الصراع يتجاوز طهران وتل أبيب لاستراتيجيات متصارعة لرسم مستقبل المنطقة .. والنجاة بالهدوء والحنكة

Earth,Globe,On,A,Chessboard.,Strategy,,World,Politics,Concept

Earth globe on a chessboard. Strategy, world politics concept

Getting your Trinity Audio player ready...

عارف عادل مرشد

أكاديمي وباحث أردني


يتسم المشهد الحالي للنظام الدولي بوصفه مشهداً معقداً، تسوده ضبابية تشوش الرؤية، بحيث يتعذر رصد حدود التداخل بين الأدوار السياسية المختلفة لوحدات هذا النظام في ظل تشابك المصالح وتضاربها ما بين الإقليمي، والدولي، والمحلي. وقد وجد الأردن نفسه في هذا المحيط المضطرب، فكانت معادلة رسم حدود دوره الإقليمي والدولي مسألة في غاية التعقيد ومهمة شاقة.

ومع تطورات القضية الفلسطينية، والتحولات السياسية الجارية على المستوى الإقليمي والدولي، يواجه الدور الأردني الإقليمي تحديات جديدة، كما تتفتح أمامه فرص جديدة أيضاً، مع بقاء العلاقات الأردنية-الأمريكية هي المحدد الرئيسي في رسم هذا الدور.

ويهدف هذا المقال إلى تبيين طبيعة وديناميكيات التحديات التي تواجه دور الأردن الدولي والإقليمي، والتوصل إلى متطلبات التعامل معها بما يحفظ أمنه واستقراره، أخذاً بالاعتبار أثر علاقة المملكة مع الولايات المتحدة على هذه التحديات والفرص.

إدارة ترامب الثانية وإعادة تشكيل النظام الدولي

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، شهد النظام الدولي تطوراً جديداً، بنهاية الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومته الشرقية، اقتصادياً وعسكرياً، وانتهاء مرحلة القطبية الثنائية، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب مهيمن على ساحة النظام الدولي، ويبدو أننا إزاء مرحلة محتملة من مراحل تطور النظام الدولي، بسبب سياسات الرئيس دونالد ترامب المقوضة لكل أسس النظام الدولي الراهن؛ حيث تشكل الإدارة الثانية للرئيس ترامب، التي بدأت في 20 يناير2025م، تحدياً جوهرياً للنظام الدولي الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فعلى الرغم من أن ترامب لا يمتلك رؤية استراتيجية أو ينطلق من فلسفة يدير من خلالها العلاقات الدولية، بل أنه من الصعب العثور على منطق داخلي متماسك في تصريحاته ومواقفه، فقد ظهر ما يُعرف بالترامبية (كمدرسة) أو (نظرية) جديدة في العلاقات الدولية، تختلف عن المدارس والنظريات الرئيسية التقليدية للعلاقات الدولية. وقد لا تتجاوز كونها نمط إدارة جديد للعلاقات الدولية، يهدف لتعزيز قوة ومكانة بلاده بين الحلفاء والأعداء.

إن الوقوف على طبيعة وسمات هذه (المدرسة) أمر حيوي لما لأمريكا كقوة أولى في العالم من نفوذ وتأثير على مجمل القضايا، وبالذات قضايا الشرق الأوسط.

ونستطيع إيجاز أبرز هذه السمات في النقاط الآتية:

1-مبدأ “أمريكا أولاً”: ارتكزت السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال ولايته الثانية، على مبدأ “أمريكا أولاً” الذي أعطى الأولوية لسيادة الولايات المتحدة، ومصالحها الاقتصادية وأمنها القومي فوق أي اعتبار آخر. وقد سعى ترامب إلى تأكيد القيادة الأمريكية على الساحة الدولية، مع دفع الدول الأخرى لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها واستقرارها الاقتصادي.

فالفكرة التي تعتمدها السياسة الخارجية الأمريكية في مبدأ “أمريكا أولاً” تقوم على أن واشنطن تكون في أفضل موقع للقيادة العالمية وضمان السلام والاستقرار عندما تعطي الأولوية لسلامة ورفاهية الشعب الأمريكي.

ومع ذلك، لا يعني نهج “أمريكا أولاً” عزلتها أو العمل بمفردها، بل يعني إدراك الواقع كما هو، والتعامل مع الدول بناءً على هذا الواقع، وليس وفقاً لما يرغب به صانعو السياسة الأمريكية التقليديون.

2-المال أولاً: يسعى ترامب إلى تبني نهج اقتصادي أكثر تشدداً عبر فرض قيود تجارية لتقليص العجز التجاري وتعزيز الصناعات المحلية، ما عزز حالة عدم اليقين في النظام التجاري العالمي، خاصة مع تبنيه حرباً تجارية ضد الصين خارج إطار آليات منظمة التجارة العالمية. فقد أضعف فرص الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية دون الرجوع للقنوات القانونية الثقة بالنظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد. ودفع بعض الدول للبحث عن ترتيبات بديلة. ويشجع هذا الفراغ في القيادة الدولية، قوى إقليمية، مثل الصين وروسيا، على تطوير هياكل موازية، مثل اتفاقيات التجارة الثنائية ومبادرات التمويل البديلة، ما يهدد بإضعاف دور المؤسسات الدولية التقليدية وخلق نظام اقتصادي أكثر تشرذماً.

3-دبلوماسية المعاملات: يرفض دونالد ترامب التقاليد الدبلوماسية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية التي ارتكزت على التعاون الدولي، والتحالفات المتعددة الأطراف، والترويج للقيم الديمقراطية. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قادت الولايات المتحدة جهوداً لإنشاء نظام دولي ليبرالي يستند إلى المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، والناتو، والبنك الدولي، ورأت أن استقرار العالم يخدم مصالحها الاستراتيجية. غير أن سياسة “أمريكا أولاً” ترفض هذا النهج، حيث رأى ترامب أن هذه الالتزامات أضعفت السيادة الأمريكية وأرهقت اقتصادها، لذا، فضّل العلاقات الثنائية على الاتفاقيات الجماعية، وسعى لعادة التفاوض حول المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي رآها غير عادلة لواشنطن، مثل انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 م، خلال إدارته الأولى في مايو 2018م.

4-البراجماتية كنهج: تتبنى إدارة ترامب نهجاً برجماتيًا في إدارة التحالفات الدولية، إذ يعيد تعريف العلاقات الدولية بناءً على المكاسب الاقتصادية المباشرة، حيث يطالب الحلفاء، مثل كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا، بزيادة مساهماتهم المالية في الدفاع المشترك، مهدداً بتخفيض الوجود العسكري الأمريكي في حال عدم الامتثال. فيما، يبدي استعداداً لعقد صفقات اقتصادية مع خصوم واشنطن، مثل موسكو وبكين، شريطة أن تحقق فوائد واضحة للاقتصاد الأمريكي. ما يؤدي لتآكل المعايير القانونية الدولية، ويعزز التوجّه نحو تبني استراتيجيات قائمة على القوة بدلاً من الالتزام بالقانون الدولي.

5-الولاء السياسي قبل الكفاءة: شهدت إدارة ترامب الأولى تعيين شخصيات تفتقر إلى الخبرة في مناصب رئيسية بوزارة الخارجية والوكالات الاستخباراتية، ما أدى إلى غياب رؤية متماسكة في التعامل مع التحديات العالمية. وفي ولايته الثانية، تستمر هذه الظاهرة، ما يضعف عملية صنع القرار الأمريكي، حيث تصبح القرارات أكثر ارتباطاً بالتوجهات الأيديولوجية الشخصية للرئيس ومحيطه السياسي، بدلاً من أن تستند إلى تحليلات استراتيجية مبنية على حقائق ومعطيات ميدانية.

نتيجة لذلك يتراجع نفوذ واشنطن في المؤسسات المتعددة الأطراف، حيث تواجه واشنطن صعوبة في تحقيق توافق دولي حول القضايا العالمية. ومع فقدانها لموقعها التقليدي كقوة قيادية في صياغة القواعد الدولية، تتزايد الفرص أمام قوى أخرى، مثل الصين وروسيا، لملء هذا الفراغ من خلال تعزيز تحالفات بديلة وتشكيل أطر موازية تتحدى النظام الدولي القائم.

محددات الدور الإقليمي الأردني

هناك أكثر من محدد لدور الأردن الإقليمي ومصالحه الوطنية، وهذه المحددات، وفي ضوء المتغيرات المتلاحقة على الساحة الدولية، تؤثر بصورة مباشرة على دول الإقليم وعلى الدول العربية المحيطة بفلسطين بشكل خاص، فالمراقب لطبيعة الدور الإقليمي للأردن في المنطقة، يمكنه رصد أبرز المحددات التي انتابت طبيعة هذا الدور منذ تأسيس المملكة، وأهم العوامل التي أسهمت في تعظيمه أو الحد منه.

وتنقسم هذه المحددات إلى داخلية وخارجية يمكن تناول أبرزها على المستويين الداخلي والخارجي:

أ-المحددات الداخلية: استناداً إلى معطيات الدولة الأردنية من حيث الواقع، فهي تُعد من أصغر الاقتصاديات في الشرق الأوسط، وتعاني من عدم كفاية إمدادات المياه والنفط والموارد الطبيعية، والاعتماد على المساعدات الخارجية، بالإضافة لتحديات بالبطالة والعمالة الخارجية وعجز الميزانية، والدين الحكومي.

ب-المحددات الخارجية: تأثير سياسات الإدارة الأمريكية والمؤسسات الدولية الخاضعة لها على سياسة الأردن الخارجية وعلى نهجه الاقتصادي، الأمر الذي يفسر خلفية استمرار الدعم المالي الأمريكي، رغم محدوديته، لموازنة الدولة الأردنية ودوافع هذا الدعم، بالإضافة إلى ما يوفره من غطاء سياسي لاستقرار الدينار الأردني، مقابل وجود القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي الأردنية، وجميعها مؤشرات على أن الأردن لا يستطيع تجاوز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ولذلك فإن التحدي بالنسبة للأردن، الذي اعتمد منذ أكثر من سبعة عقود على مزيج من الدعم العسكري والمشاركة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، يكمن الآن في دمج هذه الرؤى الجديدة للإدارة الأمريكية القائمة على السوق مع واقع الصراعات السياسية المتجذرة التي تحيط بأمنه القومي الداخلي وتؤثر عليه. ومن ثم تجد عمّان نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في نهجها الاستراتيجي التقليدي تجاه توازن الديناميات الإقليمية. فعلى الرغم من أن تحالفات الأردن طويلة الأمد مع الولايات المتحدة لا تزال مهمة، فإن مستقبل هذه العلاقات بات يعتمد بشكل كبير على قدرة الأردن على تقديم حوافز جديدة، سواء كانت اقتصادية أو استراتيجية، تتوافق مع أولويات واشنطن الراهنة.

بناء على ما تقدم يمكن القول، إن الأردن بحاجة إلى إدارة علاقته مع الولايات المتحدة ضمن أطر أساسية، أهمها: أ-أن ينظر الأردن إلى ذاته ومكانته وقدراته نظرة وازنة بلا تهوين ولا تهويل. ب- اعتماده استراتيجية خارجية أكثر ديناميكية واستشرافاً للتعامل مع تداعيات تغير أولويات الولايات المتحدة على التحالفات الإقليمية وديناميكيات القوة المتبدلة في الشرق الأوسط مما يضع الأردن أمام تحديات وفرص في ممارسة دوره الإقليمي. ج- أن هذه العلاقة لا تحول دون نسج الأردن لعلاقات متعددة، واتباع نظرية تنويع الخيارات مع أطراف دولية وإقليمية أخرى، وبما يحقق الأمن والاستقرار للمملكة ويعزز عمقها العربي ودورها الإقليمي في الوقت نفسه.   

الأردن بين ضغوط حرب غزة والحرب الإسرائيلية-الإيرانية

يتعرض الأردن لمخاطر متصاعدة تفاقمت بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر2023م، والحرب الإسرائيلية-الإيرانية التي بدأت بشن إسرائيل في 13يونيو2025م، شهدت هذه الحرب تحولات عديدة، وتركت الكثير من التأثيرات والتداعيات ليس فقط على البلدين وموازين القوة بينهما، وإنما أيضاً على مستوى الشرق الأوسط بأكمله، بل وحتى على المستوى العالمي، قبل أن يضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حداً لها بفرض اتفاق لوقف إطلاق النار عقب تدخل عسكري أمريكي مباشر ضد المنشآت النووية الإيرانية، ورد إيراني “رمزي” باستهداف قاعدة العديد العسكرية في قطر.

تتمثل إحدى مصادر القلق الرئيسية في الأردن حالياً في رغبة إسرائيل ضم الضفة الغربية بكاملها (أو المنطقة ج أي 60% من مساحة الضفة الغربية كحد أدنى) والاعتراف الفوري من ترامب بهذا الضم، على غرار اعترافه بضم القدس وضم مرتفعات الجولان، خاصة أن ترامب أعرب أكثر من مرة عن تعاطفه مع إسرائيل “الصغيرة المساحة”-على حد قوله-لكي تتوسع وتضيف أراضي جديدة لها.

 إن فكرة اعتبار الأردن “وطناً بديلاً” للفلسطينيين كانت دائماً خطًا أحمر للحكومة الأردنية، فالأردن يعتبر تدفق اللاجئين الفلسطينيين بأعداد كبيرة أزمة وجودية، سواء كانت إسرائيل هي التي هجرتهم جميعاً بالقوة، أو نتيجة لخروج أبطأ من العنف اليومي للاحتلال. ولمنع هذا، قد يفكر الأردن حتى في إلغاء الجنسيات الأردنية للفلسطينيين-فالعديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية لديهم جوازات سفر بعضها يعود إلى فترة السيادة الأردنية على هذه الأراضي قبل عام 1967م-أوغيرها من الأوضاع التي تسمح للفلسطينيين بعبور الحدود بشكل قانوني.

 إلا أنه في ظل غموض موقف إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن احتمال استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية، فإن من المؤكد أن زعزعة استقرار الأردن تتناقض مع المصالح الأمريكية. وفي نهاية المطاف سيتعين على ترامب الاختيار: إما كبح جماح التصرفات الإسرائيلية، أو المجازفة بإشعال صراعات أكبر ستنعكس سلبياً على الأردن وغيرها من دول المنطقة.

الأردن والسيناريوهات المستقبلية للشرق الأوسط

من الواضح أن ملامح المرحلة المقبلة للشرق الأوسط غير محسومة، لكن يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

أولاً-عودة إيران لتفعيل بعض أوراقها الإقليمية بهدف استعادة التوازن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، خاصة في حال استمرار التحديات الداخلية. فبالرغم من أن طهران رفضت “الاستسلام غير المشروط”، الذي اقترحته إدارة ترامب، وأثبتت قدرتها على استهداف المدن الإسرائيلية حتى آخر أيام القتال، فإنه لم يكن من الوارد أن تدخل في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة، فقررت قيادتها أن المصلحة الوطنية لبلادها تكمن في إنهاء الحرب.

ثانياً-توافق دولي وإقليمي على تسوية شاملة تبدأ بعودة إيران إلى الاتفاق النووي مقابل رفع جزئي للعقوبات، وهي تسوية تتطلب مرونة من جميع الأطراف. ومما يدعم من فرص تحقيق هذا السيناريو، أن هذه الهدنة المؤقتة بين إسرائيل وإيران قد فتحت الباب أمام جهود دبلوماسية مكثفة، سواء عبر قنوات مباشرة أو من خلال وساطات إقليمية. فالمعطيات تشير إلى محادثات غير معلنة بين طهران ودول أوروبية بشأن إحياء الاتفاق النووي، إضافة إلى محاولات سعودية وعُمانية للوساطة بين واشنطن وطهران في ملفات إقليمية حساسة مثل اليمن ولبنان.

ثالثاً-انزلاق غير مقصود إلى جولة جديدة من التصعيد نتيجة خطأ حسابي أو استفزاز ميداني، وهي فرضية تبقى واردة في ظل هشاشة وقف إطلاق النار. فقد اتضح بجلاء بعد انتهاء الحرب الاختلال النوعي في ميزان القوة بين إسرائيل المدعومة أمريكياً وإيران التي حاربت منفردة، الأمر الذي سيدفع إسرائيل إلى الاستفادة من هذا الوضع وتحقيق أكبر قدر من أهدافها التي تتضمن القضاء على البرنامج النووي والصاروخي لإيران، والعمل عل خلق الظروف لتغيير النظام الحاكم في طهران، فضلاً عن هدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط الذي تحدث عنه نتنياهو، عدة مرات على مدى عامين، للتخلص من أي مصدر للتهديد العسكري ضد إسرائيل قادر على الحاق الضرر والأذى بها، وفقاً لرؤيته، على نحو ما حدث في فلسطين وسوريا ولبنان. يُضاف إلى ذلك، الإسراع في تنفيذ خطط تهجير الفلسطينيين.

ذلك يعني أننا أمام سيناريو خطير في المستقبل، ووحدها إدارة ترامب القادرة على فتح مسار بديل يجنب المنطقة والعالم حرباً كبرى، وحالة طويلة من عدم الاستقرار، وذلك باتخاذ ما يجب من خطوات لتثبيت وقف إطلاق نار دائم، واعتماد آلية للتعامل مع الخروقات المُحتملة، حتى لا تنزلق الأطراف لمواجهة بفعل سوء تقدير أو خطأ غير مقصود. وبعد ذلك التحضير لمسار تفاوضي دبلوماسي جديد، يقوم على مقاربة مختلفة عما طرحته واشنطن في جولات مسقط وروما، تأخذ بعين الاعتبار حق إيران في برنامج للطاقة النووية السلمية، يخضع لرقابة صارمة من قبل وكالة الطاقة الذرية.

ويبقى هذا السيناريو حاضراً بقوة مع سعي إدارة ترامب إلى تثبيت نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يرتكز على التفوق الإسرائيلي، تحجيم إيران، وإنهاء القضية الفلسطينية عملياً، مع تقليص كلفة التدخل الأمريكي المباشر.

بناء على ما تقدم، يقف الأردن أمام منعطف دقيق بحساسية شديدة، فهو من جهة، لا يزال مُهدد أمنياً بشكل مباشر، فعلى الرغم من توقف العمليات العسكرية بين الطرفين المتحاربين، إيران وإسرائيل، إلا أن أسباب النزاع لا تزال قائمة، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب هشة وقابلة للانفجار مجدداً. ومن جهة أخرى، فلقد أكدت هذه التطورات المتلاحقة في المنطقة بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والمواجهة العسكرية الإسرائيلية-الإيرانية، أن الأردن محكوم بتوازنات داخلية دقيقة تجعل من أي اصطفاف علني خطراً على نسيجه الداخلي مع شارع محتقن منذ السابع من أكتوبر. فالحساسية الأردنية لا تتعلق فقط بالجغرافيا، بل بالتاريخ السياسي المركب للمملكة، وبتشابك ملفاتها مع كل من طهران وتل أبيب، ومع واشنطن أيضاً، فعمّان لا تستطيع تحمّل رفاهية التفرّج، لكنها كذلك لا تملك ترف المشاركة، ولذلك، فهي تميل نحو خيار الصمت النشط، والمراقبة الدقيقة، والحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، والتمسك بخيار “النأي بالنفس” مع تحذير قوي من انجرار المملكة إلى الصراع الإسرائيلي-الإيراني المُحتدم في المنطقة، مع تفعيل المسارات الدبلوماسية لحماية الاستقرار الإقليمي.

الخاتمة

1-في ظل إدارة ترامب الثانية، يواجه النظام الدولي الليبرالي تحديات غير مسبوقة قد تعيد رسم ملامح العلاقات الدولية لعقود قادمة. فالهجمات الأمريكية / الإسرائيلية ضد إيران قد تتحول إلى قاعدة في العلاقات الدولية، مما قد يؤدي إلى تدهور العلاقات بين الدول، بل وقد يشجع بعض الدول على شن هجمات ضد المنشآت النووية لدول أخرى. ناهيك عن أن هذه الهجمات ضد إيران قد ألحقت ضرراً كبيراً بالقانون الدولي.

2-منطقة الشرق الأوسط لن تكون هادئة أو مستقرة في المستقبل القريب، فاحتمال اندلاع صراع جديد بين إسرائيل وإيران لا يزال قائماً. ترامب ونتنياهو أكدا على مبدأ غاية في الخطورة على المنطقة ألا وهو “القوة لصنع السلام”، وفي نفس الوقت يصرح نتنياهو يوماً بعد آخر “أنه على طريق تغيير وجه الشرق الأوسط بأي وسيلة”.

3-يتبنى الأردن سياسات وسطية قائمة على الاعتدال السياسي، وتفادي اتخاذ مواقف متشددة في النزاعات الموجودة في المنطقة، وذلك يعود لاعتبارات عديدة يقف على رأسها حساسية الموقع الجغرافي الكائن في قلب الشرق الأوسط، فالأردن دولة محورية في التوازن الإقليمي يؤثر ويتأثر بالنزاعات والصراعات المحيطة.

وفي هذه اللحظة الشرق أوسطية المعقدة، تحتاج عمّان أكثر من أي وقت مضى إلى التمسك بأعلى درجات الحنكة السياسية، فالصراع ليس فقط بين طهران وتل أبيب، بل بين استراتيجيات متصارعة لرسم مستقبل المنطقة، والنجاة فيه تكون بالهدوء الحازم والحنكة السياسية، وهي أدوات لطالما امتلكتها عمّان، ويُفترض ألا تتخلى عنها الآن. وأي انزلاق خاطئ قد يكون باهظ الثمن داخلياً وخارجياً، فالدور الإقليمي للأردن في هذه المرحلة، يتطلب القدرة على صياغة موقف مستقل للمملكة يحفظ أمنها دون أن يُغضب الحلفاء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *