العرب أمام مفترق طرق يحتِّم إعادة هندسة التحالفات استعدادًا لعالمٍ متعدد وتقلص هيمنة الدولار وسياسات الغرب
close up business man in suit clothes are handshake on world map background for world economic concept
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. علاء أبو الوفا
مسؤول ملف الاستثمار بجامعة الدول العربية
في عالمٍ تزداد فيه حدة التنافس الجيوسياسي وتعقيدات النظام الاقتصادي العالمي، برزت السياسات الأمريكية خلال عهد الرئيس ترامب كعاملٍ محوري أعاد تشكيل التحالفات الدولية، وخلَّف تداعياتٍ عميقة على الدول العربية باختلاف اقتصاداتها، ولم تكن قرارات فرض الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية مجرد إجراءات حمائية تقليدية، بل مثَّلت تحولًا استراتيجيًا في أولويات واشنطن، انعكس على علاقاتها مع الحلفاء التقليديين في الخليج والعالم العربي، ودفع الدول إلى مراجعة سياساتها وبناء تحالفات بديلة.
حيث أعادت القرارات الجمركية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي شملت دولاً عربية وخليجية، النقاش حول جدوى السياسات الحمائية في ظل نظام اقتصادي عالمي متشابك، إذ أن هذه القرارات ليست مجرد إجراءات تقنية، بل تعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية، مما يفرض على الدول العربية تحليلاً شاملاً لتداعياتها المباشرة وغير المباشرة، واستشرافاً لسيناريوهات محتملة في ظل تفاعلات متسارعة.
وأثارت هذه القرارات -وعلى رأسها إعادة فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الصلب والألمنيوم بموجب المادة 232، وفرض أو توسيع عقوبات اقتصادية على إيران، وتخفيضات ضريبية داخلية كبيرة، بالإضافة إلى إصدار أوامر تنفيذية لتجاوز الكونجرس-تداعيات واسعة على الدول العربية بشكل عام ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، وعلى العلاقات مع الولايات المتحدة، وعلى مناخ الاستثمار.
ويناقش هذا المقال التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتلك القرارات، ويستكشف سيناريوهات المستقبل في ظل نظامٍ دولي يتجه نحو التعددية القطبية، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية مُطلقة، ولم يعد الاعتماد على التحالفات القديمة خيارًا آمنًا، وفيما يلي بيان ذلك من خلال جملة النقاط التالية:
أولاً: الأبعاد الاقتصادية: صدمات آنية وتحولات هيكلية
1-الأثر على دول مجلس التعاون الخليجي -دول الخليج: النفط والخسائر المحتملة
أ) التأثير على القطاع غير النفطي
أعادت إدارة ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب والألمنيوم في 12 مارس 2025م، بموجب المادة 232، ما رفع تكاليف المدخلات الإنتاجية في القطاعات غير النفطية الخليجية كالإنشاءات والسيارات والإلكترونيات.
وأفادت دراسة لمنظمة Fast Company Middle East بأن الاقتصادات الخليجية التي تعتمد على استيراد هذه المواد تحمّلت ضغوطاً تضخمية مع تراجع هوامش أرباح الشركات المحلية، خصوصاً في الإمارات والبحرين الذين يعتمدان بشكل كبير على الواردات الصناعية.
وتأسيساً على ما سبق یمكن القول إن الرسوم الجمركية المتزايدة دفعت تكلفة الإنتاج للقطاع غير النفطي في الخليج لارتفاع أسعار المواد المستوردة، مما انعكس سلباً على مؤشرات الأسواق المالية الخليجية التي شهدت تراجعاً في عدة جلسات.
ب) التأثير على أسعار النفط والأسواق المالية
انعكس القلق من تباطؤ الطلب العالمي على النفط جراء الحروب التجارية على أسعار خام برنت التي تراجعت بنحو 1.5% في جلسة واحدة، مما أثر على المؤشرات الخليجية حيث هبط مؤشر تاسي السعودي 0.2% ومؤشر أبو ظبي 0.2% أيضاً جراء انخفاض أرباح أرامكو والإقبال الضعيف على أسهم الطاقة.
ج) التفاوت بين دول المجلس
اختلفت صلاحية هذه القرارات باختلاف مستوى التنويع الاقتصادي فبينما اعتمدتا المملكة العربية السعودية والإمارات على صناديق سيادية لتعويض الخسائر، عانت دول أقل تنويعاً مثل البحرين وعمان من ضغوط أكبر على ميزان المدفوعات وارتفاع الدين المحلي.
2-الأثر على الدول العربية غير النفطية: اختراق السوق الأمريكي يصبح حلماً
أ) العلاقات العربية-الأمريكية: شراكة أم صفقة؟
- الخليج: تحالف استراتيجي تحت المجهر حيث كشفت الأزمة عن هشاشة التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، فقرار ترامب فرض رسومًا على منتجات سعودية (كالألمنيوم) رغم العلاقات العسكرية الوثيقة، مما يؤكد أن الأولوية الأمريكية هي “الصفقة التجارية” وليس التحالفات السياسية، وهذا يتطلب من دول الخليج إعادة تقييم سياستها، لا سيما مع تزايد النفوذ الصيني الذي يقدم نفسه كبديل عبر مبادرات مثل “الحزام والطريق”.
- شمال إفريقيا: الفرص الضائعة فبينما تستفيد المغرب من اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، تواجه دول مثل تونس والجزائر عوائق جمركية تعيق اندماجها في السلسلة العالمية، مما يوسع الفجوة الاقتصادية بين دول المنطقة نفسها، ويعمق عدم الاستقرار الاجتماعي.
وتأسيساً على ما سبق یمكن القول إن السياسة المتقلبة أدت إلى تذبذب في الثقة الاستراتيجية بين واشنطن والدول العربية، حيث باتت الحكومات العربية تشكك في التزامات الولايات المتحدة الأمنية والاقتصادية على المدى الطويل مع تشديد في بعض الأحيان على التعاون ضد إيران والاستثمار في الدفاع، في حين تراجعت المساعدات الأمريكية.
ب) المساعدات والتمويل
خفضت إدارة ترامب المساعدات الخارجية الموجهة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 20% في موازنة 2023/2022م، (حوالي 5.6 مليار دولار)، مما كبّح بعض البرامج التنموية وأثار مخاوف من تزايد عدم الاستقرار الاجتماعي في الدول المتلقية.
ثانياً: الاستثمار في العالم العربي: مخاطر وفرص غير تقليدية
أ) تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر
فيما يتعلق بالتأثير على الاستثمار یمكن القول إن الضبابية السياسية والجمركية أسهمت في تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة، مع بحث المستثمرين عن أسواق بديلة أكثر استقراراً، حيث رصد تقرير تراجعاً ملحوظاً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دول الخليج بفعل ارتفاع المخاطر التجارية والجمركية وعدم اليقين السياسي.
ب) البحث عن بدائل
حيث أدّت هذه السياسات إلى تسريع اتجاه بعض الدول العربية المهمة—مثل مصر والسعودية والإمارات—نحو تكتل البريكس كبديل جزئي للنظام المالي الغربي، مما يؤثر على التوازن الجيوسياسي ومستقبل الأطر متعددة الأطراف.
كما اتجهت بعض الشركات الدولية نحو تعزيز استثماراتها في الأسواق الآسيوية—خاصة الهند وفيتنام—لتجنب الرسوم الأمريكية، مما أدّى إلى تنافسية أقل لدول الخليج على جذب رؤوس الأموال.
ج) التأثير على المشاريع الكبرى
تأخرت بعض المشاريع الضخمة في السعودية والإمارات (كنيوم ومدينة الإمارات للطاقة النظيفة) بسبب ارتفاع تكلفة المواد المستوردة، وهو ما دفع الحكومات إلى تقديم حوافز ضريبية لتعويض الخسائر.
ثالثاً: المواطن الأمريكي: رفاهية مُهددة بأيدي وطنية
أ) الخسائر الداخلية
على الصعيد الداخلي الأمريكي، تشير نماذج معهد بن وارتون إلى أن هذه الرسوم ستقلص الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6% والأجور بنحو 5% على المدى الطويل، مع خسارة متوسطة للأسرة الأمريكية نحو 22 ألف دولار طوال العمر.
ب) ارتفاع أسعار السلع
نجم عن ارتفاع تكلفة الواردات من الصلب والألمنيوم الانتقال جزئياً إلى أسعار السلع المصنعة كالسيارات والأجهزة المنزلية، مما أضعف القدرة الشرائية للمستهلك الأمريكي وزاد ضغوط التضخم.
ج) العجز المالي والديون
خفضت التخفيضات الضريبية الواسعة (من 28% إلى 21% ضريبياً على الشركات) من إيرادات الخزانة، مما يزيد العجز بمقدار 4.5 تريليون دولار على مدى عشر سنوات وفقاً لمجلس الميزانية الكونغرس ويحمّل الأجيال القادمة مزيداً من الدَّين العام.
رابعاً: التحديات القانونية: نظام عالمي على المحك
أ-اختراق غير مسبوق لقواعد منظمة التجارة العالمية
من الناحية الدستورية، استند ترامب إلى أوامره الرئاسية لتوسيع صلاحياته التنفيذية وتجاوز الكونجرس، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول مدى دستورية هذه الممارسات وتأثيرها على التوازن بين السلطات ومن المرجح، في ضوء المواقف السياسية الراهنة وتحالفات ما بعد الانتخابات التمهيدية، ألا يتراجع عن هذه القرارات في الأجل القريب، علماً بأنها تخدم جزءاً من المصالح الانتخابية والاقتصادية الأمريكية لكنها تزيد الضغوط على المستهلكين والمنتجين المحليين في الوقت ذاته.
كما استند ترامب إلى المادة ٢١ من اتفاقية الجات (GATT) المتعلقة بـ “الأمن القومي”، والتي تُستخدم عادةً في حالات الحرب أو التهديدات العسكرية، لكن تحويلها إلى ذريعة لحماية الصناعات المحلية يُضعف شرعية النظام التجاري الدولي، هنا تبرز إشكالية مفادها هو هل تستطيع المنظمة فرض عقوبات على الولايات المتحدة؟ الإجابة معقدة، لأن آلية تسوية المنازعات تعاني شللاً بسبب الاعتراضات الأمريكية على تعيين أعضاء جدد.
وبالتالي فإن التحفّظات الرئيسية تعترض على أن الرسوم تجاوزت صلاحيات المادة 232 وأخلت بالتزامات الولايات المتحدة تجاه الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية (GATT) مما يفتح الباب أمام دعاوى قضائية من شركاء تجاريين أمام منظمة التجارة العالمية.
وتأسيساً على ما سبق یمكن القول إنه من الناحية القانونية تواجه هذه الإجراءات تحديات في منظمة التجارة العالمية، حيث قد تنتهك التزامات الولايات المتحدة تجاه النزاعات التجارية والتكتلات الاقتصادية القائمة.
ب-تداعيات التفكك: صعود تكتلات موازية
قد تدفع الأزمة الدول العربية إلى الانضمام لتحالفات تجارية بديلة، حيث تناقض هذه القرارات في مضمونها الرسوم الاتفاقيات الثنائية والإقليمية التي أبرمتها الولايات المتحدة، مثل اتفاقية التجارة الحرة مع البحرين ودول الخليج، ما قد يتيح لهذه الدول المطالبة بتعويضات أو تعليق امتيازات متبادلة.
ج) التحديات الداخلية
تواجه القرارات دعاوى قضائية داخلية من جمعيات صناعية أمريكية ترى أن تجاوز الكونجرس تعني انتهاك مبدأ الفصل بين السلطات، خصوصاً بعد أوامر تنفيذية لتوسيع مراقبة الوكالات المستقلة.
ولا شك أن هذه التحديات سالفة الذكر والتي أثارتها قرارات ترامب الاقتصادية تقودنا للمضي قدمًا نحو النقطة التالية وهي دراسة ماهية المرجعية التي استند إليها ترامب في إصدار هذه القرارات وأثرها على الداخل الأمريكي.
خامساً: المرجعية التي استند إليها ترامب في إصدار هذه القرارات وأثرها على الداخل الأمريكي
أ) الأوامر التنفيذية وتوسيع الصلاحيات
استخدم ترامب أوامره التنفيذية لتخطي التأخيرات التشريعية، مستنداً إلى تفويضاته في المادة الثانية من الدستور الأمريكية وصلاحياته في شؤون التجارة الدولية، مما أثار جدلاً حول مدى دستورية هذه التوسعات.
ب) انعكاس داخلي
أدى التوتر بين البيت الأبيض والكونجرس إلى انقسامات حزبية حادة، حيث اتهم الديمقراطيون ترامب بالتعدي على صلاحيات الرقابة البرلمانية، فيما رأى الجمهوريون أنها ضرورية لحماية الأمن القومي الاقتصادي.
وتقودنا هذه النقطة كسابقتها إلى النقطة التي تليها مباشرة لمعرفة ماهية احتمالية التراجع وما إن كانت تلك القرارات فعلياً تخدم المصلحة الأمريكية.
سادساً: احتمالية التراجع وما إن كانت تخدم المصلحة الأمريكية
أ) المواقف السياسية الراهنة
رغم ضغوط بعض الصناعات الأمريكية على خفض الرسوم، كرّر ترامب تهديده بفرض رسوم 100% على واردات دول تسعى لاستبدال الدولار الأمريكي مثل أعضاء البريكس، مما يشير إلى عزمه على الاستمرار في هذه السياسة.
ب) المصلحة الانتخابية مقابل الاقتصادية
حيث من المأمول أن تسهم هذه القرارات في تعزيز القاعدة الانتخابية الصناعية للبيت الأبيض لكنها على المدى الطويل تُضعف الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض القدرة التنافسية.
سابعاً: السياق الجديد: قرارات ترامب الأخيرة وتصاعد التوتر مع تكتل البريكس
لا شك أن خطوة تفعيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسات حمائية عبر فرض رسوم جمركية على واردات دول “البريكس، بما فيها الدول العربية الأعضاء رداً على سعي المجموعة لتقليل الاعتماد على الدولار وإنشاء نظام نقدي مواز جاءت في سياق توسع “البريكس”، مما رفع مساهمته في الناتج العالمي إلى 35%، وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، وهو الأمر الذي يتعين فحصه بنظرة ثاقبة من خلال العرض التالي:
1-أثر قرارات ترامب على تكتل البريكس
أ) تعزيز التوجه نحو “إزالة الدولرة”
حيث دفعت التهديدات الأمريكية المتكررة دول البريكس إلى تسريع خططها لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية فعلى سبيل المثال وقعت السعودية اتفاقية مع الصين عام 2024م، لبيع النفط باليوان بنسبة 18% من إجمالي صادراتها النفطية، متجاوزةً اتفاقية 1945م، التي ربطت النفط السعودي بالدولار، ويأتي ذلك تزامناً مع إعلان مصر والإمارات عن خطط لتمويل مشاريع البنية التحتية عبر بنك التنمية الجديد التابع للبريكس، باستخدام الجنيه المصري والدرهم الإماراتي.
ب) تحديات داخلية في البريكس:
لا تزال العقبات الهيكلية تعرقل تحقيق هدف العملة الموحدة، مثل:
- التباين الاقتصادي: اقتصاد الصين (17 تريليون دولار) مقابل اقتصاد جنوب إفريقيا (406 مليارات دولار).
- الخلافات السياسية: انقسام الأعضاء حول دعم روسيا في حرب أوكرانيا، وموقف الهند المتحفظ.
2-تداعيات التصعيد على الدولار الأمريكي:
أ) تراجع الثقة في العملة الأمريكية:
انخفضت حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية من 58% عام 2020م، إلى 52% عام 2025م، وفقًا لصندوق النقد الدولي، مع اتجاه دول البريكس لزيادة احتياطيات الذهب بنسبة 23%، أضف إلى ذلك أن الإمارات أعلنت عن خفض احتياطاتها من السندات الأمريكية بنسبة 15% عام 2024م، لصالح الاستثمار في البنية التحتية الإفريقية عبر تحالفات البريكس.
ب) صعود البدائل النقدية
- اليوان الصيني: ارتفعت حصته في المدفوعات الدولية إلى 6.5% (2025)، مدعومًا بصفقات الطاقة مع السعودية وإيران.
- الروبل الروسي والروبية الهندية: أضحى يستخدم كلا العملتين في تسوية 12% من التجارة البينية للبريكس، مقارنة بـ 3% عام 2020م.
3-الدول العربية في قلب المعركة النقدية
أ-مصر: بين الفرص والمخاطر
- الفرص: انخفاض فاتورة الواردات بنسبة 7% عبر التعامل باليوان في استيراد الآلات الصينية.
- التحديات: صعوبة إقناع المستثمرين الأجانب بالتعامل بالجنيه المصري بسبب تقلبات سعر الصرف.
ب-السعودية: إعادة رسم التحالفات
توازن الرياض بين:
- الحفاظ على التحالف الأمني مع واشنطن.
- تعزيز شراكاتها مع الصين عبر مشاريع “رؤية 2030″، مثل مدينة “نيوم” الممولة جزئيًا بقروض من بنك البريكس.
ج-الإمارات: المرونة المالية:
- نجحت في زيادة استخدام الدرهم في 34% من تجارتها مع آسيا، مدعومة باحتياطيات مالية تصل إلى 1.2 تريليون دولار.
4-سيناريوهات مستقبل النظام النقدي العالمي:
1-السيناريو الأكثر ترجيحًا
تحول النظام إلى تعددية قطبية مع بقاء الدولار مهيمنًا بنسبة 45%، وصعود اليوان والروبية كعملات إقليمية.
2-سيناريو الانهيار المفاجئ
تصاعد الحروب التجارية يؤدي إلى انهيار مفاجئ في قيمة الدولار، مع تحول 30% من تجارة النفط العالمية إلى العملات البديلة.
3-سيناريو التعايش
استمرار هيمنة الدولار في العقود الآجلة للنفط، مع نمو أنظمة دفع بديلة للبريكس في التجارة البينية.
وإجمالاً یمكن القول إن قرارات ترامب الأخيرة تشكل اختباراً حاسماً لقدرة البريكس على تحويل التحديات إلى فرص، بالنسبة للدول العربية، حيث أن الانضمام إلى التكتل يمثل مخرجاً استراتيجياً من عبء التبعية للدولار، لكنه يتطلب إصلاحات هيكلية لتعزيز ثقة الأسواق بالعملات المحلية، وفي المقابل تواجه الولايات المتحدة خطراً وجودياً إذ أنه كلما زادت الضغوط على البريكس، تسارعت وتيرة انهيار النظام الذي ساعدت في بنائه منذ 1945م.
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية المحتملة إزاء قرارات ترامب الاقتصادية
السيناريو الأول: استمرار التصعيد
وفق هذا السيناريو قد يواصل ترامب فرض رسوم وتوسيع العقوبات، مما يؤدي إلى مزيد من الانقسامات التجارية وإعادة توجيه سلاسل الإمداد بعيداً عن الولايات المتحدة، مع تباطؤ عالمي متزايد.
السيناريو الثاني: التراجع الجزئي
يرى هذا السيناريو أن البيت الأبيض قد يضطر للتراجع جزئياً عن الرسوم تحت ضغط الشركات الأمريكية والكونجرس، مع الحفاظ على بعض الإجراءات العقابية للحفاظ على ورقة تفاوضية ضد الصين والاتحاد الأوروبي.
السيناريو الثالث: تحوّل نحو التعددية
ينطلق هذا السيناريو من افتراضية التجاوب الإيجابي مع الضغوط الدولية، إذ قد تعمد واشنطن إلى الانخراط مجدداً في إصلاحات منظمة التجارة العالمية والتعاون مع الحلفاء لإعادة بناء الثقة، بما يتيح عودة جزئية إلى اتفاقيات سابقة مع دول الخليج.
السيناريو الرابع: تعزيز المحاور البديلة
من المتوقع أن تفعل الدول العربية توازناتها بالتقارب مع الصين وروسيا ضمن مبادرات مثل “الحزام والطريق” و” البريكس”، مما يرسخ تعددية مراكز القوة الاقتصادية ويقلل من هيمنة السياسات الأمريكية على اقتصادات المنطقة.
ونخلُص من التحليل السابق إلى أن القرارات الاقتصادية لإدارة ترامب لم تُغيِّر فقط مسار التعاون العربي-الأمريكي، بل فتحت أبوابًا لمرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي، فمن ناحية تأثرت اقتصادات الخليج من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الاستثمارات بسبب الرسوم الجمركية، بينما وجدت الدول العربية غير النفطية نفسها أمام عقبات جمركية تعيق اندماجها في الأسواق العالمية، ومن ناحية أخرى دفعت هذه السياسات الدول العربية إلى التسريع في تنويع تحالفاتها، عبر التعاون مع تكتلات ناشئة مثل “البريكس” ومبادرات الصين الاقتصادية، كرد فعلٍ على تقلُّب الالتزامات الأمريكية.
وعليه یمكن القول إن السيناريوهات المستقبلية – سواء استمرار التصعيد أو التحوُّل نحو التعددية – تُؤكد حقيقةً واحدة مفادها أن العالم العربي أمام مفترق طرق يحتِّم عليه تعزيز مرونته الاقتصادية، وإعادة هندسة تحالفاته بعيداً عن الاعتماد الأحادي، استعداداً لعالمٍ تتعدد فيه مراكز القوة، وتتقلص فيه هيمنة الدولار والسياسات الغربية.
