مستقبل النظام الدولي وتداعياته على دول مجلس التعاون في زمن العولمة

::cck::796::/cck::
::introtext::

يشكل المحيط أو البيئة التي توجد فيها الدولة وتجري فيها تفاعلاتها، واحداً من محددات الحركة أمام الدولة، فالبيئة تحدد أطراف ونوع التفاعل الذي يمكن أن يظهر، وهو ما يوجب عليها قراءة صحيحة لتلك البيئة لمعرفة مدى المرونة في خياراتها السياسية. والبيئة هنا تقع في مجالين هما: بيئة إقليمية وبيئة عالمية، وهذه المجالات (البيئة) تؤثر في كافة الدول بنسب متباينة، بحسب انغماسها في المصالح والاستراتيجيات العالمية والإقليمية.

::/introtext::
::fulltext::

يشكل المحيط أو البيئة التي توجد فيها الدولة وتجري فيها تفاعلاتها، واحداً من محددات الحركة أمام الدولة، فالبيئة تحدد أطراف ونوع التفاعل الذي يمكن أن يظهر، وهو ما يوجب عليها قراءة صحيحة لتلك البيئة لمعرفة مدى المرونة في خياراتها السياسية. والبيئة هنا تقع في مجالين هما: بيئة إقليمية وبيئة عالمية، وهذه المجالات (البيئة) تؤثر في كافة الدول بنسب متباينة، بحسب انغماسها في المصالح والاستراتيجيات العالمية والإقليمية.

لا تعيش أي دولة بشكل مجرد، إنما هي تعيش في إطار بيئة يوجد فيها حجم من التباين في المصالح والتطلعات بين أطرافها، وهذا ما يجعلها بحاجة إلى أن تقرأ الفرص والتحديات التي يمكن أن تواجهها في محيطها في الحاضر والمستقبل، ولما كانت الحياة الدولية تتطلب اعتماد الحسابات الدقيقة فإن استشراف الفرص والتحديات ينبغي ألا يحيد عن الحساب حتى يسهل استثمار الأولى وتدارك أخطار الثانية عليها.

واليوم، المتغيرات المؤثرة في النظام الدولي يصعب حصرها بعدد محدد، وهي تفرض احتمالات للمستقبل تزداد يومياً سعة عدم اليقين في التوقعات لكليهما الفرص والتحديات ضمن حيز زمني قصير نسبياً، وليس البعيد نسبياً. وعدم اليقين يفرض على الدول قراءة دائمة للمستقبل، ودول مجلس التعاون الخليجي مطالبة بذلك ما دامت أنها تعيش في محيط عالمي وإقليمي حجم الاضطراب فيه عال، في حين أن قدرتها على التقاط الفرص أو مجابهة التحديات لا تزال بحدها الأدنى.

 واقع النظام الدولي والمتغيرات المؤثرة في مستقبله

إن النظام الدولي هو ابن لحظته التاريخية، لهذا هو في تشكل مستمر، ومكوناته هي الدول (شخوص النظام)، والقضايا (محط الاهتمام الدولي)، والتفاعل (نوع العلاقات)، وتوزيع الموارد والإمكانات واعتماد الاستراتيجيات يفرض علاقات قوى محددة على النظام الدولي، مما يؤثر في تلك المكونات بشكل أو آخر، ويفرض أنماطاً من القيم تتباين من نظام إلى آخر.

وما هو قائم اليوم من نظام دولي لا يتعدى أن يكون خليطاً من قطبية أحادية (العسكرية الأمريكية) وهيمنة (سياسية أمريكية) وتعددية قطبية (اقتصادية وثقافية)، فتفكك الاتحاد السوفييتي أفرز تفرداً أمريكياً على النظام الدولي، إلا أن إدراك القيادات الأمريكية سعة فضاءات النظام الدولي، وأن الانغماس في كل التفاصيل سيؤدي إلى إجهاد الموارد الأمريكية، وهذا بالتالي أدى إلى اعتمادها استراتيجيات براغماتية.

إلا أن هذا النظام سرعان ما تفكك من جراء صعود المحافظين الجدد إلى قمة الإدارة الأمريكية، وما اعتقدوه من ضرورة أن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكياً، بمعنى إعادة تشكيل التفاعلات والقيم العالمية وفقاً لما تريده الولايات المتحدة، واستغلوا أحداث 11 سبتمبر لفرض أجندتهم (قيم الأحادية) بما يملكونه من قوة عسكرية، إلا أنهم انتهوا إلى استباحة مهمة للموارد الأمريكية في حروب استنزاف، في ظرف يعيش العالم فيه بروز قوى كبرى وإقليمية طامحة. وبدلاً من قيم الاستباقية والوقائية والفوضى الخلاقة، أدركت القيادات الأمريكية خطل ما أعمل من سياسات واستراتيجيات، فاتجهت صوب الانكفاء عن التدخل المنفرد والحرص على إتيان الشرعية (الرضا الدولي) عن أفعالها، وهو ما تم تلمسه مع السياسات التي تتوخى التعامل مع كوريا الشمالية وإيران، فهل يمكن أن يستمر الحال في الولايات المتحدة إلى ذات ما هو قائم اليوم من سياسات؟ بعبارة أخرى هل يستمر النظام الدولي على ما هو قائم اليوم؟

الواقع، أن ما قد يستقر عليه النظام الدولي هو رهن بعدة متغيرات، وأهمها:

1- الأسلحة النووية: وهي مخرج لتطور التكنولوجيا، فما عادت قوة الدول تقاس بحجمها أو بحجم مواردها ، إنما بحجم ما تستثمره من موارد في التنمية البشرية، وبقدرة تلك الموارد على إنتاج التقنية الكفيلة بالحماية والارتقاء. والسلاح النووي هو وسيلة مناسبة لإيقاف أي اعتداء بحكم كونه وسيلة ردع وليس وسيلة هجوم، والملاحظ أن العالم أمام ظاهرة تزايد الدول التي تملك أو تريد أن تملك السلاح النووي، وهو ما قد يضع العالم أمام مأزق توليد استراتيجيات جديدة للتعامل مع وجود دول نووية عدة قد تفوق الـ ( 10 دول) نووية.

2- المعلوماتية والاتصالات: إن العالم اليوم بات يشهد تسارعاً غير مسبوق في حركة الأموال والبشر والمعلومات، حتى بات العالم أشبه بالقرية الصغيرة، وكل حدث فيها يؤثر في بقية أجزائه. بل إن هذه الثورة جعلت النفوذ إلى عوامل القوة وعلاقاتها متيسراً نسبياً لمن يملك التقنية والإرادة.

3- التكتلات، السياسية منها والاقتصادية والعسكرية والثقافية: وهي تكتلات مصالح أو تكتلات انتماءات أيديولوجية، وبات النظام الدولي يعج بها، وقد تنتهي هذه التكتلات بما تفرضه من التزامات إلى صياغة نظام علاقات الدول بنظام علاقات التكتلات، وستفرض التكتلات الكبرى على النظام العالمي قيمها وتفاعلاتها.

4- الطموحات: بمعنى توافر قيادات سياسية تؤمن بأيديولوجيات تعطي للمكانة والريادة اعتباراً، ولا نتحدث هنا عن الأيديولوجيات التي تؤمن باعتقادات إنهاء العالم تحت مسميات مختلفة وهو ما أصبح ضاغطاً على النظام الدولي والنظم الإقليمية في مناطق عدة، إنما حديثنا هو عن طموحات لقيادات ترغب في إعطاء دولها مكانة دولية رفيعة. وهذه القيادات من شأنها الارتقاء ببلدانها، أو اعتماد استراتيجيات تؤثر في المستقبل العالمي.

5- الثقافة العالمية المشتركة: بمعنى حجم المشتركات التي يتم توليدها بين دول وشعوب العالم، وتحديداً على صعيد الأنماط الثقافية، وأنظمة الحكم والرؤى المشتركة، فهذا من شأنه أن يقلل حجم الصور غير الإيجابية بين الدول والشعوب، ويسمح بإشاعة أجواء نسبية للاستقرار العالمي.

وكل هذه المتغيرات تؤثر بنسب متباينة في إعادة التشكل الدائمة للنظام الدولي.

 النظام الدولي.. احتمالات قابلة للتصور

إن المتغيرات في أعلاه تجعل أي نظام دولي محتمل، خلال المستقبل المتوسط، يقع في واحد من أربعة مشاهد، عريضة، وهي:

1- الاستمرارية: بمعنى الاستمرار بالهرمية الدولية، وفي أطراف النظام الدولي الرئيسة، وفي القضايا موضع الاهتمام وفي نوع التفاعلات والقيم السائدة. وما يدفع إلى هذا القول يكاد يكون ضعيفاً نظراً لحجم التغيير في العوامل التي تشكل بيئة وموارد وعلاقات التفاعل. وهذا ما يدفعنا الى القول بأن نبحث عن تصورات أخرى ستسود النظام الدولي.

2- نظام أحادي: بمعنى حدوث تغير في الهرمية الدولية وفي نوع التفاعلات والقيم السائدة، وباتجاه بروز الفكرة والأيديولوجية والقوة الواحدة، ونظراً لاتساع قضايا النظام الدولي وأطرافه، فمن المتصور أن ما قد يحدث هو ظهور تكتل كبير واحد أكثر منه تصور بروز الولايات المتحدة إلى مرحلة الأحادية، وقد تكون الولايات المتحدة هي مركز هكذا قطب. والنتيجة الممكن تصورها هي تزعم تكتل الولايات المتحدة النظام الدولي القادم وفرض قيمها على العالم. وقد يكون هذا التكتل عبارة عن سلسلة من التحالفات (عسكرية عبر حلف الأطلسي، واقتصادية؛ وستكون بحاجة إلى تأسيس تكتلات ثقافية وسياسية لضمان الضبط للنظام الدولي).

3- نظام تعددي: وما يعيق حدوث المشهد السابق عاملان هما: انتشار عوامل القوة بين الدول، والتباين في العوامل الحضارية والثقافية، وكلاهما يجعل الاندماج التام في إطار التكتل الذي تدعمه الولايات المتحدة غير متحقق، كما أن منظمات من قبيل (التجارة العالمية، الأمم المتحدة..) لم ترتق إلى مصاف المنظمات العالمية القادرة على احتواء كل دول وثقافات العالم وإعادة توليفها بقيم ثقافية عالمية جديدة، وهنا من المتصور ظهور قوى أو ربما تكتلات تقوم مقام الضد من التكتل الذي يتمحور حول الولايات المتحدة، ويمكنها أن تضم دولاً من قبيل (روسيا، الصين، الهند..).

4- الفوضى: وهو مشهد إلى الضد من نظم الضبط الدولي العام السابقة، بمعنى حدوث فوضى تنهي أي مظهر من مظاهر القيم والتفاعلات المعروفة القابلة للضبط، وخلاله تسود حروب وصراعات على نطاق واسع غير قابل للسيطرة، والأسباب التي قد تقود إلى حدوث تلك الفوضى هي:

أ- كثرة الحركات دون مستوى الدولة، غير المنضبطة بقواعد قانونية دولية، والتي تقول بأجندات أيديولوجية متشددة، وتلجأ إلى العنف في سبيل تحقيق أهدافها، مما يؤثر في النظام لإدارة العلاقات بين الدول.

ب- كثرة القيادات التي تدعو إلى اعتقادات أيديولوجية شاذة، والتي تتحكم في مصير شعوب ودول عدة، من قبيل أن كثرة الفساد تعجل بظهور المخلص، لهذا من الوجوب الإفساد وتشجيع الظلم والحروب لتعجيل هذا الظهور، وهذا الاعتقاد وجد لدى الرئيس بوش الابن، وأثرت اعتقاداته في العلاقات الدولية.

ج- انتشار عناصر القوة بين الدول الصغيرة، في ظرف لا تزال علاقاتها تحمل تقاطعات عدة، وهذا ما ينذر بحدوث حروب إقليمية عدة، وكلما كثرت هذه الحروب زادت عوامل عدم الاستقرار في النظام الدولي، وفي ظرف عدم قدرة الموارد المتاحة على إدارة كافة ملفات النظام الدولي فمن المتوقع حدوث فوضى تزداد سعتها كلما زادت الحروب الإقليمية.

د- الأوبئة والكوارث الطبيعية الشاملة، من قبيل حدوث حرب نووية تؤدي إلى تلوث شامل، أو حدوث تغير مناخي شامل، أو حدوث كارثة في النظام الشمسي، بما يؤدي إلى إنهاء دول كاملة وربما إرباك أو إنهاء النظام في العلاقات الدولية.

 التداعيات على دول مجلس التعاون الخليجي

إن أي صيغة من المشاهد في أعلاه، لن تعفى منها أي منطقة أو دولة في العالم، ونظراً لأهمية منطقة الخليج العربي فإن تداعيات أي تحول أو تغيير عالمي ستظهر على هذه المنطقة بسرعة. ولكي نتلمس تلك التداعيات على دول المجلس، فإننا يمكن أن نتصور ضمن إطار عاملي تقييم (هما: فسحة الحركة، والتوتر في العلاقات مع الدول الأخرى) الآتي:

1- في حالة قيام نظام تعددي: ستكون دول المجلس أمام اتساع في فسحة الحركة والخيارات في علاقاتها الدولية، طالما أن النظام يحوي عدة قوى متنافسة على المنطقة، إلا أن هذه الدول لن تعفى من التوترات الدائمة في علاقاتها الإقليمية، فكل قوة إقليمية ستكون مرتبطة بواحد من التكتلات الكبرى، ولكل منها طموحاتها في هذه المنطقة.

2- في حالة نظام أحادي: إن دول المجلس ستكون أمام فسحة في الحركة وسعة في الخيارات شبه معدومة، ما دام التكتل الأكبر يفرض قيمه وأنماط تفاعلاته على كافة الأقاليم في العالم. كما ستتلاشى التوترات الكبرى في العلاقات الإقليمية، تحت ضابط الضاغط العالمي (القطب/التكتل الأحادي).

3- في حالة مشهد الفوضى: الملاحظ أن منطقة الشرق الأوسط عامة تتحمل حدوث الفوضى بشكل كبير نتيجة الآتي:

* التعددية الإثنية والدينية والمذهبية والثقافية، التي تتيح قيام الحركات غير المنضبطة بالتفاعلات الدولية السائدة على نطاق واسع، ووجود النقائض والتطرف في علاقات تلك الحركات نتيجة للتباين والاختلاف اللذين تسببهما تلك التعددية.

* كثرة القوى الإقليمية الطامحة للمكانة، ومنها: إسرائيل وتركيا وإيران والهند، وكل منها تنظر إلى منطقة الخليج كمنطقة مهمة ضمن خياراتها الاستراتيجية لبلوغ المكانة التي تسعى إلى تحقيقها.

* المنشآت النفطية والنووية، ففي حالة تعرض تلك المنشآت لحوادث فإنها تسهل حدوث كارثة لن تعفى منها المنطقة بكاملها.

وعموماً، يتوقع من هذا المشهد حدوث تداعيات، أهمها أن فسحة الحركة أمام دول المجلس ستكون مطلقة نظراً لغياب القيود بغياب النظام وعلاقات القوى، كما ستكون التوترات في العلاقات الإقليمية في حدها الأقصى للسبب ذاته.

 التوصيات

1- على مستوى النظام الدولي: يقتضي الحال من دول المجلس عدم الارتباط بتحالفات أو تكتلات ذات التزامات تامة على سيادتها، فهذا من شأنه أن يوسع من سعة الخيارات أمام هذه الدول.

2- على صعيد النظام الإقليمي: التسريع بإنهاء الخلافات الإقليمية وفق صيغ الحوار المتبادل المكفول دولياً، وتقليل إمكانية القوى الإقليمية للضغط على خيارات دول المجلس عبر الانفتاح على كافة مجالات الحركة، وهذا لن يتحقق إلا عبر تحقيق التكامل بل الاندماج التام بين دول المجلس، وتوسيع المجلس ليضم دولاً أخرى كاليمن.

3- على مستوى الدولة الوطنية: الإسراع بتحقيق ثقافة وطنية، وأيضاً الإسراع بتحقيق تقارب مذهبي وثقافي ليكون الداخل والمجتمع مالكاً لممانعة وقادراً على مواجهة التحولات في النظام الدولي.

4- على مستوى الفرد الخليجي: إدراك أن التحولات والتسارع في انتقال الأموال والبشر والمعلومات عبر الحدود الوطنية (ما يطلق عليه بالعولمة) لها نتائجه في تسريع إقامة ثقافة عالمية، وتسرع من الدافع إلى التنافس. ولكي لا تضيع الخصوصية يبقى المنطلق الأساس فيدعم الدولة الوطنية هو الفرد ومستوى تنميته وتأهيله وإدراكه لمصالح دولته.

::/fulltext::

grc-816
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::796::/cck::
::introtext::

يشكل المحيط أو البيئة التي توجد فيها الدولة وتجري فيها تفاعلاتها، واحداً من محددات الحركة أمام الدولة، فالبيئة تحدد أطراف ونوع التفاعل الذي يمكن أن يظهر، وهو ما يوجب عليها قراءة صحيحة لتلك البيئة لمعرفة مدى المرونة في خياراتها السياسية. والبيئة هنا تقع في مجالين هما: بيئة إقليمية وبيئة عالمية، وهذه المجالات (البيئة) تؤثر في كافة الدول بنسب متباينة، بحسب انغماسها في المصالح والاستراتيجيات العالمية والإقليمية.

::/introtext::
::fulltext::

يشكل المحيط أو البيئة التي توجد فيها الدولة وتجري فيها تفاعلاتها، واحداً من محددات الحركة أمام الدولة، فالبيئة تحدد أطراف ونوع التفاعل الذي يمكن أن يظهر، وهو ما يوجب عليها قراءة صحيحة لتلك البيئة لمعرفة مدى المرونة في خياراتها السياسية. والبيئة هنا تقع في مجالين هما: بيئة إقليمية وبيئة عالمية، وهذه المجالات (البيئة) تؤثر في كافة الدول بنسب متباينة، بحسب انغماسها في المصالح والاستراتيجيات العالمية والإقليمية.

لا تعيش أي دولة بشكل مجرد، إنما هي تعيش في إطار بيئة يوجد فيها حجم من التباين في المصالح والتطلعات بين أطرافها، وهذا ما يجعلها بحاجة إلى أن تقرأ الفرص والتحديات التي يمكن أن تواجهها في محيطها في الحاضر والمستقبل، ولما كانت الحياة الدولية تتطلب اعتماد الحسابات الدقيقة فإن استشراف الفرص والتحديات ينبغي ألا يحيد عن الحساب حتى يسهل استثمار الأولى وتدارك أخطار الثانية عليها.

واليوم، المتغيرات المؤثرة في النظام الدولي يصعب حصرها بعدد محدد، وهي تفرض احتمالات للمستقبل تزداد يومياً سعة عدم اليقين في التوقعات لكليهما الفرص والتحديات ضمن حيز زمني قصير نسبياً، وليس البعيد نسبياً. وعدم اليقين يفرض على الدول قراءة دائمة للمستقبل، ودول مجلس التعاون الخليجي مطالبة بذلك ما دامت أنها تعيش في محيط عالمي وإقليمي حجم الاضطراب فيه عال، في حين أن قدرتها على التقاط الفرص أو مجابهة التحديات لا تزال بحدها الأدنى.

 واقع النظام الدولي والمتغيرات المؤثرة في مستقبله

إن النظام الدولي هو ابن لحظته التاريخية، لهذا هو في تشكل مستمر، ومكوناته هي الدول (شخوص النظام)، والقضايا (محط الاهتمام الدولي)، والتفاعل (نوع العلاقات)، وتوزيع الموارد والإمكانات واعتماد الاستراتيجيات يفرض علاقات قوى محددة على النظام الدولي، مما يؤثر في تلك المكونات بشكل أو آخر، ويفرض أنماطاً من القيم تتباين من نظام إلى آخر.

وما هو قائم اليوم من نظام دولي لا يتعدى أن يكون خليطاً من قطبية أحادية (العسكرية الأمريكية) وهيمنة (سياسية أمريكية) وتعددية قطبية (اقتصادية وثقافية)، فتفكك الاتحاد السوفييتي أفرز تفرداً أمريكياً على النظام الدولي، إلا أن إدراك القيادات الأمريكية سعة فضاءات النظام الدولي، وأن الانغماس في كل التفاصيل سيؤدي إلى إجهاد الموارد الأمريكية، وهذا بالتالي أدى إلى اعتمادها استراتيجيات براغماتية.

إلا أن هذا النظام سرعان ما تفكك من جراء صعود المحافظين الجدد إلى قمة الإدارة الأمريكية، وما اعتقدوه من ضرورة أن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكياً، بمعنى إعادة تشكيل التفاعلات والقيم العالمية وفقاً لما تريده الولايات المتحدة، واستغلوا أحداث 11 سبتمبر لفرض أجندتهم (قيم الأحادية) بما يملكونه من قوة عسكرية، إلا أنهم انتهوا إلى استباحة مهمة للموارد الأمريكية في حروب استنزاف، في ظرف يعيش العالم فيه بروز قوى كبرى وإقليمية طامحة. وبدلاً من قيم الاستباقية والوقائية والفوضى الخلاقة، أدركت القيادات الأمريكية خطل ما أعمل من سياسات واستراتيجيات، فاتجهت صوب الانكفاء عن التدخل المنفرد والحرص على إتيان الشرعية (الرضا الدولي) عن أفعالها، وهو ما تم تلمسه مع السياسات التي تتوخى التعامل مع كوريا الشمالية وإيران، فهل يمكن أن يستمر الحال في الولايات المتحدة إلى ذات ما هو قائم اليوم من سياسات؟ بعبارة أخرى هل يستمر النظام الدولي على ما هو قائم اليوم؟

الواقع، أن ما قد يستقر عليه النظام الدولي هو رهن بعدة متغيرات، وأهمها:

1- الأسلحة النووية: وهي مخرج لتطور التكنولوجيا، فما عادت قوة الدول تقاس بحجمها أو بحجم مواردها ، إنما بحجم ما تستثمره من موارد في التنمية البشرية، وبقدرة تلك الموارد على إنتاج التقنية الكفيلة بالحماية والارتقاء. والسلاح النووي هو وسيلة مناسبة لإيقاف أي اعتداء بحكم كونه وسيلة ردع وليس وسيلة هجوم، والملاحظ أن العالم أمام ظاهرة تزايد الدول التي تملك أو تريد أن تملك السلاح النووي، وهو ما قد يضع العالم أمام مأزق توليد استراتيجيات جديدة للتعامل مع وجود دول نووية عدة قد تفوق الـ ( 10 دول) نووية.

2- المعلوماتية والاتصالات: إن العالم اليوم بات يشهد تسارعاً غير مسبوق في حركة الأموال والبشر والمعلومات، حتى بات العالم أشبه بالقرية الصغيرة، وكل حدث فيها يؤثر في بقية أجزائه. بل إن هذه الثورة جعلت النفوذ إلى عوامل القوة وعلاقاتها متيسراً نسبياً لمن يملك التقنية والإرادة.

3- التكتلات، السياسية منها والاقتصادية والعسكرية والثقافية: وهي تكتلات مصالح أو تكتلات انتماءات أيديولوجية، وبات النظام الدولي يعج بها، وقد تنتهي هذه التكتلات بما تفرضه من التزامات إلى صياغة نظام علاقات الدول بنظام علاقات التكتلات، وستفرض التكتلات الكبرى على النظام العالمي قيمها وتفاعلاتها.

4- الطموحات: بمعنى توافر قيادات سياسية تؤمن بأيديولوجيات تعطي للمكانة والريادة اعتباراً، ولا نتحدث هنا عن الأيديولوجيات التي تؤمن باعتقادات إنهاء العالم تحت مسميات مختلفة وهو ما أصبح ضاغطاً على النظام الدولي والنظم الإقليمية في مناطق عدة، إنما حديثنا هو عن طموحات لقيادات ترغب في إعطاء دولها مكانة دولية رفيعة. وهذه القيادات من شأنها الارتقاء ببلدانها، أو اعتماد استراتيجيات تؤثر في المستقبل العالمي.

5- الثقافة العالمية المشتركة: بمعنى حجم المشتركات التي يتم توليدها بين دول وشعوب العالم، وتحديداً على صعيد الأنماط الثقافية، وأنظمة الحكم والرؤى المشتركة، فهذا من شأنه أن يقلل حجم الصور غير الإيجابية بين الدول والشعوب، ويسمح بإشاعة أجواء نسبية للاستقرار العالمي.

وكل هذه المتغيرات تؤثر بنسب متباينة في إعادة التشكل الدائمة للنظام الدولي.

 النظام الدولي.. احتمالات قابلة للتصور

إن المتغيرات في أعلاه تجعل أي نظام دولي محتمل، خلال المستقبل المتوسط، يقع في واحد من أربعة مشاهد، عريضة، وهي:

1- الاستمرارية: بمعنى الاستمرار بالهرمية الدولية، وفي أطراف النظام الدولي الرئيسة، وفي القضايا موضع الاهتمام وفي نوع التفاعلات والقيم السائدة. وما يدفع إلى هذا القول يكاد يكون ضعيفاً نظراً لحجم التغيير في العوامل التي تشكل بيئة وموارد وعلاقات التفاعل. وهذا ما يدفعنا الى القول بأن نبحث عن تصورات أخرى ستسود النظام الدولي.

2- نظام أحادي: بمعنى حدوث تغير في الهرمية الدولية وفي نوع التفاعلات والقيم السائدة، وباتجاه بروز الفكرة والأيديولوجية والقوة الواحدة، ونظراً لاتساع قضايا النظام الدولي وأطرافه، فمن المتصور أن ما قد يحدث هو ظهور تكتل كبير واحد أكثر منه تصور بروز الولايات المتحدة إلى مرحلة الأحادية، وقد تكون الولايات المتحدة هي مركز هكذا قطب. والنتيجة الممكن تصورها هي تزعم تكتل الولايات المتحدة النظام الدولي القادم وفرض قيمها على العالم. وقد يكون هذا التكتل عبارة عن سلسلة من التحالفات (عسكرية عبر حلف الأطلسي، واقتصادية؛ وستكون بحاجة إلى تأسيس تكتلات ثقافية وسياسية لضمان الضبط للنظام الدولي).

3- نظام تعددي: وما يعيق حدوث المشهد السابق عاملان هما: انتشار عوامل القوة بين الدول، والتباين في العوامل الحضارية والثقافية، وكلاهما يجعل الاندماج التام في إطار التكتل الذي تدعمه الولايات المتحدة غير متحقق، كما أن منظمات من قبيل (التجارة العالمية، الأمم المتحدة..) لم ترتق إلى مصاف المنظمات العالمية القادرة على احتواء كل دول وثقافات العالم وإعادة توليفها بقيم ثقافية عالمية جديدة، وهنا من المتصور ظهور قوى أو ربما تكتلات تقوم مقام الضد من التكتل الذي يتمحور حول الولايات المتحدة، ويمكنها أن تضم دولاً من قبيل (روسيا، الصين، الهند..).

4- الفوضى: وهو مشهد إلى الضد من نظم الضبط الدولي العام السابقة، بمعنى حدوث فوضى تنهي أي مظهر من مظاهر القيم والتفاعلات المعروفة القابلة للضبط، وخلاله تسود حروب وصراعات على نطاق واسع غير قابل للسيطرة، والأسباب التي قد تقود إلى حدوث تلك الفوضى هي:

أ- كثرة الحركات دون مستوى الدولة، غير المنضبطة بقواعد قانونية دولية، والتي تقول بأجندات أيديولوجية متشددة، وتلجأ إلى العنف في سبيل تحقيق أهدافها، مما يؤثر في النظام لإدارة العلاقات بين الدول.

ب- كثرة القيادات التي تدعو إلى اعتقادات أيديولوجية شاذة، والتي تتحكم في مصير شعوب ودول عدة، من قبيل أن كثرة الفساد تعجل بظهور المخلص، لهذا من الوجوب الإفساد وتشجيع الظلم والحروب لتعجيل هذا الظهور، وهذا الاعتقاد وجد لدى الرئيس بوش الابن، وأثرت اعتقاداته في العلاقات الدولية.

ج- انتشار عناصر القوة بين الدول الصغيرة، في ظرف لا تزال علاقاتها تحمل تقاطعات عدة، وهذا ما ينذر بحدوث حروب إقليمية عدة، وكلما كثرت هذه الحروب زادت عوامل عدم الاستقرار في النظام الدولي، وفي ظرف عدم قدرة الموارد المتاحة على إدارة كافة ملفات النظام الدولي فمن المتوقع حدوث فوضى تزداد سعتها كلما زادت الحروب الإقليمية.

د- الأوبئة والكوارث الطبيعية الشاملة، من قبيل حدوث حرب نووية تؤدي إلى تلوث شامل، أو حدوث تغير مناخي شامل، أو حدوث كارثة في النظام الشمسي، بما يؤدي إلى إنهاء دول كاملة وربما إرباك أو إنهاء النظام في العلاقات الدولية.

 التداعيات على دول مجلس التعاون الخليجي

إن أي صيغة من المشاهد في أعلاه، لن تعفى منها أي منطقة أو دولة في العالم، ونظراً لأهمية منطقة الخليج العربي فإن تداعيات أي تحول أو تغيير عالمي ستظهر على هذه المنطقة بسرعة. ولكي نتلمس تلك التداعيات على دول المجلس، فإننا يمكن أن نتصور ضمن إطار عاملي تقييم (هما: فسحة الحركة، والتوتر في العلاقات مع الدول الأخرى) الآتي:

1- في حالة قيام نظام تعددي: ستكون دول المجلس أمام اتساع في فسحة الحركة والخيارات في علاقاتها الدولية، طالما أن النظام يحوي عدة قوى متنافسة على المنطقة، إلا أن هذه الدول لن تعفى من التوترات الدائمة في علاقاتها الإقليمية، فكل قوة إقليمية ستكون مرتبطة بواحد من التكتلات الكبرى، ولكل منها طموحاتها في هذه المنطقة.

2- في حالة نظام أحادي: إن دول المجلس ستكون أمام فسحة في الحركة وسعة في الخيارات شبه معدومة، ما دام التكتل الأكبر يفرض قيمه وأنماط تفاعلاته على كافة الأقاليم في العالم. كما ستتلاشى التوترات الكبرى في العلاقات الإقليمية، تحت ضابط الضاغط العالمي (القطب/التكتل الأحادي).

3- في حالة مشهد الفوضى: الملاحظ أن منطقة الشرق الأوسط عامة تتحمل حدوث الفوضى بشكل كبير نتيجة الآتي:

* التعددية الإثنية والدينية والمذهبية والثقافية، التي تتيح قيام الحركات غير المنضبطة بالتفاعلات الدولية السائدة على نطاق واسع، ووجود النقائض والتطرف في علاقات تلك الحركات نتيجة للتباين والاختلاف اللذين تسببهما تلك التعددية.

* كثرة القوى الإقليمية الطامحة للمكانة، ومنها: إسرائيل وتركيا وإيران والهند، وكل منها تنظر إلى منطقة الخليج كمنطقة مهمة ضمن خياراتها الاستراتيجية لبلوغ المكانة التي تسعى إلى تحقيقها.

* المنشآت النفطية والنووية، ففي حالة تعرض تلك المنشآت لحوادث فإنها تسهل حدوث كارثة لن تعفى منها المنطقة بكاملها.

وعموماً، يتوقع من هذا المشهد حدوث تداعيات، أهمها أن فسحة الحركة أمام دول المجلس ستكون مطلقة نظراً لغياب القيود بغياب النظام وعلاقات القوى، كما ستكون التوترات في العلاقات الإقليمية في حدها الأقصى للسبب ذاته.

 التوصيات

1- على مستوى النظام الدولي: يقتضي الحال من دول المجلس عدم الارتباط بتحالفات أو تكتلات ذات التزامات تامة على سيادتها، فهذا من شأنه أن يوسع من سعة الخيارات أمام هذه الدول.

2- على صعيد النظام الإقليمي: التسريع بإنهاء الخلافات الإقليمية وفق صيغ الحوار المتبادل المكفول دولياً، وتقليل إمكانية القوى الإقليمية للضغط على خيارات دول المجلس عبر الانفتاح على كافة مجالات الحركة، وهذا لن يتحقق إلا عبر تحقيق التكامل بل الاندماج التام بين دول المجلس، وتوسيع المجلس ليضم دولاً أخرى كاليمن.

3- على مستوى الدولة الوطنية: الإسراع بتحقيق ثقافة وطنية، وأيضاً الإسراع بتحقيق تقارب مذهبي وثقافي ليكون الداخل والمجتمع مالكاً لممانعة وقادراً على مواجهة التحولات في النظام الدولي.

4- على مستوى الفرد الخليجي: إدراك أن التحولات والتسارع في انتقال الأموال والبشر والمعلومات عبر الحدود الوطنية (ما يطلق عليه بالعولمة) لها نتائجه في تسريع إقامة ثقافة عالمية، وتسرع من الدافع إلى التنافس. ولكي لا تضيع الخصوصية يبقى المنطلق الأساس فيدعم الدولة الوطنية هو الفرد ومستوى تنميته وتأهيله وإدراكه لمصالح دولته.

::/fulltext::
::cck::796::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *