تهديدات سلاسل الإمداد في هرمز وباب المندب تؤدي لاختلال التوازن لصالح قوى إقليمية غير عربية
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ. د. صبري فارس الهيتي
الأمين العام لاتحاد الجغرافيين العرب-أستاذ الجغرافية السياسية في جامعة بغداد (سابقًا)
المضائق والممرات البحرية شرايين التجارة والاقتصاد العالمي، وسلطت الاضطرابات الأخيرة في المياه الدولية، الضوء على دورها المؤثّر في حركة التجارة البحرية العالمية. لذا، فإنّ أي تهديد لأمن المضائق والممرات البحرية يشكل خطرًا مباشرًا على اقتصاديات دول العالم كافة بسبب تأثيره على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، خاصةً الدول الكبرى التي تتبنّى استراتيجيات للحفاظ على سلامة هذه الممرات الحيوية ولضمان التدفق السلس والآمن لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، ما يُعزز الاستقرار الاقتصادي والسياسي على المستوى الدولي.
المضايق والممرات البحرية:
عبارة عن ممرات مائية ضيقة تربط بين مسطحين مائيين، وفي الوطن العربي عدة ممرات مائية، منها مضيق جبل طارق الذي تكمن أهميته بموقعه الاستراتيجي، حيث يعتبر نقطة ربط بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
ومضيق هرمز الذي يقع بين الخليج العربي وخليج عُمان، ومضيق باب المندب الذي يُعد من أهم الممرات المائية في الوطن العربي، والذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويُعد من أضيق الممرات حيث يبلغ عرضه ثمانية عشر ميلًا. ومضيق تيران الذي يبلغ عرضه ستة كيلومترات، ويوصل بين البحر الأحمر وخليج العقبة.
ولكون المخاطر التي تواجه الممرات المائية في الوطن العربي في هذه الأيام تقتصر على ممرين هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب بسبب الحرب بين إيران وإسرائيل، فسيتم في هذا المقال معالجة هذا الجاب وماهي المخاطر التي تنعكس من جراء ذلك على سلاسل الإمداد للتجارة العالمية.
سلاسل الإمداد للتجارة العالمية:
سلاسل الإمداد هي المراحل التي تمر بها أي سلعة قبل أن تصل إلى المستهلك وتبدأ من استخراج المواد الخام، ثم تُنقل إلى المصانع عبر وسائل نقل مختلفة، وبعد التصنيع تُنقل المنتجات مرة أخرى عبر السفن أو الطائرات أو الشاحنات، لتخزّن في الموانئ أو المستودعات، ثم توزع على المتاجر، حيث يجهزها العاملون لعرضها وبيعها.
أهمية الممرات البحرية:
1-مضيق باب المندب:
يُشكل مضيق باب المندب، الواقع في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، حلقة وصل تاريخية وجغرافية هامة تربط بين القارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأوروبا. ويفصل المضيق البحر الأحمر عن خليج عدن والمحيط الهندي ويحتل موقعاً استراتيجياً بين القرن الإفريقي والشرق الأوسط، وتحديداً بين جيبوتي وإريتريا في إفريقيا واليمن في آسيا. كما يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب ويشكل بوابة عبور إلى البحر المتوسط والمحيط الهندي. ويعتبر المضيق ممرًا بحريًا حيويًا في مسار التجارة العالمية، حيث يشهد مرور نحو 40 % من حركة التجارة البحرية العالمية.
كما يمرّ عبر المضيق 32 % من تجارة كلوريد البوتاسيوم على مستوى العالم، وهو السماد الأكثر تداولًا، مما يُؤكد على أهمية المضيق في التجارة العالمية للمواد الكيميائية.
خارطة (1) خارطة مضيق باب المندب
وبحسب وكالة إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر “باب المندب” 6.2 ملايين برميل من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية المكررة يومياً، أي ما يعادل 9 % من إجمالي مصادر الطاقة المنقولة بحراً حول العالم. وتُشكل هذه الشحنات مصدرًا رئيسيًا للطاقة لأوروبا وأمريكا وأسواق آسيا مثل سنغافورة والصين والهند. ولا يقتصر دور المضيق على نقل الطاقة فقط، بل يمرّ عبره أيضًا أكثر من 50 مليون طن من المنتجات الزراعية سنويًا.
ويُعتبر المضيق نقطة التقاء استراتيجية واقتصادية وعسكرية، مما يجعله ساحة صراع إقليمية ودولية، وورقة رابحة في الحروب والنزاعات. ويُعاني مضيق باب المندب من نقطة ضعف جوهرية نابعة من طبيعته الجغرافية، حيث يُسهل عرضه الضيق، الذي لا يتجاوز 20 كيلومترًا، استهداف السفن العابرة فيه التي تتجه إلى قناة السويس، التي يمرّ عبرها 12% من حجم التجارة العالمية. ومؤخرًا، تعرضت حركة الملاحة عبر المضيق لاضطرابات متكررة بسبب هجمات الحوثيين على السفن التجارية، الأمر الذي أدى إلى مخاوف من تأثيراتها على التجارة العالمية.
وفي ظلّ هذه الاضطرابات، يبحث الخبراء عن حلول بديلة لمضيق باب المندب. إذ يُشكل إغلاق مضيق باب المندب عائقًا هائلاً أمام تدفقات النفط الأوروبية وشمال إفريقيا، حيث يضطرّها إلى تغيير مسارها واتخاذ طرق أطول للوصول إلى الأسواق الآسيوية. ويُؤدّي ذلك إلى زيادة مدة الرحلات وارتفاع تكاليف الشحن والوقود والتأمين. كما يُؤثّر إغلاق المضيق على الناقلات التي تغادر الخليج العربي، حيث يُصبح الوصول إلى قناة السويس أو خط أنابيب سوميد مستحيلًا، مما يُعيق التجارة العالمية بشكل كبير. ووفقاً لإحصاءات “بلومبيرغ” فإنَّ تغيير الرحلات مسارها بدلاً من البحر الأحمر، سيضيف نحو 10 أيام إضافية في رحلة الذهاب و10 أيام أخرى بالإياب، أي بنحو 820 ألف دولار، وهذا بدوره يقلل نسبة الأرباح.
أظهرت بيانات “مارين بينخمارك” التراجع الحاد في عدد السفن المبحرة عبر البحر الأحمر، منذ يناير 2024م، ونقلت صحيفة “تلغراف” عن مكتب الإحصاءات البريطاني أن نسبة السفن التي تعبر البحر الأحمر انخفضت إلى 66% بداية أبريل 2024م.
كما أن كثيرًا من السفن ستتجنب الإبحار عبر البحر الأحمر أو قرب السواحل اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون، وستواصل اعتمادها أكثر فأكثر على الطريق المار عبر رأس الرجاء الصالح سواء باتجاه آسيا أو أوروبا.
لقد تطورت حملة الحوثيين على السفن المارة في البحر الأحمر وفق خمسة مراحل وهي:
1-ركزت الهجات على صواريخ أطلقت باتجاه إسرائيل منذ أكتوبر2023م، وعلى السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.
2-توسعت الهجمات في ديسمبر2023 لتشمل جمع السفن المتجه الى الموانئ الإسرائيلية.
3-منذ يناير 2024م، امتدت الهجمات لتشمل السفن المرتبطة بأمريكا وبريطانيا.
4-توسعت الهجمات في مايو 2024م، لتشمل السفن التي يمتلك مالكوها او مشغلوها سفنًا تزور الموانئ الإسرائيلية.
5-أعلن في هذه المرحلة التي ابتدأت بعد إطلاق الحوثيين للطائرة المسيرة يافا على تل أبيب في 19 يوليو 2024م.
هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر:
شن الحوثيون أكثر من 100 هجوم على السفن في البحر الأحمر منذ نوفمر2023م، وأغرقوا العديد منها وفيما يلي رصدًا لذلك.
- -أغرقت السفينة (اترينتي سي) في التاسع من يوليو 2025م، وقتل أربعة بحارة، وفقد 11 آخرون وجرى إنقاذ10 بحارة.
- -أغرقت السفينة (ماجيل سيز) التي ترفع علم إرتيريا في يوليو 2025م.
- استهداف الناقلة اليونانية التي تحمل150 ألف طن من النفط الخام في 21 أغسطس من عام 2024م
- -أغرقت ناقلة الفحم اليونانية في يونيو 2024م، بعد أيام من قصفها بالصواريخ +قارب محمل بالمتفجرات.
- في مارس 2024أدى هجوم صاروخي للحوثيين إلى قتل ثلاثة بحارة على متن السفينة اليونانية (اتروكو نفيدس)
- تعرضت السفينة ( روبيمار ) المملوكة لبريطانيا في فبراير 2024م، لتصبح أول سفينة يغرقها الحوثيون .
- تعرض السفينة اليونانية (زوغرافيا) التي كانت تبحر من فيتنام إلى إسرائيل في يناير2024م، إلى ضرر كبير.
- احتجزت قوات من الحوثيين السفينة (جالاسي ليدر) التي كانت ترفع علم جزر الباهاما في نوفمبر 2023م، ولم يفرج عن طاقمها الـ 24 إلا في يناير 2025م.
-أغرق الحوثيون سفينتي شحن في البحر الأحمر في يونيو 2025م، في أول تصعيد منذ أحداث حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل.
2-مضيق هرمز:
يمثل مضيق هرمز، الممر المائي المُهيمن على التجارة العالمية، عند مدخل الخليج العربي، حيث يقع بين سلطنة عُمان وإيران، مُشكلاً صلة الوصل بين الخليج العربي وبحر العرب بعرض يبلغ 60 كيلومتراً.
ويُعد مضيق هرمز أهم ممر نفطي في العالم، إذ يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، وتتدفق عبره كميات كبيرة من النفط، ففي عام 2024م، بلغ متوسط تدفق النفط عبر مضيق هرمز نحو 20.3 مليون برميل يوميًا، وهو ما يُعادل نحو 21% من استهلاك المواد البترولية عالميًا، واستقر هذا المعدل نسبيًا في الربع الأول من عام 2025م.
وفي هذا النطاق، شكّلت التدفقات عبر مضيق هرمز في عام 2024م، والربع الأول من عام 2025م، أكثر من ربع إجمالي النفط المنقول بحرًا على مستوى العالم، ونحو خُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال.
الشكل (1) يوضح حجم النفط الخام الذي يمر عبر مضيق هرمز
كما يُشكل نقطة ازدحام بالغة الأهمية فيما يتعلق بناقلات النفط، حيث يعبره يومياً ناقلات تتراوح حمولتها ما بين 16.5 و17 مليون طن، بمعدل ناقلة نفط كل 6 دقائق في ساعات الذروة؛ أي بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 30 % من تجارة النفط العالمية.
ولا يقتصر دور مضيق هرمز على كونه بوابة عبور للنفط الخام فقط، بل يُشكل ممراً هاماً لنقل السلع الأساسية في العالم. هذا وتبلغ قيمة التجارة السنوية التي تمر عبر المضيق تريليون دولار، حيث تعبر ناقلات تزن أكثر من مليارين ونصف المليار طن سنوياً. وتُشكل شحنات السلع الأولية مثل الحبوب وخام الحديد والإسمنت 22 % من هذه التجارة، بينما تمثل تجارة الحاويات التي تنقل السلع تامة الصنع إلى دول الخليج نحو 20 %. ناهيك عن صادرات الغاز الطبيعي المسال، حيث يمر عبره سنوياً 80 مليون طن متري، أي ما يزيد عن 20 % من إمدادات العالم. وبفضل هذه العوامل، بات مضيق هرمز الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.
خارطة (2) مضيق هرمز وكثافة خطوط النقل البحرية فيه.
ومع توقعات وكالة الطاقة الدولية بارتفاع حجم الطلب العالمي على النفط إلى 121 مليون برميل يومياً عام 2030م، يزداد التأكيد على الأهمية الحاسمة لمضيق هرمز في أسواق الطاقة العالمية. إذ أن من شأن أي خلل في أمنه أو حرية الملاحة فيه أن يُشكل تهديداً خطيراً على استقرار الأسواق العالمية. وقد حذر بنك “جيه بي مورجان تشيس” من أن أي حصار محتمل للمضيق قد يُؤدي إلى تضخم أسعار النفط بشكل كبير، مع آثار واسعة النطاق على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. ويُسلط هذا الضوء على أهمية الرقابة والتخطيط الاستراتيجي للحماية من الاضطرابات المحتملة في مضيق هرمز، وذلك لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية وحماية الاقتصاد العالمي من أي خضات محتملة.
ولا يقتصر دور المضيق على ربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا، بل يُعد أيضًا شرياناً هاماً لأمن الطاقة في الصين، حيث تمر 80 % من وارداتها من الطاقة عبره.
في 14يونيو 2025م، أفادت التقارير أن إيران هددت بإغلاق المضيق ردًا على الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت بنيتها التحتية العسكرية والنووية. وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز الزيادات الأخيرة التي تراوحت بين 7% و14%، وربما يتجاوز 100 و150 دولارًا للبرميل. ومن المرجح أن يؤدي هذا إلى تأجيج التضخم العالمي والمساهمة في تباطؤ اقتصادي. وأكد المحللون على ضعف المصدرين الإقليميين، مشيرين إلى أن “المملكة العربية السعودية والكويت والعراق وإيران محصورة تمامًا في ممر صغير واحد للصادرات”. يمر عبر المضيق ما بين 18 و19 مليون برميل يوميًا، أي ما يقرب من 20% من استهلاك النفط العالمي، بما في ذلك النفط الخام والمكثفات.
التهديدات الأمنية التي تواجه سلاسل الإمداد:
يمكن إجمال التهديدات الأمنية التي تواجه سلاسل إمدادات التجارة العالمية في هذين الممرين المائيين فيما يلي:
1-اختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح القوى الإقليمية غير العربية (إيران وتركيا وإسرائيل)، مما شجع تلك القوى على السعي إلى مد نفوذها ومحاولة التحكم في المضايق والممرات البحرية في الخليج العربي وجنوب البحر الأحمر، وذلك إما بشكلٍ مباشر كما في التهديد الإيراني في مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، أو من خلال وكلائها كما هو الحال في دعم أنشطة ميليشيا الحوثيين في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
2-إن تهديد أمن المضايق والممرات البحرية في المنطقة يشكل خطرًا مباشرًا على أمن الطاقة العالمي لما له من تأثير سلبي على صادرات النفط، فأي إغلاق مثلًا لمضيق هرمز أو استهداف لناقلات النفط عبر البحر الأحمر يهدد باضطراب كبير لأسعار النفط العالمية. ويمكن من الشكل الآتي إعطاء فكرة عن هذا الجانب.
الشكل (2) يوضح أسعار النفط مابين12 يونيو و16 يوليو
الشكل (2) يوضح أسعار النفط مابين12 يونيو و 16 يوليو
3-تشكل شحنات السلع الأولية مثل الحبوب وخام الحديد والأسمنت 20% من التجارة العالمية التي تمر في مضيق هرمز.
وتمثل تجارة الحاويات التي تنقل السلع المصنعة إلى دول الخليج العربي 20%وبحسب (سي ار يو) أن ما يقرب من ثلث صادرات اليوريا و44%من صادرات الكبريت، و20% من صادرات الأمونيا تمر أو تنتج في دول غرب مضيق هرمز.
4-تُعَدُّ مخاطر توافر الأغذية أكثر أهمية بالنسبة للأمن الغذائي في دول مجلس التعاون الخليجي. وتظهر هذه المخاطر عندما لا تتمكن الدول التي تعتمد على الواردات في الحصول على وارداتها من الأغذية.
بالرغم من امتلاكها ما يكفي من المال لشراء هذه الأغذية بالأسعار الحالية أو حتى المرتفعة، عندما تتعطل سلاسل الإمداد للتجارة العالمية.
، على العديد من المخاطر وتصبح مهمة توفير هذه الإمدادات من الأغذية هدفاً مُهماً وجزءًا من أمنها القومي، في منطقة تستورد نحو 80%-90% من الأغذية. وتنطوي الطريقة التي تتم من خلالها تأمين واردات الأغذية، وتؤثر أي عرقلة في مضيق هرمزعلى كل دول المجلس، في حين تواجه السعودية ممراً مائياً حيوياً آخر هو مضيق باب المندب. في الوقت الذي تَمُرُّ فيها واردات دول مجلس التعاون الخليجي من الحبوب والأغذية عبر العديد من الممرات البحرية الحيوية، من دول آسيا وأوروبا.
