الاعتراف بفلسطين “مكافأة” للفلسطينين لالتزامهم بالسلام وكانطلاق لمحادثات السلام وليس ختامها

Washington,Dc,,Usa,-,October,21,,2023:,Pro-palestine,,Anti-israel,Protesters.

Washington DC, USA - October 21, 2023: Pro-Palestine, anti-Israel protesters. Israel and Hamas in the Gaza Strip. War between Israel and Palestine. American muslim for palestine.

Getting your Trinity Audio player ready...

السفير. جيمس موران

سفير الاتحاد الأوروبي السابق ــ زميل أول مشارك في مركز دراسات السياسة الأوروبية ببروكسل


في 12 من سبتمبر، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة، لصالح مشروع قرار يُؤيد “إعلان نيويورك” بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين. ويُعد الإعلان ثمرة مبادرة “المؤتمر الدولي لدعم حل الدولتين” التي تزعمتها المملكة العربية السعودية بمشاركة فرنسا أواخر يوليو الماضي. بما يُمهد الطريق الآن أمام انضمام دول غربية أخرى للرَكب العالمي للاعتراف بدولة فلسطينية. ويبحث هذا المقال الموقف في الداخل الأوروبي، حيث أعلن بالفعل عدد من البلدان الأوروبية اعترافهم بفلسطين؛ لعل آخرهم أيرلندا، والنرويج، وإسبانيا، ومن قبلهم سلوفانيا، فيما تعتزم دول أخرى اتخاذ خطوة مماثلة.

ما السبب إذن وراء التغيير في الموقف الأوروبي؟

على مدار عقود طويلة، تبنت العديد من دول أوروبا والمملكة المتحدة وجهة نظر ترى أن الاعتراف بدولة فلسطينية سيحدث بمجرد بلوغ المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مرحلة بناء الثقة إلى الحد الذي قد تقبل إسرائيل نفسها فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدودها. وقد لاقى هذا النهج للعديد من الانتقادات، المُحقة من وجهة نظر الكاتب، كونه يوحي بأن الاعتراف بفلسطين يجب أن يكون شكلا من أشكال “المكافأة” للشعب الفلسطيني لالتزَامه بالسلام. ويرى المنتقدون أنه إذا كان المجتمع الدولي جادًا بشأن حل الدولتين، فلابد أن يسبق الاعتراف الدولي بدولَتين – فلسطينية وإسرائيلية – انطلاق محادثات السلام وليس ختامها. ولكن الآن، وفي ضوء العديد من التصريحات الكاشفة لنوايا حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أصبح جليًا عدم توافر النية لدى الجانب الإسرائيلي للانخراط في محادثات هادفة لوقف إطلاق النار وتخليه تمامًا عن عملية السلام. وذلك بعد أن اعتمد ما لا يمكن وصفه سوى بحل عسكري أحادي الجانب ” لتسوية الصراع. بما يشمل ذلك؛ تدمير قطاع غزة، والقيام بتحركات عدوانية لضم الضفة الغربية وسط حلقات العنف المُمارس من قبل المستوطنين المتطرفين ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

أثارت هذه الأحداث ردود فعل قوية من قبل الرأي العام الأوروبي الذي احتشد في احتجاجات بمختلف الأقطار الأوروبية تدعو لاتخاذ تدابير تضع حدا للعدوان الإسرائيلي. فضلا عن اكتساب الحراك الأوروبي للاعتراف بفلسطين زخما ملموسا، وتصدرت منظمات المجتمع المدني الجهود لدعم الشعب الفلسطيني، خاصة بعد توقيع 325 من أعضاء البرلمان الأوروبي وسفراء سابقين على مذكرة عامة تطالب القادة والحكومات الأوروبية باتخاذ إجراءات حاسمة.

في الوقت ذاته، خلص التقرير الأخير للجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى تورط إسرائيل في جرائم إبادة جماعية خلال عدوانها الغاشم على قطاع غزة، بعد ثبوت ارتكابها أربعة أفعال محظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. كما أن هجومها العسكري الأخير على قطر زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليها عبر مختلف أقطار العالم واستنفَار الرأي العام العالمي ضدها. وفي ضوء هذه الخلفية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل بضعة أشهر عزم بلاده للاعتراف بالدولة الفلسطينية، في خطوة بالغة الأهمية بالأخص وأنها تأتي من قبل دولة أوروبية بثقل فرنسا، التي تنعم بتاريخ حافل من المشاركات في المنطقة. ثم توالت الإعلانات من قبل كل من المملكة المتحدة، ولوكسمبورغ، وحكومة مالطا. فيما أعربت بلجيكا عن عزمها اتخاذ خطوة مماثلة عقب الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وأبدت البرتغال استعدادًا للنظر في الأمر.

وعلى هذا، من المحتمل أن يحظى الاعتراف بدولة فلسطين قريبًا بدعم أغلبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي -البالغ عددُها 27 دولة- بالإضافة إلى المملكة المتحدة. وذلك باستثناء أحد أهم دول القارة العجوز وهي ألمانيا، التي تُعاني من شعور جمعي بالذنب بسبب الإرث النازي الذي تحمله على عاتقها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. والذي دفعها منذ ذلك الحين لأن تصبح أعتد حلفاء إسرائيل داخل أوروبا. كما من المتوقع أن تواصل دولة مثل المجر، التي عادة ما تحلق بعيدًا عن السرب في الشؤون الأوروبية، وبعض من دول أوروبا الوسطى دعمها للموقف الإسرائيلي. في حين لم تُبد إيطاليا، إحدى الدول الرئيسية المُتأرجحة، أية إشارة بعد بشأن عزمها الاعتراف بفلسطين. ورغم عدم وضوح الأسباب بشكل كاف، إلا أنها قد تكون مرتبطة برغبة لدى رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في الحفاظ على ما تعتبره “علاقة مميزة” مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تُعارض بشدة الاعتراف بفلسطين، مُتوعدة باتخاذ إجراءات انتقامية ضد المُقدمين على تلك الخطوة.

الوضع على مستوى الاتحاد الأوروبي

على صعيد الاتحاد الأوروبي، فقد اعتاد التكتل إصدار بيانات تدعو إلى ضبط النفس، ولكن الانقسامات بين أعضائه حالت دون تحركه بشكل عملي. جدير بالذكر أن الاعتراف بدولة فلسطينية لا يقع ضمن اختصاص الاتحاد الأوروبي في حد ذاته، حيث يظل قرارًا فرديًا يعود لما ترتئيه كل دولة من الدول الأعضاء. مع ذلك، قد يشهد الوضع تغييرًا في المستقبل القريب على وقع المقترح الذي طرحته رئيسة المفوضية فون دير لاين بشأن اتخاذ تدابير ضد إسرائيل: على رأسها تعليق اتفاقية التجارة التفضيلية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، والمتوقع أن يدخل حيز التنفيذ فور حصوله على موافقة الأغلبية المؤهلة لدول الاتحاد. وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبيرة كون الاتحاد الأوروبي يمثل شريكًا تجاريًا رئيسيًا لإسرائيل، حيث يستحوذ التبادل التجاري بينهما على ثلث إجمالي التجارة الإسرائيلية.

 وتتزايد أهمية هذه القضية بالنسبة للاتحاد الأوروبي في ضوء استعداداته لإطلاق ميثاق جديد لتنظيم علاقاته مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، والمقرر صدوره في منتصف شهر أكتوبر. وفي هذا السياق، فإن أي تقاعس عن اتخاذ خطوات جادة لتسوية الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية على هذا الميثاق الطموح، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات حيوية مثل الهجرة والأمن، وقد يؤثر على علاقات الاتحاد بدول المنطقة العربية.

وفيما يتعلق بموقف الدول العربية، ثمة إعجاب أوروبي واسع النطاق بالموقف الراسخ والمبدئي الذي تتخذه المملكة العربية السعودية، التي كانت شديدة الوضوح في التأكيد على أنه لا مجال للتطبيِع مع إسرائيل دون التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية والاعتراف بحق تقرير المصير الفلسطيني. في الوقت ذاته، يتساءل العديد من الأوروبيين عن السبب وراء عدم اتخاذ البلدان العربية التي وقعت “اتفاقات إبراهام” مع إسرائيل قرار بتعليقها رغم إدانتها للممارسات الإسرائيلية.

ما الفارق الذي قد يحدثه الاعتراف بدولة فلسطينية؟

رغم القناعة الغالبة لدى معظم دول أوروبا بأن الاعتراف بفلسطين في حد ذاته قد لا يحسن من الأوضاع المتردية على الأرض، إلا أنها تعد خطوة بالغة الرمزية، حيث تبعث رسالة أمل للشعب الفلسطيني، وتعكس التزاما أوروبيًا راسخًا حيال تدعيم حل الدولتين.

وإلى جانب مجموعة التدابير المتخذة سواء على الصعيد الوطني أو على مستوى الاتحاد الأوروبي؛ مثل فرض قيود على صادرات الأسلحة، وتطبيق عقوبات على المتطرفين من الإسرائيليين، ومقاطعة الفعاليات الثقافية التي قد تشارك بها إسرائيل، بالأخص مسابقة “يوروفيجن” الأوروبية الغنائية، فإن قرار الاعتراف بفلسطين يُضفي ثِقلا للرسَالة التحذيرية المُوجهة لإسرائيل بأن الاستمرار في مسارها الراهن لن يؤول سوى لمزيد من العزلة السياسية والمتاعب الاقتصادية في نهاية المطاف.

ربما يكمن جزء كبير من التغيير الملحوظ في المواقف الأوروبية في ضعف العلاقات الأطلسية، ورغبة أوروبا في استعادة حليفها الأمريكي، أو على الأقل ضمان عدم إعاقته للقرارات التي تمسّ شواغلها الأساسية، مثل دعم أوكرانيا في حربها ضد الغزو الروسي، ومواجهة التهديد الشامل الذي يمثله الكرملين للاستقرار الأوروبي.

وبينما لم يتضح بعد إلى أي مدى ستذهب إدارة ترامب في الدفاع عن حليفها الإسرائيلي وحمايتها من الإجراءات الأوروبية، يُدرك ساسة أوروبا تمام الإدراك حجم الضرر الذي سيعود على علاقاتهم مع دول منطقتي الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، والعالم أجمع، بسبب الاتهامات بازدواجية المعايير تجاه الحرب في غزة مقارنة بحرب أوكرانيا. وهذا الإدراك يُعد دافعًا قويًا، إلى جانب التزامهم المُعلن بالنظام العالمي القائم على القواعد، لمواصلة موقفهم الحالي تجاه النزاع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *