1.5 مليون إزيدي في العالم منهم 550 ـ 750 ألف في العراق يمثلون 1.8% من العراقيين
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

أ.د. درمان سليمان صادق
أستاذ بجامعة دهوك بالعراق
يحتضن العراق (بلاد ما بين النهرين) حضارات تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد وتتكون الهوية الوطنية في العراق من مكونات اجتماعية وثقافية متنوعة تشكل نواة الانسجام في المجتمع. ورغم التنوع الثقافي للعراق لاحتضانه مجموعة متنوعة من العرقيات تتكون من العرب، الأكراد، التركمان، والآشوريين، لكن ساهم ذلك في غنى الثقافة العراقية. بالإضافة إلى وجود لغات أخرى، التركمانية والسريانية، بالإضافة الى التنوع الديني والطائفي حيث يوجد المسلمون من الطائفتين السنية والشيعية، بالإضافة إلى المسيحيين وأبناء الديانة اليزيدية. ولكن رغم الاختلاف العرقي والطائفي إلا أن ذلك عزز الهوية الوطنية من خلال شعور العراقيين الفخر بالماضي العريق.
شكلت الديانات القديمة التي استلهمت من رموز الطبيعة وقيمها أسسًا لتعليم الإنسانية قيم الحياة والتعايش السلمي. ومن بين هذه الديانات، تبرز الديانة الإيزيدية كأحد أقدم المعتقدات، حيث كانت بمثابة مدرسة للأخلاق والعدل والمساواة، مشعةً بقيمها السامية في عالم مليء بالتحديات.
وتجسد الديانة الإيزيدية، التي تعود أصولها إلى أعماق التاريخ، التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين البشر بجميع ألوانهم وانتماءاتهم. إذ يتجلى ذلك في أدعيتهم التي تشمل الدعاء للسلام والخير لجميع البشر قبل الدعاء لأنفسهم. تعكس هذه الأدعية روح التسامح والرحمة التي ترسخها الديانة الإيزيدية، مما يجعلها نموذجًا عراقيًا يحتذى في تعزيز التعايش السلمي وتجسيد الهوية الوطنية العراقية.
وتتعلق الهوية الوطنية والتعايش السلمي لدى أبناء الديانة الإيزيدية بتعزيز الهوية الثقافية الخاصة بهم كجزء من النسيج الوطني، مع التأكيد على رفض الخرافات التي تشوه عقيدتهم والتصدي للاضطهاد التاريخي. يهدف تعزيز الهوية الوطنية لأبناء الديانة الإيزيدية إلى تمكينهم من العيش بسلام مع المكونات الوطنية الأخرى في العراق، من خلال تفعيل ثقافة الحوار وقبول الآخر، مع الحفاظ على خصوصياتهم الدينية والثقافية. وهنا لا بد من توضيح بعض الحقائق التي تخص أبناء المكون الإيزيدي فيما يتعلق بالهوية الوطنية العراقية والتعايش السلمي:
أولا- حجم السكان للطائفة الإيزيدية:
لا توجد إحصائية دقيقة عن الحجم السكاني للإيزيديين، لكن يقدر تعدادهم في العالم وفق أرقام منظمات تابعة للأمم المتحدة بنحو (1.5) مليون إيزيدي في العالم يعيش ما بين (550-750) ألف منهم في العراق، وتبلغ نسبتهم حوالي (1.8%) من سكان العراق، و(30) ألف في سوريا – ولم يبق منهم أكثر من (500) نسمة في تركيا بعد أن كان عددهم أكثر من (25) ألف نسمة في بداية ثمانينات القرن الماضي، حيث هاجر غالبيتهم لأوروبا. كما توجد أقليات منهم في أرمينيا وجورجيا ترجع أصولها لتركيا. وتوجد أيضاً أقلية صغيرة من الإيزيدية في إيران دون توفر معلومات عن تعدادهم.
وبعد الإبادة الجماعية للايزيدين في العراق في عام 2014 م، من قبل عصابات داعش الإجرامية، هاجر ما يقارب (100) ألف إيزيدي من العراق إلى أوروبا، لاسيما جمهورية ألمانيا الاتحادية، الولايات المتحدة، أستراليا، وكندا. وتمتلك الديانة الإيزيدية العديد من الشخصيات الدينية والسياسية والفكرية ولعل أبرزهم أمير المجلس الروحاني الإيزيدي الأمير تحسين بك وهو من أشهر أمراء الديانة الإيزيدية المعاصرين، وتوفي في 28 يناير 2019م، في مدينة هانوفر بألمانيا – وتولى الإمارة من بعده نجله الأمير حازم تحسين بك والذي يترأس المجلس الروحاني الإيزيدي الذي يضم العديد من المفكرين والمثقفين ورجال الدين وحملة الشهادات العليا.
ثانياً: الهوية الوطنية لأبناء الديانة الإيزيدية
- جذور تاريخية:الإيزيدية دين قديم متجذر في التاريخ، ويرجع أصله إلى آلاف السنين قبل الميلاد.
- الرغبة في التماسك:يعمل أبناء الديانة الإيزيدية على ضرورة بناء هوية وطنية قوية، تقوم على المواطنة والولاء للوطن، كمدخل لحل الأزمات السياسية والاجتماعية في العراق.
- رفض التشويه:يؤكد أبناء الديانة الإيزيدية على أن هويتهم تتعرض للتشويه من خلال الخرافات والمعلومات المغلوطة حول عقيدتهم، ويطالبون بأن تكون مصادر المعرفة عنهم من أهلها.
- الرغبة في البقاء: يرغب المواطن الإيزيدي البقاء في مناطق سكناهم وأرضهم والعيش بها مع البقية بالود والاحترام ويكرهون مغادرة مناطقهم ويتمسكون بها.
ثالثًا: التعايش السلمي والمواطنة
- قبول الآخر:يدعو أبناء الديانة الإيزيدية إلى ثقافة التعايش التي تعزز قبول الآخر، وترفض خطاب الكراهية المبني على الجهل أو التعصب.
- المواطنة كحل:يؤمن أبناء الديانة الإيزيدية بأن تعزيز الهوية الوطنية على أسس المواطنة هو أحد أهم مداخل الحل للاستقرار في العراق، ويعتبرونها وجهًا لعملة التعايش السلمي.
- تأكيد الهوية الوطنية:يتطلب تحقيق التعايش السلمي في بيئة عراقية متنوعة، قبول واحترام خصوصيات المكونات الوطنية المختلفة، بما فيهم المكون الإيزيدي.
- الرغبة في التعايش: في هذا السياق، يُعَدُّ تعزيز التعايش السلمي من وجهة نظر المكون الإيزيدي ليس فقط مسألة دينية، بل هو مسؤولية اجتماعية وثقافية وأخلاقية تتطلب جهودًا متواصلة ومبنية على الفهم المتبادل والاحترام، لضمان بناء مجتمعات متماسكة وآمنة للجميع.
- تأكيد الانتماء: يتمسك أبناء الديانة الإيزيدية بحب الأرض والانتماء لها والشعور بالحنين لأرض الأجداد القدامى وأرض العراق المقدسة لديهم.
- التضحيات: قدم أبناء الديانة الإيزيدية الكثير من التضحيات للبلد سابقاً وحالياً ولاحقاً دلالة على هويتهم الوطنية العراقية والانتماء لها بجدية راسخة.
- البحث عن الأمان والسلام: يعد أبناء الديانة الإيزيدية من أبسط الناس والباحثين عن السلم والعيش بأمان بعيدًا عن مظاهر العنف.
رابعاً- التحديات والاضطهاد:
- تاريخ الاضطهاد:تعرض أبناء الديانة الإيزيدية عبر التاريخ للعديد من حملات الاضطهاد، بما في ذلك حملة الإبادة الأخيرة في عام 2014 م، وما جرى لهم في مدينة سنجار خير دليل وشاهد على ذلك.
- الخوف والتشويه:تشكل ذكرى الاضطهاد عنصرًا أساسيًا في الهوية الإيزيدية، بينما يظل الخوف من التشويه والجهل المتعمد لعقيدتهم أحد أبرز التحديات التي تواجههم.
- ضرورة الوعي المجتمعي:يشدد أبناء الديانة الإيزيدية على أن المجتمع بحاجة إلى وعي مجتمعي يرفض خطاب الكراهية ويعزز ثقافة التعايش من أجل قبول الآخر.
حيث إن الهوية الوطنية لدى الديانة الإيزيدية تمثل الأساس لترسيخ التعايش السلمي، والعكس صحيح فكلما تقوّى الشعور بالمواطنة والوطنية تقلّصت النزعات المذهبية والعرقية. فالهوية الوطنية لا تتشكل فجأة، بل هي نتاج وعي تاريخي وثقافي وسياسي يعزز الإحساس بالانتماء إلى وطن واحد يجمع التنوعات المختلفة تحت مظلة القانون المدني والمواطنة المتساوية وان الدافع الرئيسي لأبناء الديانة الإيزيدية في هذا الجانب راسخ وأكيد وبعيد عن النزاعات المذهبية والعرقية والوعي بهذا الجانب مقدس لديهم ويتم توجيه أبناء الديانة بهذا الخصوص في المعابد وفي اللقاءات الدينية بالتوجه نحو التعايش السلمي وترسيخ الهوية الوطنية العراقية وهذا يعد مبدأ راسخ لدى كل أبناء الديانة الإيزيدية في أي منطقة يتواجدون فيها.
عموماً هناك مجموعة من الآليات لتعزيز التعايش والهوية الوطنية العراقية يسعى إليها المكون الإيزيدي أبرزها:
1- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني كجسر بين الدولة والمجتمع لتعزيز وتفعيل وترسيخ الهوية الوطنية للمواطن الإيزيدي.
2- استعادة كرامة وحقوق المواطن الإيزيدي وبناء داره وتعويضه عن كل ما فقده خاصة في ظل الإبادة الجماعية التي تعرض لها المواطن الإيزيدي.
3- مواجهة الطائفية السياسية وقوى الإرهاب وخطاب الكراهية التي تستغلها قوى خارجية لتفكيك الهوية العراقية وخاصة للمواطن الإيزيدي وإبعاده عن دوره الوطني.
4- نشر ثقافة التسامح والديمقراطية كأساس لبناء مجتمع متماسك بين أبناء مكونات المجتمع ككل.
5- سن قوانين وتشريعات من قبل الدولة العراقية تعاقب فيها من يقوم بخطاب الكراهية على أن يتعاون في هذا الجانب مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والمنابر الدينية جميعها ورجالها والتثقيف في هذا الجانب لمنع حدوث هكذا خطابات التي تحد بشكل كبير من المواطنة والانتماء وتقليل معدل التعايش السلمي.
- من الضروري أن يتم تدريس قيم التعايش السلمي والانتماء في المدارس والجامعات، خاصةً في المجتمعات المتنوعة من حيث الأديان والمذاهب والقوميات.
- ينبغي أن تسعى الحكومات إلى فرض نشر ودعم التعايش الأخوي والسلمي على منابر الأديان، من خلال خطب رجال الدين في الجوامع والكنائس ودور العبادة، لتعزيز الوعي بين مختلف شرائح المجتمع.
ورغم كل المآسي، تظل الديانة الإيزيدية مثالًا للتسامح والتعايش السلمي. وتؤكد أدعيتهم وتعاليمهم على الدعاء للخير والسلام لكل البشر ويتمنى أبناء الديانة الإيزيدية في النصوص الدينية الخير والحب والسلام لبقية الناس المتعايشين معهم ويدعون لهم قبل أن يدعوا بهذا الشي لأنفسهم، ما يعكس روح التسامح والرحمة المتأصلة في معتقدهم.
وعلى مرّ العصور، ورغم ما تعرض له أبناء الديانة الإيزيدية من إبادة وتهجير واضطهاد، لم يجنحوا إلى الانتقام، بل حافظوا على قيمهم الإنسانية، وواصلوا جهودهم لبناء التفاهم والتعايش مع الآخرين عبر مبادرات تعليمية وثقافية تدعو إلى التسامح بين الأديان والمذاهب.
ويُشدد النص الديني الإيزيدي وكما هو موجود في النصوص والأدعية الخاصة بالديانة الإيزيدية على أن تعزيز التعايش السلمي ليس واجبًا دينيًا فقط، بل مسؤولية اجتماعية وثقافية وأخلاقية تتطلب جهودًا تربوية وإعلامية ودينية مستمرة بدءًا من المدارس والجامعات إلى المنابر الدينية، لبناء وعي وطني يقوم على احترام التنوع ونبذ الكراهية والطائفية.
لذا يتوجب تركيز الدولة ومجتمعاتها على التشجع على السلام والتعايش السلمي أولاً، من خلال العمل على بث روح المحبة والألفة بين مواطنيها بما فيهم أبناء الديانة الإيزيدية، بدولة تحكمها قوانين مدنية حداثوية تؤهل لمستقبل مشرق يعج بفرص العمل والتقدم العلمي والصناعي والتطور الثقافي بما يصب في مصلحة الفرد والوطن ككل. كما أن العراق بحاجة إلى مشروع وطني شامل يُعيد بناء الوعي الجمعي على أسس جديدة، ترفض التعصب وتُرسّخ قيم المواطنة والتعددية بوصفها ثروة وطنية، لأن تجاهل المظالم هو ما يمهّد لكل كارثة جديدة. وهذا ما يبحث عنه ويشير له المواطن الإيزيدي النقي المنتمي بحق لوطنه في كل مناسبة أو فرصة للتعبير عن رأيه. حيث إنه في الوقت الراهن يُلاحظ كيف تواصل الديانة الإيزيدية الحفاظ على قيمها وهويتها الوطنية من خلال مبادرات تعزز التفاهم والتعايش مع الآخرين، مثل مشاريع التعليم والتوعية التي تعزز التسامح بين الأديان والمذاهب. بخلافه لا يكون للإيزيدي والمسيحي والصابئ وكل مواطن غيور من وجوده في العراق بعد عقود من السنين، وعندها للأسف يكون الحاقدين وأمثالهم قد حققوا ما أرادوه لعراقنا المُبتلى بمختلف المصائب والنكبات التي تهدد روح التعايش السلمي.
وخلاصة الكلام، حيث نجد ومنذ ظهور الديانة الإيزيدية كمعتقد ديني، دعت إلى الأخوة والتعايش السلمي والتسامح والاعتزاز بالهوية الوطنية العراقية، مما يبرز قيمها كمنارة للسلام والتفاهم بين جميع البشر.
