تحديات التعليم في عصر العولمة: الدوران في حلقة مُفرَغة
::cck::814::/cck::
::introtext::
إن التعليم معرفةٌ ومهارات وقيم ضرورية لدعم النمو المستدام وصنع القرار على أسس علمية. والتعليم أيضاً عنصرٌ حيوي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق مُـثُل الحرية والعدالة والسلم الاجتماعييْن. كما أنه أحد المحرّكات الأساسية للتطور الذي يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي والحدّ من الفاقة وتحسين الأوضاع الصحية، والمداخيل ومستويات المعيشة، ويساهم التعليم في تعزيز المواطنة والمشاركة الديمقراطية؛ إنّه أساس التحوّل الاجتماعي.
::/introtext::
::fulltext::
إن التعليم معرفةٌ ومهارات وقيم ضرورية لدعم النمو المستدام وصنع القرار على أسس علمية. والتعليم أيضاً عنصرٌ حيوي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق مُـثُل الحرية والعدالة والسلم الاجتماعييْن. كما أنه أحد المحرّكات الأساسية للتطور الذي يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي والحدّ من الفاقة وتحسين الأوضاع الصحية، والمداخيل ومستويات المعيشة، ويساهم التعليم في تعزيز المواطنة والمشاركة الديمقراطية؛ إنّه أساس التحوّل الاجتماعي.
ظل التعليم الرسمي من الناحية التاريخية، من اختصاص الأنظمة الدينية و/ أو الدولة. وقبل الثورة الصناعية، كان التعليم المدرسي متوافراً لقلّة قليلة من الناس فقط، لكنّ الحاجة الاقتصادية هي التي أدت إلى ظهور التعليم العام الجماعي.
ولم يترسّخ التعليم العام الجماعي إلا في أواخر القرن التاسع عشر وفي العالم الصناعي، تحديداً؛ حتى إن بعض الدول جعلت التعليم إلزامياً. ومع نشر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) تم الاعتراف بأن التعليم حقّ لكل إنسان، ثمّ بذلت الدول التي نالت استقلالها جهوداً جبارة لضمان تفعيل حقّ التعليم لكل مواطنيها. وهكذا شهد نظام التعليم نمواً مطّرداً.
وشهد النصف الثاني من القرن العشرين توافر التعليم المدرسي المجّاني للجميع تقريباً لأن التعليم أصبح إحدى الخدمات الأساسية، التي يتعيّن على الدولة الديمقراطية أنْ تقدّمها إلى مواطنيها. أما الدول النامية التي تطورت ونالت استقلالها، فقد طورت أنظمتها التعليمية على أساس نماذج الدول الاستعمارية. وهكذا، ظهر العديد من التحديات، بما فيها توفير المدرسّين وقاعات الدروس والمناهج الدراسية ومستلزماتها. وبسبب الانفجار السكاني، تنامى الطلب على قطاع التعليم العام بوتيرة متسارعة، ما اضطر الحكومات إلى توسيع القطاع على حساب نوعية التعليم في معظم الحالات.
المشهد الراهن
شهد العقدان الأخيران تزايداً ملحوظاً في التحديات التي تواجهها أنظمة تعليم. وتشتمل هذه التحديات على انتشار العولمة والاقتصادات القائمة على المعرفة والتنمية القائمة على ضمان حقوق الإنسان والاتجاهات الديموغرافية المتغيرة، والتفاوت في حجم الموارد الوطنية المخصصة للتعليم العام في مختلف مناطق البلد الواحد. وهذا ما أدّى إلى إعادة التركيز على أنظمة التعليم. فقد تمّ التساؤل عما إذا كانت هذه الأنظمة جاهزة، بالفعل، لمواجهة كلّ هذه التحديات، أم لا؟
المنهج التربوي
تعود جذور نظام التعليم الحالي العالمي إلى نظام التعليم التقليدي للمجتمع الزراعي الذي ظهر في القرن السابع عشر، والذي قام على أساس تعليم القراءة والكتابة والحساب، بالإضافة إلى تعليم قدْر متفاوت من المعرفة العلمية والاجتماعية واللغوية والفنيّة والدينية (بحسب الدول). أما المعرفة التقنية وتطوير المهارات، فهي موادّ أُضيفت مؤخّراً إلى مناهج التعليم. وإثر الثورة الصناعية، برزت الحاجة إلى التعليم الجماعي. وبالتالي، طُبِّق في مجال التعليم نموذج خط الإنتاج الصناعي الذي يُحوّل المواد الخام إلى سلع. إذ أصبح الطلاب يجتمعون في مكان واحد (المدرسة)؛ وبغض النظر عن أسلوب تَعلُّم كلٍّ منهم أو قدراته أو احتياجاته أو رغباته أو إمكاناته، بدأ الطلاب يتلقون المناهج نفسها تماماً ويُعَلَّمون من خلال المقاربة نفسها. وهكذا، ساد (التلقين). وعمل هذا النظام بقدر معقول من النجاح حتى نهاية الحرب العالمية الثانية التي أعقبها ظهور احتياجات ومتطلبات جديدة، انسجمت مع طبيعة التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على الجاليات.
وبالتالي، بدأت تتأثر نوعية التعليم بسبب مشكلات عديدة، مثل كثرة التكرار ومعدّلات التلامذة الذين يتوقفون عن التعلُّم. يُضاف إلى ذلك عجز نظام التعليم عن ضمان تزويد الخريجين بالمهارات التي كان يتطلبها سوق العمل الدائم التطور. وهكذا، أصبح إصلاح نظام التعليم مسألةً حتميةً. وبالنتيجة، شهدت أنظمة التعليم حول العالم محاولات إصلاحية متعدّدة المحاور، من تغيير المناهج وتدريب المدرسّين وتطوير منهجيات التعليم إلى بناء المهارات وإنتاج الكتاب المدرسي، فضلاً عن إدخال التكنولوجيا إلى قاعة الدروس.
وعلى الرغم من التقدّم الذي أُحرز على صعيديّ الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها، أخفق المنهج التربوي الحالي في تزويد الخريجين بالمعرفة والمهارات اللازمتيْن لتلبية متطلبات العالم الحديث التي تتغير بصورة دائمة. إذ لا توجد حالياً أي دولة سعيدة بنظامها التعليمي. ونظام التعليم هو أوّل ما يُلام كلما حدث قصور في أي جانب من جوانب الحياة، من الثقافة إلى الاقتصاد إلى التنمية الاجتماعية إلى الحوْكمة ومنظومة القيَم الإنسانية ككل.
وفي كتابه (صدمة المستقبل) (1970)، حلّل ألڤين توفلَر موجات التغيير الثلاث التي تعرضت لها البشريّة: التطور الزراعي والثورة الصناعية وثورة المعلومات. ويرى ألڤين أن الموجة الأولى قامت على المتطلبات الجسمانية للإنسان؛ بينما قدّمت الثورة الصناعية المكائن لتسهيل العمل وتحسين الإنتاجية وتعزيز النمو. وأدّت هذه الموجة إلى تغيير مجتمعي امتاز بالقيادة الاستبدادية والمؤسسات البيروقراطية والسيطرة المركزية وعلاقات الخصومة والتنافس والإنتاج الوفير والإذعان وتقسيم العمل والعزْل والإملاء … إلخ. أما عصر المعلومات، فقد قام على القدرات العقلية وأسس لبناء فرق العمل والقيادة المشتركة والاستقلالية والتميّز وعلاقات التعاون والإنتاج حسب الطلب، وروح المبادرة والتنوّع، والشبكات والمشاركة الواسعة والمقاربة الشاملة.
لكنّ المشكلات المتزايدة في أنظمة التعليم أبرزت الحاجة إلى التغيير. وبالتالي، أصدر المنتدى العالمي الذي عُقد في مدينة جومتين التايلاندية في عام 1990، (الإعلان العالمي للتعليم للجميع). ونصّ بنده الأول على الآتي: (سيكون كلّ إنسان ـ سواءٌ كان طفلاً أو شابّاً أو بالغاً ـ قادراً على الاستفادة من فرصٍ تربويّة مُصمّمة لتلبية احتياجاته التعليمية الأساسية، بما في ذلك أدوات التعلُّم والمحتوى التعليمي المطلوب لتطوير كامل قدراته والحفاظ على بقائه). ولتحقيق هذه الغاية، أُعلن عن رؤية موسّعة تجاوزت مستويات الموارد المتاحة وقدرات الهياكل المؤسسية القائمة وإمكانات أنظمة التعليم التقليدية. ولأن أهداف الإعلان العالمي للتعليم للجميع كانت في خطر، اتفق المجتمع الدولي على رؤية موسّعة للتعليم الأساسي اشتملت على ضمان التعليم الأساسي في كافة أنحاء العالم ودعم المساواة؛ مركّزةً على التعلُّم وتطوير أدوات التعليم الأساسي وتوسيع نطاقه وتحسين البيئة المشجّعة على التعلُّم وتعزيز الشراكات على المستويات المحليّة والوطنية والإقليمية والعالمية. كما دعا ممثلو الدول المشاركة في المنتدى إلى تطوير إطار سياسي داعم لهذه الرؤية، بالإضافة إلى حشد الموارد وتعزيز التضامن الدولي.
وفي عام 2000، راجع منتدى التعليم العالمي الذي احتضنته العاصمة السنغالية، دكار، الأهداف الرئيسية للإعلان العالمي للتعليم للجميع، وخفّض سقف توقّعات الرؤية الموسّعة الأصلية كما دعا إلى:
1- توسيع وتحسين الرعاية والتعليم المبكريْن والشامليْن للأطفال، خصوصاً لأكثر الأطفال فقراً وحرماناً.
2- ضمان حصول جميع الأطفال بحلول عام 2015، لا سيما الإناث والأطفال الذين يواجهون ظروفاً صعبة والمنتمين للأقليّات العرقية، على تعليم أساسي إلزامي كامل ومجّاني وبنوعية جيدة.
3- ضمان تلبية الاحتياجات التعليمية لجميع الشباب والبالغين من خلال منحهم فرصاً تعليمية متساوية والاستفادة من برامج تعزيز المهارات مدى الحياة.
4- تحسين معدلات البالغين غير الأميين بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2015م، وبخاصّة النساء، وإتاحة فرص متكافئة لجميع البالغين الراغبين في مواصلة التعليم الأساسي.
5- مكافحة التفرقة بين الجنسيْن في التعليم الأساسي والثانوي وتحقيق المساواة بينهما في مجال التعليم بحلول عام 2015، مع التركيز على ضمان حصول الإناث على فرص كاملة ومتكافئة للحصول على تعليم أساسي ذي نوعية جيدة.
6- تحسين كافة جوانب نوعية التعليم وضمان التميّز لجميع الطلاب لكي يحققوا نتائج تربوية معترفاً بها وقابلة للقياس، خصوصاً في مجال محو الأمية والحساب والمهارات الحياتيّة.
ومن الواضح أن أهداف منتدى التعليم العالمي الآنفة الذكر تنسجم مع أهداف الألفية للتنمية التي أعلنتها الأمم المتّحدة في العام نفسه.
ويرى تقرير اللجنة الدولية للتعليم في ما يتعلق بالتعليم في القرن الحادي والعشرين أن نجاح التعليم في رسالته يتطلّب تنظيمه حول أربعة أنواع أساسية من التعلُّم مدى الحياة، تُمثّل (ركائز المعرفة): التعلّم من أجل المعرفة، أي اكتساب أدوات الفهم؛ والتعلّم من أجل العمل، لكي يكون المرء قادراً على التأثير الخلاق في بيئته؛ والتعلّم من أجل التعايُش، لكي يشارك ويتعاون المرء مع الآخرين في كافة الأنشطة البشرية؛ وضرورة إدراك أن التعلّم عملية مستمرّة تقوم على الركائز الثلاث السابقة.
التعليم في البلدان العربية
على الرغم من التراث الثقافي الغني والعريق والرصيد البشري الهائل، لم تُستغل الإمكانات البشرية في العالم العربي بما فيه الكفاية نتيجةً لحالات النزاع المستمر وعدم الاستقرار، والاستخدام غير الرشيد للموارد وغياب الشفافية والرؤية الشاملة. وتولّد هذه المشكلات قيوداً وموانعَ تحدُّ من اكتساب المعرفة ونشرها وإنتاجها واستخدامها.
مع ذلك، أُحرز تقدّم كبير على صعيد تعزيز الفرص المتاحة للأطفال العرب. كما تواصل البلدان العربية عموماً تقدّمها على درب إنجاز معظم أغلب أهداف الإعلان العالمي للتعليم للجميع. لكنّ الفوارق الشاسعة بين الدول العربية وداخل كلّ واحدة منها تعيق تقدّم العالم العربي. وأبرز العوامل في هذا المضمار، هي:
* محدودية ورداءة نوعية خدمات الرعاية والتنمية المبكّرين للطفولة. وتبلغ نسبة التسجيل الإجمالية في رياض الأطفال العربية 18 في المائة؛ وهي من النسب الأدنى في العالم.
* ثبت أن برامج رياض الأطفال ذات النوعية الجيدة تُكسب الأطفال مهارات معرفية وسلوكية واجتماعية أفضل وتُعزّز استعدادهم لدخول المرحلة الابتدائية وإتمامها، كما تحسّن نتائجهم فيها وتعزّز مجمل قدراتهم في المراحل التالية.
* يعاني العديد من التلامذة العرب من كثرة التكرار ويتوقّفون عن التعلّم في المرحلة الابتدائية.
* انتشار الفوارق في قطاع التعليم العام ضمن البلد العربي الواحد. وبإمكان هذه الفجوات أنْ تقلّص فرص التعليم والتقدّم كما تؤثّر، بشكل خاص، في معدلات تسجيل وبقاء الإناث في المدارس.
* رغم الإقبال على المراحل الأعلى من مرحلة التعليم المتوسط ازداد، إلا أن فرص انخراط الطلاب في هذه المراحل لا تزال محدودة في عدد من الدول العربية.
* اتسع تعليم القراءة والكتابة والحساب منذ إعلان أهداف دكّار لكنّ مستوى الانخراط بهذا النشاط التعليمي لا يزال محدوداً نسبياً؛ ففي عام 2006، بلغت نسبة التسجيل الإجمالية في المدارس التي توفّر هذه الخدمة 22 في المائة فقط.
* استمرار التلبية الضعيفة جداً لاحتياجات التعلُّم المتنوّعة للشباب والبالغين من خلال برامج التعلّم واكتساب المهارات مدى الحياة.
* 58 مليون عربي أو 28 في المائة من إجمالي البالغين العرب أمّيون؛ وثلثاهم من الإناث.
* تعاني البلدان العربية من تدنّي مستويات التعلُّم طبقاً للتقارير الوطنية والدولية.
* يواصل التعليم خسارة موقعه المميّز في المجتمع. فالمدرسّون لا يتقاضون رواتب جيدة وليسوا منظّمين بشكل فاعل.
* معدّلات البطالة مرتفعة في صفوف خريجي المعاهد والجامعات.
* يكاد ينعدم ارتباط المؤسسات الأكاديمية بالدورتيْن الاقتصادية والإنتاجية.
قضايا التعليم العربي
تميل أنظمة التعليم إلى توليد مجموعة جديدة من التحديات إثر كلّ مشكلة يتمّ حلّها. فبعد دخول التلامذة إلى المدرسة، يتعيّن علينا أن نضمن عدم انسحابهم منها. وعندما يبقون في المدرسة، يتعيّن علينا أنْ نضمن أنّهم يتعلّمون شيئاً. وعندما يبدون مستعدّين للتعلّم، يتعيّن علينا أنْ نضمن أنْ تكون المادّة التعليمية مفيدة لمستقبلهم ولنا. وهكذا، فإن جزءاً من المسافة التي يتعيّن على نظام التعليم أنْ يقطعها أوجده نظام التعليم نفسه.
(على الرغم من إنفاق 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي و20 في المائة من الميزانيات العامة على التعليم خلال السنوات الأربعين الماضية، لا يزال أكثر من ثلث السكان البالغين في العالم العربي أميين. إذ يبلغ عدد الأميين العرب ستين مليون نسمة، ثلثاهم من النساء. علاوة على ذلك، لن تستطيع إلا بضع دول عربية إنجاز هدف التعليم الأساسي العالمي الـمُدرج ضمن الأهداف التنموية للألفيّة بحلول عام 2015. إذ يوجد في البلدان العربية حالياً تسعة ملايين طفل في سنّ المدرسة لا يرتادون المدارس الابتدائية، بينما يوجد بين الذين يرتادون المدارس عدد كبير من الذين لا يواصل التعلّم بعد إنهاء مرحلة التعليم الأساسي، مما يُضعف النمو الاقتصادي ويعيق التنمية المستدامة في المنطقة ككل. كما أن نوعية التعليم الجامعي تمثّل إشكالية كبيرة، إذ تفتقر المنطقة إلى النخبة الأكاديمية المؤهلة والتي تستطيع التجديد والابتكار لتلبية متطلبات السوق). (تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية حول المعرفة في العالم العربي: نحو الاتصال التفاعلي المنتج من أجل المعرفة، الإمارات العربية المتحدة، 2009)

الاتجاهات الرئيسية في قطاع التعليم
شهد العقد الأخير تقدّماً ملحوظاً في مجال التعليم نتيجةً للالتزام السياسي الرسمي القائم على احترام حق التعليم كحقّ أساسي للجميع، وعلى الإدراك المتزايد لأهمية التعليم في مجاليّ التنمية والحدّ من الفاقة. وضمن هذا السياق، لوحظت الاتجاهات الرئيسية التالية:
* ازدياد عامّ في أعداد المسجلين في كافة مستويات التعليم في الدول النامية.
* ازدياد كبير في أعداد المسجلين في المدارس الابتدائية إلى جانب التقدّم نحو المساواة بين الجنسيْن في بعض الدول النامية، خصوصاً في إفريقيا جنوبيّ الصحراء.
* تأثير السياسات العامة: إلغاء الرسوم المدرسية، وبناء مدارس في المناطق المهمّشة وتوظيف المزيد من المدرّسين … إلخ.
* ازدياد حجم الإنفاق الوطني على التعليم منذ عام 2000.
* أسهمت المساعدات الدولية في دعم التقدّم، خصوصاً في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة.
* اشتداد خطر اتساع الفوارق الوطنية (على مستويات الفرص المتاحة للجنسيْن والتقدم في الأرياف والمدن ومدى تلبية الاحتياجات الخاصّة).
لكنّ هذه الاتجاهات اتسمت بالآتي:
* تنامي الطلب على التعليم الثانوي، لكنّ عدد المسجلين في المدارس الثانوية ظلّ أقلّ منه في مستوى التعليم الأساسي في معظم مناطق العالم النامي، وذلك بسبب محدوديّة الطاقة الاستيعابية للمدارس الثانوية القائمة.
* لا يزال 16 في المائة من البالغين أميين؛ وثلثا هذه النسبة من النساء.
* لا يزال خمسة وسبعون مليون طفل محرومين من التعليم المدرسي.
* تراجُع مستوى التحصيل العلمي في العديد من الدول المتطورة، ناهيك عن الدول النامية.
* تأثُّر التقسيم الاجتماعي ـ الاقتصادي داخل الدول بالتقسيم العالمي للتعلّم.
* بروز فجوات كبيرة في نوعية التعليم. وهناك مؤشرات واضحة تتمثّل في نتائج التقييمات التي تجريها البرامج الدولية، كبرنامج تقييم الاتجاهات الدولية في دراسة الرياضيات والعلوم؛ والبرنامج الدولي لتقييم الطلاب.
* تأثُّر مدى الاستمرار في التعلُّم بفجوة الثروة. إذ يميل الأطفال في أفقر الدول (20 في المائة من دول العالم) إلى التوقف عن التعلّم بدرجة أكبر بكثير من أترابهم في أغنى الدول (أيضاً 20 في المائة من مجموع دول العالم).
وعلى الرغم من كلّ التقدّم الذي أحرزه نظام التعليم العالمي، ورغم التقنيات الحديثة المتوافرة له وقدرته على استخدامها بفاعلية، أخفق هذا النظام في تلبية متطلبات المجتمع الحديث الذي يتغيّر بصورة دائمة. ولن تستطيع حتى أرقى أنظمة التعليم أداءً تلبية الاحتياجات التعلّميّة العالمية الدائمة التغيُّر، إذا استمرّت في اتباع المنهج التربوي الحالي.
آثار الأزمة المالية العالمية
بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية في المراكز المالية الرئيسية للدول المتطورة. وفي عام 2008، تفاقمت هذه الأزمة بشكل دراماتيكي وهزّت الاقتصادات الناشئة في مختلف أنحاء العالم، وسيطرت معدّلات التضّخم المرتفعة التي ترافقت مع زيادات حادّة في أسعار الوقود والأغذية على النصف الأوّل من عام 2008. وفي نصفه الثاني، انفجرت الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى شُحّ السيولة؛ ما أدى بدوره إلى تراجع النشاط الاقتصادي العالمي. وفي عام 2009، تنبّأ صندوق النقد الدولي بحدوث انخفاض حادٍّ في معدّل نمو الاقتصاد العالمي، من 3.8 في المائة في عام 2008 إلى – 1.3 في المائة في عام 2009. وأدّت الأزمة إلى تباطؤ اقتصادات الدول النامية من 6 في المائة في عام 2008 إلى 1.6 في المائة في عام 2009.
وأدى انهيار الأسواق المالية إلى تراجع النشاطيْن الاستثماري والائتماني. وانعكس هذا التراجع سلباً على فرص تلبية الاحتياجات التربوية المتزايدة بصورة دائمة. فإثر الأزمة المالية اضطّر العديد من الحكومات إلى إعادة تقييم مواردها وتقليص إنفاقها. وفي مثل هذه الحالات، تُقلَّص عموماً الاستثمارات الاقتصادية ـ الاجتماعية التي تعود بالنفع على أفقر شرائح المجتمع. ففي قطاع التعليم، مثلاً، يُهدّد التأثير الكبير للأزمة مُجمل الأهداف التنموية البعيدة المدى والتي ترتبط بإنجاز أهداف للألفية للتنمية، وأهداف (مبادرة التعليم للجميع).
وأظهر تقييم مبكّر لآثار الأزمة المالية العالمية على التعليم أجرته منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة ومعهدها الإحصائي في عام 2009، أن الأنشطة الاقتصادية العالمية تباطأت بشكل ملحوظ منذ عام 2008. كما أن العديد من الحكومات اضطّرت إلى مواجهة التباطؤ الاقتصادي عبر زيادة الإنفاق على حساب التوازن المالي. وانهار تمويل التعليم، الذي يمثّل عنصراً حيوياً في تفعيل (مبادرة التعليم للجميع) وتنمية الموارد البشرية، لأن الحكومات تمثّل، في الغالب، الجهات الرئيسية في مجال توفير الخدمات التعليمية.
وناقشت إحدى النقاط الرئيسية للتقرير الآنف الذكر (صراع الدول من أجل الحفاظ على التوازن المالي مع توفير رزمة من الحوافز) الضرورية لتعافي اقتصاداتها. إذ يترتب على كل واحد من هذين الخياريْن ثمن لا بدّ من دفعه. بعبارة أخرى، سيدوم التباطؤ الاقتصادي لفترة أطول إذا اختارت الحكومات تقليص الإنفاق العام بغرض الحفاظ على التوازن المالي وخفض مستوى الدين العام؛ في حين سيؤدي الإنفاق المتزايد عبر الاقتراض الإضافي إلى زيادة تكاليف خدمة الدين العام والحدّ من القدرة على تسديده في المستقبل. لذا، فإنه من المهم إعادة تقييم آثار الأزمة المالية من المنظور البعيد المدى ومراقبة التطوّرات مع مرور الوقت. ففي الغالب قد لا تحتاج الحكومات إلى المزيد من الموارد المالية، بل إلى مقاربات تسمح بترشيد إنفاق الموارد المالية المتوافرة.
وعلى خلفية تقييم الآثار الفورية للأزمة على تمويل التعليم، قدّم تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة ومعهدها الإحصائي (2009) السيناريوهات التالية:
* نجح العديد من الدول في احتواء الآثار السلبية للأزمة على تمويل التعليم من خلال الحفاظ على المستوى نفسه من حصص الميزانية العامة لقطاع التعليم.
* من المحتمل أنْ تنخفض القيمة الحقيقية لميزانيات التعليم بالمقارنة بالسنوات السابقة بسبب ارتفاع معدّلات التضّخم.
* حظيت ميزانيات التعليم، في الغالب، بمزيد من الحماية في بعض البلدان. وعندما قلُّصت تأثّرَ فقط الإنفاق الجاري غير المخصص للرواتب.
* وحيثما قُلّصت ميزانيات التعليم، ظلّت مراحل التعليم التي تفوق المرحلة الأساسية الأكثر تأثّراً بهذا التقليص.
* قد تتعرّض نوعية التعليم للخطر عندما يُقلَّص الإنفاق الجاري غير المخصص للرواتب، لأن مثل هذا التقليص قد يؤدّي إلى تردّي نوعية التعليم من خلال التأثير سلباً في مستوى التحصيل العلمي للطالب.
وخلافاً لتداعياته المحدودة على المدى القريب، ينطوي تقليص حجم الاستثمار الجاري على تداعيات خطيرة على المدى البعيد.
وينبغي أنْ يتمثّل هدف القرن الحادي والعشرين بـِ (أنسنة) العولمة، لتحويلها إلى عملية واعدة ولإعطائها مغزىً إنسانياً حقيقياً. وينبغي أيضاً على التعليم أن يكون مدى الحياة للجميع، وأحد الأركان الأساسية لهذا العقد الاجتماعي الجديد.
ويُمثّل التقاء العولمة مع ظهور المجتمع القائم على المعرفة والتغيير المتسارع الذي يشهده العالم محرّك المنهج التربوي الجديد. فما هو، إذاً، وقود إعادة هيكلة أنظمة التعليم وإيجاد منهج تربوي جديد؟ وهل سيكون هذا المنهج الإطار الذي ستُدمج فيه تقنيّات الاتصالات والمعلومات والذكاء الاصطناعي ودماغ الإنسان لإيجاد التنسيق الشامل المطلوب بشدّة؟ لقد طرح جينكِنزسؤالاً مثيراً للاهتمام: (ماذا سيحدث للمجتمع عندما تصبح الحواسيب أذكى من البشر وقادرة على الإدراك وتشكيل جاليات إلكترونية خاصة بها؟).
هل سنـزرع رقائق منمنمة خلف شحمات آذان حديثي الولادة في المستقبل أم أنهم، ببساطة، سيبتلعون (حبوب معرفة) كما يبتلعون حبوب الأدوية؟ وهل سيتمكّن حديثو الولادة من التواصل مع التكنولوجيا (سواء كانت حواسيب أو أي شيء آخر لم يُكتشف ولم يُنتج بعْد) من خلال الذكاء الاصطناعي أو ما قد يتوافر من هذا القبيل في المستقبل، من أجل اكتساب المعرفة والمهارات؟ ما مصير منهجنا التربوي الحالي الذي يمثّل آخر معاقل الثورة الصناعية، والذي ادعى آينشتاين أنه يُعرقل عملية التعلّم؟ وبالنسبة لآينشتاين، أن حصيلة التربية هي ما يبقى في المرء بعدما ينسى كلّ شيء تعلّمه في المدرسة.
ثمة هناك حاجة ماسّة لإعادة صياغة مفهوم التعليم لتحويله إلى شيء أوسع بكثير مما تقدّمه أنظمة التعليم العام الحالية، التي أصبح القطاع الخاصّ ينخرط بتوسيعها بشكل متزايد. ولا أدعو، هنا، إلى (إزالة المدارس) من المجتمع، كما فعل إيڤان إليش قبل نصف قرن من الزمن، بل أدعو إلى تطوير نظام تعليمي أكثر واقعية في مقاربته لمساعدة الأفراد على التحوّل إلى طلاب علم ومعرفة مدى الحياة.
وقد تكون هناك حاجة إلى مفوضية دولية جديدة للتعليم في القرن الحادي والعشرين على غرار منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة، على أن تنطلق من حيث انتهى (التعلّم: الكنز المكنون) لكي تفعّل الركائز الأربع للتعليم الذي سيؤدّي إلى خلق طلاب العلم مدى الحياة. لكنْ هذه المرّة، ينبغي أنْ تتمثل المهمّة بتطوير رؤية مستقبلية تحاول تصوّر كيف سيكون المستقبل، بقدر المستطاع، بالإضافة إلى تصميم نظام تفاعلي قادر على البدء اليوم بتلبية احتياجات المستقبل المتصوَّرة ـ إنه نظامٌ منفتح ومرن بما يكفي للسماح بإجراء كافة التغييرات اللازمة على المهمّة والرؤية بسرعة وكلما برزت الحاجة إلى التغيير.. إنه نظامٌ يمتاز بهيكلية قادرة على إنجاز الأهداف والغايات الدائمة التغيّر بسبب المستجدّات: ويتعيّن على هذه الهيكلية أن تكون حيّة وقد تشتمل على أجزاء مختلفة من الأنظمة القائمة حالياً، بالإضافة إلى الأنماط الجديدة التي ستنشأ بصورة دائمة. وينبغي على هذا النظام الحيّ أنْ يكون أيضاً صديقاً للبيئة وقادراً على تحفيز الناس على تعزيز نصيبهم من الدنيا.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::814::/cck::
::introtext::
إن التعليم معرفةٌ ومهارات وقيم ضرورية لدعم النمو المستدام وصنع القرار على أسس علمية. والتعليم أيضاً عنصرٌ حيوي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق مُـثُل الحرية والعدالة والسلم الاجتماعييْن. كما أنه أحد المحرّكات الأساسية للتطور الذي يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي والحدّ من الفاقة وتحسين الأوضاع الصحية، والمداخيل ومستويات المعيشة، ويساهم التعليم في تعزيز المواطنة والمشاركة الديمقراطية؛ إنّه أساس التحوّل الاجتماعي.
::/introtext::
::fulltext::
إن التعليم معرفةٌ ومهارات وقيم ضرورية لدعم النمو المستدام وصنع القرار على أسس علمية. والتعليم أيضاً عنصرٌ حيوي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق مُـثُل الحرية والعدالة والسلم الاجتماعييْن. كما أنه أحد المحرّكات الأساسية للتطور الذي يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي والحدّ من الفاقة وتحسين الأوضاع الصحية، والمداخيل ومستويات المعيشة، ويساهم التعليم في تعزيز المواطنة والمشاركة الديمقراطية؛ إنّه أساس التحوّل الاجتماعي.
ظل التعليم الرسمي من الناحية التاريخية، من اختصاص الأنظمة الدينية و/ أو الدولة. وقبل الثورة الصناعية، كان التعليم المدرسي متوافراً لقلّة قليلة من الناس فقط، لكنّ الحاجة الاقتصادية هي التي أدت إلى ظهور التعليم العام الجماعي.
ولم يترسّخ التعليم العام الجماعي إلا في أواخر القرن التاسع عشر وفي العالم الصناعي، تحديداً؛ حتى إن بعض الدول جعلت التعليم إلزامياً. ومع نشر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) تم الاعتراف بأن التعليم حقّ لكل إنسان، ثمّ بذلت الدول التي نالت استقلالها جهوداً جبارة لضمان تفعيل حقّ التعليم لكل مواطنيها. وهكذا شهد نظام التعليم نمواً مطّرداً.
وشهد النصف الثاني من القرن العشرين توافر التعليم المدرسي المجّاني للجميع تقريباً لأن التعليم أصبح إحدى الخدمات الأساسية، التي يتعيّن على الدولة الديمقراطية أنْ تقدّمها إلى مواطنيها. أما الدول النامية التي تطورت ونالت استقلالها، فقد طورت أنظمتها التعليمية على أساس نماذج الدول الاستعمارية. وهكذا، ظهر العديد من التحديات، بما فيها توفير المدرسّين وقاعات الدروس والمناهج الدراسية ومستلزماتها. وبسبب الانفجار السكاني، تنامى الطلب على قطاع التعليم العام بوتيرة متسارعة، ما اضطر الحكومات إلى توسيع القطاع على حساب نوعية التعليم في معظم الحالات.
المشهد الراهن
شهد العقدان الأخيران تزايداً ملحوظاً في التحديات التي تواجهها أنظمة تعليم. وتشتمل هذه التحديات على انتشار العولمة والاقتصادات القائمة على المعرفة والتنمية القائمة على ضمان حقوق الإنسان والاتجاهات الديموغرافية المتغيرة، والتفاوت في حجم الموارد الوطنية المخصصة للتعليم العام في مختلف مناطق البلد الواحد. وهذا ما أدّى إلى إعادة التركيز على أنظمة التعليم. فقد تمّ التساؤل عما إذا كانت هذه الأنظمة جاهزة، بالفعل، لمواجهة كلّ هذه التحديات، أم لا؟
المنهج التربوي
تعود جذور نظام التعليم الحالي العالمي إلى نظام التعليم التقليدي للمجتمع الزراعي الذي ظهر في القرن السابع عشر، والذي قام على أساس تعليم القراءة والكتابة والحساب، بالإضافة إلى تعليم قدْر متفاوت من المعرفة العلمية والاجتماعية واللغوية والفنيّة والدينية (بحسب الدول). أما المعرفة التقنية وتطوير المهارات، فهي موادّ أُضيفت مؤخّراً إلى مناهج التعليم. وإثر الثورة الصناعية، برزت الحاجة إلى التعليم الجماعي. وبالتالي، طُبِّق في مجال التعليم نموذج خط الإنتاج الصناعي الذي يُحوّل المواد الخام إلى سلع. إذ أصبح الطلاب يجتمعون في مكان واحد (المدرسة)؛ وبغض النظر عن أسلوب تَعلُّم كلٍّ منهم أو قدراته أو احتياجاته أو رغباته أو إمكاناته، بدأ الطلاب يتلقون المناهج نفسها تماماً ويُعَلَّمون من خلال المقاربة نفسها. وهكذا، ساد (التلقين). وعمل هذا النظام بقدر معقول من النجاح حتى نهاية الحرب العالمية الثانية التي أعقبها ظهور احتياجات ومتطلبات جديدة، انسجمت مع طبيعة التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على الجاليات.
وبالتالي، بدأت تتأثر نوعية التعليم بسبب مشكلات عديدة، مثل كثرة التكرار ومعدّلات التلامذة الذين يتوقفون عن التعلُّم. يُضاف إلى ذلك عجز نظام التعليم عن ضمان تزويد الخريجين بالمهارات التي كان يتطلبها سوق العمل الدائم التطور. وهكذا، أصبح إصلاح نظام التعليم مسألةً حتميةً. وبالنتيجة، شهدت أنظمة التعليم حول العالم محاولات إصلاحية متعدّدة المحاور، من تغيير المناهج وتدريب المدرسّين وتطوير منهجيات التعليم إلى بناء المهارات وإنتاج الكتاب المدرسي، فضلاً عن إدخال التكنولوجيا إلى قاعة الدروس.
وعلى الرغم من التقدّم الذي أُحرز على صعيديّ الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها، أخفق المنهج التربوي الحالي في تزويد الخريجين بالمعرفة والمهارات اللازمتيْن لتلبية متطلبات العالم الحديث التي تتغير بصورة دائمة. إذ لا توجد حالياً أي دولة سعيدة بنظامها التعليمي. ونظام التعليم هو أوّل ما يُلام كلما حدث قصور في أي جانب من جوانب الحياة، من الثقافة إلى الاقتصاد إلى التنمية الاجتماعية إلى الحوْكمة ومنظومة القيَم الإنسانية ككل.
وفي كتابه (صدمة المستقبل) (1970)، حلّل ألڤين توفلَر موجات التغيير الثلاث التي تعرضت لها البشريّة: التطور الزراعي والثورة الصناعية وثورة المعلومات. ويرى ألڤين أن الموجة الأولى قامت على المتطلبات الجسمانية للإنسان؛ بينما قدّمت الثورة الصناعية المكائن لتسهيل العمل وتحسين الإنتاجية وتعزيز النمو. وأدّت هذه الموجة إلى تغيير مجتمعي امتاز بالقيادة الاستبدادية والمؤسسات البيروقراطية والسيطرة المركزية وعلاقات الخصومة والتنافس والإنتاج الوفير والإذعان وتقسيم العمل والعزْل والإملاء … إلخ. أما عصر المعلومات، فقد قام على القدرات العقلية وأسس لبناء فرق العمل والقيادة المشتركة والاستقلالية والتميّز وعلاقات التعاون والإنتاج حسب الطلب، وروح المبادرة والتنوّع، والشبكات والمشاركة الواسعة والمقاربة الشاملة.
لكنّ المشكلات المتزايدة في أنظمة التعليم أبرزت الحاجة إلى التغيير. وبالتالي، أصدر المنتدى العالمي الذي عُقد في مدينة جومتين التايلاندية في عام 1990، (الإعلان العالمي للتعليم للجميع). ونصّ بنده الأول على الآتي: (سيكون كلّ إنسان ـ سواءٌ كان طفلاً أو شابّاً أو بالغاً ـ قادراً على الاستفادة من فرصٍ تربويّة مُصمّمة لتلبية احتياجاته التعليمية الأساسية، بما في ذلك أدوات التعلُّم والمحتوى التعليمي المطلوب لتطوير كامل قدراته والحفاظ على بقائه). ولتحقيق هذه الغاية، أُعلن عن رؤية موسّعة تجاوزت مستويات الموارد المتاحة وقدرات الهياكل المؤسسية القائمة وإمكانات أنظمة التعليم التقليدية. ولأن أهداف الإعلان العالمي للتعليم للجميع كانت في خطر، اتفق المجتمع الدولي على رؤية موسّعة للتعليم الأساسي اشتملت على ضمان التعليم الأساسي في كافة أنحاء العالم ودعم المساواة؛ مركّزةً على التعلُّم وتطوير أدوات التعليم الأساسي وتوسيع نطاقه وتحسين البيئة المشجّعة على التعلُّم وتعزيز الشراكات على المستويات المحليّة والوطنية والإقليمية والعالمية. كما دعا ممثلو الدول المشاركة في المنتدى إلى تطوير إطار سياسي داعم لهذه الرؤية، بالإضافة إلى حشد الموارد وتعزيز التضامن الدولي.
وفي عام 2000، راجع منتدى التعليم العالمي الذي احتضنته العاصمة السنغالية، دكار، الأهداف الرئيسية للإعلان العالمي للتعليم للجميع، وخفّض سقف توقّعات الرؤية الموسّعة الأصلية كما دعا إلى:
1- توسيع وتحسين الرعاية والتعليم المبكريْن والشامليْن للأطفال، خصوصاً لأكثر الأطفال فقراً وحرماناً.
2- ضمان حصول جميع الأطفال بحلول عام 2015، لا سيما الإناث والأطفال الذين يواجهون ظروفاً صعبة والمنتمين للأقليّات العرقية، على تعليم أساسي إلزامي كامل ومجّاني وبنوعية جيدة.
3- ضمان تلبية الاحتياجات التعليمية لجميع الشباب والبالغين من خلال منحهم فرصاً تعليمية متساوية والاستفادة من برامج تعزيز المهارات مدى الحياة.
4- تحسين معدلات البالغين غير الأميين بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2015م، وبخاصّة النساء، وإتاحة فرص متكافئة لجميع البالغين الراغبين في مواصلة التعليم الأساسي.
5- مكافحة التفرقة بين الجنسيْن في التعليم الأساسي والثانوي وتحقيق المساواة بينهما في مجال التعليم بحلول عام 2015، مع التركيز على ضمان حصول الإناث على فرص كاملة ومتكافئة للحصول على تعليم أساسي ذي نوعية جيدة.
6- تحسين كافة جوانب نوعية التعليم وضمان التميّز لجميع الطلاب لكي يحققوا نتائج تربوية معترفاً بها وقابلة للقياس، خصوصاً في مجال محو الأمية والحساب والمهارات الحياتيّة.
ومن الواضح أن أهداف منتدى التعليم العالمي الآنفة الذكر تنسجم مع أهداف الألفية للتنمية التي أعلنتها الأمم المتّحدة في العام نفسه.
ويرى تقرير اللجنة الدولية للتعليم في ما يتعلق بالتعليم في القرن الحادي والعشرين أن نجاح التعليم في رسالته يتطلّب تنظيمه حول أربعة أنواع أساسية من التعلُّم مدى الحياة، تُمثّل (ركائز المعرفة): التعلّم من أجل المعرفة، أي اكتساب أدوات الفهم؛ والتعلّم من أجل العمل، لكي يكون المرء قادراً على التأثير الخلاق في بيئته؛ والتعلّم من أجل التعايُش، لكي يشارك ويتعاون المرء مع الآخرين في كافة الأنشطة البشرية؛ وضرورة إدراك أن التعلّم عملية مستمرّة تقوم على الركائز الثلاث السابقة.
التعليم في البلدان العربية
على الرغم من التراث الثقافي الغني والعريق والرصيد البشري الهائل، لم تُستغل الإمكانات البشرية في العالم العربي بما فيه الكفاية نتيجةً لحالات النزاع المستمر وعدم الاستقرار، والاستخدام غير الرشيد للموارد وغياب الشفافية والرؤية الشاملة. وتولّد هذه المشكلات قيوداً وموانعَ تحدُّ من اكتساب المعرفة ونشرها وإنتاجها واستخدامها.
مع ذلك، أُحرز تقدّم كبير على صعيد تعزيز الفرص المتاحة للأطفال العرب. كما تواصل البلدان العربية عموماً تقدّمها على درب إنجاز معظم أغلب أهداف الإعلان العالمي للتعليم للجميع. لكنّ الفوارق الشاسعة بين الدول العربية وداخل كلّ واحدة منها تعيق تقدّم العالم العربي. وأبرز العوامل في هذا المضمار، هي:
* محدودية ورداءة نوعية خدمات الرعاية والتنمية المبكّرين للطفولة. وتبلغ نسبة التسجيل الإجمالية في رياض الأطفال العربية 18 في المائة؛ وهي من النسب الأدنى في العالم.
* ثبت أن برامج رياض الأطفال ذات النوعية الجيدة تُكسب الأطفال مهارات معرفية وسلوكية واجتماعية أفضل وتُعزّز استعدادهم لدخول المرحلة الابتدائية وإتمامها، كما تحسّن نتائجهم فيها وتعزّز مجمل قدراتهم في المراحل التالية.
* يعاني العديد من التلامذة العرب من كثرة التكرار ويتوقّفون عن التعلّم في المرحلة الابتدائية.
* انتشار الفوارق في قطاع التعليم العام ضمن البلد العربي الواحد. وبإمكان هذه الفجوات أنْ تقلّص فرص التعليم والتقدّم كما تؤثّر، بشكل خاص، في معدلات تسجيل وبقاء الإناث في المدارس.
* رغم الإقبال على المراحل الأعلى من مرحلة التعليم المتوسط ازداد، إلا أن فرص انخراط الطلاب في هذه المراحل لا تزال محدودة في عدد من الدول العربية.
* اتسع تعليم القراءة والكتابة والحساب منذ إعلان أهداف دكّار لكنّ مستوى الانخراط بهذا النشاط التعليمي لا يزال محدوداً نسبياً؛ ففي عام 2006، بلغت نسبة التسجيل الإجمالية في المدارس التي توفّر هذه الخدمة 22 في المائة فقط.
* استمرار التلبية الضعيفة جداً لاحتياجات التعلُّم المتنوّعة للشباب والبالغين من خلال برامج التعلّم واكتساب المهارات مدى الحياة.
* 58 مليون عربي أو 28 في المائة من إجمالي البالغين العرب أمّيون؛ وثلثاهم من الإناث.
* تعاني البلدان العربية من تدنّي مستويات التعلُّم طبقاً للتقارير الوطنية والدولية.
* يواصل التعليم خسارة موقعه المميّز في المجتمع. فالمدرسّون لا يتقاضون رواتب جيدة وليسوا منظّمين بشكل فاعل.
* معدّلات البطالة مرتفعة في صفوف خريجي المعاهد والجامعات.
* يكاد ينعدم ارتباط المؤسسات الأكاديمية بالدورتيْن الاقتصادية والإنتاجية.
قضايا التعليم العربي
تميل أنظمة التعليم إلى توليد مجموعة جديدة من التحديات إثر كلّ مشكلة يتمّ حلّها. فبعد دخول التلامذة إلى المدرسة، يتعيّن علينا أن نضمن عدم انسحابهم منها. وعندما يبقون في المدرسة، يتعيّن علينا أنْ نضمن أنّهم يتعلّمون شيئاً. وعندما يبدون مستعدّين للتعلّم، يتعيّن علينا أنْ نضمن أنْ تكون المادّة التعليمية مفيدة لمستقبلهم ولنا. وهكذا، فإن جزءاً من المسافة التي يتعيّن على نظام التعليم أنْ يقطعها أوجده نظام التعليم نفسه.
(على الرغم من إنفاق 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي و20 في المائة من الميزانيات العامة على التعليم خلال السنوات الأربعين الماضية، لا يزال أكثر من ثلث السكان البالغين في العالم العربي أميين. إذ يبلغ عدد الأميين العرب ستين مليون نسمة، ثلثاهم من النساء. علاوة على ذلك، لن تستطيع إلا بضع دول عربية إنجاز هدف التعليم الأساسي العالمي الـمُدرج ضمن الأهداف التنموية للألفيّة بحلول عام 2015. إذ يوجد في البلدان العربية حالياً تسعة ملايين طفل في سنّ المدرسة لا يرتادون المدارس الابتدائية، بينما يوجد بين الذين يرتادون المدارس عدد كبير من الذين لا يواصل التعلّم بعد إنهاء مرحلة التعليم الأساسي، مما يُضعف النمو الاقتصادي ويعيق التنمية المستدامة في المنطقة ككل. كما أن نوعية التعليم الجامعي تمثّل إشكالية كبيرة، إذ تفتقر المنطقة إلى النخبة الأكاديمية المؤهلة والتي تستطيع التجديد والابتكار لتلبية متطلبات السوق). (تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية حول المعرفة في العالم العربي: نحو الاتصال التفاعلي المنتج من أجل المعرفة، الإمارات العربية المتحدة، 2009)

الاتجاهات الرئيسية في قطاع التعليم
شهد العقد الأخير تقدّماً ملحوظاً في مجال التعليم نتيجةً للالتزام السياسي الرسمي القائم على احترام حق التعليم كحقّ أساسي للجميع، وعلى الإدراك المتزايد لأهمية التعليم في مجاليّ التنمية والحدّ من الفاقة. وضمن هذا السياق، لوحظت الاتجاهات الرئيسية التالية:
* ازدياد عامّ في أعداد المسجلين في كافة مستويات التعليم في الدول النامية.
* ازدياد كبير في أعداد المسجلين في المدارس الابتدائية إلى جانب التقدّم نحو المساواة بين الجنسيْن في بعض الدول النامية، خصوصاً في إفريقيا جنوبيّ الصحراء.
* تأثير السياسات العامة: إلغاء الرسوم المدرسية، وبناء مدارس في المناطق المهمّشة وتوظيف المزيد من المدرّسين … إلخ.
* ازدياد حجم الإنفاق الوطني على التعليم منذ عام 2000.
* أسهمت المساعدات الدولية في دعم التقدّم، خصوصاً في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة.
* اشتداد خطر اتساع الفوارق الوطنية (على مستويات الفرص المتاحة للجنسيْن والتقدم في الأرياف والمدن ومدى تلبية الاحتياجات الخاصّة).
لكنّ هذه الاتجاهات اتسمت بالآتي:
* تنامي الطلب على التعليم الثانوي، لكنّ عدد المسجلين في المدارس الثانوية ظلّ أقلّ منه في مستوى التعليم الأساسي في معظم مناطق العالم النامي، وذلك بسبب محدوديّة الطاقة الاستيعابية للمدارس الثانوية القائمة.
* لا يزال 16 في المائة من البالغين أميين؛ وثلثا هذه النسبة من النساء.
* لا يزال خمسة وسبعون مليون طفل محرومين من التعليم المدرسي.
* تراجُع مستوى التحصيل العلمي في العديد من الدول المتطورة، ناهيك عن الدول النامية.
* تأثُّر التقسيم الاجتماعي ـ الاقتصادي داخل الدول بالتقسيم العالمي للتعلّم.
* بروز فجوات كبيرة في نوعية التعليم. وهناك مؤشرات واضحة تتمثّل في نتائج التقييمات التي تجريها البرامج الدولية، كبرنامج تقييم الاتجاهات الدولية في دراسة الرياضيات والعلوم؛ والبرنامج الدولي لتقييم الطلاب.
* تأثُّر مدى الاستمرار في التعلُّم بفجوة الثروة. إذ يميل الأطفال في أفقر الدول (20 في المائة من دول العالم) إلى التوقف عن التعلّم بدرجة أكبر بكثير من أترابهم في أغنى الدول (أيضاً 20 في المائة من مجموع دول العالم).
وعلى الرغم من كلّ التقدّم الذي أحرزه نظام التعليم العالمي، ورغم التقنيات الحديثة المتوافرة له وقدرته على استخدامها بفاعلية، أخفق هذا النظام في تلبية متطلبات المجتمع الحديث الذي يتغيّر بصورة دائمة. ولن تستطيع حتى أرقى أنظمة التعليم أداءً تلبية الاحتياجات التعلّميّة العالمية الدائمة التغيُّر، إذا استمرّت في اتباع المنهج التربوي الحالي.
آثار الأزمة المالية العالمية
بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية في المراكز المالية الرئيسية للدول المتطورة. وفي عام 2008، تفاقمت هذه الأزمة بشكل دراماتيكي وهزّت الاقتصادات الناشئة في مختلف أنحاء العالم، وسيطرت معدّلات التضّخم المرتفعة التي ترافقت مع زيادات حادّة في أسعار الوقود والأغذية على النصف الأوّل من عام 2008. وفي نصفه الثاني، انفجرت الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى شُحّ السيولة؛ ما أدى بدوره إلى تراجع النشاط الاقتصادي العالمي. وفي عام 2009، تنبّأ صندوق النقد الدولي بحدوث انخفاض حادٍّ في معدّل نمو الاقتصاد العالمي، من 3.8 في المائة في عام 2008 إلى – 1.3 في المائة في عام 2009. وأدّت الأزمة إلى تباطؤ اقتصادات الدول النامية من 6 في المائة في عام 2008 إلى 1.6 في المائة في عام 2009.
وأدى انهيار الأسواق المالية إلى تراجع النشاطيْن الاستثماري والائتماني. وانعكس هذا التراجع سلباً على فرص تلبية الاحتياجات التربوية المتزايدة بصورة دائمة. فإثر الأزمة المالية اضطّر العديد من الحكومات إلى إعادة تقييم مواردها وتقليص إنفاقها. وفي مثل هذه الحالات، تُقلَّص عموماً الاستثمارات الاقتصادية ـ الاجتماعية التي تعود بالنفع على أفقر شرائح المجتمع. ففي قطاع التعليم، مثلاً، يُهدّد التأثير الكبير للأزمة مُجمل الأهداف التنموية البعيدة المدى والتي ترتبط بإنجاز أهداف للألفية للتنمية، وأهداف (مبادرة التعليم للجميع).
