الأقليات تشكل 40 % من سكان إيران وتتركز على الحدود ولا توجد ” كوتة ” للقوميات للمشاركة في الحياة السياسية

September,7,,2022,-,Qom,(iran),-,People,In,Fatima

September 7, 2022 - Qom (Iran) - People in Fatima Masumeh Shrine in Qom (Iran)

Getting your Trinity Audio player ready...

د. محمد صالح صدقيان

 مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية


عاشت إيران في أعماق التاريخ الإنساني، وتشابكت فيها خيوط الحضارات حيث وقفت كشاهد على عبقرية التنوع البشري الذي يتحول إلى قوة دافعة للتقدم. إيران لوحة معقدة من الشعوب والثقافات، يمتد جذورها إلى أقدم الإمبراطوريات، حيث يصبح الاختلاف مصدر إلهام للبناء الجماعي. منذ عهد الأخمينيين “486 – 522 قبل الميلاد”، الذين أقاموا إمبراطورية تضم عشرات الأمم تحت لواء التسامح والعدالة الشاملة، إلى عصرنا الحالي الذي يشهد تعايش بين قوميات وإثنيات مختلفة حيث ظلت الإثنية في إيران عاملاً أساسياً في تعزيز الوحدة الوطنية وصمودها أمام التحديات العسكرية والأمنية والاقتصادية على مدى التاريخ.

القوميات الإيرانية

إيران التي تبلغ مساحتها مليون و648 ألف و195 كيلومترًا مربعًا؛ يبلغ عدد سكانها أكثر من 85 مليون نسمة حسب آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2025 م، حيث تشكل القومية الفارسية أكبر القوميات الإيرانية حوالي 61 % من السكان، بينما تشمل القوميات الأذرية 16 %، والأكراد 1%، واللور 6 %، والعرب 2 %؛ والبلوش 2%، والقومية التركمانية 2 %. حيث يعتنق 99 % من سكان إيران الدين الإسلامي ومعظمهم من المذهب الشيعي الجعفري الإثنی عشري؛ فيما يشكل 1% من سكان إيران الذين يعتنقون الأديان الأخری مثل الأرمن والآشوريين واليهود والزرادشتيين.

وتتوزع هذه القوميات في مناطق مختلفة من إيران؛ حيث تسمی المحافظات بأسماء القوميات المختلفة مثل محافظة أذربايجان التي تقطنها الأكثرية الآذرية؛ ومحافظة كردستان التي تقطنها الأكثرية الكردية؛ ومحافظة سيستان وبلوجستان التي تقطنها الأكثرية البلوشية؛ ومحافظة خوزستان التي تقطنها الغالبية العربية.

والعودة إلى الجذور التاريخية بعمق أكبر، فإيران – أو بلاد فارس كما كانت تُعرف في الأساطير القديمة – لم تكن يوماً أمة متجانسة، بل كانت دائماً ملتقى حضارات يحول التنوع إلى مصدر إلهام وابتكار.

التاريخ يتحدث عن تسامح مع القوميات

في عهد الإمبراطورية الأخمينية “550-486 قبل الميلاد”، أسس الملك كورش الكبير نموذجاً للتسامح الإثني وكتب ذلك في المنشور الذي سمي باسمه حيث لازال هذا المنشور المكتوب باللغة المسمارية يعتبر من التحف القيمة التي يحتفظ بها المتحف الايراني، حيث سمح للشعوب المغلوبة بحفظ لغاتها ودياناتها وتقاليدها، مقابل الولاء للإمبراطور، مما جعل الإمبراطورية نموذجاً للوحدة في التنوع الذي امتد من شواطئ النيل إلى حدود الهند. وكانت الإثنية تُدار عبر نظام ساتراپيات يمنح استقلالاً نسبياً للمناطق، محولاً الاختلاف إلى طاقة إبداعية ساهمت في بناء طرق تجارية مثل طريق الحرير ونظم إدارية متقدمة. هذا التسامح استمر عبر العصور، حتى مع الغزوات الإسكندرية التي أدخلت عناصر هلنستية، ثم البارثيين والساسانيين، الذين ركزوا على الهوية الإيرانية الزرادشتية مع احترام الأقليات، حيث كانت المعابد الزرادشتية تتعايش مع المعابد اليهودية والمسيحية في سلام نسبي. بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، تحولت إيران إلى جزء من الخلافة العربية الإسلامية، حيث اختلطت الثقافات في مزيج غني، وأصبحت اللغة الفارسية رابطاً حضارياً يجمع العربية والتركية والإيرانية القديمة، مما أنتج أدباً خالداً مثل شاهنامة الفردوسي الذي يمجد التنوع الإيراني.

في العصر الصفوي”1501-1722م”، اعتنقت إيران المذهب الشيعي الإثنی عشري وأصحبت إيران دولة شيعية رسمياً، مما أدى إلى توحيد ديني عزز الوحدة الوطنية، مع احترام المذاهب الإسلامية الأخری كالشافعية والحنبلية التي كان يعتنقها الأكراد والبلوش، حيث كانت المحاكم الشرعية تتعامل مع النزاعات الإثنية بحكمة.

أما في العهد البهلوي ” 1925-1979م ” سعى رضا شاه ونجله محمد رضا شاه لتعزيز الهوية الوطنية من خلال برامج تعليمية وثقافية، لكن الثورة الإسلامية التي اندلعت في 1979م، حولت التنوع لفرصة حقيقية تحت راية الدستور الذي استند على المواطنة والتعايش السلمي، واعترفت الجمهورية الإسلامية بالإثنية كفرصة للتقدم والازدهار المشترك. وقد نصت المادة 19 من الدستور الإيراني على المساواة علی أساس المواطنة بغض النظر عن العرق أو اللغة أو الدين، حيث منح الدستور الحقوق الكاملة لأصحاب الديانات التي اعترف بها الدستور “الزرادشتيين واليهود والمسيحيين”، وخصص لهم خمسة مقاعد محجوزة في البرلمان لضمان تمثيلهم الفعال.

ويری المرشد الإيراني علي الخامنئي أن “الجمهورية الإسلامية ترى التنوع الإثني “فرصة”، حيث تُعتبر التقاليد والعادات المختلفة مصدر إثراء وطني يعزز الصمود أمام التحديات الخارجية.

القومية الآذرية

تعتبر القومية الآذرية، أكبر قومية في إيران بعد القومية الفارسية “أكثر من 18 مليوناً”، حيث يتمتعون بحقوق ثقافية واسعة، مع استخدام اللغة التركية في الإعلام المحلي والتعليم.  واندماجهم السياسي يتجلى في تولي شخصيات مثل المرشد الأعلى علي خامنئي، ذو أصول أذرية، مناصب قيادية، مما يعكس كيف يصبح التنوع قوة قيادية.

القومية الكردية

أما القومية الكردية، البالغ عددهم حوالي 8 ملايين، فيعيشون في كردستان الإيرانية، ويشاركون في التنمية الوطنية من خلال مشاريع اقتصادية كبرى مثل بناء السدود والطرق، مع احترام تراثهم الثقافي تحت مظلة الوحدة الإسلامية، حيث أقيمت مهرجانات ثقافية كردية في 2025م، لتعزيز الاندماج. ولأول مرة منذ العام 1979م، عين الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان شخصية كردية كمعاون له لشؤون القوميات المحتفلة.

القومية العربية

في الجنوب الغربي من إيران، تقيم القومية العربية في محافظة خوزستان الغنية بالنفط، ويستفيد العرب من الاستثمارات الحكومية التي تعزز التنمية الاقتصادية، مع مشاركتهم في الإدارة المحلية وبرامج تطويرية أدت إلى زيادة فرص العمل. وفي الوقت الذي يشكو العرب من عدم توفر الرعاية الحكومية الكاملة إلا أن الحكومة تحرص على توفير الحياة الكريمة حيث خصصت 1 % من الإيراد النفطي في المحافظة لإعمار المحافظة ورعايتها.

القومية البلوشية

أما البلوش في الجنوب الشرقي، وتحديدًا في محافظة سيستان وبلوشتان فتشهد تقدماً في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد قياسًا بالوضع التعليمي والصحي والاقتصادي الذي كان سائدًا في الماضي، وعلى الرغم من معاناة هذه المحافظة من الحرمان في مجالات متعددة لكن السلطات الإيرانية وضعت سياسات مدعومة لمكافحة الفقر وتعزيز الاندماج، بما في ذلك إنشاء مدارس ثنائية اللغة ومستشفيات حديثة.

هذه الأقليات مجتمعة تشكل حوالي 40 % من السكان، وتتركز في المناطق الحدودية، مما يجعلها درعاً وطنياً ضد التدخلات الخارجية، تحت سياسة الاعتراف بحفظ التنوع الثقافي كسياسة رسمية للجمهورية الإسلامية، كما أكدت تقارير وطنية في 2025م.

وفي الوقت الذي شكل التعدد الإثني عامل وحدة في المجتمع الإيراني إلا أنه تأثر في أحيان كثيرة بالتطورات التي تشهدها المنطقة وتحديدًا دول الجوار كالعراق وأذربيجان؛ إلا أن السلطات الرسمية حاولت زيادة الدعم الاقتصادي والثقافي لامتصاص التداعيات السياسية وتحويل الاختلاف إلى قوة موحدة.

التحديات

داخلياً، حاولت السياسة الإيرانية امتصاص تداعيات الحركات الاجتماعية التي شهدتها المناطق الإيرانية كما في الاحتجاجات التي رافقت وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في العام 2022م. ورغم المحاولات الخارجية التي أرادت استغلال هذا الحدث وتحويله إلى حدث أمنى سياسي إلا أن السلطات أكدت على الالتزام الوطني المشترك، مع إصلاحات لتعزيز الحقوق في المناطق الإقلية، بما في ذلك برامج تعليمية جديدة نفذت في العام 2025م.

اقتصادياً، حاولت السلطات وضع برامج تنموية واسعة في المناطق التي تسكنها القوميات الكردية والبلوشية لتشهد هذه المناطق نمواً ملحوظاً بين 2020- 2025م، أدت إلى إنخفاض معدلات البطالة بنسبة 15 % وزيادة التحضر، مدعومة برؤية الـ 20 عاماً الوطنية التي حققت إنجازات في الاقتصاد والعلوم، حيث ساهمت جميع الإثنيات في التقدم الذي شهدته إيران في المجالات التكنولوجية والأكاديمية والفنية المتعددة.

سياسياً، لا توجد ” كوتة ” معينة للقوميات الإيرانية المختلفة في الحياة السياسية حيث تشارك القوميات المختلفة في البرلمان والإدارة على أساس المواطنة، مما يعكس نموذجاً للديمقراطية الإسلامية التي يفتخر النظام السياسي بها، حيث تحول التنوع إلى مصدر قوة ضد البرامج الخارجية التي أرادت فصل القوميات عن النظام السياسي، كما في الإصلاحات الدستورية التي ناقشتها الحكومة في 2025م، لتعزيز التمثيل الإثني.

في عام 2025م، أقيمت في إيران مهرجانات وطنية مثل الدورة الثالثة لمهرجان المجموعات الإثنية والقبائل الرحل في محافظة “چهارمحال وبختياري”، الذي جمع آلاف المشاركين للاحتفاء بالتراث المشترك، كما أعلن الرئيس مسعود بزشكيان أن الثقافة الإيرانية متجذرة في التضامن، وأن المجموعات الإثنية تساهم في حل التحديات الوطنية.

التحدي الخارجي

أما على الصعيد الخارجي، فإن الإثنية في إيران تعزز السياسة الإقليمية بطريقة استراتيجية. علاقات إيران مع أذربيجان تشهد تعاوناً ثقافياً عميقاً على الرغم من المشاكل الموجودة والتي تتأطر بدوافع قومية حيث تسعى السلطات الإيرانية لمعالجة المشاكل مع أذربيجان حتى لا تنعكس على الوضع الداخلي الإيراني في المناطق التي تسكنها الأكثرية الآذرية. وقد وضعت السلطات برامج للثقافة الآذرية لتمنع أي استغلال خارجي.

وعلى صعيد مماثل، تواجه إيران محاولات استغلال الأكراد من قبل قوى خارجية، لكن السياسات الداخلية تحول ذلك إلى فرصة لتعزيز الوحدة، خاصة بعد انتصارات إيران في النزاعات الإقليمية في 2025م.

في الجنوب الشرقي، يساهم التعاون مع باكستان في مكافحة الإرهاب، مستفيداً من الاندماج البلوشي العابر للحدود. أما العرب في محافظة خوزستان، فيعكسون الولاء الوطني على الرغم من وجود أفكار وأحزاب قومية تهدف إلى الانفصال عن إيران لكن هذه الأحزاب كانت مدعومة من النظام العراقي السابق، حيث دافع العرب في محافظة خوزسستان عن أراضيهم خلال الحرب العراقية الإيرانية “1980- 1988م” وقاتلوا إلى جانب بقية الإيرانيين ضد الغزو الخارجي ولم يعطوا فرصة لاستغلالهم من قبل النظام العراقي السابق الذي كان يهدف لاستقطاع المحافظة من إيران وتأسيس دولة عربستان.

مآلات المستقبل

بالنظر إلى المآلات المستقبلية بعمق أكبر، يبدو أن إيران تواجه آفاقاً مشرقة مليئة بالفرص؛ في الوقت الذي تواجه العديد من التحديات التي ترمي إلى تقسيم إيران على أساس قومي كما حدث في العدوان الإسرائيلي في يونيو / حزيران الماضي.

إن نجاح النظام السياسي في إزالة العقوبات الاقتصادية يعتبر هدفًا مهمًا جدًا لتطوير ودعم العملية التنموية التي تشمل مناطق القوميات المختلفة؛ إضافة إلى تطوير علاقات إيران الخارجية مع دول الجوار وخاصة في المنطقة الخليجية والمنطقتين العربية والإسلامية.

مع استمرار السياسات الإيجابية، ستؤدي إلى تعزيز الوحدة، مع إصلاحات نحو منح حقوق ثقافية أكبر، كما في رؤية نظام الصحة 2025م، التي حققت أعلى مستويات الصحة في مناطق القوميات الأخرى غير الفارسية، وبرامج التعليم التي تدمج اللغات المحلية.

في سياق التوترات الإقليمية، مثل العدوان الذي شنه الكيان الإسرائيلي في يونيو / حزيران 2025 م، شهدت المناطق التي تسكنها القوميات المختلفة والمذاهب تماسًا واضحًا مع النظام السياسي والوحدة الوطنية؛ وساهمت جميع القوميات من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية والاجتماعية محولة التنوع إلى مصدر للتقدم الوطني والصمود. ومما يدعو للتأمل وقوف جميع قوى المعارضة الإيرانية في الخارج إلى جانب الوحدة الوطنية ووحدة التراب الإيراني ما عدا الجماعة التي يرأسها نجل شاه إيران السابق رضا بهلوي الذي أسندت له قيادة إيران في حال نجاح أهداف الحرب الإسرائيلية ضد إيران.

وقد عمل النظام السياسي للاستفادة من الوقفة الوطنية التي وقفتها كافة الأوساط الإيرانية القومية والدينية والمذهبية خلال العدوان الإسرائيلي؛ للتفكير بإصلاحات عميقة لتعزيز الديمقراطية ومنح المزيد من الحريات الاجتماعية والسياسية. وأن النظام السياسي مدعو لتعزيز الرعاية الحكومية في المناطق التي تقطنها القوميات العربية والكردية والبلوشية والتي تحتاج إلى رعاية أكثر خصوصًا في المجال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *