بنت إيران استراتيجيتها العسكرية على الردع ولم تتوقع نشوب الحرب لثلاثة أسباب

image

1154741194

Getting your Trinity Audio player ready...

د. محمد عباس ناجي

خبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.


منذ انتهاء الحرب مع العراق عام 1988م، بذلت إيران جهوداً مضنية من أجل تجنب الانخراط مع أي طرف كان. وسعت من أجل تحقيق ذلك إلى بناء معادلة للردع حاولت من خلالها رفع كُلفة استخدام الخيار العسكري ضدها من جديد. وفي الواقع، فإن هذه المعادلة نجحت، أحياناً، في تجنيب إيران بالفعل مخاطر الانخراط في مواجهات عسكرية كانت محتملة في بعض المراحل، على غرار مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، لكنها لم تحقق النتائج ذاتها عندما شنت إسرائيل عملياتها العسكرية المُفاجِئة ضد إيران في 13 يونيو 2025م.

نشوب الحرب فاجأ إيران بالفعل من نواحٍ ثلاث: الأولى، أنها لم تتوقع اندلاع الحرب من الأساس، في ظل حساباتها التي كانت قائمة على أن التهديد باستخدام الخيار العسكري ضدها يدخل في إطار الحرب النفسية لممارسة ضغوط عليها من أجل دفعها إلى إجراء تغيير في سياستها إزاء بعض الملفات الخلافية مع إسرائيل وأمريكا، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي.

والثانية، أنها لم تتوقع اندلاع الحرب في هذا التوقيت، حيث كانت تجري المفاوضات مع واشنطن حول الملف النووي، وكان من المزمع عقد الجولة السادسة من تلك المفاوضات، في 15 يونيو الماضي، وبدا أن هناك حرص من جانب الطرفين على محاولة الوصول إلى حلول وسط بشأن بعض النقاط الخلافية، على غرار عمليات تخصيب اليورانيوم.

وربما وضعت إيران ضمن حساباتها – التي ثبت فيما بعد أنها لم تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض – أن الخلافات بين الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تعتمد على أسس حقيقية وسوف تمنع الأخير من الإقدام على عمل عسكري ضدها في ظل استمرار المفاوضات، ودون رغبة الأول، الذي أكد بعد اندلاع الحرب أنه كان على علم مسبق بالعمليات العسكرية التي كانت إسرائيل تستعد لشنها داخل إيران.

والثالثة، أن الضربات العسكرية الأولى التي وجهتها إسرائيل تسببت في ارتباك مؤقت داخل القيادتين السياسية والعسكرية في طهران. إذ نجحت تل أبيب في اغتيال قيادات الصف الأول في الحرس الثوري والجيش، على غرار رئيس هيئة الأركان محمد باقري، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، وقائد القوة الجوفضائية أمير علي حاجي زاده، وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي غلام علي رشيد، ورئيس استخبارات الحرس الثوري محمد كاظمي. كما اغتالت عدداً من العلماء النوويين من بينهم رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الأسبق فريدون عباسي، وأستاذ الفيزياء رئيس جامعة “آزاد” الإسلامية محمد مهدي طهرانجي.

ورغم أن إيران سارعت إلى سد الثغرات التي نجمت عن ذلك، من خلال تعيين قادة جدد في المناصب التي خلت باغتيال مسؤوليها، حيث أصدر المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي قرارات بتعيين محمد باكبور قائداً للحرس الثوري، وعبد الرحيم موسوي رئيساً لهيئة الأركان، ومجيد موسوي قائداً للقوة الجوفضائية، وعلي شادماني قائداً لمقر خاتم الأنبياء المركزي (أغتيل خلال فترة الحرب)، إلا أن ذلك لا ينفي مدى الخسارة التي منيت بها إيران في هذا الصدد. وقد أشارت تقديرات عديدة إلى أن عدد القادة العسكريين الذين تعرضوا للاغتيال خلال فترة الحرب وصل إلى 30 قائدًا عسكريًا، في حين بلغ عدد العلماء النوويين الذين تمت تصفيتهم في الفترة نفسها 19 عالماً نووياً.

تأثيرات عديدة

اللافت في هذا السياق، أن إيران، بعد انتهاء الحرب بالإعلان عن وقف إطلاق النار في 24 يونيو الماضي، حرصت على الترويج إلى سردية خاصة تقوم على أنها خرجت “منتصرة” منها. وربما يمكن تفسير ذلك في ضوء عوامل رئيسية ثلاثة: أولها، أن النظام الإيراني اعتبر أن عدم سقوطه بفعل تلك الحرب يمثل انتصاراً في حد ذاته، رغم أنه لم تظهر مؤشرات توحي بأن واشنطن أو تل أبيب كانتا تسعيان إلى تحقيق هذا الهدف.

وثانيها، أن النظام أمعن في تبني هذه السردية من أجل مواجهة أية ضغوط داخلية قد تتصاعد حدتها في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب نتيجة استياء قطاع من الشعب الإيراني بسبب تعرض الدولة لحرب وضربات عسكرية قوية ومؤثرة من جانب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لأسباب يرى أنه كان من الممكن تفاديها في حالة ما إذا توقف النظام عما يطلق عليه “المغامرات الخارجية” التي استنزفت الموارد الإيرانية وأدت إلى تطبيق عقوبات أمريكية ودولية فرضت أزمة اقتصادية حادة لم تنجح الإجراءات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة في احتواء تداعياتها السلبية.

وثالثها، أن الضربات العسكرية المضادة التي شنتها إيران ضد إسرائيل كانت مؤثرة إلى حد كبير، حيث لم تعهدها الأخيرة منذ عام 1948م، بعد أن تمكنت بعض الصواريخ الباليستية الإيرانية من تجاوز منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والوصول إلى أهداف مهمة على مستوى المؤسسات الأمنية والعلمية ومنشآت البنية التحتية.

لكن المعطيات التي فرضتها الحرب على الأرض كشفت أن ثمة خسائر ليست هينة تعرضت لها إيران خلافاً لهذه السردية. ففضلاً عن اغتيال عدد كبير من القادة العسكريين والعلماء النوويين، فإن البرنامج النووي الإيراني تعرض لأضرار كبيرة على ما يبدو. ومن دون شك، فإن ذلك يعود في المقام الأول إلى مشاركة أمريكا عسكرياً في الحرب، عندما شنت هجمات قوية بواسطة قاذفات “بي 52” ضد المفاعلات النووية الثلاثة: فوردو ونطنز وأصفهان، التي كانت تتواجد بها كميات من اليورانيوم المخصب التي كانت إيران قد قامت بتخصيبها خلال الفترة الماضية.

ورغم أن النتائج الأخيرة للضربات العسكرية الأمريكية للمنشآت النووية الثلاثة لم تتضح بعد، على نحو حولها إلى محور لجدل واسع داخل إيران وواشنطن، خاصة بعد أن أكدت تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين أن إيران نجحت في نقل كمية من اليورانيوم المخصب من المفاعلات الثلاثة قبل قصفها وقامت بتخزينها في منشآت أخرى غير معلنة، إلا أن ذلك لا ينفي أن تلك الضربات العسكرية أحدثت، في الغالب، أضراراً فادحة سواء لهذه المفاعلات أو للبرنامج النووي الإيراني برمته.

وألمح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى هذه الأضرار، خلال حواره مع صحيفة “فايننشيال تايمز” في 3 أغسطس الماضي، بقوله إن “مصير مخزون اليورانيوم بنسبة 60% لا يزال غير محسوم، لا سيما أنه كان موجوداً في المفاعلات النووية التي تعرضت للضربات العسكرية الأمريكية”، مضيفاً أن “الوصول إلى المنشآت التي تعرضت للقصف صعب للغاية، في ظل الأضرار الجسيمة التي تعرضت لها”.

كما تعرض برنامج الصواريخ الباليستية للاستنزاف، سواء بفعل استخدامه بشكل مكثف من جانب إيران في توجيه ضربات مضادة لإسرائيل، أو بسبب إمعان الأخيرة في مهاجمة منصات إطلاقها ومنشآت تخزينها. وربما يكون هذا البرنامج هو أحد الأهداف الرئيسية التي قد تسعى إسرائيل إلى توجيه ضربات قوية لها خلال المرحلة القادمة، عبر تنفيذ عمليات أمنية أو استخباراتية مؤثرة داخل إيران، وهو النمط الذي سبق أن استندت إليه في إدارة صراعها مع طهران قبل أن يتحول هذا الصراع إلى المواجهة المباشرة بين الطرفين.

فضلاً عن ذلك، ورغم مسارعة إيران إلى استيعاب الخسائر الكبيرة الأوّلية التي تعرضت لها في الساعات الأولى من الحرب باغتيال القادة العسكريين الرئيسيين، عبر تعيين قادة محلهم في اليوم نفسه، فإنه لا يوجد ما يؤشر إلى أن التنسيق نفسه الذي كان عنواناً رئيسياً للعلاقات بين القادة السابقين ما زال حاضراً لدى القادة الجدد. وربما يكون ذلك هو السبب الرئيسي الذي دفع النظام الإيراني إلى إجراء تغييرات بارزة في بعض المؤسسات الأمنية الرئيسية. إذ أعلن، في بداية أغسطس الجاري، عن تشكيل مجلس الدفاع لاتخاذ القرارات الخاصة بالقضايا العسكرية وإدارة العمليات العسكرية المحتملة في المرحلة القادمة في حالة نشوب جولة جديدة من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد تم تشكيل المجلس بقرار من الرئيس مسعود بزشكيان ومصادقة المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، ويضم رئيس الجمهورية ورئيس هيئة الأركان وقائد الحرس الثوري ووزير الدفاع ومستشارين يعينهما المرشد. وقد قام خامنئي بالفعل بتعيين الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي أكبر أحمديان والأمين العام الأسبق للمجلس نفسه على شمخاني ممثلين له في المجلس. كما أصدر بزشكيان، في 5 أغسطس الحالي، مرسوماً بتعيين علي لاريجاني أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لأكبر أحمديان، وقد عين خامنئي الذي صادق على القرار لاريجاني ممثلاً له في المجلس.

حسن الجوار

بالتوازي مع التغييرات الرئيسية التي تم إجرائها داخل بعض المؤسسات النافذة في النظام، بناءً على المعطيات الجديدة التي فرضتها الحرب، بدا لافتاً أن إيران تسعى إلى استثمار بعض المواقف الإيجابية التي تبنتها العديد من دول المنطقة خلال فترة الحرب من أجل البناء عليها لتطوير العلاقات مع تلك الدول.

وقد جاءت المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، في مقدمة الدول التي أدانت الحرب التي شنتها إسرائيل ضد إيران. ففي اليوم نفسه الذي بدأت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديد للاعتداءات الإسرائيلية السافرة تجاه إيران، مؤكدة، في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية، أن هذه الاعتداءات تمس سيادة وأمن إيران، وتمثل انتهاكاً ومخالفة صريحة للقوانين والأعراف الدولية.

وفي اليوم التالي، أجرى صاحب السمو الأمير محمد بن سلمان ولى العهد رئيس مجلس الوزراء اتصالاً هاتفياً بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث أعرب عن تعازيه للرئيس والشعب الإيراني وأسر المتوفين في الاعتداءات الإسرائيلية، مجدداً إدانة المملكة لهذه الاعتداءات التي تمس سيادة إيران وأمنها كما تمثل انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية. وكانت السعودية من أوائل الدول التي رحبت بالإعلان عن الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، في 24 يونيو الماضي، حيث أجرى الرئيس بزشكيان اتصالاً هاتفياً بسمو الأمير محمد بن سلمان في اليوم نفسه، أعرب فيه عن شكره للسعودية على موقفها وإدانتها للعدوان الإسرائيلي، مجدداً تقديره للدور الذي يقوم به الأمير محمد بن سلمان من جهود ومساعٍ لإعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.

إدراك إيران للدور الإيجابي البارز الذي مارسته السعودية، وبعض دول المنطقة، لوقف الحرب سوف يدفعها إلى اتخاذ مزيد من الخطوات التي تهدف إلى رفع مستوى العلاقات الثنائية مع الرياض، خاصة أن ذلك يتوازى مع بروز اتجاه داخل طهران يؤكد أن سياسات حسن الجوار التي تقوم على دعم الأمن والاستقرار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية تمثل الأساس الذي يمكن أن تعتمد عليه العلاقات الثنائية، خاصة مع دول الجوار، وأن إمعان طهران، خلال فترات سابقة، في اتخاذ خطوات تصعيدية ومضادة في هذا الصدد كان له كُلفة عالية وفرض عليها تداعيات سلبية عديدة.

ومع ذلك، فإن إيران سوف تكون حريصة في الوقت نفسه على الفصل بين العلاقات الثنائية مع العديد من دول المنطقة، وبين الملفات الإقليمية التي تحظى باهتمام خاص من جانب دول المنطقة. إذ أنها قد تسعى إلى اتخاذ خطوات تصعيدية إزاء تلك الملفات، على غرار موقفها الرافض لنزع سلاح حزب الله اللبناني. وهنا، فإن ذلك يعود في المقام الأول إلى أنها ترى أن نفوذها الإقليمي سوف يكون حاضراً خلال المرحلة القادمة التي قد تشهد تصاعداً في حدة التوتر مرة أخرى مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الخلافات العالقة بين هذه الأطراف، والتي قد تؤدي في النهاية إلى إعادة الاستناد للخيار العسكري مجدداً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *