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني واكتشاف قادة الدعم السريع من ناحية أخرى أن قادة النظام السابق هم الذين يسيطرون على قرارات قيادة الجيش وهكذا اندلع القتال بصورة شرسة بين الطرفين ووصفت الأمم المتحدة ومنظماتها هذه الحرب أنها أكبر أزمة إنسانية بالعالم اليوم وتسببت في نزوح 15 مليون شخص داخل السودان وفرار 5 ملايين آخرين إلى دول الجوار مع حاجة 25 مليون سوداني لمساعدات إنسانية عاجلة.
أسباب الحرب وتأثيراتها
هناك دوافع رئيسية مباشرة وغير مباشرة لاندلاع هذه الحرب واستمرارها.
أولها: إصرار كبار قادة الجيش على الحكم والسيطرة على البلاد بالتحالف مع قوى النظام السابق.
ثانيًا: الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر وشواطئه الطويلة.
ثالثًا: السودان دولة غنية بموارد ضخمة غير مستغلة، وبالطبع تشكل هذه الموارد سببًا للأطماع والتدخل الخارجي.
رابعًا: تعقد المشهد السياسي بعد الثورة، حيث تعجل السياسيون للسلطة قبل إجراء انتخابات وفشلوا في التوافق على برنامج خارطة طريق موحدة وعلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية، إضافة إلى الصراع مع المؤسسة العسكرية ثم الصراع بين الجيش والدعم السريع والضغوط التي مورست على رئيس الوزراء من العسكريين والأحزاب السياسية.
دول جوار السودان المباشر: تفاعلاتها وتأثيرها في الحرب
يحتل السودان الجزء الشمالي الشرقي من قارة إفريقيا بمساحة 1,861484 كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانه حوالي 51 مليون نسمة تقريبًا، ويحاط السودان بسبع دول جوار مباشر إضافة إلى ساحل البحر الأحمر، الذي تقع شرقه المملكة العربية السعودية.
هناك تداخل قبلي وإثني مع دول الجوار المباشر للسودان، وتوجد كثير من القبائل المتداخلة ولديها روابط ثقافية وتاريخية قوية وترتبط هذه القبائل بروابط سياسية واقتصادية واجتماعية مشتركة وهناك بعض القبائل التي تلعب أدوارًا هامة في دول الجوار مثل الدينكا في جنوب السودان والزغاوة في تشاد والبجا والحباب في إرتريا، كذلك لديهم دور اقتصادي كبير ويلعبون دورًا أساسيًا في تجارة الحدود وحجم التبادل التجاري بصورة عامة ،وبالتالي لهم دور رئيسي في التأثير على العلاقات بين السودان وهذه الدول و كلما كان حجم التبادل أكبر كلما تأثر به القرار السياسي للسلطة الحاكمة والتحالفات السياسية في السودان أو دول الجوار.
مصر
أهم مؤثرات العلاقة مع مصر هي مياه النيل واستيراد الذهب واللحوم والمواد الخام وتصنيعها في مصر.
شاركت في جهود الوساطة الإقليمية والدولية لوقف الحرب في السودان ونظمت مؤتمر قمة لدول الجوار المباشر للسودان في 13 يوليو 2023م، لبحث إنهاء الصراع وتداعياته السلبية على دول جوار السودان، إلا أنها فشلت في وقف الحرب أو تأثيرها على دول الجوار.
كما نظمت مصر مؤتمرًا للقوى المدنية السياسية السودانية تحت شعار (معًا لوقف الحرب) وذلك للتوصل لحل سياسي شامل للأزمة السودانية في 6 يوليو 2024م، إلا أن المؤتمر للأسف فشل ولم يوقف الحرب أو الخلاف السياسي بين القوى السياسية المدنية المشاركة.
جنوب السودان
أهم المؤثرات هي تصدير النفط عبر السودان، ولذلك تعتبر دولة جنوب السودان الأكثر تأثرًا بالصراع في السودان، فالشريان الرئيسي لاقتصاد دولة جنوب السودان هو خط الأنابيب الذي ينقل النفط إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر، فالنفط يشكل 90% من إيرادات وصادرات جنوب السودان.
إضافة لذلك، هناك عدد كبير من مواطني دولة الجنوب لا يزالون يقيمون في السودان.
أدت هذه التفاعلات إلى تأثيرات سياسية واقتصادية وأمنية سلبية كبيرة في دولة جنوب السودان وإلى تدهور العلاقات بين البلدين وتوقف مجهودات الرئيس سلفاكير في وساطته بين الطرفين بعد المذبحة التي تعرض لها بعض أبناء الجنوب في ولاية الجزيرة.
إثيوبيا
أهم المؤثرات هي مياه النيل الأزرق وسد النهضة والخلاف حول ترسيم الحدود ووجود عدد كبير من قبيلة التقراي في السودان.
وقد أبدى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تعاطفًا مع السودان خلال الحرب، فأجل ديونًا إثيوبية سابقة على السودان ترتبت عليه بسبب إمدادات الكهرباء، كما ساهم بدعم إنساني للسودان بقيمة 15 مليون دولار مؤخرًا وحاول التدخل والتوسط بين طرفي الحرب ولكن لم تنجح هذه الوساطة.
إريتريا
أهم المؤثرات هي تدريب وتسليح عدد من المليشيات السودانية داخل الأراضي الإريترية خلال هذه الحرب ثم مشاركتها في الحرب إلى جانب الجيش.
تشاد
أهم المؤثرات هي تداخل عدد من القبائل، وأبرزها قبلية الزغاوة وتأثير ذلك على العلاقات بين البلدين، فالزغاوة من أكبر القبائل في تشاد، وكانوا في تحالف مع النظام السوداني السابق ثم شكلوا معارضة قوية له، وحاليًا يشكلون ثلاثة فصائل داعمة للجيش.
وتخشى حكومات البلدين دائمًا من احتمال أن يجد مقاتلو هذه القبيلة الدعم والمساندة من الحكومة الأخرى مما يهدد الاستقرار في كلا البلدين.
إفريقيا الوسطى
أهم المؤثرات هي الثروات المعدنية في إفريقيا الوسطى ووجود فاغنر الروسية وعدم الاستقرار الذي يميز هذه الدولة.
واستضافت إفريقيا الوسطى عددًا من اللاجئين السودانيين بعد الحرب قدر بحوالي 40 ألف، وشاركت حكومة إفريقيا الوسطى في مؤتمر القمة الذي نظمته مصر لدول الجوار السوداني في 13 يونيو 2022م.
ليبيا
أهم المؤثرات هي الوضع الأمني المعقد في ليبيا وانقسام السلطة بين حكومتين.
لم يرصد لليبيا أي دور بارز في جهود الوساطة لإنهاء الحرب في السودان غير مشاركة رئيس المجلس الرئاسي الليبي في مؤتمر القمة الذي نظمته مصر لدول جوار السودان في 13 يوليو 2023م.
جهود الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا محايدًا من الحرب في السودان منذ اندلاعها وأعلن عن عدة عقوبات لقادة الجيش السوداني والدعم السريع معتقدًا أنها وسيلة فعالة لوقف الحرب، كما حث طرفي الحرب على الجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى حل سلمي للصراع.
وجاء في تقرير للمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن أن أحد الخيارات المتاحة لحل الأزمة السودانية هو نشر مراقبين عسكريين أفارقة مدعومين من الأمم المتحدة للعمل على وقف إطلاق النار، كما أوصت لجنة كونها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن الأوضاع في السودان بتدخل دولي لحماية المدنيين.
ويتضح أن الموقف الأوروبي والأمريكي في تعامله مع الأزمة السودانية بصورة عامة يخشى من توسع الدور الروسي في السودان فضلًا عن الخشية كذلك من من موجات هجرة سودانية ودول القرن إلى أوروبا بسبب الحرب، و من الأمور التي يضعها في اعتباره الأمريكيون والأوروبيون في التعامل مع الأزمة السودانية هو تداعيات الأزمة على الحركة التجارية في البحر الأحمر، وإذا أخذنا ألمانيا كمثال لإحدى الدول الأوروبية المؤثرة وتفاعلها مع الأزمة السودانية نجد أنها قد تبنت سياسة متناسقة مع دور الاتحاد الأوروبي فدعت لوقف إطلاق النار وحث طرفي الصراع للاستجابة للدعوات السياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على وضع حلول للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل السودان، كما دعمت الجهود الإقليمية لأنهاء الصراع في السودان لاسيما جهود الهيئة الحكومية (إيقاد) والاتحاد الإفريقي وزيادة الضغط على طرفي الصراع للموافقة على إجراء مفاوضات جادة بغرض وقف إطلاق النار، يتضح ذلك من زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس في الرابع من مايو 2023م، إلى إثيوبيا وكينيا والتي ذكر فيها في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الكيني في نيروبي (أن خطر توسع الصراع في السودان كبير وعلينا جميعًا أن نبذل ما بوسعنا لحس الطرفين العسكريين على وقف إطلاق النار وفتح كل السبل أمام الانتقال السلمي لحكومة مدنية بأسرع وقت ممكن بما يمكن اللاجئين من العودة للبلاد وأضاف أن الصراع بين الجيش والدعم السريع يستمر على حساب المدنيين ويتسبب في دمار هائل للبلاد وشدد على ضرورة نجاح العملية الانتقالية لحكومة مدنية مضيفًا أنه من الجيد أن الاتحاد الإفريقي يلعب دور الوسيط الأساسي منذ بداية الصراع وأن دور ألمانيا والاتحاد الأوروبي بشكل عام هو داعم للإتحاد الإفريقي.
مبادرة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية
بذلت المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة جهودًا هائلة لجمع ممثلين عن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في جدة وقد بدأت تنظيم منبر جدة في أوائل مايو 2023م، بإجراء محادثات لوقف إطلاق النار، وفي 11 من نفس الشهر مايو وقع طرفا الحرب على إعلان الالتزام بحماية المدنيين في السودان، ثم أعاد الطرفان تأكيد إلتزام الأطراف المتحاربة بالقانون الإنساني الدولي بعد تسعة أيام أخرى، كما وقع الطرفان اتفاقًا آخر بشأن وقف إطلاق النار قصير المدى والترتيبات الإنسانية، إلا أنه تم انتهاك كل من الاتفاقيتين بعد أيام من توقيعها، وبالرغم من ذلك ظل منبر جدة هو حجر الزاوية في النهج الدبلوماسي السعودي والأمريكي إلى أن انهارت آخر محاولة لإحياء المحادثات هناك في مايو 2024م.
وبالرغم من ذلك كان منبر جدة هو أهم محاولة لوقف الحرب، ويحدو معظم السودانيين أمل في إعادة الطرفين للتفاوض مرة أخرى من منبر جدة.
وتعتبر المملكة العربية السعودية الدولة الأولى عربيًا في استثماراتها في السودان، باستثمار يقدر بحوالي 15 مليار دولار، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين قبل الحرب حوالي 8 مليارات دولار، وتربطها علاقات ممتازة مع طرفي الصراع فكلاهما شارك بقوات في التحالف الذي قادته المملكة في اليمن.
وفي 23 يوليو 2024م، قدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعوة علنية إلى طرفي الحرب لإجراء محادثات في سويسرا في 14 أغسطس 2024م، للتوصل إلى وقف الحرب، إلا أن القوات المسلحة السودانية رفضت الدعوة، على الرغم من أن قوات الدعم السريع وافقت على المشاركة.
انتقد السيد بايتون كنوف، وهو خبير أمريكي في القرن الإفريقي، سياسة الولايات المتحدة التي اتبعتها لوقف الحرب في السودان منذ الانقلاب العسكري على الحكم المدني وذكر أنه نتيجةً هذه السياسة الخاطئة فشلت كل الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في السودان منذ أبريل 2024 م، وذلك للأسباب التالية:
اولاً: السعي وراء اتفاق وقف إطلاق النار بأي تكلفة مع العسكريين على حساب إنشاء صيغة سياسية تحدد كيفية إدارة الحكم السياسي وإصلاح قطاع الأمن باعتبارهما الهدف الأساسي للتدخل الدبلوماسي، مما أدى لمزيد من العنف وعسكرة السياسة السودانية.
ثانيًا: إصرار كبار المسؤولين الأمريكان على شرط وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، لتوصيل المساعدات، وذلك يناقض التجارب السابقة في السودان وفي مناطق نزاعات أخرى، حيث تم التفاوض على وصول المساعدات الإنسانية مع الأطراف المتحاربة على الأرض بغض النظر عن اتفاقات وقف إطلاق النار الأوسع.
ثالثًا: خطأ تقويض جهود المدنيين السودانيين لبناء إجماع حول حكومة شرعية تحظى بتأييد شعبي داخلي وخارجي، فمنذ ثورة ديسمبر 2019م، عملت الولايات المتحدة وشركاؤها بشكل مستمر على ذلك مما أدى إلى تعاظم نفوذ القوات المسلحة والدعم السريع في إدارة البلاد وتنفيذ رؤيتهما.
رابعًا: عدم تمسك الولايات المتحدة لشروطها للتفاهم مع قادة انقلاب2021م، وفشل
قبولهم رسالتها أن فكرة استمرار هيمنت الانقلابيين على السلطة السياسية لن يكون مقبولًا دولياً.
خامسًا: ومع ذلك وخلال أربعة أيام فقط تراجعت الولايات المتحدة عن شروطها الخاصة قبل أن تتلقى أي رد أو خطوات لبناء الثقة من جانب البرهان أو حميدي وفي 4 نوفمبر أجرى وزير الخارجية أنتوني بلينكن اتصالًا بالبرهان ممهدًا الطريق لنهج يقوم على التعامل غير المشروط مع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهذا الأمر أدّى إلى الخطأ الخامس وهو الموافقة على اتفاق 21 نوفمبر 2021م، الذي منح القوات المسلحة والدعم السريع اليد الأعلى والأولوية السياسية.
سادسًا: وكانت نتيجة ذلك التنافس بين القائدين البرهان وحميدتي ثم بينهما والمدنيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء قبل وبعد 15 أبريل 2023م، للحصول على الشرعية الدولية.
محاولات الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد لوقف الحرب في السودان
آلية الاتحاد الإفريقي لحل النزاعات في إفريقيا
اعتمد الاتحاد الإفريقي على ذراعه مجلس السلم والأمن الإفريقي في حل النزاعات الإفريقية والذي اعتمد بدوره على ثلاث وسائل للتدخل لحل المنازعات هي:
- عمليات حفظ السلام.
- الوساطة.
- الدبلوماسية.
وتقاس فاعلية هذه الوسائل بمدى تمكنها من تخفيض شدة النزاع أو حله نهائيًا.
منذ عام 2014م، بدأ الاتحاد الإفريقي المشاركة مع الجماعات الاقتصادية الإفريقية في (غرب وجنوب وشرق ووسط إفريقيا) في اعتماد مبادرة (إسكات البنادق)، وبحلول عام 2020 تم تبنيها بشكل كامل، ووضعت (خارطة طريق) لها تمثلت في خمسة أهداف ومؤشرات استراتيجية هي:
- منع الصراع.
- إدارة الأزمات.
- إعادة الإعمار بعد النزاع.
- قضايا الأمن الإستراتيجي.
- التنسيق والشراكات.
في تقيمنا العام لأداء آلية الاتحاد الإفريقي لمنع النزاعات نجد أنها تتأرجح بين الفشل والنجاح النسبي ولكن في الغالبية العظمى كانت محاولاتها فاشلة، فمثلًا امتنعت الآلية عن التدخل في 33 نزاع عنيف في القارة الإفريقية عام 2013م. كما امتنعت عن التدخل في 38 نزاع في 2016م. وبين عامي 2015 و 2016م، تم إبرام 15 اتفاقية سلام بقيادة الاتحاد الإفريقي والمنظمات الاقتصادية الفرعية منها 7 اتفاقيات تعتبر ناجحة نسبيًا مثل اتفاقية السلام والمصالحة في مالي 2015م، واتفاقية السلام في السودان 2015،واتفاقية الحوار بين الساسة الغانيين 2015م، كما نجحت في إبرام بعض الاتفاقيات في 2017 م، مثل اتفاقية غامبيا بقيادة (الإكواس) ، وفي 2018م، قام الاتحاد الإفريقي بالتدخل عن طريق حفظ السلام في 6 حالات والوساطة في 14 حالة ، وعن طريق الدبلوماسية في 31 حالة تدخل، وفقًا لتقارير معهد دراسات السلام والأمن في أديس أبابا.
جهود الاتحاد الإفريقي و (الإيقاد) لنزع فتيل الأزمة في السودان:
منذ إندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 م، قامت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد ) بعدة جهود لوقف النزاع فعقدت المنظمة قممًا على مستوى رؤساء الدول الأعضاء وقدمت خارطة طريق لحل الأزمة تبناها الاتحاد الإفريقي فيما بعد، كما دعت (الإيقاد) إلى توحيد الجهود الدولية والإقليمية تحت قيادتها بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي، وعلى الرغم من تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي في 27 أكتوبر 2021 م، بعد الانقلاب العسكري على الحكومة المدنية، إلا أن الاتحاد ظل منخرطًا في جهود إنهاء الأزمة السودانية وفي مايو2023م، تبنى الاتحاد خطة (منظمة الإيقاد) لحل النزاع في السودان والتي كانت من ستة نقاط أساسية تشمل:
- وقف إطلاق النار الدائم.
- تحويل الخرطوم العاصمة إلى منطقة منزوعة السلاح.
- تجميع القوات المتحاربة بعيدًا عن المدن.
- نشر قوات إفريقية لحماية المؤسسات الاستراتيجية.
- معالجة الأزمة الإنسانية.
- بدء عملية سياسية شاملة لتسوية النزاع.
وكانت منظمة الإيقاد قد شكلت لجنة رباعية في يونيو 2023م، من رؤساء أربع دول إفريقية وكلفت كينيا برئاستها وعضوية إثيوبيا وجنوب السودان وجيبوتي للتواصل مع قائد الجيش السوداني وقائد قوات الدعم السريع بهدف الوقف الفوري لإطلاق النار دون شروط ، إلا أن اللجنة فشلت في مهمتها لاعتراض قائد الجيش السوداني على رئاسة كينيا لهذه اللجنة وتم حلها في ختام القمة الاستثنائية في جيبوتي بتاريخ 10 ديسمبر 2023م.
كما أصدر الأمين العام للاتحاد الإفريقي السيد موسى فكي في اختتام الاجتماع رقم 1185 لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي قرارًا بتعيين لجنة رفيعة المستوى للتوسط في الصراع السوداني برئاسة الدكتور محمد بن شمباس رئيسًا، والدكتور سبيسيوسا كازيبوي عضواً، والسفير فرانسيسكو ماديرا عضوًا.
كُلَّف هذا الفريق بالعمل مع جميع أصحاب المصلحة من القوى المدنية والعسكرية والجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية لضمان عملية سلام شاملة وسريعة للسلام في السودان. ونظمت هذه الآلية رفيعة المستوى مؤتمرًا في أديس أبابا في الفترة من 10 إلى 15 يوليو 2024م، برعاية الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد وقد أعلن أن المؤتمر يهدف إلى تمهيد الطريق لعقد مؤتمر شامل لإنهاء الحرب، وبدأ عملية سياسية لإرساء أسس فترة انتقالية تقود إلى استعادة الحكم الديمقراطي في البلاد، وقد حضر الاجتماعات كل عضوية الآلية الموسعة لحل الأزمة في السودان والتي تضم 28 عضوًا تشمل مفوضية الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية المعنية بالتنمية (الإيقاد) والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي وسفراء الدول تحت مظلة الآلية الموسعة بما فيها الإفريقية والعربية والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والصين وروسيا وعدد من الدول الأوروبية تشمل بريطانيا والنرويج وفرنسا وألمانيا.
وهكذا يتضح أنه بالرغم من المحاولات والجهود الكبيرة المبذولة من الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد ودول جوار السودان ودول الإقليم والمبادرة السعودية الأمريكية في منبر جدة إلا أنه لم تستطع كل هذه الجهود إيقاف هذه الحرب الكارثية في السودان حتى الآن.
خاتمة:
1/ تعقدت الأزمة واستطالت الحرب قرابة العامين حتى الآن ومن المحتمل أن يطول أمدها لمدة طويلة وهناك من المبررات والأسباب التي تشير إلى صعوبة إيقافها خاصة وأن قادة الجيش وحلفاءهم الإسلاميين يضعون الشروط والعراقيل لمنع إيقافها ويرفضون الحوار والتفاوض مع قادة الدعم السريع والمدنيين، كذلك تعقد وتشابك مصالح الأطراف الداخلية المتحالفة مع الطرفين إضافة إلى التدخل السلبي للأطراف الخارجية كل ذلك يؤدي لصعوبة إيقاف الحرب في الأمد القريب.
2/ ذكرنا مصالح دول الجوار المباشرفي الحرب وبعض الدول الإقليمية والدول الكبرى وبعض الدول الأوروبية و ذكرنا الأخطاء الأساسية في سياسة الولايات المتحدة تجاه الأزمة في السودان والتي أدت إلى استطالتها بجانب أسباب أخرى مثل تزامن الحرب في السودان مع الحرب في أوكرانيا وغزة وتوتر الوضع في بحر الصين الجنوبي و احتمال امتلاك روسيا قاعدة عسكرية بحرية في السودان والخوف من أن تفتح هذه الحرب جبهة جديدة ضد أوروبا والغرب لصالح روسيا وتدفع موجات الهجرة من السودان ودول القرن الإفريقي إلى أوروبا وبالرغم من أن كل تلك الاحتمالات تمثل مصدر قلق لكنها لا تمثل الأولوية لدى أوروبا والولايات المتحدة لإيقاف الحرب في السودان في الوقت الحاضر.
3/ يقول بعض المحللين إلى أن تعقد الأمر والتنافس الدولي على توسع النفوذ في السودان يعوق جهود إيقاف الحرب ويصبح هذا التنافس أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها لذلك تفضل بعض دول الجواروالقوى الإقليمية والدولية استمرار الحرب على إيقافها، وتوصل كثير من المحللين إلى أن توقف الحرب وعودة الاستقرار للسودان غير مرجح حاليًا أو حتى على المدى المتوسط والاحتمال الأكبر أن يطول أمد الحرب وأن تتوسع وتؤدي إلى زعزعة استقرار الإقليم بكامله.
4/ وفي الختام نرى أنه لا سبيل إلى إيقاف الحرب نهائيًا وعودة الاستقرار للسودان إلا بوضع خارطة طريق دولية تحوز على موافقة معظم الدول الكبرى ودول الجوار المباشر والإقليم وأن يكون تنفيذها قسريًا على الطرفين المتحاربين، ولابد أن تحوي خارطة الطريق هذه مبادئ أساسية تضع كوابح لطموحات طرفي الحرب وتنزع عنهما مفهوم احتكار استخدام العنف لتولي السلطة السياسية، وعدم شرعية أو الاعتراف الإقليمي أو الدولي بأي طرف لتولي هذه السلطة دون الحصول على موافقة الشعب السوداني، وعدم شرعية تولي قادة طرفي الحرب لمناصب في الحكومة الانتقالية المستقبلية ،بل النص على توجيه الاتهامات لهم عن مسؤوليتهم عن هذه الحرب ونتائجها وعرقلة جهود إيقافها، وهكذا يعلم الطرفان أن استمرار الحرب لن يحقق أهدافهما، كذلك نرى من النقاط التي لابد من وضعها في خارطة الطريق هذه فرض حظر على الطيران في كل السودان وإغلاق كافة الحدود وحظر تحرك قادة ومسؤولي الطرفين، والنص صراحةً على حظر التعامل مع السودان حتى تتوقف الحرب، باستثناء المجال الإنساني والإغاثي مع العمل على التدخل العسكري القسري لحماية المدنيين بتحالف إفريقي وبقيادة قوة الاحتياطي الإفريقية (ASF) وقوات إضافية من الدول الإفريقية والعربية الأخرى، وتمويل هذه القوات من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي إضافة للدول العربية والأوروبية، وتعاون في بعض المجالات الفنية مع ( الناتو ) مثل الطيران ومراقبة طرفي النزاع بالأقمار الصناعية، وبذلك يمكن تحقيق الظروف اللازمة لإنهاء الحرب وتوقيع اتفاق وقف إطلاق نار وسلام مستدام وربط كل ذلك بتولي المدنيين زمام الأمر في الفترة الانتقالية حتى قيام انتخابات تشريعية وحكم ديمقراطي ورقابة تشريعية كاملة، وفي هذا يذكر أحد المحللين أن الإصرار على وقف إطلاق النار دون وجود صيغة اتفاق سياسي (أو خارطة طريق ) يشبه إجراء انتخابات بدون دستور أو وثيقة دستورية.
