التعريفات الجمركية الأمريكية تضع 4 تحديات وتتيح 5 فرص أمام الاقتصاد السعودي
US Global Tariffs Crisis and United States Tariff confusion as an international trade war with American imports and exports tax on the globe as economic turmoil on world markets as a 3D illustration.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. هاجد بن يحيى الأصلعي
كاتب ومحلل استراتيجي ـ المملكة العربية السعودية
تمثل التجارة الدولية أحد أبرز مظاهر التفاعل بين الدول، وتُعد التعريفات الجمركية أحد أدوات السياسات الاقتصادية التي يمكن أن يكون لها أبعاد سياسية تتجاوز الأثر الاقتصادي المباشر وقد شهدت السياسة التجارية الأمريكية تحولات ملحوظة خلال العقدين الأخيرين تجلت في توجهات أكثر حمائية حيث تمثلت في فرض تعريفات جمركية على عدد من القطاعات والسلع في إطار استراتيجية تهدف إلى حماية الصناعة المحلية، ورغم أن التركيز ينصب غالباً على علاقات أمريكا مع الصين والاتحاد الأوروبي فإن لهذه السياسات آثاراً مباشرة وغير مباشرة على شركائها ومنهم دول مجلس التعاون الخليجي لا سيما المملكة العربية السعودية والتي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع واشنطن وتعد في الوقت نفسه من أبرز الموردين للمواد الخام مثل النفط والبتروكيماويات.
وفي هذا السياق تبرز المملكة العربية السعودية كحالة خاصة، فهي من أكبر الشركاء الاقتصاديين والسياسيين للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وتتبنى رؤية طموحة (رؤية السعودية 2030) والتي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز الاستثمارات في قطاعات أخرى، وبالتالي فإن أي تغيير في السياسات التجارية الأمريكية مثل فرض التعريفات الجمركية الأخيرة التي أعلنها الرئيس الأمريكي في 2 أبريل 2025م، قد تكون لها تداعيات مباشرة وغير مباشرة على المسار الاقتصادي والسياسي السعودي.
التعرفة الجمركية الأمريكية كأداة سياسية:
تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية عادةً التعرفة الجمركية كأداة سياسية اقتصادية لحماية صناعاتها المحلية وخاصة في فترات الكساد الاقتصادي أو عندما تواجه منافسة خارجية قوية، لكن من بعد الحرب العالمية الثانية ومع ظهور نظام التجارة الحرة العالمي تحت مظلة منظمة التجارة العالمية ( WTO ) بدأت الولايات المتحدة التخفيف من اعتمادها على هذه الأداة، غير أن هذا الاتجاه شهد تغيراً كبيراً في عهد الرئيس ترامب حيث عادت أمريكا لاستخدام التعرفة الجمركية كأداة ضغط سياسي واقتصادي، لذلك من الواضح أن السياسة التجارية للولايات المتحدة أصبحت جزءًا من استراتيجية التفاوض السياسي فعلى سبيل المثال عندما فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية على واردات الصلب والألمنيوم بحجة الأمن القومي الأمريكي، واستخدمتها أيضاً ضد المكسيك بشأن ملف الهجرة ، وهددت بفرض تعريفات على السيارات الأوروبية للضغط في ملفات تجارية وأمنية، وهذه الاستخدامات توضح بأن التعرفة الجمركية لم تعد مجرد إدارة اقتصادية فحسب بل أصبحت وسيلة لتأديب الخصوم ومساومة الحلفاء وربما لتعديل سلوك الدول بطريقة تخدم السياسة الخارجية الأمريكية، ومن وجهة نظري بأن فرض الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة التي أعلنها الرئيس الأمريكي لها ثلاثة أبعاد:
- البعد الداخلي ويتركز في حماية الوظائف والصناعات الأمريكية من المنافسة الخارجية، وهو يعتبر مطلب شعبي أمريكي.
- البعد الاقتصادي ويتركز على تقليص العجز التجاري وتحسين شروط التبادل التجاري مع الدول.
- البعد السياسي ويتركز على استخدام التعرفة الجمركية كأداة لتعزيز القوة التفاوضية الأمريكية في ملفات السياسة الخارجية مع الدول المنافسة وكذلك الدول الحليفة.
وبالرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست هدفاً مباشراً لهذه السياسات ولكن سوف يكون لها تداعيات من أهمها:
- زيادة تكلفة تصدير بعض المنتجات إلى السوق الأمريكية.
- زيادة الحذر في التعاملات الاقتصادية مع واشنطن.
- اضطرار دول مجلس التعاون الخليجي إلى اتخاذ مواقف سياسية متوازنة لتفادي الدخول في نزاع اقتصادي مباشر مع واشنطن.
التأثيرات الإقليمية على دول الخليج:
تتركز السياسات الجمركية الأمريكية على الدول المنافسة تجارياً ولكن تداعياتها تمتد لتشمل أغلب دول العالم ومن ضمنها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تُعد من الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة الأمريكية، وسوف تكون ذات طابع مركب يجمع بين الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي:
- التأثير على صادرات دول مجلس التعاون الخليجي غير النفطية. حيث تعتمد دول الخليج على النفط كمصدر رئيس للدخل، ولكن في إطار رؤى اقتصادية طموحة مثل رؤية السعودية 2030 بدأت بعض دول الخليج تنوع مصادر الدخل وتنوع في صادراتها لا سيما في قطاعات البتروكيميائيات والألمنيوم والمعادن، ولكن عندما فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية على واردات الألمنيوم والصلب بحجة حماية أمنها القومي تأثرت بهذه الإجراءات دول مثل البحرين والإمارات اللتان تصدران الألمنيوم إلى واشنطن، وهذا يجعلنا نتخوف من استهداف مماثل لمنتجات السعودية من البتروكيميائيات والصناعات السعودية الأخرى.
- البيئة الاستثمارية الخليجية تذهب إلى التعقيد وهذا يتطلب من دول الخليج إعادة التفكير في هيكلة بعض القطاعات الصناعية بما يخفف من الاعتماد على السوق الأمريكي او يعزز القدرة التنافسية في أسواق بديلة.
الدفع نحو تنويع الشراكات الاقتصادية:
من النتائج غير المباشرة للتعرفة الجمركية الأمريكية هو دفع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها مع الصين كمستورد ضخم للطاقة وشريك في مشاريع البنية التحتية والتقنية، وكذلك تعزيز شراكاتها مع الهند كشريك استراتيجي واعد في ملفات التبادل التجاري والتعليم والتقنية، والأهم أيضاً الاتحاد الأوروبي الذي يبحث عن بدائل للطاقة الروسية ويفتح أبواباً أمام المنتجات الخليجية، وهذا التوجه قد يفهم من واشنطن على أنه محاولة للهروب من الهيمنة الاقتصادية الأمريكية ما قد يضيف بعداً سياسياً جديداً للعلاقة بين الطرفين.
إن وجود مثل هذا التهديد قد يعرقل طموحات دول الخليج في توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية أو يبطئ التقدم في اتفاقيات أخرى مثل اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي، كما قد يدفع دول الخليج إلى العمل بشكل جماعي وتشكيل سياسة تجارية موحدة لاتخاذ قرارات استراتيجية تعزز من مكانتها التجارية عالمياً.
المملكة العربية السعودية بين التكيف والمناورة:
تمثل المملكة العربية السعودية نموذجاً مميزاً في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تجمع بين الشراكة الاستراتيجية التقليدية في مجالات النفط والأمن والطموح الحديث لبناء اقتصاد متنوع منفتح على الأسواق العالمية، ولكن في ظل هذا التوازن تطرح السياسات الجمركية الأمريكية الأخيرة تحديات أمام السعودية ولكنها في الوقت نفسه تتيح لها فرصاً للمناورة والتكيف بما يخدم مصالحها:
- تنويع الشراكات الاقتصادية كاستراتيجية المواجهة. فعند إصرار واشنطن على فرض زيادة الرسوم الجمركية تبنت السعودية سياسة نشطة لتوسيع شراكاتها الدولية من خلال تعزيز العلاقات التجارية مع الصين والتي أصبحت الشريك التجاري الأول للمملكة في مجالات النفط والطاقة المتجددة والتقنية، وقامت السعودية بتوقيع اتفاقيات مع دول في جنوب شرق آسيا وإفريقيا لضمان أسواق بديلة للمنتجات السعودية، وبدأت بالانفتاح على الاستثمار الأوروبي من خلال المشاريع الضخمة في نيوم والقطاعات غير النفطية.
- الاستثمار في الداخل وجذب التكنولوجيا. عوضاً عن الاعتماد على التصدير إلى الأسواق التقليدية التي قد تتأثر بالتعرفة الجمركية الأمريكية على السعودية التركيز على جذب الشراكات الأجنبية لتأسيس مقار إقليمية داخل المملكة والعمل على توطين الصناعات الحيوية لتقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج، والدخول في مشاريع مشتركة لنقل التقنية بدلاً من الاستيراد، وبهذا تستطيع المملكة العربية السعودية تحويل التحديات الخارجية إلى محفزات وفرص داخلية للتنمية والاعتماد على الذات.
- التوازن في العلاقة مع واشنطن. رغم العلاقات التاريخية بين البلدين فإن السعودية لم تتردد في تبني مواقف مستقلة عندما اقتضت مصلحتها ذلك، فقد رفضت الضغوط الأمريكية في ملفات تسعير النفط ضمن (أوبك +) وقامت بتطوير التعاون الأمني والدفاعي مع الصين وروسيا رغم التحالف القائم مع الولايات المتحدة، وهذا يجعل المملكة تعمل على التوازن بين الحلف التقليدي مع واشنطن والانفتاح على قوى دولية أخرى مما يعكس مناورة سعودية هدفها تعزيز مكانة المملكة في النظام العالمي المتغير.
- التعرفة الجمركية كعنصر محفز للإصلاح الاقتصادي. وكما يبدو بأن التعرفة الجمركية الأمريكية تعتبر تحدياً على المدى القريب إلا إنها سوف تساهم في تسريع خطوات الإصلاح الاقتصادي السعودي من خلال دعم الاتجاه نحو بناء قاعدة إنتاج محلية منافسة وسوف تؤدي إلى إعادة تشكيل الأولويات التجارية بعيداً عن التبعية لأي سوق واحدة.
التحديات والفرص:
تمثل التغيرات في السياسات الجمركية الأمريكية رغم سلبيتها الظاهرة بيئة ديناميكية يمكن لدول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية الاستفادة منها بذكاء استراتيجي، ففي الوقت الذي تفرض فيه هذه السياسات تحديات واضحة فإنها تفتح أيضاً أبواباً لفرص جديدة تمكن من إعادة صياغة التوجهات الاقتصادية والسياسة الخارجية.
التحديات:
- زيادة الغموض وعدم اليقين في العلاقات التجارية. وهذا ناتج عن التحولات السريعة في السياسة التجارية الأمريكية والتي تفرض صعوبة في وضع خطط طويلة الأجل للتجارة والاستثمار مما قد يؤثر على المشاريع المشتركة بين السعودية والشركات الأمريكية.
- احتمال استهداف الصادرات الخليجية. وعلى رأسها الصادرات السعودية رغم أن التعريفات الجمركية استهدفت قوى كبرى مثل الصين إلا أن المنتجات المعدنية والبتروكيميائية قد تواجه تعريفات مستقبلية تقلل من تنافسيتها.
- الحفاظ على تحقيق التوازن الجيوسياسي. وقد حققت السعودية في الماضي التوازن المطلوب ولا زالت على هذه الاستراتيجية الفعالة وسوف تحافظ عليها في المستقبل طالما أنها تحقق مصالحها في العالم.
- تأثر مشاريع التوطين الصناعية، لأن بعض المشاريع الصناعية في السعودية تعتمد على تقنيات وشراكات أمريكية، وبالتالي فإن أي احتكاك تجاري أو رفع للتعريفات الجمركية على المعدات أو المواد الخام المستوردة من أمريكا قد يعيق التقدم في هذه المشاريع او يبطئ من إنجازها.
الفرص:
- إعادة توجيه الاستراتيجية التجارية. مما يجعل السعودية تنظر إلى التنوع في الشركاء الاقتصاديين كضرورة اقتصادية ويدفعها إلى توقيع اتفاقيات تجارية حرة جديدة وتفعيل ممرات لوجستية بديلة كالممر السعودي البري الهندي الأوروبي وفتح الأسواق أمام مزيد من الاستثمار الآسيوي الإفريقي.
- الاعتماد على مشاريع التوطين والابتكار. لأن مثل هذه القيود على التجارة العالمية تعني ضرورة الاعتماد على الذات وهو ما يسرع من بناء سلاسل إمداد داخلية ودعم الشركات الناشئة وزيادة الاستثمار في التعليم المهني والتقني.
- الظهور كقوة اقتصادية وسيطة. بحكم موقع المملكة الجغرافي وقوتها المالية وعلاقاتها المتوازنة والمعتدلة مع الأطراف المتعددة.
- تشجيع القطاع الخاص على التكيف مع المتغيرات الدولية. وذلك عبر تطوير قدراته التصديرية وتعزيز الابتكار وزيادة مرونة سلاسل الإمداد.
- تفعيل العمل الخليجي المشترك في مجال التفاوض التجاري والدفاع عن المصالح الاقتصادية الإقليمية بما يعزز من قوة الموقف التفاوضي أمام القوى الكبرى، وقد يكون الاتحاد في مثل هذه الظروف ضرورة وليس خياراً.
وفي النهاية نجد أن التحدي الكبير هو تحويل هذه السياسات من أزمة إلى فرصة استراتيجية تمكن المملكة من تحقيق رؤيتها الوطنية وتعزيز مكانتها العالمية.
