3 متطلبات للوساطة الخليجية: تحليل النزاعات وإنذار مبكر وتحويل التفاهمات لترتيبات وبناء مراكز معلومات

Large,Oman,Flag,Waving,In,The,Wind

Large Oman flag waving in the wind

Getting your Trinity Audio player ready...

عاصم الشيدي
كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان


نجحت سلطنة عُمان خلال العقود الخمسة الماضية في النأي بنفسها عن الكثير من الصراعات العربية، والإقليمية؛ الأمر الذي أكسبها مع الوقت وصف “دولة الحياد”. وهو وصف بدا صادقًا إلى حد كبير كما تكشف مواقفها تجاه الكثير من القضايا في منطقة الشرق الأوسط. لكنّ عُمان تفسر حيادها على الدوام بأنه ليس حيادًا “سلبيًا” لا يكشف عن موقف سياسي واضح، ولكنه “حياد إيجابي” مكّن عُمان من المشاركة الفاعلة في دعم السلم، والتوسط في تسوية النزاعات والدفاع عن العدالة والشرعية الدولية. فلا يمكن وفق منطق الأشياء أن تكون منحازًا ضمن أجندة سياسية أو أيديولوجية وتقدم نفسك وسيطًا مقبولًا لدى الطرف الآخر. وساعد هذا “الحياد الإيجابي” سلطنة عُمان عبر العقود الماضية في الموازنة بين استقلال قرارها السياسي استقلالًا تامًا، والعمل بفاعلية كبيرة في القضايا العالمية عبر بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف مهما كان مستوى التباين بينها. وموضوع استقلال القرار السياسي في عُمان مهم جدًا ولا تستطيع الحياد عنه لأسباب تاريخية مرتبطة بكيانها السياسي والحضاري الضارب في القدم.

بهذا المعنى الذي بات واضحًا للجميع في المنطقة والعالم بنتْ عُمان ثقة طويلة الأمد مع جميع الأطراف المتخاصمة. وأثبتت التجارب التاريخية ـ في منطقة الشرق الأوسط على أقل تقدير ـ دقة النهج العماني وصدق دبلوماسيتها التي توظفها في بناء وساطاتها بين الفرقاء. ويعود ذلك إلى عدة أمور أهمها أن من يعتزل المشهد عبر فكرة “الحياد” يستطيع أن يراه بشكل أكثر دقة وبعيدًا عن أي تحزب؛ فعندما لا تكون لديك أجندات وأطماع تملك قدرة أكبر على قراءة المشهد من حولك وفهمه. على أن عُمان تملك نتيجة تماسها مع قضايا المنطقة رصيدًا كبيرًا من فهم السياقات التي تحرك هذه الصراعات، والثقافات التي تغذيها، وامتداداتها التاريخية والدينية والقبلية. وهذا الفهم مهم جدًا وأساسي لمن يريد أن يتعامل مع صراعات الشرق الأوسط المعقدة والممتدة جذورها في التاريخ البعيد والمتشابكة مع السياقات الدينية ومع الأساطير والأوهام التي ما زالت تتغذى على تراجع وعي الناس وانتشار الخطابات الشعبوية.

ومن يتتبع السياسة الخارجية في سلطنة عُمان منذ عام 1970م، حتى اليوم يدرك أنها تملك رؤية واضحة المعالم لا تحيد عنها أبدًا، مبنية على مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخر”.. ورغم أن الجميع يرفع هذا المبدأ في المنطقة لكن القلة منهم من يطبقه على أرض الواقع. عُمان تطبقه بإيمان كامل به؛ ولذلك استطاعت سريعًا أن “تصفر” خلافاتها مع الجميع، حتى مع تلك الدول التي دخلت معها في صراع عسكري كما كان الأمر بالنسبة لليمن الجنوبي في سبعينيات القرن الماضي.

ولعل أول اختبار واجهته عُمان الحديثة في سياسة “الحياد” كان امتناعها عن مقاطعة مصر بعد توقيع الرئيس أنور السادات لاتفاق سلام منفرد مع إسرائيل. لم يدم الأمر طويلًا فسرعان ما تحول “الحياد” إلى دور فاعل في التقريب بين وجهات النظر المصرية والعربية حتى عادت مصر إلى محيطها العربي.

ورغم أن الرئيس العراقي صدام حسين كان يتزعم فريق المقاطعين ولم يخف غضبه من الموقف العماني إلا أنه وجدها الوحيدة القادرة على التوسط بينه وبين السادات لشراء السلاح السوفيتي عندما بدأت مصر في استبداله بسلاح غربي/ أمريكي، حيث كان العراق يخوض حربًا صعبة مع إيران بدعم خليجي. حدث ذلك رغم أن عُمان حافظت على علاقات متساوية بين العراق وإيران في تلك الحرب التي حاولت إخمادها في الوقت الذي كانت دول كثيرة في المنطقة تؤججها خاصة في سنواتها الأولى قبل أن يبدأ تأثير سلاسل إمداد الطاقة وحركة السفن وأمنها في الخليج العربي.

لم يمض وقت طويل منذ نهاية الحرب العراقية / الإيرانية حتى بدأ الغزو العراقي للكويت. وقفت سلطنة عُمان مع الكويت ومع استقلالها وتحريرها من الغزو؛ لكنها في الوقت نفسه لم تقطع كل صلتها بالعراق، وحتى بدء حرب التحرير كانت وفودها تصل مسقط في محاولة لإقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت. وبعد التحرير بسنوات دعمت عُمان مشروع النفط مقابل الغذاء في محاولة لإنقاذ الشعب العراقي المحاصر من المجاعة والأمراض.

وفي عام 1991م، يسرت عُمان استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران التي كانت قد قُطعت بعد الأحداث الدامية التي صاحبت موسم الحج في عام 1987م، والتي تسبب فيها مجموعة من الحجاج الإيرانيين. وتعود عُمان في مارس 2023 م، للمساهمة مع كل من العراق والصين في تطبيع العلاقات بين المملكة وإيران بعد جولات من المفاوضات امتدت بين مسقط وبغداد. وتدرك سلطنة عُمان مركزية كل من المملكة العربية السعودية وإيران في منطقة الشرق الأوسط وأن أي قطيعة بينهما ليست في صالح أمن المنطقة واستقرارها.

نماذج الوساطات التي قامت بها عمان كثيرة ولا يسع المقال لرصدها ، بعضها معلن وبعضها الآخر ما زال طي الكتمان رغم أنه ساهم في بناء منعطفات تاريخية في المنطقة. ولعلّ العالم انتبه بشكل جيد لدور الوساطات العمانية في عام 2013 م، عندما قامت عُمان بدور استراتيجي في تيسير الوصول إلى توقيع “خطة العمل الشاملة المشتركة” بعد مفاوضات طويلة بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا). بدا الأمر في عتباته الأول وكأنه ضرب من الخيال، ولكن عُمان كانت على يقين تام أنه يمكن أن يصل إلى نتيجة إيجابية حينما وجدت أن ثمة رغبة بين جميع الأطراف، وما حدث بعد ذلك معروف تمامًا للجميع.

 لماذا تنجح عُمان؟

تبدو الإجابة على هذا السؤال كثيرة التعقيد ولها جذور تاريخية وجغرافية وسياسية، أما التاريخي فيعود إلى أن عُمان أحد أقدم الكيانات السياسية في المنطقة؛ هذا الأمر منحها فهمًا عميقًا بالمنطقة وصراعاتها وشكّل مع الوقت ثقافة سياسية ذات رؤية عميقة.

أما الجانب الجغرافي فيعود إلى موقع عُمان الجغرافي الذي جعلها في منطقة كثيرة الحساسية وإلى جوار قوى إقليمية فاعلة مثل إيران والمملكة العربية السعودية إضافة إلى إشرافها على مضيق هرمز حيث يتداخل الأمن البحري مع الطاقة التي يعتمد عليها العالم أجمع، كان هذا التحدي الكبير أحد الأسباب الأساسية التي وجهت السياسة العمانية ناحية “الحياد” وتبني دور الوسيط الذي يعمل بدأب على نزع فتيل الحرب والصراع في المنطقة.

ثمة أمر مهم آخر لا بد من التطرق له في هذا السياق وهو قدرة عُمان، كما أسلفنا، على بناء شبكة علاقات متناظرة؛ فبقدر علاقة عُمان مع إيران تحتفظ بعلاقات قوية ومتينة مع الولايات المتحدة.. ويحدث هذا بعيدًا عن أي نوع من الاصطفاف الأيديولوجي وهذا أمر نادر الحصول في المنطقة الأمر الذي هيأها تمامًا للقيام بدور الوسيط الموثوق به مع جميع الأطراف، يمكن أن نستعيد هنا دورها في استضافة الفرقاء في ليبيا لمحاولة كتابة دستور ليبي في مرحلة ما بعد القذافي لوقف التناحر الداخلي وتفتيت ليبيا إلى دويلات متناحرة، ودورها مع الكويت في إنهاء الأزمة الخليجية ومصر مع قطر ودورها في الأزمة مع اليمن.

تملك عُمان، أيضًا، القدرة على الحفاظ على سرية تحركاتها السياسية وإدارة التفاصيل الحساسة بعيدًا عن الأضواء أو التسريبات حتى إذا ما شعرت بأن الأمور قد وصلت إلى النضج تدفع بها إلى المجتمع الدولي كما حدث في مفاوضات الملف النووي (5+1). فالهدف الأساسي نجاح المفاوضات وليس التباهي بقدرة عُمان على تحقيقها.

 كيف تستفيد المنطقة من الوساطة العمانية؟

من المهم أن تنعكس الأدوار العمانية على أمن المنطقة واستقرارها على المدى البعيد، وهذا الدور لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة جماعية ودون ربط المنطقة بأكملها ضمن منظومة مصالح اقتصادية.

يحتاج الأمر بداية إلى محاولة بناء وعي سياسي مشترك والتخلص من العقد التاريخية والأيديولوجية؛ فهي تعيق أي محاولة لبناء شراكات جماعية في منطقة الشرق الأوسط. وتبدأ الاستفادة الإقليمية من الفلسفة التي تقوم عليها الوساطة العُمانية حينما يتحول “حياد” عُمان الإيجابي من خبرة دولة إلى “معيار عمل” مقبول لدى الجميع. يحتاج هذا الأمر إلى سياق تنظيري عبر ما يمكن تسميته “بالنظرية السياسية” أو “العقيدة السياسية” القابلة للدراسة والتصدير. وما زال هذا الأمر غير متحقق، فالنظرية السياسية العمانية غير مكتوبة رغم أنها وضعت في محكات صعبة وأثبتت جدارتها.

لكن الأمر يمكن أن يأخذ بعدًا أكبر وأهم إذا ما تحول إلى قدرة خليجية مشتركة عبر إنشاء مركز وساطة خليجي داخل الأمانة العامة لمجلس التعاون يعمل وفق منطق العقل المؤسسي المحكوم بالنظرية السياسية. وتملك دول “الخليج العربي” ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وماليًا لتقوم بدور الوسيط في المنطقة العربية والإقليم. وقد يجنبها هذا الدور الكثير من التحديات لكن الأهم أن هذا الدور يمكن أن يتحول إلى مشروع حضاري تتبناه هذه الدول لإعادة بناء الأمة العربية التي تعيش في أسوء لحظاتها التاريخية.

ويمكن أن يضم المركز المقترح ثلاث وحدات تشغيلية. تقوم الأولى بدور تحليل النزاعات والإنذار المبكر، وتُنتج خرائط فاعلين، وتقيّم الحوافز، وتبني السيناريوهات، وتقدّر الكُلف على الممرات والطاقـة. فيما تقوم الوحدة الثانية بتحويل أي تفاهم سياسي إلى ترتيبات قانونية ومالية تجعل “السلام المشروط” ممكنًا ماليًا وقانونيًا، وتتحول الوعود السياسية إلى دفعات إنسانية ملموسة ومراقبة يمكن لأي طرف التحقق منها. أما الوحدة الثالثة فتقوم بدور اللوجستيات عبر بناء مراكز معلومات دقيقة ومراكز عمليات بحرية وجوية.

ربما يعتقد البعض أن هذه الأفكار طموحة جدًا في بيئة الشرق الأوسط المضطربة وفي وسط تتباين فيه الآراء السياسية داخل دول مجلس التعاون الخليجي نفسها، وأن الدول الكبرى تتعامل مع الوساطة باعتبارها أداة لإدارة الوقت وليست جسرًا حقيقيًا نحو التسوية. وهذا الاعتراض صحيح جزئيًا؛ لكنه لا ينفي الفاعلية تمامًا.. والتجارب، في المنطقة بشكل خاص، تشير إلى أن الوساطة، حين تُبنى على الصدق والبعد عن الأجندات يمكن أن تغير حسابات المنفعة حتى لو بقيت الأهداف الكبرى مؤجّلة.

لن تستطيع عُمان ولا دول الخليج إنقاذ الشرق الأوسط، لكنها تستطيع أن تثبت أدوات تجعل السلام، في حدّه الأدنى الواقعي، نتيجة منطقية لا مجرّد رغبة أخلاقية. بتلك الأدوات يمكن أن يصبح الطريق إلى تجنيب المنطقة والعالم مزيدًا من الحروب أقل وعورة، ولو ظلت القمم السياسة بعيدة عن التسويات النهائية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *