أسباب تغييب المرأة الخليجية عن المشاركة السياسية والاقتصادية
::cck::759::/cck::
::introtext::
إن للمرأة مكانة بارزة في الإسلام يمكن استقراؤها من مشاركاتها الفعلية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، بدءاً من دفاع أم عمارة (نسيبة بنت كعب المازنية) عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد والتي أصابها يومئذٍ اثنا عشر جرحاً، ومشاركة (أم أيمن) في تثبيت صفوف المقاتلين في المعركة نفسها عندما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة، وقتلت في المعركة بسهم رماه حبان عندما كانت تسقي الجرحى.
::/introtext::
::fulltext::
إن للمرأة مكانة بارزة في الإسلام يمكن استقراؤها من مشاركاتها الفعلية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، بدءاً من دفاع أم عمارة (نسيبة بنت كعب المازنية) عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد والتي أصابها يومئذٍ اثنا عشر جرحاً، ومشاركة (أم أيمن) في تثبيت صفوف المقاتلين في المعركة نفسها عندما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة، وقتلت في المعركة بسهم رماه حبان عندما كانت تسقي الجرحى.
شاركت نساء الصحابة في نهاية معركة (أحد) بتضميد الجرحى وتمريضهم، كما قتلت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم صفية بنت عبد المطلب يهودياً كان يتجسس على المسلمين في غزوة الأحزاب.
وكانت أول مشورة سياسية نسائية أخذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أشارت أم مسلمة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى نحر هدية وحلق شعر رأسه في صلح الحديبية، حينما تضجر الصحابة من شروط صلح الحديبية المجحفة والتي وقّعها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت في ظاهرها في غير صالح المسلمين، وتبع الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في نحر هديهم وحلق رؤوسهم اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
إن مسألة حبس المرأة وخروجها من الدار من أجل العمل كانت موضع جدل قديم حديث رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حسم الأمر حينما نهى الرجال عن منع النساء من الخروج لأداء الصلاة (لا تمنعوا إماء الله المساجد)، ويقاس عليها أنه لا يجوز للرجل منع المرأة من الخروج للعمل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة، وكانت صاحبة تجارة ومال فلم يمنعها من ممارسة تجارتها، كما حسم الرسول صلى الله عليه وسلم جواز إظهار وجه المرأة ويديها، كما في صحيح البخاري حينما قال صلى الله عليه وسلم (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).
وبناء على هذه الأحاديث فقد أفتى أبو حنيفة (150هـ) بجواز تولي المرأة القضاء إلا أننا نجد اليوم ظاهرة سلبية غير إيجابية وهي ما يسمى استعراض التقليدية ويسميها البعض بـ (الإسلاموية المعاصرة)، وأياً تكن تلك الأسماء أو المسميات فإن تلك الظاهرة بعيدة كل البعد عن العدالة والموضوعية العلمية، وهي تطعن في كل الخطابات الأخرى المخالفة لها الناقدة لمسيرتها المحافظة والبعيدة عن مكانة المرأة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد جرد الاستعراض التقليدي الخطاب الناقد من هويته النقدية وحوله من فاعل ثقافي ناقد إلى مجرد خصم حاقد، وصنفه ضمن تصنيفات لتحذير المجتمعات الخليجية من الإنصات والاستماع إلى خطابه المخالف للسائد الذي اعتاد عليه الناس، حيث إن أفكار التقليديين من المحافظين أصبحت ضد القدر الذي يسمح به الإسلام من حريات للمرأة حتى تحولت المكنونات الأساسية لتيار التقليدية الاتباعية الأثرية إلى سلطة فعلية هيمنت على وعي شريحة عريضة من المجتمع الخليجي رجالاً ونساء. فتحول السياق إلى طابع جدلي إشكالي معقد لارتباطه بأبعاد متنوعة مثل الأعراف والتقاليد المتفاوتة في سياقاتها، لكنها غير واقعية وبعيدة كل البعد عن المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.
وأصبحت لاستحقاقات الواقع المتغير أسئلة مفتوحة ومشروعة، بل أسئلة ملحة في واقع متعولم خطير، وأصبحت أيضاً مشكلة تغييب المرأة عن المشاركة السياسية والاقتصادية ترجع إلى الواقع الثقافي الذي لا يعترف بالنزعة الفردية وخصوصاً حول المرأة وهذا هو المصدر الأساسي للخلل في معالجة مشاركة المرأة الخليجية في الحياة العامة.
والحقيقة أن المشكلة أعمق من قضية المرأة في المجتمع الخليجي، فهي تطال حتى الشباب، ولكن غبن المرأة الخليجية مضاعف وإن كانت مشكلتها غير مفصولة عن الإنسان الخليجي.
إن مشكلة المرأة الخليجية إذن هي جزء لا يتجزأ من معضلة كبرى تتمثل في الاستخفاف الكلي بقيمة الإنسان الخليجي، لكن التركيز على موضوع المرأة يوهم بأن الشباب لا يعانون مشكلة.
ولذلك فإن ما فقدناه في المجتمع الخليجي ليس بغياب المرأة فقط، بل بغياب الفرد سواء أكان ذكراً أم أنثى، فحضور المرأة في المجتمع الخليجي إلى الآن هو حضور ظاهري ومشاركتها ظاهرية أيضاً، وإن كان المطلوب مشاركة المرأة الخليجية الفعلية المفيدة لنفسها ومجتمعها التي لا تعارض أخلاقها ولا دينها وألا تكون مشاركة (منفلتة) تزيد من معاناة المرأة الخليجية.
فالمرأة والرجل هما شقائق لبعضهما البعض وهو ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله (النساء شقائق الرجال) أي يتساوين مع الرجال في الحريات والتكاليف وقول الله سبحانه وتعالى يؤكد ذلك ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)) (التوبة-71) أي أن الرجل والمرأة يتحركان في كل الاتجاهات. وللمرأة حقوق أهمها الاعتراف بأهليتها الإنسانية الكاملة حتى يتقبل المجتمع مشاركتها في التنمية، لأن عدم الاعتراف بأهلية المرأة عدوان صارخ وجحود لإنسانيتها التي اعترف بها الإسلام وأكدها وأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأفعاله.
إن المشكلة الأصلية تتمثل في المجتمع الخليجي الذي يعاني ثقافة تصوغ أهلها صياغة خاصة تختلف عن الثقافات الأخرى وبعيدة عن تعاليم الإسلام وبهذه الصياغة تجعلهم تلقائياً ذاتيين فيها رجالاً ونساء، إذ إن انتقاص حقوق المرأة لا يتأتى فقط من الذكور فقط، بل حتى من الإناث لأنهن يتبرمجن بالثقافة الذكورية أشد من الرجال.
إذاً مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية تتطلب تجاوز ثقافة الوصاية عليها، وإتاحة الفرصة للنساء المثقفات اللاتي يعانين حرباً شعواء من أكثرية النساء المقتنعات بالحالة الراهنة مدعومات من التقليديين من المحافظين الذين يرفضون تغيير الواقع الذي يميل بقوة وإفراط إلى التضييق المدعوم بقاعدة سد الذرائع التي تمنع المرأة من المشاركة عملاً بما هو مباح لها بهذه القاعدة، وتلزمها بما لم يلزمها الله ورسوله.
إن هذا التغييب ليس مصدره إذن تعاليم ديننا الحنيف، بل التقاليد الاجتماعية التي نشأت فيها المرأة فأصبحت طبيعة راسخة لا يمكن تخليصها منها ومن هذه العادات المستقرة والثابتة. فتهميش الإنسان كارثة خصوصاً حينما تحكمه العادات والتقاليد رغم أن الإسلام أمر أتباعه بضرورة تحكمهم في عاداتهم وتقاليدهم، وأن تكون موافقة لما أتى به دينهم الذي يتوافق مع طبائعهم وظروفهم المكانية والزمانية ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)) (الزخرف-22) وحذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من التبعية العمياء فقال (لا يكن أحدكم أمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم).
فالمرأة الخليجية تواجه اليوم صعوبة في الحصول على المشاركة نتيجة لضيق مجالات عمل المرأة في القطاعين الحكومي والخاص بالإضافة إلى قطاع مؤسسات المجتمع المدني، بل تواجه المرأة الخليجية عقبة أخرى تتمثل في عدم قدرتها على إنهاء معاملاتها الشخصية أو التجارية باستقلالية تامة من دون الحاجة إلى وكيل.
عدم الاعتراف بأهلية المرأة عدوان صارخ وجحود لإنسانيتها التي اعترف بها الإسلام
وفي المملكة العربية السعودية اتخذت الحكومة قرارات عدة لمعالجة تفاقم هذه المشكلة المعيقة للتنمية بقرار مجلس الوزراء رقم (63) في 11/3/1424 الذي نص على الموافقة على إنشاء لجنة وطنية عليا دائمة ومتخصصة في شؤون المرأة تحت مسمى (اللجنة الوطنية العليا الدائمة لشؤون المرأة) التي تستند في آرائها إلى نساء مؤهلات في كافة التخصصات، وتعمل على إعداد لائحة لعمل المرأة تراعي خصوصية المجتمع، وتؤكد على حق المرأة السعودية في التوظيف والعيش الكريم.
وحينما تولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز دفة الحكم أصدر قرارات عدة كانت داعمة للمرأة وتمكنها من الإسهام في بناء مجتمعها والتوجه نحو (تأنيث) عدد من القطاعات، لكن ستكون في قطاعات غير ربحية.
وأصبحت المرأة السعودية تواجه ضغوطاً نفسية واجتماعية واقتصادية نتيجة للبطالة التي ارتفعت معدلاتها، وبدأت السعوديات يشعرن بالاكتئاب والإحباط بسبب عدم تمكينهن من ممارسة ما اكتسبنه من علوم ومعارف ومهارات أثناء سنوات الدراسة العامة والجامعية الطويلة بالإضافة إلى تقلص فرصهن في الزواج في حياة باتت مرتفعة التكاليف يسعى فيها الرجل إلى الزواج من موظفة تعينه على تكاليف الحياة الباهظة والمتزايد يوماً بعد يوم.
وعقدت الكثير من المنتديات الخاصة بالمرأة لمناقشة فرص مشاركتها في التنمية وصنع القرار، وكان آخرها المؤتمر الذي أمر خادم الحرمين الشريفين بعقده في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بمدينة الرياض تحت عنوان (المرأة السعودية الواقع وتطلعات المستقبل) الذي عقد في 11 ذو القعدة عام 1431هـ.
وحتى عام 2009 لا يتعدى عدد العاملات السعوديات 565 ألفاً من إجمالي 8,4 مليون سعودية، فيما تمثل المرأة السعودية العاملة 13,5 في المائة من العدد الكلي للقوى العاملة في السعودية البالغة 7,7 مليون فرد، وتم توظيف 8574 سعودية في القطاع الحكومي عام 2009 من المتقدمات البالغ عددهن 310 يحملن الشهادة الجامعية.
أما القطاع الخاص فليست هناك نسبة من العاملين والعاملات في هذا المجال تستحق الذكر، ومن اللافت أيضاً أنه لا توجد حتى الآن خطط أو توجهات معلنة وصريحة لتصحيح المسار رغم أن الأمر في غاية الأهمية، لأن استمراره يساهم في تخريج مزيد من الخريجين ومزيد أيضاً من تكديس البطالة التي تجاوزت نسبتها في الوقت الحاضر 40 في المائة، منهم 78 في المائة حاملات للشهادة الجامعية.
وأخيراً لا بد أن نعي أبعاد هذه المشكلة الاجتماعية كونها متعددة الجوانب، فالأبعاد تجر معها مشكلات أخرى قد تكون أخلاقية وأمنية واقتصادية، والأمر لا يحتمل التسويف والتنصل من المسؤوليات وتعليقها على أسباب غير منطقية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::759::/cck::
::introtext::
إن للمرأة مكانة بارزة في الإسلام يمكن استقراؤها من مشاركاتها الفعلية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، بدءاً من دفاع أم عمارة (نسيبة بنت كعب المازنية) عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد والتي أصابها يومئذٍ اثنا عشر جرحاً، ومشاركة (أم أيمن) في تثبيت صفوف المقاتلين في المعركة نفسها عندما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة، وقتلت في المعركة بسهم رماه حبان عندما كانت تسقي الجرحى.
::/introtext::
::fulltext::
إن للمرأة مكانة بارزة في الإسلام يمكن استقراؤها من مشاركاتها الفعلية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، بدءاً من دفاع أم عمارة (نسيبة بنت كعب المازنية) عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد والتي أصابها يومئذٍ اثنا عشر جرحاً، ومشاركة (أم أيمن) في تثبيت صفوف المقاتلين في المعركة نفسها عندما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة، وقتلت في المعركة بسهم رماه حبان عندما كانت تسقي الجرحى.
شاركت نساء الصحابة في نهاية معركة (أحد) بتضميد الجرحى وتمريضهم، كما قتلت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم صفية بنت عبد المطلب يهودياً كان يتجسس على المسلمين في غزوة الأحزاب.
وكانت أول مشورة سياسية نسائية أخذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أشارت أم مسلمة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى نحر هدية وحلق شعر رأسه في صلح الحديبية، حينما تضجر الصحابة من شروط صلح الحديبية المجحفة والتي وقّعها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت في ظاهرها في غير صالح المسلمين، وتبع الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في نحر هديهم وحلق رؤوسهم اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
إن مسألة حبس المرأة وخروجها من الدار من أجل العمل كانت موضع جدل قديم حديث رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حسم الأمر حينما نهى الرجال عن منع النساء من الخروج لأداء الصلاة (لا تمنعوا إماء الله المساجد)، ويقاس عليها أنه لا يجوز للرجل منع المرأة من الخروج للعمل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة، وكانت صاحبة تجارة ومال فلم يمنعها من ممارسة تجارتها، كما حسم الرسول صلى الله عليه وسلم جواز إظهار وجه المرأة ويديها، كما في صحيح البخاري حينما قال صلى الله عليه وسلم (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).
وبناء على هذه الأحاديث فقد أفتى أبو حنيفة (150هـ) بجواز تولي المرأة القضاء إلا أننا نجد اليوم ظاهرة سلبية غير إيجابية وهي ما يسمى استعراض التقليدية ويسميها البعض بـ (الإسلاموية المعاصرة)، وأياً تكن تلك الأسماء أو المسميات فإن تلك الظاهرة بعيدة كل البعد عن العدالة والموضوعية العلمية، وهي تطعن في كل الخطابات الأخرى المخالفة لها الناقدة لمسيرتها المحافظة والبعيدة عن مكانة المرأة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد جرد الاستعراض التقليدي الخطاب الناقد من هويته النقدية وحوله من فاعل ثقافي ناقد إلى مجرد خصم حاقد، وصنفه ضمن تصنيفات لتحذير المجتمعات الخليجية من الإنصات والاستماع إلى خطابه المخالف للسائد الذي اعتاد عليه الناس، حيث إن أفكار التقليديين من المحافظين أصبحت ضد القدر الذي يسمح به الإسلام من حريات للمرأة حتى تحولت المكنونات الأساسية لتيار التقليدية الاتباعية الأثرية إلى سلطة فعلية هيمنت على وعي شريحة عريضة من المجتمع الخليجي رجالاً ونساء. فتحول السياق إلى طابع جدلي إشكالي معقد لارتباطه بأبعاد متنوعة مثل الأعراف والتقاليد المتفاوتة في سياقاتها، لكنها غير واقعية وبعيدة كل البعد عن المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.
وأصبحت لاستحقاقات الواقع المتغير أسئلة مفتوحة ومشروعة، بل أسئلة ملحة في واقع متعولم خطير، وأصبحت أيضاً مشكلة تغييب المرأة عن المشاركة السياسية والاقتصادية ترجع إلى الواقع الثقافي الذي لا يعترف بالنزعة الفردية وخصوصاً حول المرأة وهذا هو المصدر الأساسي للخلل في معالجة مشاركة المرأة الخليجية في الحياة العامة.
والحقيقة أن المشكلة أعمق من قضية المرأة في المجتمع الخليجي، فهي تطال حتى الشباب، ولكن غبن المرأة الخليجية مضاعف وإن كانت مشكلتها غير مفصولة عن الإنسان الخليجي.
إن مشكلة المرأة الخليجية إذن هي جزء لا يتجزأ من معضلة كبرى تتمثل في الاستخفاف الكلي بقيمة الإنسان الخليجي، لكن التركيز على موضوع المرأة يوهم بأن الشباب لا يعانون مشكلة.
ولذلك فإن ما فقدناه في المجتمع الخليجي ليس بغياب المرأة فقط، بل بغياب الفرد سواء أكان ذكراً أم أنثى، فحضور المرأة في المجتمع الخليجي إلى الآن هو حضور ظاهري ومشاركتها ظاهرية أيضاً، وإن كان المطلوب مشاركة المرأة الخليجية الفعلية المفيدة لنفسها ومجتمعها التي لا تعارض أخلاقها ولا دينها وألا تكون مشاركة (منفلتة) تزيد من معاناة المرأة الخليجية.
فالمرأة والرجل هما شقائق لبعضهما البعض وهو ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله (النساء شقائق الرجال) أي يتساوين مع الرجال في الحريات والتكاليف وقول الله سبحانه وتعالى يؤكد ذلك ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)) (التوبة-71) أي أن الرجل والمرأة يتحركان في كل الاتجاهات. وللمرأة حقوق أهمها الاعتراف بأهليتها الإنسانية الكاملة حتى يتقبل المجتمع مشاركتها في التنمية، لأن عدم الاعتراف بأهلية المرأة عدوان صارخ وجحود لإنسانيتها التي اعترف بها الإسلام وأكدها وأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأفعاله.
إن المشكلة الأصلية تتمثل في المجتمع الخليجي الذي يعاني ثقافة تصوغ أهلها صياغة خاصة تختلف عن الثقافات الأخرى وبعيدة عن تعاليم الإسلام وبهذه الصياغة تجعلهم تلقائياً ذاتيين فيها رجالاً ونساء، إذ إن انتقاص حقوق المرأة لا يتأتى فقط من الذكور فقط، بل حتى من الإناث لأنهن يتبرمجن بالثقافة الذكورية أشد من الرجال.
إذاً مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية تتطلب تجاوز ثقافة الوصاية عليها، وإتاحة الفرصة للنساء المثقفات اللاتي يعانين حرباً شعواء من أكثرية النساء المقتنعات بالحالة الراهنة مدعومات من التقليديين من المحافظين الذين يرفضون تغيير الواقع الذي يميل بقوة وإفراط إلى التضييق المدعوم بقاعدة سد الذرائع التي تمنع المرأة من المشاركة عملاً بما هو مباح لها بهذه القاعدة، وتلزمها بما لم يلزمها الله ورسوله.
إن هذا التغييب ليس مصدره إذن تعاليم ديننا الحنيف، بل التقاليد الاجتماعية التي نشأت فيها المرأة فأصبحت طبيعة راسخة لا يمكن تخليصها منها ومن هذه العادات المستقرة والثابتة. فتهميش الإنسان كارثة خصوصاً حينما تحكمه العادات والتقاليد رغم أن الإسلام أمر أتباعه بضرورة تحكمهم في عاداتهم وتقاليدهم، وأن تكون موافقة لما أتى به دينهم الذي يتوافق مع طبائعهم وظروفهم المكانية والزمانية ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)) (الزخرف-22) وحذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من التبعية العمياء فقال (لا يكن أحدكم أمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم).
فالمرأة الخليجية تواجه اليوم صعوبة في الحصول على المشاركة نتيجة لضيق مجالات عمل المرأة في القطاعين الحكومي والخاص بالإضافة إلى قطاع مؤسسات المجتمع المدني، بل تواجه المرأة الخليجية عقبة أخرى تتمثل في عدم قدرتها على إنهاء معاملاتها الشخصية أو التجارية باستقلالية تامة من دون الحاجة إلى وكيل.
عدم الاعتراف بأهلية المرأة عدوان صارخ وجحود لإنسانيتها التي اعترف بها الإسلام
وفي المملكة العربية السعودية اتخذت الحكومة قرارات عدة لمعالجة تفاقم هذه المشكلة المعيقة للتنمية بقرار مجلس الوزراء رقم (63) في 11/3/1424 الذي نص على الموافقة على إنشاء لجنة وطنية عليا دائمة ومتخصصة في شؤون المرأة تحت مسمى (اللجنة الوطنية العليا الدائمة لشؤون المرأة) التي تستند في آرائها إلى نساء مؤهلات في كافة التخصصات، وتعمل على إعداد لائحة لعمل المرأة تراعي خصوصية المجتمع، وتؤكد على حق المرأة السعودية في التوظيف والعيش الكريم.
وحينما تولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز دفة الحكم أصدر قرارات عدة كانت داعمة للمرأة وتمكنها من الإسهام في بناء مجتمعها والتوجه نحو (تأنيث) عدد من القطاعات، لكن ستكون في قطاعات غير ربحية.
وأصبحت المرأة السعودية تواجه ضغوطاً نفسية واجتماعية واقتصادية نتيجة للبطالة التي ارتفعت معدلاتها، وبدأت السعوديات يشعرن بالاكتئاب والإحباط بسبب عدم تمكينهن من ممارسة ما اكتسبنه من علوم ومعارف ومهارات أثناء سنوات الدراسة العامة والجامعية الطويلة بالإضافة إلى تقلص فرصهن في الزواج في حياة باتت مرتفعة التكاليف يسعى فيها الرجل إلى الزواج من موظفة تعينه على تكاليف الحياة الباهظة والمتزايد يوماً بعد يوم.
وعقدت الكثير من المنتديات الخاصة بالمرأة لمناقشة فرص مشاركتها في التنمية وصنع القرار، وكان آخرها المؤتمر الذي أمر خادم الحرمين الشريفين بعقده في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بمدينة الرياض تحت عنوان (المرأة السعودية الواقع وتطلعات المستقبل) الذي عقد في 11 ذو القعدة عام 1431هـ.
وحتى عام 2009 لا يتعدى عدد العاملات السعوديات 565 ألفاً من إجمالي 8,4 مليون سعودية، فيما تمثل المرأة السعودية العاملة 13,5 في المائة من العدد الكلي للقوى العاملة في السعودية البالغة 7,7 مليون فرد، وتم توظيف 8574 سعودية في القطاع الحكومي عام 2009 من المتقدمات البالغ عددهن 310 يحملن الشهادة الجامعية.
أما القطاع الخاص فليست هناك نسبة من العاملين والعاملات في هذا المجال تستحق الذكر، ومن اللافت أيضاً أنه لا توجد حتى الآن خطط أو توجهات معلنة وصريحة لتصحيح المسار رغم أن الأمر في غاية الأهمية، لأن استمراره يساهم في تخريج مزيد من الخريجين ومزيد أيضاً من تكديس البطالة التي تجاوزت نسبتها في الوقت الحاضر 40 في المائة، منهم 78 في المائة حاملات للشهادة الجامعية.
وأخيراً لا بد أن نعي أبعاد هذه المشكلة الاجتماعية كونها متعددة الجوانب، فالأبعاد تجر معها مشكلات أخرى قد تكون أخلاقية وأمنية واقتصادية، والأمر لا يحتمل التسويف والتنصل من المسؤوليات وتعليقها على أسباب غير منطقية.
::/fulltext::
::cck::759::/cck::
