إمكانيات إسرائيل وإيران لا تسمح بحرب طويلة وطهران تلجأ لـ “التُقية” لحين إعادة ترميم قدراتها

Many,Bullets,And,Iranian,Rials,Money,Bills,Close,Up.,Concept

Many bullets and iranian rials money bills close up. Concept of terrorism funding or financial operations to support war in Iran

Getting your Trinity Audio player ready...

د. خضير عباس النداوي

أستاذ الاقتصاد الدولي المساعد ـ كلية الفارابي ـ جامعة بغداد


     منذُ ثلاث سنوات خلت، شهدت منطقة الشرق الأوسط صراعات عسكرية مُتعددة إذْ خاضت فيها ” إسرائيل” وبدعم اقتصادي وسياسي وعسكري مُطلق من حلفائها الغربيين أربع حروب: ثلاث منها مع منظمات مُصنفة إسرائيلياً بكونها ” منظمات إرهابية” تدعمها إيران. فيما كانت الرابعة مع دولة إيران.  بدأت الأولى، مع حماس في غزة منذ 7 أكتوبر 2023م، ولا تزال مُستمرة. والثانية، مع حزب الله في لبنان، والتي اندلعت في 8 أكتوبر2023م، وتوقفت في 26 نوفمبر 2024م، بتدمير” إسرائيل ” لجانباً مُهماً من القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية لقوات حزب الله اللبناني. والثالثة، مع الحوثيين في اليمن واقتصرت على غارات جوية وبحرية مُتبادلة في أوقات مُتقطعة. والرابعة، مع إيران أسمتها “إسرائيل” (عملية الأسد الصاعد)، وبدأت في 13 يونيو 2025م، واستمرت لاثنتي عشر يوماً، وتم حسمها مرحلياً بعملية عسكرية أمريكية نوعية أطلقت عليها واشنطن (مطرقة مُنتصف الليل) واستهدفت تدمير أجزاء مهمة من البرنامج النووي الإيراني.

       أولاً. مقارنات أولية: إيران بلد ذو تاريخ عريق قوامه أكثر من خمسة آلاف سنة في عمق التاريخ، وتحتل المرتبة الثامنة عشرة من حيث المساحة على المستوى العالمي، إذْ تبلغ مساحتها (1,745,150) كم2، فيما بلغ عدد سكانها (91) مليون نسمة في نهاية عام 2024م، بحسب أحدث الإحصاءات المتاحة للبنك الدولي. وبالاتجاه المقارن، فإنَّ ” إسرائيل ” كيان حديث التكوين، لم يتجاوز عمره في فلسطين المحتلة سوى (77) سنة فقط، ومن حيث المساحة تبلغ مساحة ” إسرائيل” (22,070) كم2، فيما بلغ عدد سكانها (10) ملايين نسمة في نهاية 2024م، ويتضح مما تقدم، بأنَّ مساحة إيران أكبر من مساحة إسرائيل (بستين مرة)، وسكانها أكثر من سكان إسرائيل (بتسع مرات) وهما ليستا متجاورتين جغرافياً، إذْ إنَّ المسافة بينهما تبلغ (1000) كم.

     وفقاً للبنك الدولي، فقد تراوح الناتج المحلي الإجمالي في “إسرائيل” للسنوات (2020ــــ2024م) ما بين (410.7) مليار دولار لعام 2020حتى وصل في عام 2024 م، إلى (540.3) مليار دولار.  فيما تراوح الناتج المحلي الإجمالي لإيران للمدة ذاتها ما بين (262.6) مليار دولار في عام 2020م، حتى وصل إلى (436.9) مليار دولار في عام 2024م.

       كما تُعتبر ” إسرائيل” أكبر مُتلقٍّ للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى الآن، ووفقاً لدراسة للكونغرس الأمريكي، قدّمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ” لإسرائيل” (1946 ـــ 2025م)، مساعدات إجمالية قدرها (174.9) مليار دولار، ومنذ الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر 2023م، قدمَّ الكونغرس مساعدات عسكرية إضافية ” لإسرائيل “، بلغت (20.1) مليار دولار. وفي الاتجاه المقابل، تلقت إيران ومنذ العام 1979م، عقوبات مُختلفة فرضتها بشكل أساسي الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي. والتي بلغت (5347) عقوبة على إيران لغاية 2025م.

ثانياً.  التطورات العسكرية: لقد شنت ” إسرائيل” في 13 يونيو 2025م، عمليةً عسكريةً واسعةً باستخدام الطائرات المتطورة الأمريكية على إيران، واستهدف مُنشآتٍ نوويةً ومواقع عسكريةً، وبنيةً تحتيةً للنظام، فضلاً عن قيادات عسكرية وأمنية وعلمية من المتخصصين والمشتغلين في المفاعلات النووية. وسرعان ما ردت إيران بضرب العمق الإسرائيلي بصواريخ وطائرات مُّسيرة بشكل مكثف وغير مسبوق، تجاوزت أعدادها حاجز (550) صاروخاً اخترق بعضها الدفاعات الإسرائيلية المتعددة، وأصابت منشآت استراتيجية وبُنى تحتية حيوية وأخرى مدنية وسكنية. ومع تصاعد القتال بين الجانبين تدخلت أمريكا بقصف مواقع (فوردو، ونطنز، واصفهان) والتي عجزت القوات الجوبة الإسرائيلية عن تدميرها بترسانتها الخاصة، وأعقب ذلك الإعلان عن وقف إطلاق النار في 24 يونيو2025م. مما أنهى (ظاهرياً) الحرب التي استمرت (12) يوماً.

ثالثاً. التداعيات الاقتصادية: مع صعوبة حصر التداعيات الاقتصادية للحرب وذلك بسبب استمرارها لحد الآن، ولاتباع ” إسرائيل” سياسة التكتم الشديد على خسائرها الاقتصادية. ومع ذلك يُمكن الاستدلال من خلال بعض المؤشرات، وبشكل أولي، وذلك لكون الحرب لا تزال مُستمرة، وكما يأتي:  

  1. تكاليف حربي غزة ولبنان: أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية في 14/3/2025م، بأنَّ الكلفة العسكرية المباشرة للحربين كلفت نحو (34) مليار دولار. وفقاً لمعلومات البنك المركزي الإسرائيلي، بأن كلفة الحرب في جنوب وشمال ” إسرائيل ” وحتى نهاية 2025م، بلغت نحو (67.5) مليار دولار. وفي تقرير لموقع (Oxford Analytica) البريطاني صدر في 20 حزيران 2025م، والذي أشار إلى إنَّ التكلفة المالية لحربي غزة ولبنان كلفت ” إسرائيل” (790) مليون دولار يومياً، مما يعني أنَّ كلفة الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي تتجاوز (200) مليار دولار. منذ7 أكتوبر2023م، وحتى الآن.  

تكاليف الحرب على إيران: ابتداء لابد من التنويه إلى وجود تقديرات عن امتلاك ” إسرائيل” لأكثر من (90) رأساً حربياً نووياً (استنادًا للكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام لعام 2024 ص 426، في ترجمته العربية)، إلا إنها لا تزال تواصل اعتماد سياسة (الغموض النووي)، والتي تنتهجها منذ مدة طويلة: فهي لا تؤكد ولا تنفي رسمياً حيازتها لأسلحة نووية. وتعتبر حوزة أي دولة في الشرق الأوسط للإمكانيات النووية، ومنها إيران يشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي الإسرائيلي، لذا كان قرار” إسرائيل” بمهاجمة إيران في 13 يونيو 2025م، نتيجةً لعوامل عدة ـــ من وجهة النظر الإسرائيلية ـــ لعل أهمها اقتراب إيران من تحقيق اختراق نووي. ومع إنَّ الحرب لم تستمر سوى (12) يوماً، إلا إنَّ تكاليفها، وفقاً لبنك “إسرائيل” المركزي بلغت مليار دولار يومياً، أي إنَّ كلفتها الإجمالية هي (12) مليار دولار. فيما أكّد رئيس معهد آرون للسياسة الاقتصادية في جامعة رايخمان في إسرائيل، (زفي إيكشتاين)، أنّ تكلفة الحرب اليومية على إيران كانت أعلى بكثير من تكلفة الحرب في غزة أو جنوب لبنان، وهذه هي التكلفة الباهظة.  أما صندوق النقد الدولي فقد توقع بأن الحرب مع إيران تكلف (2.5%) من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي وباعتماد أرقام 2024م، للناتج المحلي الإسرائيلي البالغ (540.3) فإن كلفة الحرب الإسرائيلية الإيرانية ستكون (13.5) مليار دولار.

  1. ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري:

    أشرت مُعدلات الإنفاق العسكري الإسرائيلي للسنوات 2020 ـــ 2024م، نسب مُرتفعة، تدرجت ما بين (5.3%) من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020م، حتى بلغت (8.8%) عام 2024م، بسبب استمرار تداعيات حرب غزة التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023م. وفي الاتجاه المقارن، تراوحت نسب الإنفاق العسكري في إيران للفترة ذاتها ما بين (2.2%) من الناتج المحلي الإيراني عام 2020م، و(2%) عام 2024م، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن قيم الناتج المحلي الإسرائيلي للمدة ذاتها هي أكثر من قيم الناتج المحلي الإجمالي في إيران.

  1. الموازنة الحكومية: أقر َّ الكنيست الإسرائيلي في مارس 2025م، أكبر ميزانية في تاريخ ” إسرائيل”، والتي بلغت ما يعادل (182) مليار دولار وأحتل الإنفاق العسكري المقام الأول منها، فيما تضررت القطاعات الأخرى جراء تخفيضات في الميزانية وزيادات في الضرائب، وخفض ميزانيات جميع الوزارات الأخرى.
  2. ارتفاع الديون الخارجية: ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في “إسرائيل” لتصل إلى (69%) لعام 2024م، ووفقاً لمعهد آرون الإسرائيلي، تُعدّ هذه النسبة أعلى نسبة يُمكن “لإسرائيل” الوصول إليها دون المساس بتصنيفها الائتماني الدولي.
  3. ارتفاع معدلات التضخم الاقتصادي: يُعتبر معدل التضخم المقبول اقتصاديًا في مُعظم البلدان هو ما بين % 2) إلى 3%). ووفقاً للبنك الدولي، تراوحت نسب التضخم ما بين (1.5%) لعام 2021م، وتصاعدت لتصل إلى (3.1%) لعام 2024م، مما يعني أنَّ التضخم الاقتصادي في ” إسرائيل” تجاوز الأرقام المقبولة اقتصادياً في السنوات الثلاث الأخيرة بسبب استمرار التوترات العسكرية والحروب، مما ينعكس سلبياً على أسعار صرف العملة الإسرائيلية وانخفاض القدرة الشرائية.  
  4. ارتفاع معدلات البطالة: مع بداية حرب غزة، قامت “إسرائيل” بمنع دخول العمال الفلسطينيين من غزة إلى داخل ” إسرائيل ” ومغادرة معظم العمال الأجانب، فضلاً عن قيام الحكومة الإسرائيلية باستدعاء أكثر من (300) ألف جندي احتياطي، مما أدى إلى تحمل الاقتصاد الإسرائيلي أعباءً مالية إضافية، ومع كل ذلك تراوحت نسبة البطالة للسنوات الثلاث الأخيرة ما بين (3.7% و3.1%) وفقاً لإحصاءات البنك الدولي لعام 2025م.  

رابعاً. ِنستنتج مما تقدم الاتي:

  1. مع إنَّ ” إسرائيل” وإيران يتوافقان في كثير من الثوابت، وفي مقدمتها اعتبار كل منهما مساحة الدول العربية المجاورة له بمثابة امتداد لمجاله الحيوي ، وسعيهما للسيطرة عليها. إلا أنَّ هذا (التوافق) شكل في ذات الوقت مركز (خلاف) استراتيجي وتنافس مُستمر، وصل إلى ذروته في حرب 13 يونيو 2025م.
  2. أفضت المؤشرات الأولية للتقييمات الإسرائيلية والأمريكية لنتائج حرب الاثني عشر يوماً مع إيران بعدم تحقيق الهدف الاستراتيجي “لإسرائيل، وحليفتها أمريكا ” بتدمير كامل للقدرات النووية والصاروخية لإيران. 
  3. لا تسمح الإمكانيات الاقتصادية في ” إسرائيل” من اندلاع حرب طويلة الأمد مجدداً مع إيران، مالم تحصل على مساعدات اقتصادية وعسكرية من حلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. أما إيران فهي تعاني من تداعيات مزمنة في اقتصادها ، قد تدفع بصانع القرار في طهران بمحاولة إبداء المرونة(مؤقتاً) وفقًا لمبدأ (التُقية) المتجذر في الفكر السياسي الإيراني المعاصر، ولحين إعادة ترميم القدرات العسكرية، وبخاصة إنَّ كل المؤشرات تُنذر باحتمالات تجدد الحرب بين إسرائيل وإيران، إنْ لم تكن هناك مفاجآت أخرى، سواءً أكان ذلك في المدى المنظور أم على الصعيد الاستراتيجي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *