حل المأزق بتفكيك صراع السلطة والثروة وبناء دولة تستوعب التعددية بالعدل والمساواة

Smoke,Plumes,In,The,Sky,Of,Khartoum,Due,To,Clashes

Smoke plumes in the sky of Khartoum due to clashes between the Sudanese army and the Rapid Support Forces

Getting your Trinity Audio player ready...

د. إدريس جميل

باحث في العلاقات الدولية ـــ لندن


للحقائق الجغرافية والديموغرافية وتفاعلاتها في أيّ منطقة أثر كبير في التطوّرات التاريخية، أنماط الحياة السياسية والاجتماعية، وحالة الأمن والاستقرار كما تساعد في تتبع مجريات الأحداث والدوافع التي تقف وراءها، وتُسهِم في فهم وتفسير الطبائع والسلوكيات المتحكمة في الشعوب التي تقطن تلك البقعة، وأسباب صراعاتها الداخلية ومع دول الجوار وتنافس إرادات القوى الدولية والإقليمية عليها.

هناك ثلاثة تعريفات لمنطقة القرن الإفريقي: الأول جغرافي ويُقصد به ذلك الجزء الظاهر من اليابس على شكل قرنٍ يفصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، والثاني سياسي ويشمل: الصومال وإثيوبيا وجيبوتي وإرتريا والسودان كوحداتٍ سياسية قائمة في رقعة جغرافية متصلة، أما الثالث فاستراتيجي؛ حيث تمتد دائرة التأثّر والتأثير للمنطقة إلى منطقة البحيرات العظمى وجنوب شبه الجزيرة العربية ومصر وليبيا، وذلك بحكم التواصل الجغرافي والتداخل   الثقافي والسكاني.

من تعدد التعريفات أعلاه؛ فإنّ دلالات التأثُّر والتأثير سلماً وحرباً تتعدى الحدود الجغرافية والسياسية، ويتبدّى ذلك بشكل أكثر وضوحاً في حالة السودان، كونه يُحادد سبع دول في المنطقة مع امتدادات اجتماعية وحدود طويلة يصعب السيطرة عليها؛ بعبارة أخرى فإن السودان متصلٌ بشرق وغرب وشمال ووسط القارة الإفريقية، فضلاً عن شبه الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر؛ فلا ريب أن تلقي تطوّرات وتعقيدات الأحداث الأخيرة في السودان بآثارها السلبية على تلك الفضاءات.

وبالعودة إلى تاريخ  الصراعات الداخلية في السودان وفي دول القرن الإفريقي  بشكلٍ عام، فإنّ هذه المنطقة تعاني من صراعات داخلية منذ زمن طويل؛ ويُعزى ذلك إلى عوامل  عدة منها: أزمة بناء الدولة الوطنية، إشكالية توزيع الثروة والسلطة بالعدالة، طبيعة الأنظمة الاستبدادية التي حكمت وتحكم دول المنطقة؛ وتكمن إشكاليتها في الطريقة التي تصل بها إلى السلطة، ومن ثم تفرض سيطرة جماعة بعينها على الحكم مع تهميش الآخرين الأمر الذي ينتج عنه  حالة من العنف والعنف المضاد؛ يتمظهر في  أشكال  متعددة: انقلابات عسكرية، صراعات إثنية، صراع على الموارد، ظاهرة  نزعات انفصالية  لبعض الأقاليم.

ومن عناصر الصراع الأخرى في المنطقة؛ قضايا مرتبطة بترسيم الحدود بين الدول، التدهور البيئي وزيادة رقعة التصحر والنزاع حول مياه النيل بين دول المنبع والمصب، رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر بأي طريقة، ظاهرة القرصنة، الجماعات المتطرفة، تنافس القوى الدولية والإقليمية عبر التاريخ للسيطرة على المنطقة؛ هذه الأمور وغيرها مجتمعة أدّت وتؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي.

نال السودان النصيب الأكبر من تلك الصراعات خلال العقود الستة الماضية، إلّا أنّ النزاعات السابقة كانت تدور رحاها في الأقاليم التي تعتبر نفسها مهمشة من قبل السلطة المركزية الحاكمة في الخرطوم مثل جنوب السودان قبل انفصاله عام 2011م، وإقليم دار فور، جبال النوبة، وشرق السودان، إلاّ أنّ الحرب الأخيرة بدأت من المركز (العاصمة الخرطوم) وامتدت إلى مناطق أخرى، ولم تتوقف عند مواجهة طرفي الصراع بل تحولت إلى حرب شاملة، تستهدف جميع جوانب الحياة؛ من تدمير للبنية الاقتصادية والاجتماعية إلخ….

 على العموم في الشهور الأولى من الحرب كانت الأمور تبدو كأنّها تميل لصالح قوات الدعم السريع؛ حيث بسطت سيطرتها على معظم أرجاء العاصمة وولايتي الجزيرة وسنار وأجزاء واسعة من غرب السودان.  ويعود ذلك إلى قوتها الذاتية المتمثلة في القوى البشرية والمادية، توفر السلاح والخبرة في حرب المدن، استخدام عنصر المباغتة وكثافة النيران، طبيعة تكتيكاتها الهجومية وإعادة انتشارها، معرفتها بخصمها والاستثمار الجيد في نقاط ضعفه داخلياً وخارجياً، بالإضافة إلى أمورٍ أُخرى مسكوت عنها مثل الدعم الخارجي السخي ووجود حاضنة سياسية داخلية؛ هذه العناصر وغيرها مجتمعة مكّنت قوات الدعم السريع من التقدم في الميدان والسيطرة على المناطق التي سبق الإشارة إليها والضغط على الأقاليم الأخرى.

وفي الوقت نفسه ظلّت استراتيجية العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع تعاني من أخطاء قاتلة أبرزها تقليلها من قدرة القوات المسلحة السودانية، الاستهداف المباشر للمدنيين وممتلكاتهم الأمر أظهرها كقوة تفكيكية وتدميرية ، ما أشعر عامة الناس بأن الحرب الدائرة هي صراع وجود للسودان كدولة و صراع طرفين على السلطة، وبين الأمرين فرق كبير. ومن هذا المنطلق بدأ الناس يصطفون خلف الجيش النظامي، ما نتج عنه ظهور كتائب وتشكيلات عسكرية  داعمة؛ مكّنت الجيش من تنظيم صفوفه واستعادة زمام المبادرة العسكرية بعد امتصاصه الصدمة الأولى إضافة إلى ذلك يُعتقد أنّ الجيش السوداني تمكّن من الحصول على تجهيزات عسكرية  متنوعة، ونتيجة  لهذه العوامل وغيرها بدأت  موازين  القوى تميل إلى الجيش والقوات المتحالفة معه، فبدأ الجيش وحلفاؤه  بشن هجوم من عدة محاور على مواقع الدعم السريع، وخلال  فترة وجيزة   استطاع الجيش والتشكيلات المساندة له تحقيق انتصارات عسكرية حاسمة في ولايتي سنّار والجزيرة  وتقدَّم باطرادٍ  في العاصمة  ومناطق أخرى .

وعلى الرغم من هذه التّغيُّرات العملياتية السريعة لصالح الجيش، فإنّ الحرب لم تحسم بعد؛ لأنّ الطرف الآخر ما يزال يملك بعض عوامل القوة التي قد تقلب الموازين في أيّ لحظة؛ ومنها: خبرات متراكمة تُمكِّنه من مواجهة الخصم وإدارة حرب طويلة ضده، توفر الموارد المالية والتجهيزات العسكرية الكبيرة، لذلك حتى لو هزم في العاصمة الخرطوم قد ينقل مركز عملياته العسكرية إلى إقليم دارفور (غرب السودان) ومن هناك يوجه ضربات عسكرية مركّزة على الجيش، أو عبر تشكيلات سرية في الإقليم والمدن الأخرى. 

ويبدو أن قوات الدعم السريع تتبنى استراتيجية تدمير المؤسسات الخدمية؛ حتى يضغط المواطنون على الجيش للتفاوض معها حال عجزه عن حمايتهم. ومن هذا المنطلق   استهدفت محطات الطاقة الكهربائية في مروي ونقلا (شمال السودان)، شمال أم درمان،  الشواك (شرق السودان)، خزان سنار (جنوب شرق السودان)،  ومصفاة الخرطوم للنفط المعروفة بمصفاة  الجيلي (شمال الخرطوم) وغيرها، فضلاً عن إطالة  أمد  الحرب حتى  يعيد الدعم السريع  تنظيم صفوفه بعد هزائمه الأخيرة  المتتالية، والتركيز  على غرب السودان  والحدود  الرابطة بدول الجوار  للاستفادة  مرة أخرى  من الامتدادات  الاجتماعية  التي  قد ترفده  بالقوى البشرية  المطلوبة، فيما يبدو أن  المؤسسة  العسكرية السودانية  مُدركة لتلك الثغرة وتسعى  لتحييدها، وضمن  هذا السياق أتت زيارة الفريق أول شمس الدين الكباشي، نائب القائد العام للجيش السوداني وعضو مجلس السيادة في يونيو الماضي  إلى كل من مالي والنيجر، وزيارة البرهان الأخيرة  لدول الساحل الإفريقي.

وعلى الرغم من تحوّل موازين القوى لصالح الجيش طبقاً لتغيّرات الواقع على أرض المعركة؛ فإنّ الانتصار السريع والحاسم لأحد الطرفين لن يكون سهلاً؛ وذلك لتداخل التعقيدات الدولية والتشابكات الإقليمية في المسألة، ومثله على المستوى المحلي؛ فالمعركة لم تبق في الإطار السياسي، بل دخلت عليها أبعاد اجتماعية معقدة وتعزّزت أكثر بتصرفات قوات الدعم السريع مع المدنيين في المناطق التي سيطرت عليها، فضلاً عن تبني طرفي الصراع المعادلة الصفرية لحسم الصراع عسكرياً دون الالتفات إلى الحلول السياسية. والمتتبع لتطورات الأحداث في السودان عبر تاريخه يجد أنّ هذه المعادلة صعبة الحصول، ومن ثمّ تبدو الأمور متجهة نحو احتمالات عدة:

  • أن ينتصر أحد الطرفين ويسيطر على الوضع.
  • أن يصل الطرفان إلى توازن الضعف (التوازن السلبي) فيجنحان إلى السلم.
  • أن يحكِم كل منهما مناطق سيطرته مثل؛ الحالة الليبية، والسورية سابقاً.
  • أن تنزلق الأمور إلى حروب أهلية وعرقية واسعة النطاق.

بناء على ما سبق فإنّ هذه الحرب سيترتب عليها داخلياً؛ إرساء مفهوم حل الأزمات والخلافات بالقوة  لا بالحوارات السلمية في المنطقة بشكلٍ عام  وفي  السودان على وجه الخصوص، كما أنّ انطلاق هذه الحرب من مركز السودان (العاصمة) خلافاً للحروب الأهلية السابقة التي دارت في السودان منذ عام 1955م، وتحولها  إلى  حربٍ شاملة طالت جوانب الحياة  المختلفة وأدّت إلى  قتل  وجرح آلاف  المدنيين  ونزوح يقدر بنحو 10.7 ملايين شخص، منهم 9 ملايين داخل البلاد، بينما فرَّ 1.7 مليون إلى دول الجوار وفق المنظمة  الدولية  للهجرة، علاوة على تدمير البنية الاقتصادية والنسيج الاجتماعي وتعطيل التحول الديمقراطي  والاستقرار السياسي  في البلاد  إلخ….هذه الأمور وغيرها مجتمعة سيكون لها آثار سلبية بعيدة المدى  على السودان .

إقليمياً ستلقي حرب السودان بظلالٍ سالبة على استقرار المنطقة، خصوصاً في دول الجوار السبع (إثيوبيا، إرتريا، مصر، ليبيا، تشاد، جنوب السودان، وإفريقيا الوسطى)؛ حيث لحق بها الضرر جراء تراجع أنشطتها التجارية مع السودان، وما تزال تعاني من تدفقات اللاجئين التي تسببت لها في ضغوطات اقتصادية واجتماعية. علماً أن بعض تلك الدول يعاني من صراعات داخلية وعدم استقرار سياسي، كإثيوبيا على سبيل المثال لا الحصر؛ التي لم تتعاف من الحرب المدمرة التي نشبت عام 2020م، بين الحكومة الفيدرالية وإقليم التيغراي، وكذلك جمهورية جنوب السودان التي تعاني من صراعات داخلية عميقة، والصومال الذي يعاني منذ أكثر من ثلاثة عقود، ومثلهم ليبيا، إضافة إلى التحديات البيئية التي تتعرّض لها المنطقة وأسفرت عن مجاعات وأزمات إنسانية متواصلة.

كل هذه الأمور وغيرها  مجتمعة  تعتبر عناصر تهديد لأمن منطقة القرن الإفريقي  والبحر الأحمر، ومن هذه المخاطر تزايد موجات اللجوء من مناطق القتال، تنامي ظاهرة  القرصنة ،  انتعاش  تجارة  السلاح، انتشار  الجريمة المنظمة مثل تهريب  البشر وغسيل الأموال وتجارة  المخدرات  إلخ—، وتفاقم نشاطات  الجماعات المتطرفة  بسبب  التراخي  الأمني،  الأمر الذي سيعزّز   من تدهور الأوضاع الأمنية أكثر مما هي عليه في الإقليم، كما أنّ ضعف  السودان سيؤدي  إلى تفاقم الصراع  المصري- الإثيوبي فيما يتعلق بأزمة سد النهضة والأمور ذات الصلة  بالمياه، لأنّ الدولة  السودانية كانت القوى الموازنة بينهما  بحكم علاقاتها الجيّدة بالدولتين. ومن المخاطر الأخرى تدخل قوى دولية وإقليمية   لتصفية إراداتها المتصارعة في هذه المنطقة الاستراتيجية 

تدخلات القوى الخارجية في السودان

ما سبق مناقشته أعلاه كان تطوّرات الأحداث في الميدان بين الأطراف المتحاربة في السودان وانعكاساتها على المنطقة. والسؤال هنا؛ ما دور القوى الدولية والإقليمية في هذا الصراع سلباً أو إيجابًا؟ .

 و قبل الإجابة عنه لا بُدّ من الإشارة للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها منطقة القرن  الإفريقي للقوى الدولية والإقليمية، بسبب تصنيفها ضمن المناطق الموسومة بالجيوب الاستراتيجية، وذلك لسيطرتها من الشرق على البحر الأحمر، ومن الجنوب الشرقي على المحيط الهندي، و إشرافها على خليج عدن، وسيطرتها على النيل الأزرق ومنابعه، وعلى مضيق باب المندب الذي يربط  ثلاث قارات ( آسيا، إفريقيا، أوروبا)  بأقصر طرق الملاحة للتجارة الدولية وللتحركات العسكرية وقطعها البحرية من مراكزها الأصلية  ومناطق انتشارها في أجزاء مختلفة  من العالم . والقرب المكافئ من مناطق إنتاج البترول وطرق ملاحتها إلى الدول الصناعية، إضافة إلى وفرة الموارد الطبيعية فيها، كما تعتبر المنطقة سوقاً اقتصاديًا واعدة لكثافة سكانها، مع وجود موانئ كثيرة فيها؛ يمكن النفاذ عبرها إلى الأسواق الدولية الكبرى. ومن ناحية أخرى، تقع هذه المنطقة في الحدّ الفاصل بين الحزام المسيحي والإسلامي الذي يمتد من شرق إفريقيا مروراً بمنطقة القرن الإفريقي وانتهاء بأواسط السودان وتشاد، علاوة عن قربها من قلب العالم الإسلامي ومقدساته مثل الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى. إلخ- 

ولتلك الاعتبارات، الاستراتيجية، السياسية، الأمنية، العسكرية، الاقتصادية، الحضارية، وقعت منطقة القرن الإفريقي من قديم الزمان ضمن تجاذبات القوى الدولية والإقليمية، وتعيش في الوقت الحالي تحت ضغط نفوذ القوى الكبرى المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين والنفوذ الصيني الصاعد وحلفائه الروس وغيرهم، وتنافس إرادات القوى الإقليمية الساعية لإيجاد موطئ قدم لها في هذه المنطقة الحيوية. وإنّ السودان في تلك الخارطة  أكثر جاذبية  للقوى الدولية والإقليمية  لما يتمتع به  من موارد طبيعية وموقع استراتيجي لذلك فالصراع الأخير في السودان  فتح  الباب على مصراعيه  لتنافس القوى الدولية والإقليمية عليه، ومن هذا المنطلق بدأت بعض الدول  بتغذية الصراع  فيه من خلال دعم الأطراف المتحاربة  بأساليب مرئية وغير مرئية مثل التزويد بالأسلحة الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي… إلخ، وقد تخلفت أهداف  الداعمين  فمنهم  من يسعى  للاستفادة من الموارد  الطبيعية  والموقع الاستراتيجي،  ومنهم من يسعى لإضعاف السودان حتى لا يكون عائقاً أمام استراتيجياتهم المرسومة للمنطقة، فيما ترى قوى  أخرى  أن بقاء السودان  موحداً  من  صلب أمنها القومي، و أخرى  تنطلق  من اعتبار منطقة القرن الإفريقي  والبحر الأحمر  بضفتيه  ضمن مناطق صراع  النفوذ للقوى العظمى لاتصالها بالبحار المفتوحة مثل مناطق الأورو – الأطلنطية والهندو- الهادي. وهي المناطق المرشحة لتكون المسرح الأساسي للصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من ناحية والصين والروس وحلفائهما من ناحية أخرى. بالإضافة  إلى ذلك فإن ّ هذه المنطقة  تشكّل عمقاً استراتيجياً  أمنياً لأوروبا .كما  أصبحت القوى الغربية في الأونة الأخيرة تشعر بالقلق من تمدد روسيا وإيران في المنطقة؛ خاصة بعد تواصل الجيش  السوداني معهما من أجل الحصول على الأسلحة، وعلى مستوى القوى الإقليمية تشهد هذه  المنطقة تنافساً حاداً بين، إسرائيل، إيران، تركيا، ودول عربية لإيجاد موطئ قدم لها؛ ضمن  هذا المنظور  الاستراتيجي  الأوسع والمصالح التفصيلية  الأخرى  لكل دولة على حدة، يمكن  قراءة  مواقف القوى الدولية  و الإقليمية من الصراع الحالي  في السودان . ولربما يُعزى فشل مبادرات إيقاف الحرب في السودان من قبل منظمة إيغاد والاتحاد الإفريقي والمبادرة السعودية والأمريكية وغيرها إلى تلك التناقضات بين المواقف وتداخل الجهود الدبلوماسية والتنافس فيها.

بالنسبة لمواقف دول الجوار من الحرب السودانية، فإن معظمها تتسم بالغموض، وقد يعود ذلك إلى تبنيها مواقف حيادية في العلن، وقد يكون  لدعم البعض سراً لقوات الدعم السريع تحاشياً للوقوع في تناقضات عدم شرعيتها والابتعاد عن الفظائع الإنسانية التي ارتكبتها في المناطق التي سيطرت عليها مثل مدينة الجنينة (غرب السودان) وولاية الجزيرة (وسط السودان) إلخ—ودول أخرى أجّلت اختياراتها إلى أن ترى ميل موازين القوى لأحد الطرفين، خصوصاً أنّ هذه المسألة لم تحسم بعد، فكل ما في الأمر تحوّل عناصر القوة من طرف لآخر، ففي بداية الحرب كانت التطوّرات الميدانية لصالح الدعم السريع كما سبق الإشارة إليها، بينما الآن تميل لصالح الجيش؛ الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أمام جميع السيناريوهات. 

ومهما يكن  من أمر فإنّ مواقف  دول القرن  الإفريقي  والدول الأخرى المجاورة للسودان  غير متفقة  إزاء  الأزمة، وعلى الرغم من أنّ  مصر وإرتريا لم يعلنا رسميًا دعمهما  لأحد  طرفي الحرب إلاّ أنّ مواقفهما تبدو أقرب  إلى الجيش، فأسمرا تنظم تدريبات عسكرية لتشكيلات مساندة للجيش السوداني، بينما اتهم قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو الشهير بـ(حميدتي)  مصر  علانيةً بدعم  الجيش السوداني الأمر الذي نفته وزارة الخارجية  المصرية،  وبالمقابل تتهم  الحكومة السودانية دولة الإمارات العربية المتحدة  وجمهورية تشاد بدعم قوات  الدعم السريع، كما لم تكن في بداية الأزمة مرتاحة من بعض المواقف الكينية الرسمية كما  أشارت بعض المصادر الإعلامية،  وحينها رفضت حكومة السودان  رئاسة كينيا  للجنة الرباعية الخاصة المنبثقة من منظمة إيغاد لحل أزمة السودان، ولعل ذلك يعود إلى العلاقات السياسية والاقتصادية التي تربط الرئيس الكيني، وليام روت، بقائد الدعم السريع إلا أنّ الموقف الكيني بدأ يتغيّر، كما صرح   وزير خارجية السودان الذي زار نيروبي مؤخراً.

أمّا إثيوبيا  فلم تعلن موقفاً واضحاً بدعم  أحد الطرفين، إلا أنّ هناك  توتر غير مُعلن بينها و بين قيادة الجيش السوداني بسبب  تقارب  موقفه  مع مصر فيما يتعلق بملف سد النهضة، بالإضافة إلى شكوك الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بدعم السودان لقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إبان الحرب الأخيرة في إثيوبيا، وبالمقابل  فإنّ الحكومة السودانية أصبحت قلقة من موقف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من الصراع  الأخير في السودان، خاصة  عندما طالب في اجتماع الإيغال في العاشر من يوليو 2023م ، بحظرالطيران  والمدفعية الثقيلة، واعتباره السودان يعاني فراغاً في القيادة، بجانب دعمه اقتراح الرئيس الكيني الذي طالب بنشر قوات شرق إفريقيا العسكرية (إيصاف) في السودان لحماية المدنيين الأمر الذي رفضته الحكومة  السودانية، لكن بلغ غضب الحكومة السودانية من إثيوبيا ذروته عندما استقبلت قائد قوات الدعم  السريع والطريقة التي استقبل بها . وازدادت شكوكها أكثر عندما اتجهت قوات الدعم السريع للسيطرة على المناطق الواقعة على الحدود الإثيوبية في ولاية سنار.

كل هذه الأمور وغيرها جعلت الحكومة السودانية تنظر إلى الموقف الإثيوبي من الصراع بعين الريبة، قبل أن تتحسن الأمور نسبياً عقب زيارة آبي أحمد بورتسودان واجتماعه مع البرهان، حيث كشفت بعض التسريبات أنه جاء وسيطاً لتهدئة الأوضاع بين أبو ظبي وبورتسودان، ويبدو أن مساعيه لم تكلل بالنجاح، أما بقية دول الجوار فمواقفها من طرفي الصراع غير واضحة.

الحلول: إنّ الحروب الأهلية في السودان خلال العقود الستة الماضية، تعود إلى الصراع على الثروة والسلطة وخاصة بين المركز والأطراف، وتأتي على أشكال مختلفة، وللخروج من هذا المأزق لا بدّ من تفكيك عناصر الصراع في البلد والتحول إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية تستوعب التعددية المجتمعية المختلفة على أساس العدل والمساواة في الحقوق والواجبات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *