الفضائيات: من ناقلة للخبر إلى صانعة للحدث

::cck::792::/cck::
::introtext::

يبدو أن بعض الفضائيات الإخبارية وخصوصاً في عالمنا العربي لم تعد مجرد وسيلة إعلامية أو ناقلة للخبر، بل أصبحت ناظمة للقيم والتوجهات وصانعة للأحداث وللقيادات السياسية والدينية، إن لم تكن مثيرة للفتن، فلم يعد الحدث أو الحزب أو الشخص هو ذاته، بل الصورة التي تنقلها وتشكلها الفضائيات عنه. 

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن بعض الفضائيات الإخبارية وخصوصاً في عالمنا العربي لم تعد مجرد وسيلة إعلامية أو ناقلة للخبر، بل أصبحت ناظمة للقيم والتوجهات وصانعة للأحداث وللقيادات السياسية والدينية، إن لم تكن مثيرة للفتن، فلم يعد الحدث أو الحزب أو الشخص هو ذاته، بل الصورة التي تنقلها وتشكلها الفضائيات عنه.

أصبح كسب ولاء الفضائيات وولاء من يقف وراءها أهم من كسب ولاء الشعب. صحيح أن كل حزب أو نظام سياسي، كل مفكر أو مبدع، يحتاج إلى تقنيات الثورة المعلوماتية وخصوصاً الفضائيات لينتشر وينشر أفكاره وإبداعه وخصوصاً في زمن العولمة، لكن التحدي في قدرة المفكر أو المبدع في تحويل الفضائيات لأداة يمر خلالها إلى العالم وليس أن يتحول لأداة بيد القوى الموجهة لهذه الفضائيات. وصحيح أيضاً أن الصحافة منذ فترة طويلة استحقت لقب السلطة الرابعة، إلا أن الفضائيات التي همشت وسائل الإعلام الأخرى والتي لم تعد تحتاج إلى إذن من أية سلطة لتخاطب الناس من كل الأعمار مباشرة، تستحق اليوم لقب (السلطة فوق كل السلطات).

 إلى وقت قريب كان الصحفيون، والإعلاميون بشكل عام، يلهثون وراء رجال السياسة والمفكرين والمثقفين لمجرد أخذ تصريح مقتضب أو معلومة أو إجراء مقابلة أو مجرد أخذ صورة، أما اليوم فكثير من رجال السياسة والفكر يلهثون وراء الفضائيات ليظهروا على شاشاتها وإن مرت أيام من دون ظهورهم يصابون بالاكتئاب أو يشعرون بوجود خطب ما فيرسلون الوسطاء ويولمون الولائم لأصحاب الفضائيات ومراسليها ومديري مكاتبها أو يكيلون لهم المديح بمناسبة أو من دونها، ويعاتبون القائمين على هذه الفضائيات لأنها تجاهلتهم إلى حين من الوقت، لا فرق في ذلك بين المعتدلين والممانعين، بين المجاهدين والمساومين، بين اليسار واليمين.. الجميع يشعر بأنهم من دون الفضائيات لا قيمة لهم أو سينساهم العالم بمن فيه مريدوهم.

إلى وقت قريب كانت أجهزة المخابرات المحلية والأجنبية توظف آلاف العملاء ليتنصتوا ويتجسسوا على الأحزاب وقوى المعارضة وعلى كل تنظيم سياسي معارض داخل الوطن أو خارجه، وكانت تنفق ملايين الدولارات لزرع أجهزة تنصت أو زرع عملاء داخل التنظيمات السياسية ومقراتها وعلى كل ناصية وفي كل مقهى وناد، ليتعرفوا إلى فكرها وتوجهاتها السياسية أو منتسبيها أو ليبثوا خبراً كاذباً يشتت فكر الأمة ويزعزع ثوابتها، أما اليوم فبعض الفضائيات تستطيع استدعاء أي زعيم سياسي أو مسؤول أي تنظيم حتى السرية منها، بل يتسابق هؤلاء للفضائيات، التي لا تجري حواراً عادياً إنما تقوم بتحقيقات هي أقرب إلى التحقيقات البوليسية حول كل صغيرة وكبيرة حول الشخصية المُستضافة أو التنظيم الذي تنتمي إليه: ما هي استراتيجيته وتكتيكاته ومصادر تمويله إلخ، بعض الجماعات المسلحة وخصوصاً المبتدئة ترتب الأمر مع بعض الفضائيات المشهورة لتكون حاضرة لتصور عمليتها العسكرية الأولى أو بيانها الأول أو تتفق معها على نشر الشريط المصور لهذه العملية أو ذاك التدريب العسكري في معاقلها السرية، ولولا هذه التغطية الإعلامية المتفق عليها ما كان أحد سمع بهذه العمليات المسلحة ولا بالجماعة بشكل عام أو بقيت ضمن نطاق محلي. لقد ضخمت الفضائيات بعض الجماعات والأحزاب وجردت أخرى من جزء كبير من طابعها السري ومن خصوصيتها وما تضفيه السرية والخصوصية من غموض وحصانة هما جزء من مكانة وهيبة هذه التنظيمات، بل جعلت الفضائيات هذه القوى السياسية صفحة مقروءة أمام كل أجهزة المخابرات في العالم، ومن هنا لا نستغرب اغتيال كثير من قادة هذه التنظيمات بعد ظهورهم على الفضائيات أو إجراء مكالمات هاتفية معهم.

إلى وقت قريب كذلك لم يكن المواطن العربي قد انفتح بعد على منجزات الثورة المعلوماتية كالفضائيات والإنترنت وغيرهما، وكانت وسيلته للتواصل داخل الوطن ومع العالم الخارجي تقتصر على (الترانزستور) الذي يقتصر تواجده في بعض المقاهي والبيوت، والأسر الأكثر رفاهية كانت تتوفر على جهاز تلفزيون لا يبث إلا القناة الرسمية لبلده أو قنوات رسمية عربية محدودة ولساعات محدودة. ومع ذلك، كانت الأفكار القومية والوطنية والإحساس بالانتماء المشترك توحد العرب وجدانياً من المحيط إلى الخليج، وتوحد أيضاً الشعب داخل كل قطر حول مفاهيم وطنية توحيدية، آنذاك كانت القيم والأفكار والعواطف والمشاعر الجياشة تسري سريان النار في الهشيم بين أبناء الأمة العربية من دون فضائيات ولا شبكة عنكبوتية، كانت أفكار عبدالناصر الوحدوية وصوره، كانت أخبار ثورة الجزائر ورموزها كجميلة بوحريد وبن بلا، كان التعاطف مع فلسطين وثورتها.. إلخ، كان كل ذلك معمماً من طنجة إلى عدن، وأذكر أنني كنت في مطلع شبابي كما هو الحال مع كل أبناء جيلي نخرج بمسيرات ومظاهرات نصرة للجزائر وفلسطين وأحياناً لفيتنام.. إلخ من دون أن نشاهد ونسمع البث المباشر للحدث أو لتقارير مفصلة ومصورة أو نستمع لآلاف المحللين والخبراء السياسيين، كان مجرد خبر صغير من إذاعة محلية أو إذاعة لندن أو منشور يوزع سرياً في المخيم كفيلاً بأن يستنهض ويؤجج المشاعر، أما اليوم ومع وجود مئات القنوات الفضائية المنسوبة للعرب، فالانتماء القومي والوطني يتحلل والشعوبية بكل ألوانها تنتشر، اليوم كلما تزايدت الفضائيات تزايدت الفتنة والفوضى سياسياً وثقافياً وتزايد التدهور الأخلاقي، حتى الفضائيات الدينية لم تزد من قوة إيمان المسلمين بقدر ما زادت من انقسامهم وتنافرهم وضياعهم. فهل للفضائيات رسالة وطنية وقومية وأخلاقية تنظم عملها وتحدد توجهها، أم هي فضائيات في فضاء لا تحكمه أخلاق ولا قيم ولا ضوابط وطنية بل هي منتوج يُسخَر للأقوى ولمن يدفع أكثر؟

قد يقول قائل إن الفضائيات جزء من الثورة المعلوماتية فهي صيرورة حتمية عالمياً وليست بدعة عربية، وإن تزامن ظهور الثورة المعلوماتية وانتشار الفضائيات مع العولمة والتوجه الأمريكي لتأسيس نظام دولي جديد تكون لها الهيمنة عليه، جاء مصادفة وليس أمراً مخططاً له، كما أنه ليس من المعقول أن حوالي 60 ألف فضائية في العالم وغالبيتها تابعة لجهات خاصة هي صنيعة واشنطن وأجهزتها المخابراتية. هذا كلام صحيح ولا شك، فمن المبالغة القول إن واشنطن خلقت العولمة والثورة التقنية وأسقطت المعسكر الأشتراكي حتى تسيطر على الشرق الأوسط وتطبق سياسة (الفوضى البناءة) على شعوبه. لكن بالمقابل يمكن التساؤل لماذا لا تفعل الثورة التقنية وخصوصاً الفضائيات فعلها المدمر في شعوب أخرى أكثر تقدماً علمياً وأكثر عدداً ومساحة من العالم العربي؟ فهل لدى الصين أو الهند أو اليابان فضائيات بعدد ما لدى العرب؟ وإن كان لديها فهل تقوم فضائيات تلك البلدان بنفس الدور التدميري لوحدة الأمة كما تقوم به فضائياتنا؟ وهل لدى كل حزب وطائفة وإقليم في تلك البلدان فضائية تعاكس في توجهاتها الثقافة والهوية والمصلحة الوطنية العامة في البلد؟ وهل يوجد في أي بلد فضائيات دينية تكفر الآخر وتثير الفتنة بعدد ما لدينا؟ الموضوع ليس أن نكون مع الثورة التقنية والفضائيات والشبكة العنكبوتية أو لا نكون، والمشكلة ليست أن ننفتح على العالم أم لا، لكن المشكلة هل نوظف هذه الثورة التقنية ومنتوجاتها الإعلامية لخدمة قضايا أمتنا العربية وقضايانا الوطنية؟ أم أن هذه الفضائيات ومن يقف وراءها أصبحت أداة بيد واشنطن والغرب لخدمة أغراضهم المتناقضة مع مصالح شعوبنا بالحرية والتقدم والحفاظ على ثقافتنا وهويتنا؟

إن كل متابع لمجريات التحولات السياسية والاستراتيجية في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد سيلمس العلاقة الطردية ما بين درجة التغلغل الأمريكي السياسي والعسكري وإعمال سياسة (الفوضى البناءة) من وجهة النظر الأمريكية وتحديداً من طرف المحافظين الجدد من جهة، وانتشار فضائيات ناطقة بالعربية بميزانيات هائلة وإمكانات تقنية غير معهودة من جهة أخرى، وهذا يعني أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة اعتمدت على القواعد العسكرية والفضائيات في الوقت نفسه، أو بصيغة أخرى إن تنفيذ سياسة (الفوضى البناءة) أو (التدمير البناء) أو (الاختراق النظيف) كان يحتاج إلى أداتين: القوة العسكرية والأمنية من جانب وما يمنح التبرير النظري لما يجري من تفكيك لوحدة الأمة من خلال الزعم بأن العرب مجتمعين أو على مستوى كل قطر عربي لا يوجد ما يوحدهم، وأنهم قبائل وطوائف وجماعات وأحزاب متصارعة ومتعادية، من جانب آخر، وقد أسندت مهمة الترويج لهذا التبرير النظري إلى فضائيات بعينها أو من خلال تسهيل انتشار الفضائيات من دون ضوابط. أليس غريباً أن أهم بلد عربي تحتله واشنطن وتطبق عليه سياسة (الفوضى البناءة) يتوفر على أكبر عدد من الفضائيات على مستوى المنطقة؟ وأليس غريباً أيضاً أن البلد العربي الذي يستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة هو نفسه الذي يمتلك أكبر وأهم فضائية سياسية عربية؟

لقد ساعدت الفضائيات – بعضها بحسن نية – من خلال البث المباشر للصورة بشكل مبالغ فيه واستضافة كل من هبّ ودبّ من مدعي التحليل السياسي والخبرة الاستراتيجية والأمنية والدينية، على تغييب التفكير الاستراتيجي المرتكز على الرؤية الوطنية والقومية وتشتيت الوعي الجمعي والثوابت الوطنية والقومية وتسطيح الوعي السياسي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي ما زالت في مرحلة بناء الأمة والوطن، ونشر وعي وفكر سياسي وديني سطحي مستمد من وقعِ الصورة أو من نصوص مقدسة يتم تفسيرها بما يخرجها عن جوهرها ودلالاتها وما تتركه من انفعالات وعواطف. كثير من الحركات المسلحة السياسية والانفصالية والدينية ما كانت لتكون أو بقيت ظاهرة هامشية في المجتمع لولا احتضانها من فضائيات عربية ومن بعض الفضائيات الأمريكية والأوروبية، حيث يتم تضخيم هذه الحركات ومنحها حيزاً كبيراً من التغطية الإعلامية، ليس لأن هذه الحركة تستحق ذلك، بل لأنها تتفق مع السياسة العامة لمن يقف وراء هذه الفضائيات وتساعد على نشر الفوضى والفتنة في البلد. لا يعني هذا حرمان الأقليات والجماعات المضطهدة في عالم عربي تحكمه أنظمة تغطي على فقدان الشرعية وعلى استبدادها بشعارات كبيرة حول وحدة الأمة والمصلحة الوطنية، لكن ما نرمي إليه هو التحذير من توظيف تطلعات مشروعة لشعب أو بعض فئاته لخدمة فضائيات تشتغل لصالح أجندة خارجية لا تؤمن لا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان ولا بثوابت وطنية أو قومية أو دينية، وبالتالي ينطبق على هذه الفضائيات المثل (قول حق يراد به باطل).

::/fulltext::

tvv-e4c
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::792::/cck::
::introtext::

يبدو أن بعض الفضائيات الإخبارية وخصوصاً في عالمنا العربي لم تعد مجرد وسيلة إعلامية أو ناقلة للخبر، بل أصبحت ناظمة للقيم والتوجهات وصانعة للأحداث وللقيادات السياسية والدينية، إن لم تكن مثيرة للفتن، فلم يعد الحدث أو الحزب أو الشخص هو ذاته، بل الصورة التي تنقلها وتشكلها الفضائيات عنه. 

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن بعض الفضائيات الإخبارية وخصوصاً في عالمنا العربي لم تعد مجرد وسيلة إعلامية أو ناقلة للخبر، بل أصبحت ناظمة للقيم والتوجهات وصانعة للأحداث وللقيادات السياسية والدينية، إن لم تكن مثيرة للفتن، فلم يعد الحدث أو الحزب أو الشخص هو ذاته، بل الصورة التي تنقلها وتشكلها الفضائيات عنه.

أصبح كسب ولاء الفضائيات وولاء من يقف وراءها أهم من كسب ولاء الشعب. صحيح أن كل حزب أو نظام سياسي، كل مفكر أو مبدع، يحتاج إلى تقنيات الثورة المعلوماتية وخصوصاً الفضائيات لينتشر وينشر أفكاره وإبداعه وخصوصاً في زمن العولمة، لكن التحدي في قدرة المفكر أو المبدع في تحويل الفضائيات لأداة يمر خلالها إلى العالم وليس أن يتحول لأداة بيد القوى الموجهة لهذه الفضائيات. وصحيح أيضاً أن الصحافة منذ فترة طويلة استحقت لقب السلطة الرابعة، إلا أن الفضائيات التي همشت وسائل الإعلام الأخرى والتي لم تعد تحتاج إلى إذن من أية سلطة لتخاطب الناس من كل الأعمار مباشرة، تستحق اليوم لقب (السلطة فوق كل السلطات).

 إلى وقت قريب كان الصحفيون، والإعلاميون بشكل عام، يلهثون وراء رجال السياسة والمفكرين والمثقفين لمجرد أخذ تصريح مقتضب أو معلومة أو إجراء مقابلة أو مجرد أخذ صورة، أما اليوم فكثير من رجال السياسة والفكر يلهثون وراء الفضائيات ليظهروا على شاشاتها وإن مرت أيام من دون ظهورهم يصابون بالاكتئاب أو يشعرون بوجود خطب ما فيرسلون الوسطاء ويولمون الولائم لأصحاب الفضائيات ومراسليها ومديري مكاتبها أو يكيلون لهم المديح بمناسبة أو من دونها، ويعاتبون القائمين على هذه الفضائيات لأنها تجاهلتهم إلى حين من الوقت، لا فرق في ذلك بين المعتدلين والممانعين، بين المجاهدين والمساومين، بين اليسار واليمين.. الجميع يشعر بأنهم من دون الفضائيات لا قيمة لهم أو سينساهم العالم بمن فيه مريدوهم.

إلى وقت قريب كانت أجهزة المخابرات المحلية والأجنبية توظف آلاف العملاء ليتنصتوا ويتجسسوا على الأحزاب وقوى المعارضة وعلى كل تنظيم سياسي معارض داخل الوطن أو خارجه، وكانت تنفق ملايين الدولارات لزرع أجهزة تنصت أو زرع عملاء داخل التنظيمات السياسية ومقراتها وعلى كل ناصية وفي كل مقهى وناد، ليتعرفوا إلى فكرها وتوجهاتها السياسية أو منتسبيها أو ليبثوا خبراً كاذباً يشتت فكر الأمة ويزعزع ثوابتها، أما اليوم فبعض الفضائيات تستطيع استدعاء أي زعيم سياسي أو مسؤول أي تنظيم حتى السرية منها، بل يتسابق هؤلاء للفضائيات، التي لا تجري حواراً عادياً إنما تقوم بتحقيقات هي أقرب إلى التحقيقات البوليسية حول كل صغيرة وكبيرة حول الشخصية المُستضافة أو التنظيم الذي تنتمي إليه: ما هي استراتيجيته وتكتيكاته ومصادر تمويله إلخ، بعض الجماعات المسلحة وخصوصاً المبتدئة ترتب الأمر مع بعض الفضائيات المشهورة لتكون حاضرة لتصور عمليتها العسكرية الأولى أو بيانها الأول أو تتفق معها على نشر الشريط المصور لهذه العملية أو ذاك التدريب العسكري في معاقلها السرية، ولولا هذه التغطية الإعلامية المتفق عليها ما كان أحد سمع بهذه العمليات المسلحة ولا بالجماعة بشكل عام أو بقيت ضمن نطاق محلي. لقد ضخمت الفضائيات بعض الجماعات والأحزاب وجردت أخرى من جزء كبير من طابعها السري ومن خصوصيتها وما تضفيه السرية والخصوصية من غموض وحصانة هما جزء من مكانة وهيبة هذه التنظيمات، بل جعلت الفضائيات هذه القوى السياسية صفحة مقروءة أمام كل أجهزة المخابرات في العالم، ومن هنا لا نستغرب اغتيال كثير من قادة هذه التنظيمات بعد ظهورهم على الفضائيات أو إجراء مكالمات هاتفية معهم.

إلى وقت قريب كذلك لم يكن المواطن العربي قد انفتح بعد على منجزات الثورة المعلوماتية كالفضائيات والإنترنت وغيرهما، وكانت وسيلته للتواصل داخل الوطن ومع العالم الخارجي تقتصر على (الترانزستور) الذي يقتصر تواجده في بعض المقاهي والبيوت، والأسر الأكثر رفاهية كانت تتوفر على جهاز تلفزيون لا يبث إلا القناة الرسمية لبلده أو قنوات رسمية عربية محدودة ولساعات محدودة. ومع ذلك، كانت الأفكار القومية والوطنية والإحساس بالانتماء المشترك توحد العرب وجدانياً من المحيط إلى الخليج، وتوحد أيضاً الشعب داخل كل قطر حول مفاهيم وطنية توحيدية، آنذاك كانت القيم والأفكار والعواطف والمشاعر الجياشة تسري سريان النار في الهشيم بين أبناء الأمة العربية من دون فضائيات ولا شبكة عنكبوتية، كانت أفكار عبدالناصر الوحدوية وصوره، كانت أخبار ثورة الجزائر ورموزها كجميلة بوحريد وبن بلا، كان التعاطف مع فلسطين وثورتها.. إلخ، كان كل ذلك معمماً من طنجة إلى عدن، وأذكر أنني كنت في مطلع شبابي كما هو الحال مع كل أبناء جيلي نخرج بمسيرات ومظاهرات نصرة للجزائر وفلسطين وأحياناً لفيتنام.. إلخ من دون أن نشاهد ونسمع البث المباشر للحدث أو لتقارير مفصلة ومصورة أو نستمع لآلاف المحللين والخبراء السياسيين، كان مجرد خبر صغير من إذاعة محلية أو إذاعة لندن أو منشور يوزع سرياً في المخيم كفيلاً بأن يستنهض ويؤجج المشاعر، أما اليوم ومع وجود مئات القنوات الفضائية المنسوبة للعرب، فالانتماء القومي والوطني يتحلل والشعوبية بكل ألوانها تنتشر، اليوم كلما تزايدت الفضائيات تزايدت الفتنة والفوضى سياسياً وثقافياً وتزايد التدهور الأخلاقي، حتى الفضائيات الدينية لم تزد من قوة إيمان المسلمين بقدر ما زادت من انقسامهم وتنافرهم وضياعهم. فهل للفضائيات رسالة وطنية وقومية وأخلاقية تنظم عملها وتحدد توجهها، أم هي فضائيات في فضاء لا تحكمه أخلاق ولا قيم ولا ضوابط وطنية بل هي منتوج يُسخَر للأقوى ولمن يدفع أكثر؟

قد يقول قائل إن الفضائيات جزء من الثورة المعلوماتية فهي صيرورة حتمية عالمياً وليست بدعة عربية، وإن تزامن ظهور الثورة المعلوماتية وانتشار الفضائيات مع العولمة والتوجه الأمريكي لتأسيس نظام دولي جديد تكون لها الهيمنة عليه، جاء مصادفة وليس أمراً مخططاً له، كما أنه ليس من المعقول أن حوالي 60 ألف فضائية في العالم وغالبيتها تابعة لجهات خاصة هي صنيعة واشنطن وأجهزتها المخابراتية. هذا كلام صحيح ولا شك، فمن المبالغة القول إن واشنطن خلقت العولمة والثورة التقنية وأسقطت المعسكر الأشتراكي حتى تسيطر على الشرق الأوسط وتطبق سياسة (الفوضى البناءة) على شعوبه. لكن بالمقابل يمكن التساؤل لماذا لا تفعل الثورة التقنية وخصوصاً الفضائيات فعلها المدمر في شعوب أخرى أكثر تقدماً علمياً وأكثر عدداً ومساحة من العالم العربي؟ فهل لدى الصين أو الهند أو اليابان فضائيات بعدد ما لدى العرب؟ وإن كان لديها فهل تقوم فضائيات تلك البلدان بنفس الدور التدميري لوحدة الأمة كما تقوم به فضائياتنا؟ وهل لدى كل حزب وطائفة وإقليم في تلك البلدان فضائية تعاكس في توجهاتها الثقافة والهوية والمصلحة الوطنية العامة في البلد؟ وهل يوجد في أي بلد فضائيات دينية تكفر الآخر وتثير الفتنة بعدد ما لدينا؟ الموضوع ليس أن نكون مع الثورة التقنية والفضائيات والشبكة العنكبوتية أو لا نكون، والمشكلة ليست أن ننفتح على العالم أم لا، لكن المشكلة هل نوظف هذه الثورة التقنية ومنتوجاتها الإعلامية لخدمة قضايا أمتنا العربية وقضايانا الوطنية؟ أم أن هذه الفضائيات ومن يقف وراءها أصبحت أداة بيد واشنطن والغرب لخدمة أغراضهم المتناقضة مع مصالح شعوبنا بالحرية والتقدم والحفاظ على ثقافتنا وهويتنا؟

إن كل متابع لمجريات التحولات السياسية والاستراتيجية في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد سيلمس العلاقة الطردية ما بين درجة التغلغل الأمريكي السياسي والعسكري وإعمال سياسة (الفوضى البناءة) من وجهة النظر الأمريكية وتحديداً من طرف المحافظين الجدد من جهة، وانتشار فضائيات ناطقة بالعربية بميزانيات هائلة وإمكانات تقنية غير معهودة من جهة أخرى، وهذا يعني أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة اعتمدت على القواعد العسكرية والفضائيات في الوقت نفسه، أو بصيغة أخرى إن تنفيذ سياسة (الفوضى البناءة) أو (التدمير البناء) أو (الاختراق النظيف) كان يحتاج إلى أداتين: القوة العسكرية والأمنية من جانب وما يمنح التبرير النظري لما يجري من تفكيك لوحدة الأمة من خلال الزعم بأن العرب مجتمعين أو على مستوى كل قطر عربي لا يوجد ما يوحدهم، وأنهم قبائل وطوائف وجماعات وأحزاب متصارعة ومتعادية، من جانب آخر، وقد أسندت مهمة الترويج لهذا التبرير النظري إلى فضائيات بعينها أو من خلال تسهيل انتشار الفضائيات من دون ضوابط. أليس غريباً أن أهم بلد عربي تحتله واشنطن وتطبق عليه سياسة (الفوضى البناءة) يتوفر على أكبر عدد من الفضائيات على مستوى المنطقة؟ وأليس غريباً أيضاً أن البلد العربي الذي يستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة هو نفسه الذي يمتلك أكبر وأهم فضائية سياسية عربية؟

لقد ساعدت الفضائيات – بعضها بحسن نية – من خلال البث المباشر للصورة بشكل مبالغ فيه واستضافة كل من هبّ ودبّ من مدعي التحليل السياسي والخبرة الاستراتيجية والأمنية والدينية، على تغييب التفكير الاستراتيجي المرتكز على الرؤية الوطنية والقومية وتشتيت الوعي الجمعي والثوابت الوطنية والقومية وتسطيح الوعي السياسي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي ما زالت في مرحلة بناء الأمة والوطن، ونشر وعي وفكر سياسي وديني سطحي مستمد من وقعِ الصورة أو من نصوص مقدسة يتم تفسيرها بما يخرجها عن جوهرها ودلالاتها وما تتركه من انفعالات وعواطف. كثير من الحركات المسلحة السياسية والانفصالية والدينية ما كانت لتكون أو بقيت ظاهرة هامشية في المجتمع لولا احتضانها من فضائيات عربية ومن بعض الفضائيات الأمريكية والأوروبية، حيث يتم تضخيم هذه الحركات ومنحها حيزاً كبيراً من التغطية الإعلامية، ليس لأن هذه الحركة تستحق ذلك، بل لأنها تتفق مع السياسة العامة لمن يقف وراء هذه الفضائيات وتساعد على نشر الفوضى والفتنة في البلد. لا يعني هذا حرمان الأقليات والجماعات المضطهدة في عالم عربي تحكمه أنظمة تغطي على فقدان الشرعية وعلى استبدادها بشعارات كبيرة حول وحدة الأمة والمصلحة الوطنية، لكن ما نرمي إليه هو التحذير من توظيف تطلعات مشروعة لشعب أو بعض فئاته لخدمة فضائيات تشتغل لصالح أجندة خارجية لا تؤمن لا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان ولا بثوابت وطنية أو قومية أو دينية، وبالتالي ينطبق على هذه الفضائيات المثل (قول حق يراد به باطل).

::/fulltext::
::cck::792::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *