نظام ثنائي بسيطرة أمريكية – صينية خسارة للهند ويتطلب براعة للتعامل مع تحديات المشهد المضطرب

India,Flag,Flying,High,At,Connaught,Place,With,Pride,In

India flag flying high at Connaught Place with pride in blue sky, India flag fluttering, Indian Flag on Independence Day and Republic Day of India, tilt up shot, Waving Indian flag, Har Ghar Tiranga

Getting your Trinity Audio player ready...

د. نارايانابا جاناردهان
مدير إدارة البحوث والتحليل-أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية-أبو ظبي


لم يواجه النظام الدولي الليبرالي، الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحديات وجودية بحجم ما شهده في الأشهر السبعة الماضية. فقد اهتزت أركانه بفعل سياسات صانعه الأمريكي، تزامناً مع عودة الرئيس ترامب للسلطة كزعيم متقلب المزاج. يتفاقم هذا الوضع مع عقود من تآكل فعالية وموثوقية المؤسسات الدولية، مما أدى لفقدان النظام العالمي لتوازنه. كما أسهم صراع القوى العظمى في غموض المشهد العام.

في هذا السياق المتغير، تسعى الدول لتنويع تحالفاتها وشراكاتها لتلبية احتياجاتها. وفي خضم هذه البيئة العالمية المتقلبة، أصبح لزاماً على الهند، كقوة صاعدة، إعادة تقييم دورها المتطور وخياراتها الاستراتيجية. لطالما دعمت نيودلهي المؤسسات الدولية متعددة الأطراف والنظام القائم على القواعد الذي ترعاه السياسة الخارجية الأمريكية. وبينما تبنت نظرة واقعية في سياستها الخارجية تركز على الاستقلال الاستراتيجي وعدم الانحياز، ولم تسع أبداً للإطاحة بالركائز الأساسية للنظام الدولي الليبرالي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. بل على العكس، حرصت الهند على تعزيز مكانتها ضمن هذا النظام.

ومع ذلك، يمكن القول إن تهاوي هذا النظام قد لا يضر بالضرورة بالمصالح الهندية. فتكتيكات الرئيس ترامب، التي تدعم النهج التبادلي والتعددية القطبية، قد تصب في صالح الهند. السؤال إذن هو: كيف يمكن للهند أن تموضع نفسها ضمن هذا النظام العالمي الناشئ؟

ويستعرض هذا المقال عدداً من الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام الهند.

 نحو شراكة استراتيجية أوثق مع أمريكا

شهدت العلاقات الهندية-الأمريكية تطورًا ملحوظًا إبان الولاية الأولى لترامب، تجلى في إبرام صفقات دفاعية واتفاقات دبلوماسية بارزة، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة، فضلًا عن إحياء الحوار الأمني الرباعي “كواد” الذي يضم اليابان وأستراليا. تعمقت أوجه التعاون لتشمل تزويد الجيشين بالوقود في عرض البحر، وصيانة السفن الحربية الأمريكية في الأحواض الهندية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول التحركات الصينية. تُعد هذه الشراكة محورية لتعزيز النمو الاقتصادي للهند بالنفاذ للسوق الأمريكية، وتوفير ضمانات جيوسياسية في مواجهة النفوذ الصيني.

ويدرك الطرفان توافق مصالحهما وتطلعاتهما في معظم الأحيان، بالإضافة للتكامل الاقتصادي بينهما. تنظر واشنطن للهند بوصفها “شريك قوي وواقعي” يتعامل بجدية مع قضايا الدفاع وسلامة الأراضي، كما أنها “شريك متعاون” في مواجهة بكين. ومن المتوقع أن يواصل التبادل التجاري بين البلدين نموه، مع طموحات بمضاعفته ليبلغ نحو 500 مليار دولار بحلول عام 2030م، إلى جانب تعزيز الروابط الدفاعية والأمن الإقليمي. ضمنيًا، تشجع أمريكا القوى الإقليمية كالهند على الاضطلاع بدور أكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ومع ذلك، فرضت الإدارة الثانية لترامب تعقيدات متزايدة على هذه العلاقة. رغم جهود الحكومة الهندية لاسترضاء الرئيس الأمريكي، فإن تركيز ترامب على تصحيح العجز التجاري وضع الهند في مرمى التحديات، مما أدى لفرض رسوم جمركية على السلع الهندية. في أبريل من هذا العام، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية متبادلة بنسبة 26% على الهند. ولاحقًا، خُفِّضت هذه النسبة على جميع الدول إلى 10%، ما أتاح لنيودلهي فرصة التفاوض على اتفاقية تجارية.

 سياسة التباعد عن الصين

تاريخيًا، اتسمت العلاقات الهندية ـ الصينية بالتنافس الشديد، وهو ما يحمل أهمية كبرى لمستقبل النظام الدولي. ورغم أن التقارب الأخير بينهما عقب الاشتباكات الحدودية عام 2020م، يُظهر قدرتهما على إدارة التوترات، تسعى بكين جاهدة لضمان تفردها كقوة آسيوية مهيمنة.

يتجاوز التوتر مجرد النزاع الحدودي ليشمل التوسع البحري الصيني في المحيط الهندي، والذي يُنظر إليه، بما في ذلك استراتيجية “عقد اللؤلؤ” المتمثلة في إنشاء موانئ من ميانمار إلى باكستان، كتهديد أمني. كما يُعتبر التقارب الصيني ـ الباكستاني بمثابة مسعى استباقي طويل الأمد لاحتواء الهند، وقد تجسد هذا التحالف الاستراتيجي في مشروعات كالممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، الذي تشارك فيه دول الخليج.

ويكمن الشغل الشاغل حاليًا في التداعيات المحتملة لتسوية أمريكية ـ صينية في عهد ترامب، والتي قد تقوّض المصالح الهندية وتدعم الموقف الصيني في النزاع الحدودي. ومع ذلك، لا تمنع هذه المنافسة التعاون أحيانًا بين البلدين لتحقيق أهدافهما التنموية الوطنية. فقد أبقت الهند الباب مفتوحًا للانخراط مع الصين من خلال عضويتها في بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، بينما هي جزء من تكتل “I2U2” الذي يضم إسرائيل، الإمارات، وأمريكا. وفي ظل الحرب التجارية، بادرت بكين بخطوات إيجابية تجاه نيودلهي، مشيرة إلى ضرورة التعاون بين البلدين لمواجهة أمريكا.

مجموعة البريكس ـ الجنوب العالمي ـ والاقتصادات الناشئة

تحرص الهند على تعميق مشاركتها مع تكتل بريكس، والجنوب العالمي، وغيرها من الاقتصادات الناشئة. شهد تكتل بريكس توسعًا ملحوظًا في عام 2023م، ليشمل دولا مثل مصر، وأثيوبيا، وإيران، والمملكة العربية السعودية (مدعوة للانضمام إلى بريكس)، إلى جانب الإمارات. يتحدى بريكس المزايا الهيكلية التي تنعم بها الاقتصادات المتقدمة دون استعداء الغرب، أو تكتل “غير غربي لا مناهض للغرب”. وأظهرت الهند والقوى الوسطية الأخرى مثل الإمارات والسعودية قدرًا من المرونة في العمل داخل وخارج مجموعات مثل مجموعة العشرين. وتعمل الهند على إنشاء مؤسساتها الدولية بالتعاون مع شركاء ذوي تفكير مماثل، وأن تكون ذات مجالات محددة وتركز على تحقيق الأهداف العالمية، وإظهار الطموح الهندي لتبوء دور مركزي، بالأخص في مستقبل الجنوب العالمي. في ضوء هذا، دأبت الحكومة الهندية الراهنة على الترويج لرؤية” 2047″ التنموية التي تهدف لتحقيق مكانة متقدمة بحلول عام 2047م، وتعكس دورًا هنديًا رياديًا في عالم متعدد الأقطاب. ونظرًا للتوقعات بأن يلعب “الجنوب العالمي” دورا مؤثرا في مجرى تغيرات النظام العالمي، فإن استراتيجية التحوط الهندية في ظل عدم اليقين تطمح لتوطيد الروابط مع تلك البقعة من العالم.

الشراكات مع دول الخليج

تُولي الهند اهتمامًا بالغًا بتعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومنها السعودية. لطالما ارتكزت الروابط بين الجانبين على محاور الطاقة، التجارة، والمغتربين. وتبرز مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، التي أُعلن عنها عام 2023م، كمشروع محوري يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عابرًا الأراضي الإماراتية والسعودية. كما تسهم الشركات الهندية في ميناء تشابهار الإيراني في هذه الجهود، مما يدعم طموح الهند لترسيخ مكانتها كمركز تجاري عالمي.

وقد هيمنت كل من الإمارات والسعودية على الحصة الكبرى من إجمالي التبادل التجاري بين الهند ودول مجلس التعاون خلال الفترة 2024-2025م، حيث بلغ 179 مليار دولار. استحوذت الإمارات على 100 مليار دولار، فيما بلغت حصة السعودية 42 مليار دولار. يُظهر هذا الرقم نموًا هائلاً مقارنة بعامي 2000-2001م، حيث لم يتجاوز التبادل التجاري آنذاك 7 مليارات دولار. وتُقدر الصادرات الهندية لمنطقة الخليج بنحو 57 مليار دولار، وواردات تصل إلى 122 مليار دولار. وتُصنف الإمارات والسعودية في المركزين الثالث والرابع ضمن قائمة أكبر الشركاء التجاريين للهند، بعد أمريكا والصين.

وتُعد منطقة الخليج مصدرًا رئيسيًا للاستثمار الأجنبي في الهند، وخطط التنمية الهندية، وأبدت السعودية اهتمامًا جادًا بضخ استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار في مشروعات هندية، وتعتزم الإمارات ضخ 75 مليار دولار. ومن المتوقع أن يصل عدد الهنود المقيمين في دول مجلس التعاون حوالي 9 ملايين نسمة هذا العام، ما يمثل 66% من إجمالي الهنود غير المقيمين.

وبالفعل شهدت الاستثمارات السعودية والإماراتية في الهند نموًا ملحوظًا، خاصةً في قطاع الطاقة. تجلى ذلك في صفقات بارزة، منها التعاون بين موانئ دبي العالمية والصندوق الوطني للاستثمار والبنية التحتية الهندي، والذي أسفر عن استثمار نحو 3 مليارات دولار في قطاعي النقل والخدمات اللوجستية في الهند عام 2018م، سبق هذا الاتفاق توقيع الصندوق الوطني للاستثمار والبنية التحتية الهندي اتفاقية استثمار بقيمة مليار دولار مع هيئة أبو ظبي للاستثمار عام 2017م.

وضخت صناديق الثروة السيادية من السعودية وأبو ظبي استثمارات بقيمة 3.5 مليار دولار في منصات جيو الرقمية التابعة لشركة ريلاينس إندستريز عام 2020م، كما يعكس التركيز المتزايد على الشرق تجاوز حجم استثمارات شركة مبادلة الإماراتية داخل الهند عام 2020م، إجمالي استثماراتها على مدار تسعة عشر عامًا مجتمعةً.

توسع هذا التعاون ليشمل السعودية، حيث انضمت وزارتا الاستثمار والصناعة والثروة المعدنية إلى الجهود المشتركة عام 2024م، وقد تم توقيع اتفاقية بين شركة فيدانتا كوبر إنترناشونال، التابعة لشركة فيدانتا الهندية المحدودة، لتطوير مشاريع نحاس بقيمة 2 مليار دولار داخل المملكة. تشمل بناء مصهر ومصفاة ومرافق لإنتاج القضبان.

 ساهم إنشاء مجلس الشراكة الاستراتيجية في إضفاء صبغة مؤسسية على الحوار بين الهند والسعودية. وأشار البيان المشترك عام 2016م، إلى ” الارتباط الوثيق بين الاستقرار والأمن في منطقة الخليج وشبه القارة الهندية والحاجة للحفاظ على بيئة آمنة وسلمية من أجل تنمية المنطقة”. وشهد عام 2018م، انطلاق المناورات البحرية المشتركة بين الهند والإمارات تبعتها مناورات مشتركة مع الجانب السعودي عام 2019م، والتي اتسعت لتشمل إجراء مناورات جوية وعسكرية. لقد أكدت الهند على أن علاقاتها مع الخليج تقوم على أساس أربعة معايير: ” تجنب الأحكام المسبقة، وتجنب التدخل، وعدم الانتقاد، وعدم الانحياز في النزاعات داخل المنطقة” وهو ما يخولها تلقائيا من التمتع بعلاقات وثيقة مع كافة دول المنطقة. بشكل عام، تعتبر الروابط الهندية مع دول الخليج، واليابان، وأمريكا ” كلمات السر الثلاث” التي تمنحها دفعة قوية على صعيد السياسات الخارجية. فيما تعكس قدرة نيودلهي على تحويل دفة العلاقات مع المنطقة، وتجنب التورط في النزاعات الحالية، والحفاظ على علاقات جيدة مع إيران، وهي المرونة التي لم تنجح حتى أمريكا في التحلي بها.

دور الهند المتنامي في النظام الدولي الجديد

يستمد الدور الهندي المتصاعد قوته من تنامي القدرات الوطنية، فبصفتها الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان عالميًا، وفي ظل موقعها الجغرافي الاستراتيجي وسياستها الخارجية المستقلة، من المتوقع أن تصبح الهند ثالث أكبر اقتصاد عالمي بحلول عام 2030م، بينما تحتل بالفعل المرتبة الرابعة عالميًا من حيث القوة العسكرية. تمنح هذه العوامل مجتمعة الهند القدرة على الازدهار في عالم متعدد الأقطاب يتوقع أن يخلف النظام القائم على القواعد، وذلك لعدم وجود تهديدات وجودية أو سيادية تواجهها، على عكس الدول الأصغر شأناً.

ويُنظر إلى الهند كقوة عظمى لا يمكنها الانحياز لمعسكر واحد أو التبعية لأي قوة عالمية أخرى، بما في ذلك أمريكا. على النقيض، تفرض قوتها الإجمالية المتنامية عليها مسؤوليات أكبر وتمنحها فرصًا أوسع لرسم ملامح النظامين الإقليمي والعالمي. وقد تجلى ذلك في تحول الخطاب الدبلوماسي الهندي من النزعة الدفاعية والاستقلال الاستراتيجي إلى الثقة بالنفس والتركيز على المصالح الوطنية والتطلعات العالمية. فبعد أن كانت نيودلهي تتحدث عن “الاستقلال الاستراتيجي”، أصبحت الآن تصف نفسها بـ “قوة رائدة”، “صديق عالمي”، “داعم أمني”، أو “أول المستجيبين”.

من المتوقع أن تساهم الهند بفعالية في دعم السلام والأمن الدوليين، خاصة في حل القضايا العالقة مع دول الجوار. وتمنح “سياسة الجوار أولاً” الهندية الأولوية لتنفيذ مشروعات الربط الكبرى، مثل مشروع الممر الاقتصادي، والطريق السريع الثلاثي (الهند، ميانمار، تايلاند) الذي يربط شمال شرق الهند بدول جنوب شرق آسيا. يعزز هذا الدور المركزي للهند في منظومة التجارة الدولية والجغرافيا السياسية من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي.

وهكذا تتطلع الهند إلى ترسيخ مكانتها داخل الجنوب العالمي والهيمنة في منطقة المحيط الهندي، مدعومة بقوتها المتنامية وبما يتفق مع التصور القائل بضرورة تأمين القوى العظمى لمجالها الحيوي.

التحالفات المصغرة ” Minilaterals

تعتمد الاستراتيجية الهندية على المشاركة في تكتلات أكثر مرونة تُعرف بـ “التحالفات المصغرة”. التي تُعد بديلاً للتحالفات التقليدية لدولة ذات تاريخ طويل في سياسة عدم الانحياز، كلاً من الحوار الرباعي الأمني (كواد)، و “أي تو يو تو” (I2U2)، و”يو إف آي” (UFI)، وغيرها. تعتمد آلية عمل هذه التكتلات على التزامات طوعية، مما يتيح للهند الحفاظ على مصالحها واستقلالها، مع معالجة المصالح والتحديات المشتركة. كما توفر فرصًا للتعاون يتجاوز القضايا الأمنية ليشمل الوعي بالمجال البحري، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، وتغير المناخ. تُعد هذه القضايا أساسية لتحقيق استقرار دولي ونظام عالمي إيجابيين.

لكي تكتسب الهند نفوذًا عالميًا، يتوجب عليها تحقيق تحول اقتصادي كبير. ومن المتوقع أن تلعب التقنيات الناشئة دورًا حاسمًا في تحقيق هذا الهدف، كما أن انخفاض ديونها نسبيًا يوفر حيزًا ماليًا لتحقيق الاستقرار. وفقًا لرؤية نيودلهي الاستراتيجية، يشهد العالم تحولًا جوهريًا، مما يستدعي أن يمنح اقتصادها المتسارع النمو دورًا متزايد الأهمية. ويستكشف صانعو السياسات في الهند آليات للتعاون الدولي، لا سيما مع القوى الوسطى.

تشعر الهند أن صراع القوى العظمى فاقم من الضعف داخل المؤسسات الدولية التقليدية. كما تعتريها خيبة أمل بالغة إزاء إخفاق الأمم المتحدة في الاستجابة لمتطلبات النظام العالمي الاقتصادي والسياسي المتغير، من خلال إصلاح مجلس الأمن الدولي وتوسيع عضويته ليشمل الهند. فيما يخص العلاقات الصينية / الباكستانية، ترى نيودلهي أن المنصات متعددة الأطراف يُساء استخدامها لحماية “داعمي الإرهاب”. وأكد الدبلوماسيون الهنود أن المنظمات متعددة الأطراف فشلت في معالجة قضايا مثل المناخ، وأمن الغذاء والطاقة. لذلك، تُسهم التحالفات المصغرة في سد الفجوة وإنجاح ما قد تفشل فيه المؤسسات متعددة الأطراف، كما عبر عنه وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار بقوله: “هذا النمط من الدبلوماسية وُجِدَ ليبقى”.

لا تزال الهند ترى أن المنظمات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة يمكن أن تلعب أدوارًا مهمة. وتضفي عضوية مجلس الأمن بريقًا عالميًا لا يضاهيه أي من المنتديات المصغرة. كما توفر الأمم المتحدة للهند منبرًا لإظهار ريادتها الدولية، بصفتها صوتًا لدول الجنوب العالمي. قد تكون هذه الدوافع الكامنة وراء دعم نيودلهي لإصلاحات الأمم المتحدة، ومشاركاتها الدؤوبة في محافل أخرى متعددة الأطراف، مثل ممر النمو الآسيوي الإفريقي ومجموعة العشرين. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بتنفيذ مشروعات في الخارج، مثل تقديم مساعدات إنمائية لكينيا وإثيوبيا، تميل الهند بشكل متزايد للعمل ضمن إطار القنوات المتعددة المصغرة.

الختام

ستواجه الهند على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة، خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي ترامب، بيئة دولية متقلبة ومعقدة. تتسم هذه الفترة بالتحول من سيادة القانون الدولي نحو التفاعلات القائمة على القوة، مما يهدد بتقويض سلطة المؤسسات التقليدية متعددة الأطراف. يفرض المشهد العالمي الجديد تحديات على الهند، القوة العالمية الصاعدة والداعمة تقليديًا للنظام القائم على القواعد، ولكنه في الوقت ذاته يتيح لها فرصًا محتملة.

لذا، فإن الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام الهند تستلزم تحقيق توازن دقيق بين عدة محاور: توطيد شراكاتها المحورية مع الولايات المتحدة، وان كانت قائمة على المصالح المتبادلة، والتغلب على التحديات الخطيرة والمتعددة الأوجه التي يفرضها الوجود الصيني، وتحسين مستوى المشاركة مع دول الجنوب العالمي والاقتصادات الناشئة، وتعزيز الممرات الاستراتيجية والشراكات مع مناطق عالمية مثل الخليج.

إن القوة المتنامية للهند وتطلعاتها المستقبلية تضعها في مكانة تمكنها من الاضطلاع بدور إقليمي أكثر حسمًا والمساهمة الفاعلة في الحوكمة العالمية. سيعتمد ذلك على قدرتها على إدارة تعقيدات جوارها الإقليمي، والاستفادة من مشروعات الربط والاتصال، ومواصلة التنمية الاقتصادية، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية المرنة كالتحالفات المصغرة.

لقد حرصت الهند على بناء تحالفات متعددة كوسيلة لتحقيق مصالحها الجوهرية وقيمها في العلاقات الدولية، وتخدم هذه التحالفات في دعم تنميتها الاقتصادية وأمنها القومي. ومع ذلك، يجب الحذر من أن انهيار النظام الليبرالي الدولي، على الرغم من المكاسب التكتيكية المحتملة التي قد يوفرها للهند، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ترسيخ نظام دولي ثنائي القطب تسيطر عليه أمريكا والصين. هذا السيناريو قد ينذر بخسائر استراتيجية دائمة للهند من خلال إضعاف شوكة القوى العالمية التي تواجه النفوذ الصيني. بالتالي، يتطلب هذا السيناريو الجديد براعة استراتيجية فائقة للتعامل مع التحديات واستخلاص النتائج المواتية من المشهد العالمي المضطرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *