أمام الدول العربية فرصة لتسريع السوق المشتركة وتنويع الشراكة والاستثمار الصناعي وإنتاج الغذاء
League of Arab States, the flags of the 22 Arab countries ripple in the sky with the flag of the League of Arab States
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. خالد ميار الإدريسي
الباحث في العلاقات الدولية والمستقبليات ـ رئيس المركز المغربي للدراسات الدولية المستقبلية ـ المغرب
دشن قرار ترامب برفع الرسوم الجمركية، حربًا تجارية من شأنها تعقيد العلاقات الدولية والولوج إلى مرحلة من اللايقين في اقتصاد العالمي والتفاعلات الجيوسياسية. وسيكون لهذه الحرب تداعيات على باقي دول العالم، ومن ضمنها العالم العربي، وإن كان ذلك بتفاوت في الخسائر والآثار على التجارة العربية.
ومن الملاحظ أن هناك تسلسل للإجراءات الحمائية التي اعتمدها ترامب وإدارته والرد عليها من طرف الصين؛ وباقي الدول المعنية. فإن ترامب وقع على أمر تنفيذي بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الصين، و25% على المكسيك وكندا وذلك في 1 فبراير 2025م. وفي 3 فبراير، اتخذ ترامب قرارًا بتعليق تنفيذ فرض رسوم جمركية على المكسيك وكندا، لمدة 30 يومًا. وفي 4 فبراير 2025م، اتخذت الصين قرارًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 15% على الفحم والغاز الطبيعي المسال الأمريكي، ورسوم جمركية بنسبة 10% على النفط الخام والآلات الزراعية والسيارات الكبيرة والشاحنات الصغيرة، وتم تحديد 10 فبراير لدخول ذلك حيز التنفيذ.
وردت الصين، حيث فرضت رسومًا جمركية تتراوح ما بين 10% و15% على المنتجات الزراعية الأمريكية، ودخول ذلك حيز التنفيذ في 10 مارس. وفي 12 مارس، دخلت الرسوم الجمركية حيز التنفيذ، بنسبة 25% على الصلب والألمنيوم، وذلك على جميع الدول. وفي 26 مارس، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على السيارات، اعتبارًا من 3 أبريل وأجزاء السيارات في موعد أقصاه 3 مايو. وفي 4 أبريل، أعلنت الصين فرض رسوم جمركية بنسبة 34% على السلع الأمريكية ابتداء من 10 أبريل. وفي 5 أبريل، دخلت الرسوم الجمركية الشاملة بنسبة 10% حيز التنفيذ، مما أدى إلى رفع معدل الرسوم الجمركية على الصين إلى 30%. وفي 8 أبريل، فرض ترامب ضريبة إضافية على الصين بنسبة 84% على جميع الواردات، فارتفعت إلى 104%. وفي 9 أبريل، ردت الصين بفرض رسوم جمركية على أمريكا بنسبة 84%، مما أدى إلى تصعيد المواجهة بينهما. وفي 9 أبريل كذلك، قام ترامب برفع الرسوم الجمركية على الصين الى 145%، كما أعلن تعليق بشكل مؤقت ولمدة ثلاثة أشهر، الرسوم الجمركية المتبادلة على الدول، باستثناء الصين، أما الرسوم الشاملة البالغة 10% بقيت سارية المفعول. وفي 11 أبريل، قررت الصين رفع الرسوم الجمركية الانتقامية على الواردات الأمريكية إلى 125%. وفي 26 أبريل، لجأت الصين إلى رفع شكاية إلى منظمة التجارة الدولية، بدعوى انتهاك أمريكا لقواعد التجارة العالمية بشكل خطير، وأن الإجراءات الأمريكية هي أحادية وتكرس نهج الحمائية.
وقال المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية “إن الصين تعارض بشدة الإجراءات الأمريكية وتحث الجانب الأمريكي على تصحيح أخطائه على الفور”، كما قالت الصين بأن الإجراءات الأمريكية من شأنها عرقلة استقرار سلاسل الصناعة والإمداد العالمية. كما صرحت الصين برغبتها في التعاون مع باقي أعضاء منظمة التجارة الدولية، لمواجهة مختلف التحديات التي “تفرضها الأحادية والحمائية التجارية على نظام التجارة متعدد الأطراف، وحماية التنمية المنظمة والمستقرة للتجارة الدولية”.
ويرى ترامب أن الرسوم الجمركية هي “دواء”، حيث قال إثر عودته من فلوريدا، “لا أريد أن ينخفض أي شيء؛ لكن في بعض الأحيان، يتعين عليك الدواء لإصلاح شيء ما”. واعتبر كبير مستشاري ترامب الاقتصاديين، الرسوم الجمركية الأمريكية، بأنها “إعادة تموقع ذكية لأمريكا في النظام التجاري العالمي”.
ويبدو جليًا أن أمريكا تسعى لفرض وضع “تجاري جديد”، تحمل فيه بقية الدول، للجلوس للتفاوض على حسب الشروط الأمريكية. ولذلك صرحت وزارة التجارة الأمريكية، بأن الولايات المتحدة دخلت في سلسلة تفاوض مع الدول، بينما الصين نفت انطلاق مفاوضات مع أمريكا؛ ولكنها في مرحلة “تقييم” للعرض الأمريكي. ولذلك صرحت الصين، بأنها مستعدة للحوار، شرط أن يكون هناك “احترام متبادل”، حيث قالت وزارة الخارجية الصينية “إذا أرادت الولايات المتحدة النقاش، فعليها إثبات الجدية والاستعداد لتصحيح الأخطاء وإلغاء الرسوم الجمركية الأحادية”. وأضافت وزارة التجارة الصينية، “إذا لم تصحح أمريكا الرسوم الجمركية، الأحادية والضارة، فمعنى ذلك أن الطرف الأمريكي منافق، وسيلحق الضرر بالثقة بين الطرفين” (موقع Le devoir). ونفت وزارة الخارجية الصينية، استلام الصين لضغوط الولايات المتحدة الأمريكية، واعتبرت ذلك دعاية أمريكية وتغليط للرأي العام الدولي، كما حذرت وزارة التجارة الصينية، من لجوء الولايات المتحدة الأمريكية، للإجراءات العقابية وسياسية التهديد.
ومن الملاحظ أن هناك بوادر للاتجاه نحو التفاوض والاحتكام للتعقل، وتبني إجراءات تخفيف الرسوم الجمركية المتبادلة، تفاديًا للآثار الاقتصادية والجيوسياسية الضخمة وآفاتها على الاقتصاد العالمي. وتشير مجلة “Les Echos” إلى رأي الخبيرة الاقتصادية، “اجاثا كراتز”. بمجموعة “Rhodium”، التي تعتقد بأن الصين هي الأكثر تضررًا من الحرب التجارية.
ووفقًا لمكتب الاحصاء الأمريكي، فإن حجم الواردات الأمريكية من الصين خلال الشهرين، بلغ حوالي 73 مليار دولار، والصادرات حوالي 20 مليار دولار، ووصل حجم التجارة (صادرات وواردات) بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين عام 2024م، حوالي 583 مليار دولار، بينما عام 2023م، حوالي 575 مليار دولار. وكان حجم التجارة بينهما سنة 1999م، فقط 95 مليار دولار، مما يدل على أهمية تطور العلاقات التجارية بين الصين وأمريكا.
وتؤكد بيانات مكتب التمثل التجاري الأمريكي، إلى كون الصادرات الأمريكية إلى الصين، حوالي 143.5 مليار دولار سنة 2024م، مع انخفاض يقدر بحوالي 2.9% مقارنة بسنة 2023م، أما الواردات الأمريكية من الصين، فهي 438.9 مليار دولار، بزيادة قدرها 28 % عن 2023م، وبالتالي فإن العجز التجاري لصالح الصين، ويقدر بحوالي 295.4 مليار دولار، وبذلك يشكل ارتفاعًا بنسبة 5.8% مقارنة بسنة 2023م، ولهذا الاعتبار فإن وزير الخزانة الأمريكية، يصرح بأن الصين هي التي ستخسر في الحرب التجارية، وتشير الاحصائيات إلى أهم عشرة واردات أمريكية من الصين لسنة 2023م، وهي كالتالي:
- الإلكترونيات الاستهلاكية: 96 مليار دولار.
- المنسوجات والملابس: 68 مليار دولار.
- المواد الكيميائية: 42 مليار دولار.
- آلات البناء ومواده: 33 مليار دولار.
- المعدات الكهربائية (باستثناء أشباه الموصلات): 30 مليار دولار.
- المعادن الأساسية:28 مليار دولار.
- الأجهزة المنزلية: 24 مليار دولار.
- معدات النقل: 24 مليار دولار.
- الطاقة النظيفة والبطاريات: 15 مليار دولار.
- الأجهزة البصرية والطبية: 12 مليار دولار.
وتستورد الصين من أمريكا ما يلي:
- الحبوب والبذور الزيتية: 185 مليار دولار.
- النفط والغاز: 176 مليار دولار.
- الأدوية: 113 مليار دولار.
- قطع غيار ومعدات الطيران: 68 مليار دولار.
- أدوات الملاحة: 68 مليار دولار.
- أشباه الموصلات: 6 مليارات دولار.
- المركبات الآلية: 6.1 مليارات دولار.
- الآلات الصناعية: 5 مليارات دولار.
- منتجات اللحوم: 4.5 مليارات دولار.
ومن الملاحظ أن الصين يمكن لها أن تستورد النفط والغاز من دول أخرى وتستغني عن الصادرات الأمريكية في هذا المجال، ومن المعلوم أن الصين، هي الآن، أكبر مصدر في العالم، حيث بلغت قيمة صادراتها سنة 2024م، حوالي 3.58 تريليونات دولار، بزيادة 5.9% عن سنة 2023م، أما وارداتها فوصلت إلى 2.59 تريليون دولار، ومما يعني أنها حققت فائضًا تجاريًا تجاوز 822.1 مليار دولار. وإذا استمرت أمريكا في تصعيد الحرب التجارية ضد الصين، فإن هذه الأخيرة، ستخسر حوالي 438.9 مليار دولار من الواردات الأمريكية. لذلك تضغط الولايات المتحدة الأمريكية على الصين، وارغامها على التفاوض.
ومن المحتمل أن يتراجع حجم التبادل بين الصين وأمريكا، وفقًا لتوقعات منظمة التجارة الدولية، بنسبة 80% بسبب الرسوم الجمركية. حيث قالت اوكندو – ايوبالا في بيان لها نشر في موقع المنظمة، “تشكل التوترات التجارية المتصاعدة بين أمريكا والصين خطرًا كبيرًا بانخفاض حاد في التجارة الثنائية. ووفقًا لتوقعاتنا الأولية، قد ينخفض حجم التجارة بين البلدين بنسبة تصل إلى 80%”. كما حذرت منظمة التجارة الدولية من تقسيم العالم إلى كتلتين تجاريتين، مما يؤدي إلى انخفاض طويل الأمد في الناتج المحلي العالمي بنحو 7%.
كما حذر رئيس “جي بي مورغان” من الركود وتوقع التخلف عن السداد مع تصعيد الحرب التجارية. وقال لقناة فوكس نيوز”، “الأسواق ليست دائمًا على صواب، لكنها في بعض الأحيان قد تصيب، واعتقد أنها على حق هذه المرة، لأنها تقيم حالة عدم اليقين على المستوى الكلي. وعدم اليقين على المستوى الجزئي، أي على مستوى الشركات نفسها” (موقع RT).
ولهذه الاعتبارات فإن الرؤساء التنفيذيين لعدة شركات ومؤسسات مالية أمريكية، يعلنون خوفهم من انهيار الاقتصاد الأمريكي، ولقد قال الرئيس التنفيذي لشركة “بلاك روك”، بأن الاقتصاد يضعف؛ وأن أمريكا ستدخل في مرحلة ركود؛ بينما وزير الخزانة الأمريكية “سكوت بينت”، يوجه خطابه إلى المصرفيين، مؤكدًا على كون الاقتصاد “في حالة جيدة جدا” (موقع RT).
ومما لا شك فيه حسب الخبراء، فإن هذه الحرب التجارية، سيكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد العالمي وهناك دول قد تستفيد منها وهناك دول ستتأثر بشكل سلبي.
هناك اتفاق بين خبراء الاقتصاد على تباين تأثير الحرب التجارية بين أمريكا والصين على الدول العربية، حيث يقول الدكتور أشرف منصور، في تصريحه لموقع “سكاي نيوز عربية ” من الملاحظ ، ” وجود تأثيرات سلبية اقتصادية لهذه القرارات على معظم الدول العربية، وأهم هذه التأثيرات ارتفاع تكلفة الصادرات، وارتفاع أسعار العديد من المنتجات التي تستوردها الدول العربية، مما يضغط على الميزان التجاري، وقد ينتج عن ذلك منافسة تتحول لصراع وحرب تجارية بين الدول العربية، ولكن يوجد تفاوت في هذه التأثيرات، حيث قد يزداد تأثيرها على الدول البترولية، والتي منها الجزائر والعراق وليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي، لأن حجم صادراتها البترولية للولايات المتحدة مرتفع نسبيًا ويقل هذا التأثير في غيرها من الدول، والتي منها مصر والسودان وسوريا ولبنان، لأن حجم صادراتها لأمريكا منخفض نسبيًا”. لكن الخبير الاستراتيجي، الدكتور محمد بن صالح الحربي، يعتقد بأن السعودية وباقي دول الخليج لن تتضرر، لأنها استطاعت تنويع علاقتها التجارية.
هناك من يتخوف من انخفاض الطلب على البترول الخليجي، بسبب توقف بعض الصناعات جراء الرسوم الجمركية. وهناك من الخبراء من يحذر من تضرر الاستثمارات الخليجية في الصين وأمريكا، و”تراجع قيم العوائد التي يتم تحويلها كأرباح. ويكون هناك “ضغوط كبيرة”. ومن واشنطن وبكين لزيادة الاستثمارات وجذب المزيد من رؤوس الأموال الخليجية إلى الصين أو أمريكا”.
لكن الاتجاه العام في تقدير وتوقع تأثير الرسوم الجمركية المتبادلة بين أمريكا والصين وباقي دول العالم، على الدول العربية، هو التأثير السلبي على اقتصاد الدول العربية وعلى المستهلك. ذلك أن الدول العربية، تعتمد على الواردات الصينية، وفرض رسوم جمركية مرتفعة من طرف الصين على المواد الخام الأمريكية، سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع الصينية وأسعارها؛ وبالتالي فإن المستورد العربي سيواجه وضعًا سيئًا. وهناك صناعات عربية، تعتمد على الآلات الصينية لسعرها التنافسي، والتوقف عن اقتنائها، سيعطل عملية الإنتاج في عدة دول عربية.
كما أن الحرب التجارية ستتسبب في اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، وبالتالي زيادة الأسعار على المستهلك العربي. ومن شأن الزيادة في الأسعار بسبب التعريفات الجمركية، أن تؤدي إلى “استيراد التضخم” وارتفاع المعيشة في الوطن العربي. كما سيؤدي ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد الأمريكي بسبب ارتفاع التعريفات الجمركية، إلى لجوء “الفدرالي الأمريكي” إلى اتخاذ قرارات متعلقة برفع سعر الفائدة؛ وهي قرارات من شأنها التأثير بشكل سلبي على البنوك المركزية العربية.
فإذا تقرر رفع الفائدة في أمريكا، قد تضطر بنوك مركزية عربية لاتخاذ خطوات مماثلة لرفع أسعار الفائدة في دولها بهدف الحفاظ على استقرار العملة المحلية وجذب الاستثمارات. وأن رفع الفائدة مرة أخرى سيكون له تأثير سلبي على النمو الاقتصادي، حيث سيزيد من تكلفة الاقتراض. مما قد يثبط من نشاط الاستثمار والاستهلاك داخل الاقتصادات العربية. وهذا الوضع سيضع تحديات أمام السياسات الاقتصادية في المنطقة ويزيد من صعوبة تحقيق النمو المستدام”. (موقع الجزيرة).
ومن المتوقع أن يمارس “ترامب” ضغوطًا على منظمة “أوبك”، لخفض أسعار النفط لخفض معدل التضخم و”تلطيف” الوضع الاقتصادي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتقليل من تداعيات الأزمة على المواطن الأمريكي.
ولقد سبق لـ “ترامب” في منتدى “دافوس”، أن دعا إلى خفض أسعار النفط والفائدة. ويلاحظ الخبراء بأن السعودية، صرحت مؤخرًا بزيادة كبيرة في الإنتاج النفطي. وهكذا فإن “أوبك بلس”، تلتزم تسريع وتيرة زيادات الإنتاج، من أجل خفض أسعار النفط. وهناك ضغط للديموقراطيين على “ترامب”، للتدخل والضغط على منظمة أوبك لتخفيض أسعار البترول.
وانخفاض الأسعار سيؤثر على الدول المصدرة للنفط ومنها الدول العربية والتي تعتمد على عائدات النفط في تحقيق خططها التنموية، وستكون دول مثل الجزائر وليبيا والعراق، أكثر تضررًا لعدم وجود تنوع في الاستثمار. بينما تستفيد دول عربية أخرى من التخفيض، والتخفيف من فاتورة الطاقة.
ويعتقد الخبير الاقتصادي والمدير العام لمؤسسة “المسار” للدراسات الاقتصادية، نجيب عبد الله الشامسي، بأن الرسوم الجمركية الأمريكية ستزول قريبًا، لأن المتضرر بالأساس هو أمريكا؛ أما الاقتصاد الإماراتي فهو يتميز بالتنوع والانفتاح على اقتصاديات العالم، إضافة إلى الموقع الجغرافي الذي يجعل من الإمارات مركزًا تجاريًا إقليميًا. ويتوقع بأن “تحول العديد من الاستثمارات وجهتها عن الأسواق الأمريكية والبحث عن دول وأسواق أخرى. وهو ما يزيد من توقعات إعادة الحسابات ومراجعة الولايات المتحدة الأمريكية لتلك الرسوم الجمركية خلال الفترة المقبلة”. (الإمارات اليوم). وينصح عبد لله الشامسي مختلف المستثمرين، “على المستثمرين في أسواق الدولة عدم التسرع في التفاعل مع تأثيرات الرسوم على الاستثمارات بأسواق المال أو الودائع، لأن الأزمة وتأثيراتها مؤقتة، لاسيما مع قوة الاقتصاد الإماراتي وقدرته للتعافي السريع من أي تأثيرات، مقارنة بالعديد من الاقتصاديات العالمية”.
ويعتقد ناصر السعيدي في حوار له مع “العربية بزنس”، أن النظام التجاري العالمي، يعرف” زلزالًا اقتصاديًا”، ويرى بأن صادرات الألمنيوم والحديد للإمارات والبحرين، قد تتأثر بشكل مباشر. ويلاحظ الخبراء، أن هناك تراجعًا في الأسواق المالية في الخليج. وبالرغم من التراجع الحاد في السعودية، فإن المحلل الاقتصادي بندر الجعيد يرى بأن “التعريفات الجمركية خلقت نوعًا من الهلع في الأسواق، رغم أن بعض القطاعات المحلية غير متأثرة بشكل مباشر، لكنها تأثرت نفسيًا بالمخاوف العالمية”. لكن يتوقع بشكل متفائل، أن تستفيد السعودية من جذب الاستثمارات الآسيوية لوجود حوافز ومناخ استثماري ملائم. أما المستشار السابق لوزير المالية الكويتي، محمد رمضان، فيرى بأن الفوضى الحاصلة في العالم بسبب الرسوم الجمركية، لها تأثير على بورصة الكويت، وهناك وضع ضبابي، يجعل المستثمرين في حالة عدم تفاؤل؛ لكن تبقى البنوك الكويتية، لها ميزة من بين الشركات المدرجة، ويثق فيها المستثمرون الأجانب وكذلك الصناديق الاستثمارية.
ويرى رئيس مجلس إدارة جمعية المصدرين المصريين محمد قاسم، بأن الرسوم الجمركية الأمريكية، لن يكون لها تأثيرًا كبير على الصادرات المصرية، أما الخبير الاقتصادي محمد جميل الشبشيري، فيتوقع ارتفاع تكاليف الاستثمارات العربية والخليجية في أمريكا، مما يدفع المستثمرين للبحث عن بدائل في أوروبا وآسيا.
ويتوقع أن تنقل الشركات الصينية استثماراتها إلى الخليج للاستفادة من الإعفاءات الجمركية وكذلك الموقع الاستراتيجي؛ كما ستدفق رؤوس الأموال إلى مصر للاستثمار في قطاع السيارات. لكنه يتوجس من موضوع الأمن الغذائي، لاعتماد دول الخليج على الواردات لتغطية 90% من المواد الغذائية.
وبالنسبة لسوريا والعراق والجزائر وتونس، فإن صادراتها إلى أمريكا ضعيفة ولن تتضرر. بينما تشكل صادرات الأردن إلى أمريكا حوالي ربع صادراتها، وبالتالي فهي متضررة من رفع الرسوم الجمركية، وهي أكثر البلدان العربية تأثرًا، حسب الخبير الأردني عامر الشوبكي، وأشار تقرير دائرة الإحصاءات العامة الأردنية لسنة 2024م، ارتفاع حجم الصادرات الأردنية بنسبة 4.1%. وبالتالي فإن الأردن في حاجة إلى تغيير في سياستها التجارية والبحث عن أسواق بديلة.
وبالنسبة للعراق فإنه يصدر لأمريكا حوالي 250 – 450 ألف برميل يوميًا من النفط، ويرى الخبير الاقتصادي العراقي عبد الرحمن المشهداني، أن فرض رسوم جمركية على العراق، يعني زيادة الأسعار في مجال المشتقات النفطية في السوق الأمريكية، ومن المحتمل أن ينخفض الطلب على النفط العراقي. أما تأثير الرسوم الجمركية على لبنان فهو ضعيف، لأنها لا تصدر سوى كميات محدودة من المنتجات الزراعية. كما لا تتجاوز الصادرات العمانية أمريكا 1.3 مليار دولار أي 2.1% فقط من إجمالي الصادرات، مما يعني ارتفاع أسعار المواد المستوردة بنسبة15 % وتراجع عائدات النفط بنسبة 5%. ويصدر المغرب حوالي 1.5 مليار دولار سنويًا، حسب البيانات المتوفرة لسنة 2023؛ مما “يجعل المملكة خارج دائرة الاستهداف الرئيسية لسياسة ترامب”.
وعمومًا، فإن الدول العربية مطالبة باستخلاص العبر والدروس من هذا السياق الجديد، وهذه فرصة للتفكير الجدي بتسريع تفعيل سوق عربية مشتركة وكذلك تنويع الشراكة التجارية مع دول أخرى. كما يتعين الاستثمار في الصناعات وإنتاج المواد الغذائية وتحقيق السيادة الغذائية وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا؛ وصياغة رؤية شاملة لجذب الاستثمارات الدولية واستقطاب مستثمرين يبحثون عن بدائل جديدة. ويمكن للدول العربية؛ أن تحسن “الإبحار في عالم اللايقين” وتستفيد من الصراع الصيني-الأمريكي.
وهناك توجه عالمي الآن، في طريق التشكل، أشارت إليه مجلة “Le Monde” الفرنسية، وهو الاتفاق عبر الباسيفكي، (trans-Pacific-Partnership)، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018م، ويضم أستراليا وبروني وكندا والشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلاندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام وبريطانيا، وقد انسحبت منه أمريكا.
وتسعى المفوضية الأوروبية إلى تعميق النقاش مع كندا حول تغرير التعاون مع الاتحاد الأوروبي. وهو تحالف مفتوح أمام كل من لا يرغب في الانحياز إلى أحد أطراف النزاع التجاري الأمريكي-الصيني. وهو تحالف لا يمكن الاستهانة به، حيث يشكل 30 % من الإنتاج العالمي ويضم حوالي 900 مليون شخص.
ويبدو جليًا أن القرار الأمريكي ليس المقصود منه هو الاستمرار في رفع الرسوم الجمركية وإنما إلزام الدول بالتفاوض مع أمريكا بشكل يضمن لها تحقيق مكاسب واستعادة المكانة ومنع الصين من ريادة العالم، لكن هناك هلع وسط أمريكا نفسها وتخوف لعدد من الشركات الأمريكية والتوجس من تداعيات سياسة ترامب التجارية والدخول في ركود اقتصادي حاد، بل التعجيل بانحدار أمريكا عوض تحقيق شعار ” اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى “. ولقد أعلن الدبلوماسي الأمريكي المتقاعد جيم جاتراس بأن انهيار أمريكا قريب ولا مفر منه ، حيث قال ” لا اعتقد أنه يمكن تجنب هذا الانهيار ، بل بالعكس كلما تأخر حدوثه كانت العواقب أسوأ ، لقد تفكك الاتحاد السوفياتي بشكل شبه معجزة مع حد أدنى من العنف ، بالرغم من أن أحدًا لم يتوقع سيناريو كهذا، أما الولايات المتحدة فقد تسحب العالم بأسره معها إذا قمنا بإشعال حرب كبيرة لأن النخبة الحاكمة لدينا والتي تسعى للهيمنة العالمية ، لا ترغب في التخلي عن هذا الدور ” موقع (RT ).كما توقع العالم الاقتصادي مارتن ارمسترونج أن تنهار أمريكا في 2032، وهناك من يعتقد بأن أمريكا قادرة على تجاوز الأزمة و التراجع عن الحرب التجارية والاقتصادية و الاحتكام للعقل وتفادي حرب عالمية مدمرة للجميع .
