دول المغرب العربي لا تتأثر كثيرًا بالحمائية الأمريكية لارتباطاتها التجارية مع أوروبا وآسيا

Map,Depicts,Northern,Africa,,Encompassing,Countries,Like,Egypt,,Libya,,Algeria,

Map depicts Northern Africa, encompassing countries like Egypt, Libya, Algeria, and Morocco, with the Sahara Desert and Mediterranean coastline.

Getting your Trinity Audio player ready...


أ.د. مصطفى صايج
أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة الجزائر3


أتصور أن أفضل قراءة تحليلية لقرارات دونالد ترامب المتعلقة بفرض الرسوم الجمركية على مجموع دول العالم ولاسيما الصين، بغض النظر عن الرؤية الضيقة المرتبطة بصانع القرار ذاته من حيث التركيز على شخصية ومسار وميولات ترامب المبنية على فن الصفقات، تفرض علينا تحليل مسار التحولات الجيوستراتيجية البنيوية من حيث بنية النظام الدولي الراهن، والذي يعرف تنافسًا شديدًا بين الامبراطورية الأمريكية التي تريد الحفاظ على الأمر الواقع والطموح الصيني الامبراطوري الذي لا يخفي مشروعه في برنامج مسطر ومعلوم، هو الذي يدفع إدارة ترامب لبناء سياسة واضحة جدًا شعارها الكبير “مايغا”، أن نجعل من أمريكا عظيمة مرة أخرى. وأحد الدعائم الأساسية للحفاظ على هذه المكانة في ترتيب وإعادة تشكيل النظام الدولي المستقبلي ترتكز على القوة الاقتصادية والتكنولوجية، لأن حسابات مراكز التفكير الأمريكية بانتماءاتها الايديولوجية المختلفة تشير إلى أن استمرار التنافس الأمريكي-الصيني على حاله وبنفس الإيقاع الذي تضبط بكين عقاربه وبكل المقاييس سيؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة الدولية لصالح الصين. وهذه القناعة الفكرية كانت بمثابة المسلمة الاستراتيجية التي تبنتها إدارة ترامب في العهدة الأولى في وثيقتين أساسيتين، الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي لسنة 2017م، والاستراتيجية الدفاعية لسنة 2018م، بتأكيدات صريحة أن الصين هي القوة المتحدية والمهددة لمكانة وقوة الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا وتسعى للهيمنة العالمية.    

بما أن القاعدة التاريخية لاستشراف مستقبل صعود وسقوط الامبراطوريات خلال الخمسة قرون الماضية، التي قدمها المؤرخ الأمريكي، بول كينيدي، في منتصف الثمانينات من القرن العشرين، تنطبق مؤشراتها على مستقبل المكانة الأمريكية بحساب المؤشر العام الذي يتنبأ بانهيار وسقوط الولايات المتحدة الأمريكية مثلها مثل الامبراطوريات السابقة، ويتعلق الأمر بهدر واشنطن لقدراتها ومكانتها في التمدد العسكري الخارجي والإنفاق الدفاعي على حساب المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، وهو جوهر الضغط الدائم لترامب على حلفائه في الحلف الأطلسي لكي ينفقوا أكثر مقابل البحث عن ممرات حيوية للسيطرة عليها لإجبار الآخرين عن رفع الرسوم على السفن التجارية والعسكرية الأمريكية أو لفرض الرسوم على الحلفاء والخصوم.

وكل التبريرات التي قدمها ترامب في قرارات رفع الرسوم الجمركية والحرب التجارية مع الصين لا تخرج عن تعبير صريح على أنه يقوم بدور المسيح المنقذ لاقتصاد أمريكي يفقد عناصر القوة والقدرة لصالح قوة صينية متحدية لبقاء واشنطن القوى العالمية الأولى على المديين القريب والمتوسط. بالرغم من أن الترتيب العام لا يزال لصالح واشنطن بحساب الناتج الإجمالي الذي وصل إلى ما يقارب 28 ترليون دولار سنة 2023م، مقابل ما يقارب 18 ترليون دولار للصين.

وبالتالي، فإن المجموعة العربية ومن ضمنها دول المغرب العربي ستتأثر بقرارات اللعبة الاستراتيجية الأمريكية-الصينية، سلبًا وإيجابًا، من حيث درجة تماسك وارتباط النظام الاقتصادي والمالي العالمي، أو من حيث القدرة على خلق فرص للتكيف الإيجابي مع تعدد مراكز القوى على المستوى الاقتصادي والتجاري التي بدأت ملامحها تتشكل مع الحرب الروسية-الأوكرانية-الأطلسية أو استخدام الصين لأوراق استراتيجية لتقويض كل الخيارات التي يطرحها ترامب في الحرب التجارية التي انتقلت إلى الأدوات التكنولوجية والتهديد بتحريك بؤر النزاعات الجيوسياسية في بحر الصين وجزيرة تايوان.

أولًا، حسابات دونالد ترامب .. من أجل أمريكا قوية ومتفوقة

بالنسبة لإدارة ترامب فإن قرار فرض الرسوم الجمركية والتصعيد ضد الصين يعد أحد الخيارات العقلانية التي تهدف لإنقاذ العجز المالي الأمريكي الذي يهدد المكانة الأمريكية في النظام العالمي القائم، من جهة، ووقف الصعود الصيني الاقتصادي والتكنولوجي، من جهة أخرى، وهاجسها الاقتصادي في ذلك أن تجمد كل النفقات المالية الداخلية والخارجية الأمريكية من أجل إعادة التوازن المالي لميزانية إمريكية تعرف عجزًا ماليًا قياسيًا، بلغت 1.8 ترليون دولار في سنة 2024م، وتصاعد العجز إلى رقم قياسي بلغ 840 مليار دولار في الثلث الأول من السنة المالية لعام 2025م، بسبب النفقات الاجتماعية الضخمة ومدفوعات فوائد الديون. إن الثورة الداخلية التي حاول ترامب إقامتها ضد البيروقراطية الأمريكية من خلال برنامج إدارة الكفاءة الحكومية الذي أسند لإيلون ماسك، بهدف تقليص النفقات العمومية، صدمت بواقع معارض للبرنامج لم يحقق منه إلا خفض بــ 160 مليار دولار، في المائة يوم الأولى لإدارة ترامب، من المبلغ المحدد والمعلن بترليوني دولار. وأمام هذه الصدمة لم يبق لإيلون ماسك إلا الانشغال بشركاته الكبرى التي أضحت مركز الاحتجاجات والأعمال التخريبية بسبب سياسته الحكومية، وتجنب ثورة اجتماعية مضادة للبرنامج الحكومي شعاراتها المرفوعة، “أرسلوا ماسك إلى المريخ وأرفعوا أيديكم عن الضمان الاجتماعي”.

خارجيًا، تسعى إدارة ترامب إلى معالجة العجز التجاري المتصاعد مع شركاء الولايات المتحدة الأمريكية الذي وصل إلى 1.2 ترليون دولار، وبلغة الأرقام فإن نصف هذا العجز التجاري قائم مع الخصم الصيني والحليف الأوروبي، وخاطب ترامب الأوربيين ” لدينا عجز بقيمة 300 مليار دولار مع أوروبا ورغم ذلك فإنكم لا تشترون سياراتنا ولا منتجاتنا الزراعية، ونحن نأخذ منكم كل شيء، ملايين السيارات والمنتجات الزراعية بمعدلات هائلة”. وتقريبًا قيمة العجز التجاري مع الصين تجاوزت 295 مليار دولار سنة 2024م، وهو تراجع محسوس مقارنة بسنة 2018م، الذي بلغ 418 مليار دولار بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصين في عهدته الأولى. والملاحظ أن هذا التراجع في حصة التبادل التجاري الأمريكي مع الصين تحول إلى أسواق قريبة جغرافيًا لأمريكا حيث احتلت المكسيك الشريك التجاري الأول في سنة 2024م، بحجم تجاري قارب 840 مليار دولار، مع عجز تجاري أمريكي وصل 172 مليار دولار. أما العلاقات التجارية الأمريكية-العربية في إطار المقارنة الشاملة مع هذه القوى التجارية الكبرى وبلغة المكاسب فإن واشنطن حققت فائضًا تجاريًا في سنة 2024م، بقيمة 19 مليار دولار بحيث لم يتجاوز حجم التجارة البينية الأمريكية-العربية 141 مليار دولار، بصادرات أمريكية بلغت 80 مليار دولار وواردات عربية وصلت 60 مليار دولار.

إذا كان خيار فرض الرسوم الجمركية اعتبره ترامب قرارًا عقلانيًا، فإن حسابات المكاسب والخسائر، في ظل عولمة اقتصادية أكثر ترابطًا بين السلع والمنتجات والأسواق العالمية، أثبتت بأن الحروب التجارية في عصر العولمة الرابح فيها خاسر، حيث أغلقت أسواق الأسهم في وول ستريت بخسائر قياسية وصلت إلى 6.6 ترليون دولار خلال 48 ساعة من إعلان قرار ترامب، وأول من تكبد الخسائر الشركات الاقتصادية الأمريكية قبل غيرها، حيث سجل مؤشر أس بي 500، الذي يتابع تطور أكبر 500 مؤسسة اقتصادية أمريكية، في الأيام الثلاثة الأول بعد قرار ترامب فيما سماه ب “يوم التحرير الأمريكي”، انخفاضًا بنسبة 10 % وهو انحدار يعادل صدمات الأزمة المالية لسنة 2008م، وبداية جائحة كوفيد في 2020م. ولم يسبق في التاريخ السياسي الأمريكي أن رفعت 12 ولاية أمريكية دعوى قضائية ضد الرئيس الأمريكي أمام المحكمة الأمريكية للتجارة الدولية بسبب قرار فرض الرسوم الجمركية، واعتباره قرارًا غير دستوري ومن دون تفويض صريح من الكونغرس. ولم يسبق لأي رئيس أمريكي منذ صدور قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية سنة 1977 أن استخدمه لفرض الرسوم الجمركية على الواردات إلى الولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.

أدت الضغوطات الداخلية والخارجية بالرئيس ترامب لإعادة تقييم قرار الرسوم الجمركية جعلته يجمد تنفيذه لمدة ثلاثة أشهر كاملة، فرضت عليه نرجسيته أن يختفي وراء رضوخ معظم الدول للتفاوض حول الرسوم الجمركية بما يخدم مستقبل المصلحة الأمريكية، لكن الصين بقيت الاستثناء التي أعلنت استعدادها للتصعيد التجاري مع ترامب وكأنها في لعبة البينغ بونغ.

ثانيًا: الصين لن تركع لمتنمر وأمريكا نمر من ورق

كلما اشتد الضغط الأمريكي على الصين في الحرب التجارية كلما وظفت بكين أوراقها الاستراتيجية لخلق توازن الردع الاقتصادي المتبادل، ورهانها على عامل الزمن لدفع إدارة ترامب لرفع الراية البيضاء للاستسلام لشروطها. وعامل الزمن في الثقافة الصينية الكونفوشيوسية ليس هو الزمن ذاته مقارنة بالثقافة الأنغلوساكسونية، وقد أثبتت ذلك تجارب عديدة في تاريخ العلاقات الصينية مع الغرب، لعل أبرزها كما وثق أحد الكتاب الغربيين في قضية المفاوضات الصينية-البريطانية على هونغ كونغ، بأن تقبل بكين التنازل لبريطانيا لإدارتها لمدة 99 سنة ثم سلمت للصين على طبق من ذهب بكل مقوماتها الصناعية والسياحية بعد انتهاء عقد الاستغلال. والفارق هنا في مفهوم الزمن أن الغرب كان ينظر لقرن من الزمن على أنه زمن طويل جدًا، بينما الصين كانت تحسب الزمن بدرجة وحجم التغيير وبصبر استراتيجي وليس بمدته الزمنية. وبالتالي، فإن بكين تحاول أن تفرض توقيت المفاوضات بعدما تجعل ترامب يدرك حجم الألم الداخلي والخارجي الذي ستسببه له الصين في حالة استمراره في خيارات التصعيد. ويشكل العامل السيكولوجي في المفاوضات ومن يطلب الجلوس الأول إلى طاولة المساومات، جزء من اللعبة لتحقيق نصرًا استراتيجيًا حول كيفية إعادة ترتيب مستقبل نظام دولي، يتشكل بقواعد وفواعل جديدة. والرسالة التي وصلت إلى إدارة ترامب أن الصين لديها خبرة تفوق ثمانية سنوات في إدارتها للرسوم الجمركية مع واشنطن، جعلتها تتكيف مع أسوأ السيناريوهات، بعدما قلصت نسبة الصادرات في إجمالي اقتصادها من 33 % من إنتاجها الداخلي الخام سنة 2005م، إلى حوالي 20 % في سنة 2020م. حسب بيانات البنك العالمي، كما تراجعت الصادرات الصينية لواشنطن من 19.2% في العهدة الأولى لترامب إلى 14.7 %حاليًا، في الوقت الذي رفعت من نسبتها مع دول الآسيان من 13 % إلى 16.5 % ومع شركائها في مبادرة الطريق والحرير من 39 % إلى ما يقارب 48 %. وهي ورقة تفاوضية للصين تناور بها للتأثير السيكولوجي على إدارة ترامب لقبوله قواعد نظام تجاري دولي متعدد الأطراف، انطلاقًا من استعداد الصين للتخلي أكثر عن السوق والتكنولوجية الأمريكية. ورسالة وزارة الخارجية الصينية إلى المفاوض الأمريكي التي نشرتها عبر فيديو بموقعها الرسمي، كانت أكثر انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف في وجه الزعيم الأمريكي المتنمر مذكرة الولايات المتحدة الأمريكية بأنها لا تمثل العالم بأسره، لأن صادراتها وواردتها لا تمثل أقل من خمس التجارة العالمية.

استخدمت الصين كل أوراقها الاستراتيجية لإثبات الندية في التعامل مع قرارات ترامب، التي اعتبرتها سلوكًا للتنمر وأن الصين لن تركع لنمر من ورق، وبخلاف معظم دول العالم التي تحفظت عن الرد المباشر على رفع من نسبة الرسوم الجمركية، فإن بكين وظفت مبدأ المعاملة بالمثل وفرضت رسوم إضافية على الصادرات الأمريكية، وزادت من أدوات الضغط والإكراه بفرض القيود على نظام التراخيص لتصدير سبعة عناصر أرضية نادرة، تشكل موارد حيوية للصناعات التكنولوجية والدفاعية، مع مراقبة الصادرات الصينية على 16 شركة أمريكية دفاعية، وهي تدرك حجم الصادرات الصينية التي تغطي ثلث المنتجات التي يحتاجها السوق الأمريكية.

المتشائمون جدًا بمستقبل العلاقات الأمريكية-الصينية يتوقعون احتمالات الصدام العسكري بين القوتين الاقتصاديتين في حالة استنفاذ جميع الخيارات، وهو ما ذهب إليه تقرير مجموعة الأزمات الدولية في أكتوبر 2024م، أي قبل قرارات ترامب ذاتها، الذي توقع بتصاعد احتمالات الصدام ما لم يتم حسمها بالخيارات العقلانية والواقعية، التي تعني إجمالًا، قبول الطرفين بتنازلات مؤلمة وإدارة المرحلة الانتقالية للنظام الدولي بين خيارين نقيضين، الصين التي تبحث عن نظام دولي متعدد الأطراف وواشنطن التي تريد الحفاظ على الأحادية القطبية بمنطق أمريكا قوية وعظيمة مرة أخرى.

ثالثًا: تأثيرات الحرب التجارية الأمريكية-الصينية على منطقة المغرب العربي

يشكل النظام الإقليمي العربي نموذجًا للأنظمة الإقليمية الفرعية التي تراقب التحولات الجيوستراتيجية على مستوى بنية النظام الدولي وتأثيرات الحرب التجارية الأمريكية-الصينية على وحدتها، رغم الاختلافات التي يمكن أن نرصدها من خلال درجة الترابط الاقتصادي والمالي والتجاري بينها وبين القوتين الاقتصاديتين العالميتين، فإذا حسبناها بمؤشرات الترابط التجاري الأمريكي-العربي، فإن دراسة قيمة صدرت عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا” إيسكوا”، أشارت إلى مجموعة من تأثيرات السياسة الحمائية التي تنتهجها إدارة ترامب على الاقتصاديات العربية. أول الملاحظات التي نقف عندها، أن هناك تراجع محسوس في حجم الصادرات العربية نحو السوق الأمريكية، فما بين 2013 و2024م، انخفضت الصادرات العربية من نحو 91 مليار دولار إلى 48 مليار دولار، ويمكن قياس درجة التبعية الاقتصادية العربية للسوق الأمريكية بالنسبة لإجمالي حجم التجارة الخارجية العربية، بحيث تقلصت النسبة من 6% من الصادرات إلى 3.5 %، وهي نسبة تؤكد تجنب الكثير من الدول العربية الصدمات الكبرى الناتجة عن الرسوم الجمركية الأمريكية. يفسر هذا التراجع في الصادرات العربية نحو السوق الأمريكية في اعتماد واشنطن على النفط والغاز الصخري الأمريكي ووقفها لواردات المحروقات العربية. إلا أنه لا يجب أن ننظر إلى المجموعة العربية كنظام إقليمي منسجم مقارنة بالاتحاد الأوروبي مثلًا، بحيث يفرض هذا الأخير على إدارة ترامب التعامل معها ككتلة واحدة، ويتضح ذلك في النسب المتفاوتة التي فرضت على الدول العربية التي تتراوح ما بين10 % و41 %، وهناك من الدول العربية التي ستتأثر حتمًا في حالة عدم التفاوض مع إدارة ترامب بعد رفع التجميد، ويمكن أن نشير إلى الأردن التي تمثل صادراتها نحو السوق الأمريكية نسبة 25 % من إجمالي الصادرات، كما تمثل البحرين نموذجًا آخر بسبب تبعيتها للسوق الأمريكية فيما يتعلق بتصدير الألمنيوم والمنتجات الكيماوية.

أما إذا تم قياس درجة تأثر الدول العربية بالحرب التجارية الأمريكية- الصينية وتصاعدها من حيث المتغيرات الاقتصادية الكبرى، فإنها ستتأثر سلبًا، من خلال، البيئة الفوضوية للنظام التجاري العالمي وتراجع نظام وقواعد التجارة الدولية التي نظمت التجارة العالمية لمدة ثمانية عقود، مما يعزز من عدم القدرة على التنبؤ بمساراته المستقبلية، كما أكد، هيكتور توريس، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، ” أصبح التنبؤ بسيناريو أساسي موثوق مسألة مستحيلة تقريبًا، وأن ما تبقى من نظام التجارة القائم على القواعد يتراجع لصالح وضع فوضوي قائم على الصفقات”.

كما ستتأثر الدول العربية بتباطؤ النمو العالمي بسبب الرسوم الجمركية التي أدت إلى انقسام الاقتصاد العالمي إلى كتلتين اقتصاديتين تتجهان نحو فك الارتباط، حيث توقعت منظمة التجارة العالمية أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي العالمي بما يقارب 7% على المدى البعيد، ومن جهته، قلص صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي على المدى المباشر في سنة 2025م، بمقدار 0.5 نقطة إلى 2.8 % وبمقدار 0.3 نقطة في 2026م، إلى 3 %. بينما حذرت وكالة “فيتش” للتصنيف الاتماني من أن الاقتصاد العالمي قد يشهد أضعف نمو له منذ 2009م، وأن النمو العالمي قد يتراجع إلى أقل من 2 % في عام 2025م، بسبب تصاعد الحرب التجارية وعدم اليقين السياسي. وفي الاتجاه ذاته، قلص صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو التجارة العالمية إلى 1.7 % في 2025م، أي ما يعادل نصف نسبة النمو المقدرة في سنة 2024م، وكما تشير معظم التقديرات فإن الدول العربية ستتأثر بالتكاليف الأعلى للتجارة مع غموض أكبر في مواقع الاستثمارات ومصادر التوريد، وأصبح خبراء المنظمات الدولية المالية والتجارية يرددون اللغة ذاتها :” القدرة على التنبؤ بالنظام التجاري باتت أمرًا بالغ الأهمية وأن إصلاحات هيكلية كبيرة مطلوبة لتغيير المسار الاقتصادي العالمي” كما ذكر ب.أ. جورينشا، خبير اقتصادي في صندوق النقد الدولي. إن حالة عدم اليقين واتجاه العالم في مسار الركود كما وصفه تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، سيؤثر على العالم وفي قلبه الدول العربية التي ستتأثر سلبًا بتراجع معدلات الاستثمار والتوظيف خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على التجارة الدولية وسلاسل التوريد.

البيئة التجارية الفوضوية وتراجع نسبة النمو العالمي وعدم اليقينية بالاتجاهات المستقبلية للاقتصاد العالمي، كلها مؤشرات تنذر بضرورة أخذ كل الاحتياطات بالنسبة للدول العربية النفطية، وفق سيناريو البجعة السوداء، القائم على الاحتمال غير المنظور والأكثر تأثيرًا إذا وقع، حيث تراجعت أسعار النفط 7 % في الساعات القليلة بعد إعلان ترامب قرارات الرسوم الجمركية، وهي أدنى مستوى لها منذ ثلاث سنوات، وقد تنخفض أكثر في حالة عدم التوافق بين تحالف أوبك بلس على خطط جديدة للتكيف مع البيئة الاقتصادية الجديدة، مما سينعكس سلبًا على بعض الدول العربية النفطية التي لا تعتمد على تنويع انتاجها ومداخيلها خارج قطاع المحروقات، ويمكن تصور الصدمات النفطية الكبرى التاريخية التي أدت إلى تراجع المشاريع التنموية والاجتماعية الضخمة، واحتمال أن تؤدي في بعض الظروف إلى اضطرابات اجتماعية داخلية.

تشكل منطقة المغرب العربي المنطقة الأكثر هشاشة من حيث الاندماج الاقتصادي، ففي أفضل الحالات لا تتعدى نسبة التبادلات التجارية البينية 3%، وهي من أسوأ النسب في التكتلات الإقليمية الجهوية، بالرغم من أن نسبة التجارة العربية البينية تصل إلى ما يقارب 14% من إجمالي التجارة الخارجية. ويتضح غياب الاندماج المغاربي في السلوك الأمريكي الذي ينظر إلى المنطقة كإقليم غير مندمج، حيث تراوحت الرسوم الجمركية المفروضة على دول اتحاد المغرب العربي المجمد، ما بين 10% و31 %، وهي تتراوح حسب البلدان كالتالي، ليبيا (31 %)، الجزائر (30 %)، تونس (28 %)، المغرب وموريتانيا (10 %). ويمكن تبرير تباين النسب بمعيار الفائض التجاري بين البلدان المغاربية وأمريكا، حيث حققت الجزائر فائضًا في الميزان التجاري مع و.م.إ قدر بــ 1.5 مليار دولار سنة 2024م، وهي من البلدان العربية القليلة التي حققت فائضًا وفي نفس الوقت من الدول العربية الأكثر نسبة من حيث الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. بينما و.م.إ هي من حققت فائضًا في تبادلاتها التجارية مع المغرب، حيث صدرت ما قيمته 5.3 مليار دولار مقابل واردات من المغرب بــ 1.9 مليار دولار في 2024م، وبالنسبة لارتفاع نسبة الرسوم المفروضة على ليبيا، فإنه لا يمكن تبريره بالفائض التجاري وإنما بالقرار السياسي الذي يفرض قيود مستقبلية على التوجهات الاستراتيجية للدولة الليبية في تحالفاتها الخارجية. وإجمالًا، فإن الدول المغاربية لا تتأثر كثيرًا بالسياسات الحمائية الأمريكية، لأن ارتباطاتها التجارية تتجه أكثر نحو أوروبا وآسيا، حيث تجاوزت التجارة الثنائية بين المغرب وأوروبا 60 مليار يورو سنة 2024م، حيث تستوعب السوق الأوروبية ثلثي صادرات المغرب ونصف وارداتها وأكثر من نصف الاستثمارات الخارجية. كما تصل نسبة التبادلات التجارية الجزائرية الأوروبية 60 % من إجمالي تجاراتها الخارجية، معظم صادرات الجزائر تتشكل من الطاقة، في الوقت الذي تمثل تونس كذلك أكبر شريك تجاري لأوروبا تمثل 56 % من تجارتها، تصدر ما نسبته 72 % وتستورد ما يقارب 44 % وفق تقديرات سنة 2023م.

في ظل هذه التحولات التجارية التي تفرضها السياسات الحمائية والنزعة نحو بناء تكتلات اقتصادية كبرى في آسيا وأوروبا، وعدم الوضوح في القواعد التجارية المستقبلية، ليس هناك أمام الدول العربية إلا خيار عقلاني وحيد، أن تسرع من المشاريع الاندماجية ابتداء بالبرنامج التنفيذي لمنطقة عربية للتبادل الحر وإنشاء سوق عربية موحدة، مع الاستثمار المشترك بين الدول العربية الواقعة في شمال إفريقيا في مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، لأن القوة الاقتصادية المستقبلية تكون بيد من يملك القدرة على تحديد مناطق الاستثمارات الجديدة، والتكيف مع الكتلتين الاقتصاديتين المتناقضتين، الصين وأمريكا، في الاتجاه الذي يعيد بناء نظام دولي متعدد الاقطاب تكون فيه للقوى العربية المساهمة في رسم معالمه وقواعده بما يخدم مصالح دوله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *