أزمة إيران / إسرائيل /أمريكا مرشحة للتصعيد ما لم تحيد طهران خطر واشنطن بصفقة “الملفات الخلافية”
Iran between america and israel
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. محمد عباس ناجي
خبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.
رغم الخلاف الظاهري بين إيران وأمريكا، الذي استمر على مدى 46 عاماً منذ عام 1979م، إلا أن الأولى استطاعت بصفة دائمة أن تُحيِّد المخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذا الخلاف، عبر آليات مختلفة. وقد كان للمرشد الأعلى خامنئي تصريح شهير عبّر فيه عن هذه المقاربة التقليدية التي تتبناها إيران في التعامل مع ما تطلق عليه “الشيطان الأكبر”، إذ قال في 9 يناير 2014م، أن “إيران مستعدة للتفاوض مع الشيطان من أجل درء شره”.
هذه المقاربة تحديداً ربما تفسر أحداثاً كثيرة وقعت وكان من الممكن أن تتسبب في أزمات عاتية بين طهران وواشنطن، لكنها انتهت بصفقة بين الطرفين. فخلال فترة الحرب الإيرانية -العراقية (1980-1988م)، عقدت اجتماعات سرية بين طهران وواشنطن، بدأت بمحادثات جرت بين ممثلين من طهران وقيادات في حملة المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية آنذاك ريجان، من بينهم نائب الرئيس آنذاك بوش الأب (الرئيس فيما بعد) وأسفرت عن إفراج إيران عن الرهائن الأمريكيين الـ 52 الذين احتجزتهم منذ 4 نوفمبر 1979م، لمدة 444 يوماً في 20 يناير 1981م، أي في اليوم الأول لوصول ريجان للبيت الأبيض.
هذه المحادثات استمرت بعد ذلك، وتضمنت زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت ماكفرلين إلى طهران عام 1986م، ثم تطورت لتنتهي بما يسمى “فضيحة إيران كونترا”، التي كشفت عنها مجلة الشراع اللبنانية في 3 نوفمبر 1986م.
ربما يعد ذلك مثالاً فقط على أن إيران دائماً كانت تنجح في تحييد مخاطر المواجهة مع أمريكا، أو تحييد التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن الخلل في توازنات القوى بين الطرفين. وأمثلة كثيرة على ذلك، منها تعاون طهران وواشنطن خلال فترة الحرب الأمريكية على الإرهاب التي انتهت بإسقاط أهم خصمين إقليميين لأمريكا، وهما حركة طالبان في نسختها الأولى عام 2001م، ونظام صدام حسين عام 2003م، ومنها الاتفاق النووي الذي توصلت إليه طهران مع مجموعة “5+1” في 14 يوليو 2015م، والذي مكنها من الاحتفاظ بمكونات برنامجها النووي، وتعليق العقوبات الدولية، والأهم منع اندلاع مواجهة عسكرية بسبب برنامجها النووي.
لكن هذه المقاربة التقليدية التي تعاملت بها طهران مع ستة رؤساء أمريكيين، بداية من كارتر وحتى أوباما، واجهت اختباراً صعباً مع الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى 2017م، فقد بدا واضحاً أن ترامب يختلف عن أسلافه الذين أداروا العلاقات مع طهران بآليات مختلفة، انحصر معظمها في الأداتين الدبلوماسية والاقتصادية الممثلة في العقوبات الأمريكية.
في حين أن ترامب بدا حريصاً على تبني سياسة أكثر “خشونة” مع إيران. وقد انعكس ذلك في قراره بشن عملية عسكرية في العراق في 3 يناير 2020م، أسفرت عن مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، وهو القرار الذي عزف الرئيسان السابقان بوش وأوباما عن اتخاذه تفادياً لمواجهة رد فعل إيراني عنيف ضد المصالح والقوات الأمريكية في المنطقة.
وربما يمكن القول إن هذه الضربة تحديداً كانت الأقوى التي تعرضت لها إيران على مدى ثلاثين عاماً منذ انتهاء الحرب مع العراق عام 1988م، ويمكن القول بأن مقتل سليماني كان البداية الحقيقية لضعف النفوذ الإقليمي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، والذي بدا واضحاً خلال تنفيذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023م، وما تبعها من اندلاع الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان، والتي أدت إلى القضاء على القسم الأكبر من القدرات العسكرية لحزب الله اللبناني، وكان لها دور أساسي في سقوط بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024م.
لكن رغم ذلك، لم تكن السياسة الأمريكية تجاه إيران واضحة بشكلٍ كافٍ خلال الولاية الأولى لترامب، التي اختبر فيها آليات عديدة في إدارة العلاقات مع خصوم وأصدقاء أمريكا في آن واحد. وقد بدا ذلك جلياً في انسحابه من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018م، ثم إعادته فرض العقوبات الأمريكية على إيران بداية من 7 أغسطس من العام نفسه.
فقد تصور ترامب أن هذه الخطوات التصعيدية، التي أرفقها باغتيال سليماني، سوف تدفع إيران إلى تغيير سياستها باتجاه مرونة أكبر يمكن أن تساعد في الوصول لصفقة مشروطة حول برنامجها النووي. لكن ما حدث كان العكس، إذ اندفعت إيران لتطوير برنامجها النووي، على نحو أسفر عن مراكمة كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب بنسب مختلفة، وصلت إلى45 ضعف ما هو منصوص عليه في الاتفاق النووي.
وأشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أول يونيو 2025م، إلى أن كميات اليورانيوم الإيرانية المخصبة بنسب مختلفة وصلت 9247.6 كيلوجرام، منها 408.6 كيلو مخصب بنسبة 60% الأقرب إلى النسبة اللازمة لصنع القنبلة النووية وهي 90%.
اندفاع إيران لتطوير برنامجها النووي تواصل خلال ولاية بايدن. وبدت طهران مطمئنة إلى أن تصعيدها النووي في مواجهة الغرب لن يفرض عليها عواقب وخيمة في ظل سياسة بايدن، الذي انتقد من خلالها قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، ومحاولات بايدن العودة للاتفاق مجدداً عبر مفاوضات تعمدت إيران إطالة أمدها دون أن يكون لديها قرار واضح بالوصول إلى صفقة.
محددات رئيسية
اطمئنان إيران إلى إمكانية تحملها عواقب التصعيد النووي بهذا الشكل، يمكن تفسيره في ضوء التصورات التي اعتمدت عليها القيادة الإيرانية والتي قامت على محددات رئيسية ثلاثة: أولها، أن هناك حدود للخيارات التي يمكن أن تتبناها أي إدارة أمريكية في إدارة العلاقات معها، بما فيها الخيار العسكري، لا سيما في ظل التوجهات الأمريكية الجديدة القائمة على عدم الانخراط في أزمات خارجية واستيعاب الضغوط الداخلية الخاصة بعدم استنزاف القدرات الأمريكية العسكرية والبشرية في تلك الأزمات.
وثانيها، أن لدى إيران من النفوذ الإقليمي ما يمكن أن يرفع كُلفة أي عمل عسكري قد يقدم عليه خصومها، لا سيما إسرائيل وأمريكا، وأن هذا النفوذ كان المتغير الأساسي الذي منع نشوب مواجهة عسكرية مباشرة مع الطرفين خلال العقود الماضية رغم الأزمات العاتية.
وثالثها، أنه سيكون لدى إيران دائماً فرصة تحييد مخاطر اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة، على غرار ما حدث خلال الأزمات الماضية، سواء عبر الوصول لصفقة، أو من خلال الاحتفاظ بقنوات تواصل أو إنضاج تفاهمات عبر طرف ثالث.
لكن هذه التصورات بدا أنها تواجه إشكاليات واضحة مع وصول ترامب مجدداً إلى البيت الأبيض في يناير 2025م، بفعل ثلاثة عوامل رئيسية:
الأول، أن ترامب عاد للسلطة مجدداً وهو يتبنى سياسة مختلفة للتعاطي مع الأزمات الإقليمية والدولية القائمة والتي تحظى بأولوية واهتمام خاص من جانب أمريكا. أهم معالمها هو ما أطلق عليه ترامب “السلام بالقوة”، الذي يقوم على أن ترامب يسعى للوصول إلى تسويات سياسية لتلك الأزمات، أولاً لتقليص احتمالات انخراط واشنطن فيها، وثانياً لتحقيق ما يمكن تسميته بـ “إنجازات شخصية” مقارنة بسلفيه السابقين أوباما وبايدن.
لكن اللافت أن الوصول لهذه التسويات يمكن أن يمر عبر استخدام القوة، لدفع بعض الأطراف المنخرطة فيها لتغيير المقاربات التي اعتمدتها في هذا السياق، وكانت سبباً في استمرار هذه الأزمات، وإنما في تصاعد حدتها رغم الجهود الحثيثة التي بذلت من أجل إنهائها.
والثاني، تراجع القدرات العسكرية لوكلاء إيران، بفعل الحرب الإسرائيلية ضد بعضهم، ولا سيما حزب الله، الذي فقد قياداته السياسية والميدانية من الصفوف الأولى، وخاصة الأمين العام الأسبق حسن نصر الله الذي قتل في 27 سبتمبر 2024م. وقد توازى ذلك مع انشغال حماس، والفصائل الفلسطينية، في إدارة الحرب التي ما زالت مستمرة مع إسرائيل، واتجاه الميليشيات الشيعية في العراق إلى ضبط مستوى انخراطها على المستوى الخارجي تجنباً لاستنساخ ما حدث مع حزب الله. وربما كان الاستثناء الوحيد هو ميليشيا الحوثي التي ما زالت مصرة على شن هجمات صاروخية ضد إسرائيل، رغم أن الهجمات التي تشنها في البحر الأحمر تراجعت إلى حد ما، لا سيما بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار المنفرد مع الولايات المتحدة الأمريكية في 6 مايو 2025م.
والثالث، حرص إسرائيل على تحويل ما حدث من اختراق أمني واسع لها بعد تنفيذ عملية “طوفان الأقصى” داخل مستوطنات غلاف غزة من تحدي إلى فرصة، لإضعاف المحور الإقليمي الذي تقوده إيران، والذي ترى أنه اقترب من حدودها بدرجة كبيرة. وقد عبّر نتنياهو عن هذه المقاربة عندما قال أكثر من مرة أن “إسرائيل تعمل على تغيير وجه الشرق الأوسط”. وبعبارة أخرى، إسرائيل اعتبرت أن ما حدث في 7 أكتوبر 2023م، بداية مرحلة جديدة سعت من خلال الحرب التي شنتها ضد إيران ووكلائها إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في المنطقة بما يتوافق مع مصالحها وحساباتها.
وبلا شك، إن ما ساعد إسرائيل على المضي لتنفيذ هذه المقاربة عاملان رئيسيان: أولهما، هو وصول ترامب مجدداً للبيت الأبيض، والذي بدا واضحاً أنه يتماهى إلى حد كبير مع الرؤية التي تتبناها تل أبيب بعد عملية “طوفان الأقصى”. وثانيهما، اضطرار إيران لسحب قواتها من الحرس الثوري والمليشيات الشيعية الموالية لها من سوريا، عقب سقوط نظام الأسد، وبالتالي إهدار كل الموارد البشرية والاقتصادية التي استنزفتها لدعم النظام السوري وتعزيز نفوذها داخل سوريا من مارس 2011 وحتى ديسمبر 2024م.
في هذه اللحظة، بدأت إسرائيل تدرك أن ما كانت تتحسب له من تداعيات وعواقب يمكن أن تتعرض لها في حالة استخدامها الخيار العسكري ضد إيران على نطاق واسع لم يعد قائماً. فقد وصل إلى البيت الأبيض رئيس يدعم موقفها إلى حد كبير مقارنة حتى بالرئيس السابق بايدن. كما لم يعد وكلاء إيران قادرين، أو بمعنى أدق، راغبين في الانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة، للكُلفة العالية التي يمكن أن تنتجها. فضلاً عن أن إسرائيل لم تحظ في أي مرحلة سابقة بدعم قوي من جانب الدول الغربية في مواجهتها مع إيران مثلما حصلت عليه خلال مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى”، خاصة أن إيران نفسها أمعنت في توسيع نطاق الخلافات مع تلك الدول، عبر تقديم دعم عسكري لروسيا لمساعدتها على إدارة عملياتها العسكرية في أوكرانيا، وإصدار أحكام قاسية ضد بعض المواطنين الأوروبيين باتهامات تتعلق بالتجسس ومحاولة قلب نظام الحكم.
وقد كان لافتاً أن إسرائيل سعت قبل شهور من بداية الولاية الثانية لترامب إلى ما يمكن تسميته بـ “إعداد الساحة” للحرب القادمة مع إيران، حيث وجهت ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد الأخيرة في 26 أكتوبر 2024م، تمكنت من خلالها – حسب روايتها – من تدمير القسم الأكبر من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية من طراز “إس 300” الروسية الصنع. مع احتفاظها بخلايا عديدة داخل إيران استطاعت اختراق أجهزة الأمن والمؤسسات الرئيسية النافذة في النظام، الذي كان واضحاً أنه لم ينتبه إلى خطورة ذلك، حتى بعد أن نجحت تل أبيب في اغتيال الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في أحد المقرات التابعة للحرس الثوري في قلب العاصمة طهران في 31 يوليو 2024م، بعد مشاركته في مراسم تأدية الرئيس مسعود بزشكيان اليمين الدستورية كرئيس جديد لإيران.
وقد كان لهذه الخلايا دور رئيسي في الضربات العسكرية التي وجهتها إسرائيل إلى إيران خلال الساعات الأولى من الحرب التي نشبت في 13 يونيو 2025، والتي أسفرت عن اغتيال القادة الرئيسيين في الحرس الثوري والجيش، على غرار قائد الحرس حسين سلامي، ورئيس هيئة الأركان محمد باقري، وقائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس أمير علي حاجي موسوي، ورئيس استخبارات الحرس محمد كاظمي، والعديد من العلماء النوويين مثل فريدون عباسي ومهدي طهرانجي.
خيارات صعبة
إيران بدورها أدركت أن المقاربة التقليدية التي اعتمدتها في إدارة العلاقات مع خصومها لم تعد تتسامح مع المعطيات الجديدة، والتي كشفت عنها الحرب المباشرة التي اندلعت بينها وبين كل من إسرائيل وأمريكيا من 13 إلى 24 يونيو 2025م. فقد طرحت تلك الحرب دلالات ثلاثة رئيسية هي:
الأولى، ترامب لا يتورع عن استخدام القوة ما إذا لم تنجح الأدوات الأخرى في تحقيق أهدافه. فقد سبق اندلاع الحرب خمس جولات من المفاوضات بين طهران وواشنطن للوصول لتسوية أزمة البرنامج النووي الإيراني، ولم تنجح في الوصول لحلول وسط للخلافات العالقة بين الطرفين، لا سيما حول استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم.
وقد بدا واضحاً لترامب أنه ما لم يحدث تغيير على الأرض، فلن يستطيع إبرام صفقة مع طهران حول برنامجها النووي، على نحو دفعه لدعم إسرائيل في استخدام الخيار العسكري، بل والمشاركة في العمليات العسكرية، عبر توجيه ضربات قوية للمفاعلات النووية الثلاثة: فوردو وأصفهان ونطنز، التي تخزن فيها إيران القسم الأكبر من اليورانيوم المخصب. وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن المفاعلات الثلاثة تعرضت لأضرار كبيرة، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان ذلك قد انسحب على اليورانيوم المخصب الذي تحتويه، أم أن إيران نجحت بالفعل في نقل قسم منه إلى خارج المفاعلات قبل اندلاع الحرب، لا سيما اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
والثانية، مرحلة الحرب غير المباشرة أو الحرب بالوكالة مع إسرائيل انتهت، ليس فقط بسبب تراجع قدرة وكلاء طهران على الانخراط في الحرب وتوجيه ضربات عسكرية قوية إلى تل أبيب، وإنما أيضاً بسبب الاستراتيجية التي باتت الأخيرة تتبناها وتقوم على “ضرب المركز وليس الأطراف” كما كان من قبل. وربما يفسر ذلك إلى حد كبير أسباب حرص إسرائيل على توجيه تهديدات مباشرة باستخدام القوة مجدداً ضد إيران في حالة استمرت في تبني السياسة نفسها إزاء الملفات الخلافية، وخاصة البرنامجين النووي والصاروخي.
والثالثة، أن القوى الدولية الداعمة لإيران، أو بمعنى أدق الأقرب إلى مواقفها، وخاصة روسيا والصين، لم تمارس دوراً يذكر من أجل وقف الحرب أو تقليص التداعيات التي أنتجتها على إيران. ولا يعود ذلك فقط إلى مصالحها وتفاهماتها مع خصوم إيران، وتحديداً إسرائيل وأمريكا، وإنما أيضاً لرؤيتها القائمة على أن دعم إيران عسكرياً، على غرار إمدادها بمنظومات دفاع جوي متطورة أو مقاتلات حديثة، يمكن أن تكون له كُلفة، خاصة في ظل تعرضها لضغوط من جانب واشنطن في ملفات أخرى، مثل الملفين الأوكراني والتايواني.
وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن إيران باتت، في ضوء سياسة “السلام بالقوة” التي يتبناها ترامب، تدرك أنها باتت أمام خيارين: الأول، أن تجري مفاوضات جديدة مع واشنطن تحاول تجنب التعرض لضربات عسكرية أو الانخراط في حرب مباشرة جديدة مع تل أبيب وواشنطن، وتلافي إعادة العقوبات الدولية عليها في حالة اتجاه الدول الغربية لتفعيل “آلية الزناد”.
المشكلة هنا أن نتائج المفاوضات ليس مضمونة، فضلاً عن أنها ربما تكون مختلفة عن تلك التي عقدت قبل الحرب، حيث قد تعمد واشنطن إلى توسيع نطاقها لتشمل الصواريخ الباليستية إلى جانب البرنامج النووي، بعد أن استخدمت إيران هذه الصواريخ في توجيه ضربات قوية فرضت تدميراً غير معهود داخل إسرائيل على مدى الإثنى عشر يوماً التي استغرقتها الحرب، وفي استهداف قاعدة العديد القطرية التي تتواجد بها قوات أمريكية قبل وقف إطلاق النار.
والثاني، تواصل سياستها المتشددة القائمة على الاحتفاظ بعمليات تخصيب اليورانيوم على أراضيها، مع إطلاق تهديدات مستمرة بإمكانية توجيه ضربات عسكرية أكثر قوة ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة. وهنا، فإن المعنى المباشر لذلك ربما يكون احتمال تجدد اندلاع الحرب مرة أخرى، خاصة في حالة ما إذا ثبت بالفعل أن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية للمفاعلات النووية الإيرانية لم تحقق النتائج المطلوبة، وأن إيران يمكن أن تواصل تطوير برنامجها النووي من جديد.
في النهاية، يمكن القول إن معادلة القوة الجديدة التي بدأت تفرض تداعيات مباشرة على العلاقات الدولية سوف تواجه اختباراً جدياً في المنطقة خلال المرحلة القادمة، خاصة أن الأزمة القائمة بين إيران من جهة وكل من إسرائيل وأمريكا من جهة أخرى مرشحة إلى مزيد من التصعيد، ما لم تحدث مفاجأة وتنجح طهران وواشنطن من تحييد هذا الخطر عبر إبرام صفقة حول الملفات الخلافية.