وأظهر تقييم مبكّر لآثار الأزمة المالية العالمية على التعليم أجرته منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة ومعهدها الإحصائي في عام 2009، أن الأنشطة الاقتصادية العالمية تباطأت بشكل ملحوظ منذ عام 2008. كما أن العديد من الحكومات اضطّرت إلى مواجهة التباطؤ الاقتصادي عبر زيادة الإنفاق على حساب التوازن المالي. وانهار تمويل التعليم، الذي يمثّل عنصراً حيوياً في تفعيل (مبادرة التعليم للجميع) وتنمية الموارد البشرية، لأن الحكومات تمثّل، في الغالب، الجهات الرئيسية في مجال توفير الخدمات التعليمية.
وناقشت إحدى النقاط الرئيسية للتقرير الآنف الذكر (صراع الدول من أجل الحفاظ على التوازن المالي مع توفير رزمة من الحوافز) الضرورية لتعافي اقتصاداتها. إذ يترتب على كل واحد من هذين الخياريْن ثمن لا بدّ من دفعه. بعبارة أخرى، سيدوم التباطؤ الاقتصادي لفترة أطول إذا اختارت الحكومات تقليص الإنفاق العام بغرض الحفاظ على التوازن المالي وخفض مستوى الدين العام؛ في حين سيؤدي الإنفاق المتزايد عبر الاقتراض الإضافي إلى زيادة تكاليف خدمة الدين العام والحدّ من القدرة على تسديده في المستقبل. لذا، فإنه من المهم إعادة تقييم آثار الأزمة المالية من المنظور البعيد المدى ومراقبة التطوّرات مع مرور الوقت. ففي الغالب قد لا تحتاج الحكومات إلى المزيد من الموارد المالية، بل إلى مقاربات تسمح بترشيد إنفاق الموارد المالية المتوافرة.
وعلى خلفية تقييم الآثار الفورية للأزمة على تمويل التعليم، قدّم تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة ومعهدها الإحصائي (2009) السيناريوهات التالية:
* نجح العديد من الدول في احتواء الآثار السلبية للأزمة على تمويل التعليم من خلال الحفاظ على المستوى نفسه من حصص الميزانية العامة لقطاع التعليم.
* من المحتمل أنْ تنخفض القيمة الحقيقية لميزانيات التعليم بالمقارنة بالسنوات السابقة بسبب ارتفاع معدّلات التضّخم.
* حظيت ميزانيات التعليم، في الغالب، بمزيد من الحماية في بعض البلدان. وعندما قلُّصت تأثّرَ فقط الإنفاق الجاري غير المخصص للرواتب.
* وحيثما قُلّصت ميزانيات التعليم، ظلّت مراحل التعليم التي تفوق المرحلة الأساسية الأكثر تأثّراً بهذا التقليص.
* قد تتعرّض نوعية التعليم للخطر عندما يُقلَّص الإنفاق الجاري غير المخصص للرواتب، لأن مثل هذا التقليص قد يؤدّي إلى تردّي نوعية التعليم من خلال التأثير سلباً في مستوى التحصيل العلمي للطالب.
وخلافاً لتداعياته المحدودة على المدى القريب، ينطوي تقليص حجم الاستثمار الجاري على تداعيات خطيرة على المدى البعيد.
وينبغي أنْ يتمثّل هدف القرن الحادي والعشرين بـِ (أنسنة) العولمة، لتحويلها إلى عملية واعدة ولإعطائها مغزىً إنسانياً حقيقياً. وينبغي أيضاً على التعليم أن يكون مدى الحياة للجميع، وأحد الأركان الأساسية لهذا العقد الاجتماعي الجديد.
ويُمثّل التقاء العولمة مع ظهور المجتمع القائم على المعرفة والتغيير المتسارع الذي يشهده العالم محرّك المنهج التربوي الجديد. فما هو، إذاً، وقود إعادة هيكلة أنظمة التعليم وإيجاد منهج تربوي جديد؟ وهل سيكون هذا المنهج الإطار الذي ستُدمج فيه تقنيّات الاتصالات والمعلومات والذكاء الاصطناعي ودماغ الإنسان لإيجاد التنسيق الشامل المطلوب بشدّة؟ لقد طرح جينكِنزسؤالاً مثيراً للاهتمام: (ماذا سيحدث للمجتمع عندما تصبح الحواسيب أذكى من البشر وقادرة على الإدراك وتشكيل جاليات إلكترونية خاصة بها؟).
هل سنـزرع رقائق منمنمة خلف شحمات آذان حديثي الولادة في المستقبل أم أنهم، ببساطة، سيبتلعون (حبوب معرفة) كما يبتلعون حبوب الأدوية؟ وهل سيتمكّن حديثو الولادة من التواصل مع التكنولوجيا (سواء كانت حواسيب أو أي شيء آخر لم يُكتشف ولم يُنتج بعْد) من خلال الذكاء الاصطناعي أو ما قد يتوافر من هذا القبيل في المستقبل، من أجل اكتساب المعرفة والمهارات؟ ما مصير منهجنا التربوي الحالي الذي يمثّل آخر معاقل الثورة الصناعية، والذي ادعى آينشتاين أنه يُعرقل عملية التعلّم؟ وبالنسبة لآينشتاين، أن حصيلة التربية هي ما يبقى في المرء بعدما ينسى كلّ شيء تعلّمه في المدرسة.
ثمة هناك حاجة ماسّة لإعادة صياغة مفهوم التعليم لتحويله إلى شيء أوسع بكثير مما تقدّمه أنظمة التعليم العام الحالية، التي أصبح القطاع الخاصّ ينخرط بتوسيعها بشكل متزايد. ولا أدعو، هنا، إلى (إزالة المدارس) من المجتمع، كما فعل إيڤان إليش قبل نصف قرن من الزمن، بل أدعو إلى تطوير نظام تعليمي أكثر واقعية في مقاربته لمساعدة الأفراد على التحوّل إلى طلاب علم ومعرفة مدى الحياة.
وقد تكون هناك حاجة إلى مفوضية دولية جديدة للتعليم في القرن الحادي والعشرين على غرار منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة، على أن تنطلق من حيث انتهى (التعلّم: الكنز المكنون) لكي تفعّل الركائز الأربع للتعليم الذي سيؤدّي إلى خلق طلاب العلم مدى الحياة. لكنْ هذه المرّة، ينبغي أنْ تتمثل المهمّة بتطوير رؤية مستقبلية تحاول تصوّر كيف سيكون المستقبل، بقدر المستطاع، بالإضافة إلى تصميم نظام تفاعلي قادر على البدء اليوم بتلبية احتياجات المستقبل المتصوَّرة ـ إنه نظامٌ منفتح ومرن بما يكفي للسماح بإجراء كافة التغييرات اللازمة على المهمّة والرؤية بسرعة وكلما برزت الحاجة إلى التغيير.. إنه نظامٌ يمتاز بهيكلية قادرة على إنجاز الأهداف والغايات الدائمة التغيّر بسبب المستجدّات: ويتعيّن على هذه الهيكلية أن تكون حيّة وقد تشتمل على أجزاء مختلفة من الأنظمة القائمة حالياً، بالإضافة إلى الأنماط الجديدة التي ستنشأ بصورة دائمة. وينبغي على هذا النظام الحيّ أنْ يكون أيضاً صديقاً للبيئة وقادراً على تحفيز الناس على تعزيز نصيبهم من الدنيا.
::/fulltext::
::cck::814::/cck::
