السعودية لثقلها ورمزيّتها الدينية وعلاقاتها المتوازنة الأكثر قدرة على إنهاء المجازر وإطفاء لظى الحرب
Wavy Saudi Arabia Flag and Cloudy Sky
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. المتوكل طه
وكيل وزارة الإعلام الأسبق ـ السياسي والباحث والكاتب ـ دولة فلسطين
جاء مؤتمر نيويورك امتدادًا للهواجس الدولية الساعية لإيجاد صيغة تُنهي المذبحة والمسغبة في غزة وتؤصل لصيغة واقعية جامعة، تُنهي الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي. لكنّ أخطر ما قام به العالَم هو أنه أعطى دولةَ الاحتلال “الوقت “الكافي، لتفعل ما تشاء أكثر من عشرين شهرًا، وتتمّم أهدافها، ولم يضع حدّا سريعًا للإبادة المرعبة، ما أعطى انطباعًا أن العالَم غير جاد فيما يسعى إليه. وأن دعوة نيويورك محاولة تجميلية لهذا الفزع لاستيعاب نتائجه التي ما فتئت تترى بالقتل والجوع والهلاك. إذ كان الأجدى الذهاب إلى تفعيل القرار الأممي القاضي بمنع المذبحة، بالقوة. وخصوصًا أن دعوة حلّ الدولتين، على أهميتها السياسية واللفظية، لم تبرح تكرار الدعوة القديمة المبذولة الداعية لحلّ الدولتين.
إننا نريد حلولًا سريعة لإنقاذ الشعب الفلسطيني، ونخشى أن يكون الإجهاش باللغة ومعاودة قول ما قيل، وتكرار الجاهز والمُعدّ، وإطلاق النداءات، دون الاستناد إلى عوامل تفعيل، لتطبيقها، فورًا، ولا تمنع النزوح والهدم والمسغبة والحرائق والمقابر الجماعية، يعني أن ما حدث لا يغني ولا يُسمن من جوع، ولا يشفع لمشهد المحرقة المخيف.
لقد شبع الفلسطينيون من ترداد “حلّ الدولتين “الذي حالت إسرائيل دون تنفيذه بدعم أمريكي حاسم وبصمت عالَمي عاجز وغياب عربي وإسلامي جارح. لهذا؛ فإن السابع من أكتوبر بدا وكأنه ردّة فعلٍ طبيعية على ممارسات إسرائيل المتوالية والمؤذية ولابتزازاته المجحفة وتدنيس المقدسات وتسارع الاستيطان وانفلات المستوطنين المسلّحين بشكل مفزع وحاقد ومحاولته إنهاء القضية الفلسطينية ومنع الكلام حولها بعد أن أصدر قرارًا في الكنيست يمنع إقامة دولة فلسطينية في الوقت الذي انفتح فيه جريان التطبيع مع دولة الاحتلال تحت مسمّيات شتى ومن بوّابة الإبراهيمية! ورأينا كيف طوى العالَمُ صفحة فلسطين ومسألتها ولم تعد على أيّ أجندةٍ إقليمية أو دولية.
وعلى الصعيد الفلسطيني كان المشهد قبل السابع من أكتوبر ينبئ بأن القيادة الفلسطينية بقيت متكلسة على غفوتها وفسادها وغيابها ولم تفعل شيئًا يوقف جرائم الاحتلال ومستوطنيه، بل راحت تحدّق، عاجزةً، بالأرض التي يتمّ ابتلاعها. بمعنى أن الفراغ في ساحة مقاومة الاحتلال، الذي انقلب على تفاهمات السلام، والذي تركته المنظمة، قد قامت غزّة بتعبئته، فيما قامت النتوءات المسلّحة والحالات الفردية، في الضفة الغربية، بتعبئته، وإن كان الحال ارتجالياً ومتباعداً مكانيًا وزمانيًا. ورأينا أن منظمة التحرير لم تستجِب لمتطلبات التاريخ ما أدى لأن تقوم بعض القوى(حماس)وتعلن عن انقسامها ومغايرتها عن المنظمة وبعنف ظاهر. والحقيقة الصادمة وبكل المقاييس أن السلطة الفلسطينية أصبحت أكبر العوائق أمام مسيرة التحرير لأن مكوّنها ووظيفتها هي وظيفة مُعطِّلة للتحرير سواء على مستوى المكوِّن الأمني أو المدني لأن الأمني في خدمة الأمن الذي يريده الاحتلال والمدني أعفى الاحتلال من كل مسؤولياته وجعله أرخص احتلال في التاريخ واحتلال بلا ثمن! حتى أن هذا الاصطلاح تستخدمه السلطة. دون العمل وفق دلالاته. والأخطر أن السلطة جعلت سؤال “ما البديل”و”ما العمل “سؤالاً مستعصيًا لأنها حوّلت شعباً بأكمله من صاحب مصلحة في التحرير إلى صاحب مصلحة في التعايش مع الواقع الثقيل. والسلطة، بعد سنوات، وبعيداً عن الأشخاص والاتّهامات، أصبحت “عامل تهدئة”، ومنحت الاحتلال استقراراً من حيث الكيفية والزمن، لم يتوقّعه منذ إقامة دولته الغاصِبة. وأعتقد أن مشروع السلطة، بشكله الحالي، قد فشل ووصل إلى نهايته، ولم يعد شراء الوقت ممكناً أو مفيداً، لأن المسافة بين أهدافنا، التي نسعى لتحقيقها، بالحرية والاستقلال والدولة والعودة والقدس، قد ضاقت إلى حدّ مفجع، ولا يمكن مدّها زمنياً أو موضوعياً.
وبات واضحاً أن منظمة التحرير. صارت خارج وظيفتها، وخارج الزمن، وتبيّن للجميع أن الشعب الفلسطيني، الموزّع في غير مكان، لم يعد شعبًا واحدًا، ودون قيادة نزيهة وحقيقية على الأرض، تلمّ شعثه، وتوحّد خطابه، وترعى مصالحه.
أما على المستوى الدولي؛ فما زال العالَم يُعاني من هيمنة القطب الأمريكي الواحد واستطالاته واشتراطاته المُجحفة. عداك عن أنَّ العالَم اكتشف ضعفَه أمام ما يحدث من جرائم، واكتشف أنه هشّ عاجز، وغير قادر على تطبيق القانون والشرائع الدولية، التي تصون الحياة وتحفظ الحقوق.
وتثبت إسرائيل، كل دقيقة، ومن خلال عدوانها السافر المتواصل على الفلسطينيين والعرب؛ بكل كتلتها البشرية، أنها نقيضه الكامل، غير القابل للتفاهم أو التعايش معه. وقد رأينا إشارات حاسمة، على مدار عقود، بأن هذا الكيان غير قابل لأيّ شكل من صور التعايش، أو السلام، أو القبول، أو التعاون.
وما يبرّر وجاهة مرافعة البعض؛ أن ما قامت به غزّة يكمن في أن الشعب الفلسطيني انتظر 76 عامًا من الصمت العالمي والعربي، إلى أن توحّشت إسرائيل، فاضطر أن يغامر، ويجابه غوليّتها وصلفها، ويدفع ثمن مواجهتها من دمه ولحمه، وبيوته، وأشجاره، ومؤسساته.
وأرى، مع هذا، أن العامل الوحيد القادر على تذويب “حماس” ونزع ذرائعها، هو السلام الحقيقي، الذي يمكّن الشعب الفلسطيني من حقوقه، ولو بحدّها الأدنى. لأن إسرائيل لم تقاتل حماس، بقدر ما أبادت الشعب الفلسطيني. فعلى مدار عامين، تقريبًا، رأينا أن إسرائيل لم تتصيّد حماس وقادتها، فقط، لكنها حصدت غزّة عن بكرة أبيها، وتعمل على تهديم وتدمير كلّ ما هو قائم في قطاع غزة، ودفع مئات الآلاف نحو النزوح والهجرة. فحرب إسرائيل تستهدف الشعب الفلسطيني برمّته. كما نرى أن الضفة الغربية تتعرّض، بشكل استراتيجيّ حاسم ومنهجيّ، للاستيطان والتجويع والحصار وتدنيس المقدّسات.. ولا حماس في الضفّة! ما يؤكّد أن وثيقة سموتريتش لتفريغ الأرض والسيطرة عليها، لا يتوقّف على غزة دون الضفة، بقدر ما يثبت أن إسرائيل، ومنذ وثيقة “نافو” عام 1953م، تسعى إلى احتلال وتفريغ الأراضي الممتدة من سيناء والجولان وجنوب لبنان وشمال شرق سوريا، وبما يشمل كلّ فلسطين، وضمّها للدولة، بالقوّة، ودون تراجع.
وما تقوم به إسرائيل، في غزّة وجنوب لبنان، لا يعدو كونه محاولة صارمة وحاسمة وشرسة، لإعادة ضبط الإقليم، بالقوة، وعلى مقاس مصالحها ومصالح داعميها الأمريكان، وربما استطاعت تثبيت نقاط متقدمة، بسبب غياب الندّ المحيط لها، والمانع لما تقوم به.
ومع أن الأنظمة العربية والإسلامية عرضت على إسرائيل أن تضمن أمنها مقابل أن تسمح بقيام دولة فلسطينية، وأن ترسّم إسرائيل حدودها، لكن نتنياهو رفض!
ما معنى ذلك؟ معناه ما قاله وزير المالية المتطرف سموتريتش:”سنحتلّ مصر والأردن ولبنان، وسوريا، والعراق، وغيرها. فبالنسبة لكبار حكمائنا قدر القدس أن تمتد حتى دمشق “، لإقامة إسرائيل الكبرى! ومعناه ما سمعتموه عن “ممرّ داوود “الذي يبدأ من الجولان المحتل مرورًا داخل سوريا وصولًا إلى مناطق الأكراد شمال سوريا والعراق حيث القواعد الأمريكية والفضاء المضمر لحلم دولة اليهود من النيل إلى الفرات! هذا الممرّ هو اللبنة الأولى لتحقيق وَهْم إسرائيل بمشروع دولتها الكبيرة.
من جهة أخرى أعتقد أن حكومة نتنياهو بن غفير سموتريتش الصهيونية الدينية التوراتية الاستيطانية تحاول تغيير مكوّنات وهويّة الدولة العبرية وتحويلها إلى دولة حاخاميّة (مْدِيناة هَلَخا)، عبر تعيين المتطرّفين في كل مفاصل ومواقع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية المتقدّمة والمؤثرة واستبدال القوانين، بما يمكّنها من فرض رؤيتها وذائقتها وخطابها في كل مدارك إسرائيل الحالمة بالتلمود وتداعياته التاريخية العنصرية وجعل كلّ إسرائيلي متطرفًا أصوليًا مجرمًا. لهذا سيسعى المعسكر العلماني أن يتصدى. ما سيؤدى إلى صدام بينهما، بالضرورة، وهذا يفسر خروج التظاهرات المعاكسة ومواقف الهستدروت وبعض النقابات والأحزاب المعارضة. لكن المعسكر العلماني ما زال متشظّيًا وضعيفًا.
وعليه فهل ستوافق إسرائيل على تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته على حدود يونيو/ حزيران1967؟ الجواب، قطعًا: لن توافق لأنها محميّة بالفيتو الأمريكي. ولأن العمق العربي ينقصه توظيف قدراته الهائلة للضغط على أمريكا حتى تستجيب للعقل والسلام المنشود. ولأن بعض الدول العربية هرولت نحو التطبيع مع إسرائيل وتجاوزت وثيقة السلام العربية، التي افترضت الانسحاب مقابل السلام. ولأن طبيعة إسرائيل اليمينية الحاخامية لا تسمح لها للذهاب إلى طاولة المفاوضات، لأن المجتمع الإسرائيلي محكوم بالعقد التوراتية المتطرّفة، التي لا ترى أيّ حقّ للأغيار!
وهل تستطيع أوروبا فرض الحلّ على أمريكا وإسرائيل؟ الجواب المتوقّع: لا، بالطبع لأن إسرائيل هي المملكة اللاتينية في قلب العالم العربي، وخندقها في أحشائنا، ومنصّتها الثقافية عندنا، وشرطيّها المدجّج علينا. ولأن تعقيدات المصالح، وموازين القوى العالمية، في ظلّ التحفّز الصيني، والدَّهْم الرّوسي لأوكرانيا، والهيمنة الأمريكية على الناتو، والمواقف الأوروبية وتراجعها، على غير صعيد، سيمنع من أن تُشكّل أوروبا قوّة جمعية، تجعلها سبيكة صلبة، تفرض مداخلتها على الطاولة الكونيّة.
أما حماس فإنها، الآن، تبحث عن خلاصها الشخصي، ولا تستطيع أن تعرقل حلًّا سياسيًا جدّيًا، ذا ثقل إقليمي حقيقي، وينقذ ما بقي من الشعب والأرض في غزة والقطاع. وحماس مرتبطة بمفارق إقليمية، وما قامت به ليس من صناعتها، وإنْ نفّذته بيديها، أي أن التسويات الإقليمية تنسحب على كل المكوّنات المتّصلة بها. وأن المفتاح السحري، الذي يفكّك العُقد، ويودي بكل أشكال التعنّت والأصولية والتطرّف، ويفتح فضاءات حقيقية ومبشّرة للهدوء والأمن والتنمية والأمان، هو السلام الذي يقدّم الحياة والكرامة للجميع، دون تمييز. وأن السكوت على المجازر والعربدة الدموية وبثّ الكراهية ونفي الآخر، هو الوصفة التي تغذّي المتطرّفين والحروب، وسفح الدماء وتأبيد الشحناء والصدامات.
وهنا أشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة القوّة والقرار، تتحمّل المسؤولية عمّا يجري، في منطقتنا، وعليها أن تدرك أن مشاهد غزّة المروّعة، تمدّ الشارع العربي والإسلامي، وتغذّيه، بسخونة غضب، سينفجر، إن لم تُسارع إلى إنهاء المقتلة، والشروع بفتح نوافذ السلام المطلوب والقادر على البقاء. كما أن شوارع أوروبا ستُحاسب أنظمتها على مواقفها عاجلًا أم آجلًا.
ولا ينبغي لأحد لأن يستهين بمناظر الجوع والقنص والقصف في غزة. إن كلّ ذلك سيعصف بالعالم إن لم يتمّ تدارك الأمر سريعًا. إن النقمة الكامنة في قلب الشعوب، ستجتمع مع نقمة ثانية وثالثة ورابعة، وستتضافر، وتتصدى، وستجد لنفسها طريقًا تنفث عبره غضبها، وقهرها وعوامل استلابها وإذلالها. فلا طمأنينة إلا مع إشاعة العدالة والمساواة وإحقاق الحقوق. ولن تجدي كل آليات التنفيس والتكتيم وماكنيزمات التعويض الفارغة. والتاريخ مباغت، وثمّة حرارة يرتفع منسوبها، لا نراها، لكن إشاراتها تشي بالانفجارات الآتية.
وحلّ الدولتين مبدأ قديم، أرهص له قرار التقسيم رقم181، العام1947.ثم قرار242، بعد نكسة يونيو/ حزيران، والذي نادى بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها العام1967م، وصولًا إلى وثيقة السلام العربية، وتوافقات الرباعية الدولية، وخطابات الأُمم المتحدة. لكن إسرائيل أسقطت حلّ الدولتين بشكل متعمد وعملت على استبداله بصيغ ترقيعيه مؤقتة واعترضته فعليًا وتعاطت مع ذلك الولايات المتحدة وبعض الدول خاصة الأوروبية وبات واضحًا أننا نجري خلف وَهْم الدولة على حدود الرابع من حزيران67، بينما الأرض تسلب من تحتنا ويفرض المحتلُّ وقائع خطرة على الأرض تفرّغ مفهوم الدولة من مضمونه سواء على مستوى الحدود أو السيادة.
وفي ظلّ انغلاق الأفق لترجمة حلّ الدولتين قام البعض وأغرق النقاش الفلسطيني، بفكرتين لإيجاد حلّ للصراع الأولى تفكيك نظام الأبارتهايد، والثانية حلّ الدولة الواحدة للشعبين. وكلا الفكرتين تحمل نقيضها، واستحالة تطبيقها، بسبب طبيعة الجمهور الإسرائيلي العنصريّ المتطرّف، الذي لا يقبل أي حلّ، سوى الهيمنة الكاملة، دون شراكة مع أحد، على الأرض وما عليها.
وأرى، من باب إثراء النقاش النظري أن مشروع فلسطين الكاملة الذي ينهض على مبدأ “تفكيك فكرة الاستعمار في فلسطين “، هو المخرج الأكثر سلامة وموضوعية وواقعية، ويقفل ما يزيد عن سبعين عامًا من الجري خلف وَهْم الحقوق المشروعة، الذي أنتجه النادي الدولي نفسه، ذلك الذي منح الشرعية لدولة الاحتلال! فلا هو تمكّن من فرض تلك الحقوق التي شرعها لنا، ولا ترجمها على أرض الواقع، ولا تمكّن من ردع المحتل ومنع عدوانه. بل شكّل غطاء مستمراً لحماية عدوانه على أرضنا وشعبنا، وعجز عن لجم الاحتلال بسبب من الطبيعة الاستعمارية للنادي الدولي المسمى بالأمم المتحدة، التي احتفظت لدول بعينها بحق الفيتو ضد دول وشعوب العالم أجمع، وخاصة أمريكا.
الموقف الأوروبي، تزامن مع الإبادة، ما يعني أن أوروبا، التي تحوّلت شوارعها إلى فلسطينية، واكتشفت نفاق أنظمتها وانحيازها لإسرائيل المبيدة، سارعت لامتصاص نقمة الشارع الأوروبيّ، وعملت على تنفيسه، بمراجعة علاقاتها مع إسرائيل، وبهذا الإعلان اللفظي. إنها ضريبة كلامية لا أكثر.
والسؤال هو: إذا كان العالَمُ كلّه ضد المذبحة والتجويع والاستباحة، فلماذا لم يفعل شيئًا “حقيقيًا” لإيقاف الحرب والموت؟ وما دام العالم يطالب بوقف المحرقة، ويضغط وينادي للاعتراف بحقوق الضحية فلماذا تتواصل المعركة الدموية؟ والجواب المُؤكد هو: أن الغرب يبارك ما تقوم به إسرائيل عمليًا. أو أنه عاجز ومغلوب على أمره. أو يتفرج ويتضامن معنا مجانيًا ولا يحرّك ساكنًا حفاظًا على مصالحه.
وأعتقد بأن إعلانات الاعتراف بدولة فلسطين تهدف إلى حماية دولة إسرائيل وذلك من خلال أمرين: الأول؛ تحميل نتنياهو وحكومته، مسؤولية الإبادة، كمقدمة للتضحية به-وهذا ما سنراه قريبًا-، وتبرئة دولة إسرائيل، ثُمّ الإتيان بالفلسطينيين “أصحاب الشأن “بمعاودة مصالحة إسرائيل وعقد اتفاقيات سلام جديدة معهما يعني غسل يديّ إسرائيل من دم الفلسطينيين. لأن الكلّ يعلم بأن نظامًا فاشيّا يقوم بالمذابح لا يمكن التعايش معه، لاحقًا، ولهذا فإن الغرب يبحث عن آليات لبقاء إسرائيل، أُمّ الفظاعات، حتى لا يكون مصيرها مثل ألمانيا الهتلرية، بعد الحرب العالمية الثانية. أي أن الصيغة القادمة تسعى لتنفيس حالة الاحتقان في المنطقة والعالم، وإنقاذ إسرائيل من لعنة الإبادة، دون تحقيق أيّ صورة من صور إنهاء الصراع، واستبداله بحيلٍ لإدارة الصراع، وإطفاء جذوته. وعلينا أن نتذكّر أن المجتمع الإسرائيلي اليميني المتطرّف والمتوحّش، قد ذهب بعيداً في التنكّر للحق الفلسطيني والوجود الفلسطيني، بل إن التيار الصهيوني العريض، قد أذاب الهوامش اليسارية منه، بحيث تحوّلت النُخَب الإسرائيلية الحاكمة والمثقّفة إلى داعية للاستيطان والطرد والقتل وتكريس الاحتلال. وفي هذا كشف حقيقي لرؤية كلّ طرف على المستوى الاجتماعي والثقافي لاتفاقيات أوسلو. ويمكن القول أكثر من ذلك؛ فأوسلو غيّر المجتمع الفلسطيني إلى القبولية، في حين حوّل المجتمع الإسرائيلي إلى كامل الرفض! وهذا يدفعنا للقول؛ إن المجتمع الإسرائيلي لا يمكن له أن يصنع سلاماً مع الآخرين، فضلاً عن نفسه.
أما مواصفات الدولة الفلسطينية التي يريدها الغرب ويلوح بها فستكون دولة منزوعة السلاح وملحقة اقتصاديًا وأمنيًا بإسرائيل ولا سيادة فعليّة لها على المعابر ولا تمتلك أمْنَها الوطني (التموين والاتصالات والمواصلات والكهرباء والماء)، ولا عودة للاجئين ولن تكون القدس عاصمتها. إلا رمزيّا. ذلك أن إسرائيل وبسبب تركيبتها لن تسمح بأكثر من ذلك. وأميل إلى أن الإقليم لن يذهب إلى ذلك الحلّ الاقتصادي الذي سيكون جزءًا من صفقة القرن والسلام الإبراهيمي على ضعفه وظلمه إلا بعد أن يُسوّي الأوضاع في الدول المحيطة. ولهذا نرى أن لغة الحرب ما زالت الأقرب في المنطقة وأن العودة إلى المربّعات الأولى ما زالت قائمة ولها الغلبة والحضور.
وأخيرًا أعتقد أن المملكة العربية السعودية لثقلها الاقتصادي، ورمزيّتها الدينية العالية، وعلاقاتها المتوازنة دوليا، وخطابها المعتدل سياسيًا، والتزامها المبدئي بقضايا أُمّتها، هي الأكثر قدرة، عربيًا وإسلاميًا، على القيام بدور عميق، تستطيعه، تحقّق من خلاله إنهاء المجازر وإطفاء لظى الحرب والجوع، سريعًا. وتعمل على تمكين الفلسطينيين من البقاء على أرضهم ليحظوا بقدرة أن يستعيدوا حياتهم ويسوسوا أنفسهم بشفافية، ويتجاوزوا تحديات القهر والثأر على طريق تحقيق تسوية عادلة تنهي الاحتلال وتنزع عوامل الانفجار من جديد. وخصوصا أن مشاركة السعودية الحيوية في مؤتمر نيويورك لأسبابها العروبية وواجبها الأخلاقي وحمولتها الإنسانية يؤكد ثقلها الوازن والقادر على إحداث المطلوب.
وأرجّح أن إسرائيل ذاهبة، بالضرورة، إلى الانتحار الذاتي عبر الانفجار من الداخل، إن لم تستجب للتفاهم والهدوء، أو إلى استخلاص العبر، ما سيدفعها إلى التخلّص، تدريجيًا، من خطابات العقد التوراتية، وتصعيد قيادة مختلفة معتدلة.. لا ثالث لهذين الخيارين. لأنها أدركت أنها لا شيء دون أمريكا، اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا. وأنها تتنفّس من رئة خارجية. وتعرف أنّها جزيرة صغيرة ممجوجة، في محيط غاضب، لن تتمكّن من البقاء دون التعايش معه. وأن الحروب ستفقدها عوامل بقائها.
إن المُتاح من الأرض (الضفة والقطاع) لتحقيق حلّ الدولتين، يحتاج إلى معجزة ثقيلة، حتى ترسّخ المبدأ، ويصبح مقبولًا، أوّلًا.. ليتجلّى، ونرى أحلامه ممكنة التأويل على الواقع. وإلا فإن دبيب معركة” هارمجيدو “أو يأجوج ومأجوج، ونهاية العالَم، ستظهر، لا محالة. فهل من عاقل رشيد منقذ، قبل فوات الأوان؟ نرجو ذلك.
