التعليم العالي.. بين المنهج التقليدي وحرية الإبداع

::cck::826::/cck::
::introtext::

من يصنع التاريخ؟ ومن يصنع الحضارة؟ لا شك في أنه الإنسان، هذا الكائن الذي وصفه رب العالمين بأنه أفضل المخلوقات، لما يتمتع به من قدرات إبداعية خلاقة. هذا الإنسان الذي قُدّر له أن يصنع التاريخ والحضارة معاً، يُفاخر بما صنع، وتتبادل الأجيال المتعاقبة ذلك كل حسب رؤيته، وفي النهاية تبقى صناعة الحضارة حدودها قدرات الإنسان ليس إلا.

::/introtext::
::fulltext::

من يصنع التاريخ؟ ومن يصنع الحضارة؟ لا شك في أنه الإنسان، هذا الكائن الذي وصفه رب العالمين بأنه أفضل المخلوقات، لما يتمتع به من قدرات إبداعية خلاقة. هذا الإنسان الذي قُدّر له أن يصنع التاريخ والحضارة معاً، يُفاخر بما صنع، وتتبادل الأجيال المتعاقبة ذلك كل حسب رؤيته، وفي النهاية تبقى صناعة الحضارة حدودها قدرات الإنسان ليس إلا.

لقد تغيرت مفاهيم كثيرة في هذا العصر، وأصبح الإنسان آلة تستخدم وفق معطيات الغير في منطقة الخليج، وربما يعود السبب في ذلك إلى السباق غير المدروس نحو عولمة التعليم من دون اكتراث لواقع البيئة الخليجية. وقد نتج عن ذلك كثرة الحديث عن أزمات كثيرة في مضمون مناهج الجامعات الخليجية، فالدلائل تشير إلى أن المناهج لم تعد إلا ورقة تجارية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يمكن لها أن تصنع علماء يستطيعون بناء منظومة فكرية في مجتمعات تبحث عن هوية معرفية مستقلة، وفي الوقت نفسه تجد نفسها متلقية ومقلدة وعاجزة عن الاهتمام بنفسها في عوالم التطور التقني والمعرفي. وربما يرجع السبب في ذلك أيضاً إلى غياب آلية التخطيط العلمي القائم حالياً على الاهتمام بالشكل فقط من حيث التصنيف العالمي للجامعات والذي يتجاهل بناء الإنسان الخليجي القادر على حمل الراية العلمية ليخدم بها بلده في كافة العلوم المعرفية والتطبيقية. ومما يؤسف له أن بعض القائمين على المؤسسات الأكاديمية غارقون في النظرة الشكلية ويكرسون جهدهم في البحث عن موقع ضمن التصنيف العالمي يرضون به محيطهم السياسي والاقتصادي، متجاهلين أن الجامعات وجدت لبناء شخصيات علمية متخصصة تنطلق من هويتها وقوميتها.

إن أزمة التعليم العالي في منطقتنا لا ترجع إلى قلة أو كثرة الجامعات، لكن ترجع بالأساس إلى عدم استقلالية تلك الجامعات، فهي ليست حرة بالقدر الذي يسمح لها بأن تبدع في إطار علمي متكامل، وبالتالي تبقى أسيرة للمعطيات السياسية التي تنخر الجدر الأكاديمية بصورة دراماتيكية نتيجة للتدخل المستمر في العملية التعليمية. إن الأزمة باعتقادي هي أزمة ثقة بين الساسة والأكاديميين، ومن هذا المنطلق فإن تطور التعليم العالي في الخليج -كما يزعم الكثيرون- هو تطور زائف مغلف بثقافة الخوف من المجهول، وبالتالي فإن الناتج لا يعدو أن يكون فوجاً من الخريجين لا يملكون مهارات التعليم المعرفي والتطبيقي المبني أساساً على حرية الإبداع والتفكير.

إن أية محاولة لربط تردي أوضاع التعليم العالي في منطقة الخليج بالضغوط الخارجية، هي في الحقيقة محاولة هروب من إيجاد حلول لواقع شائك وغير واضح. فالضغوط الخارجية ما هي إلا حجة زائفة اخترعتها معاهد تجارية تدعي العلمية وطبقها الخليجيون بأنفسهم على أنفسهم، ليقدموا أفواجاً من الضحايا لا حول لهم ولا قوة سوى القبول بفكرة الشهادة التجارية باعتبارها السبيل الوحيد للدخول إلى سوق العمل. فالحكيم يستطيع أن يقرأ واقع مسيرة التطور العلمي في الخليج، فآلاف الأفواج من خريجي الجامعات الخليجية يحملون صناعة تقليدية تعتمد على التلقين المتعمد إلا من رحم ربي.

هناك أصوات أكاديمية متفرقة جادة على الرغم من أنها غير مسموعة تسعى إلى إعادة المنهج الأكاديمي لوضعه الطبيعي من حيث الشكل والمضمون، وهي رؤية توافقية تركز على بناء الإنسان معرفياً وتطبيقياً، وفي الوقت نفسه تعمل بصورة منهجية لوضع الجامعات ضمن الأطر التصنيفية للجامعات العالمية. إن من يحمل رسالة العلم والمعرفة -وهذا الخطاب موجه للأكاديميين تحديداً- عليه أن يعيد ترتيب أوراقه ويعمل على تطوير قدراته ويوسع من مداركه الفكرية، وينظر من خلال موقعه متوخياً الحيطة والحذر من مغبة السقوط في شعارات لا تخدم المسلك العلمي، وعليه أيضاً أن يكون يقظاً لأية محاولة تستهدف زعزعة الأطر الأكاديمية، وعدم الانزلاق وراء مساعٍ هدفها الأساسي القضاء على الهوية العربية وما تبقى من الطاقات الإنتاجية للإنسان الخليجي، وجعله يعيش في دوامة الاتكالية والاعتماد على الآخرين. وللأسف الشديد هذا هو حال بعض الجامعات الخليجية التي تجري وراء كسب رضا السلطة، في المقابل نرى بعض الجامعات الخاصة تجري حثيثاً وراء جني الأرباح دونما احترام للرسالة العلمية التي تدعي حملها.

إن التجربة الأكاديمية في الواقع الخليجي يمكن النظر إليها على أنها تجربة جيدة في بعض التخصصات، وهذا يعود إلى اهتمام بعض القائمين بالجوانب العلمية الصرفة وحرصهم الشديد على بناء طاقات بشرية تعتمد على نفسها. ويؤمن هؤلاء بأن الخريج هو من يستطيع قلب معادلة التصنيف في سوق العمل. والتجربة الخليجية في الشأن البحثي قليلة قياساً إلى الجامعات العريقة في أوروبا والولايات المتحدة وبقية العالم. ويمكن رد ذلك إلى الترسبات المجتمعية التي تتضمن الكثير من التحفظات التقليدية، والتي أوجدت بعضاً من الأكاديميين الذين لديهم تشبع تقليدي ويربطون مسألة البحث العلمي في كثير من المواقع بمسألة الواقع الاجتماعي، وهو أمر مستغرب خاصة أن القراءات الأكاديمية تتنافى مع تلك التحفظات لكونها تعتمد على حرية الإبداع، وحل المشكلات وفك طلاسم التقوقع والانطلاق نحو عالمية البحث.

 وكشفت دراسة نشرها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) أن حجم الإنفاق على قطاعالتعليم في دول الخليج العربية وصل إلى 26 مليار دولار أمريكي في العام الماضي.وجاءت هذه الزيادة نتيجةً لالتزام دول المنطقة بتطوير أنظمتها التعليمية.وتوقعت دراسات تربوية أن حجم الإنفاق على التعليم في دول الخليج العربية سيتجاوز حدالـ 35 مليار دولار عام 2010. وتوضح الأرقام المعلنة عن حجم الانفاق في الشأن الأكاديمي والتعليمي، أن هناك إصراراً قوياً لتخطي شبح الأمية، وتؤكد في الوقت نفسه الرؤية لوجود جامعات تساهم في الارتقاء بالإنسان الخليجي شكلاً ومضموناً، إلا أن ما تنفقه هذه الدول بحاجة إلى تقييم فعلي من خلال ما ترفده تلك الجامعات من كوادر. إن هناك معضلة في الكادر الأكاديمي من حيث الاستطاعة والقدرة على مواكبة التطور العلمي خاصة أن البعض منهم يكتفي بالمؤهل العلمي كوضع مجتمعي ليس إلا، بل يرى فيه درجة عالية من الكمال –والكمال لله وحده- وبالتالي فإن مسايرته للتطور ليست جزءاً من ثقافته، علماً بأن حصوله على شهادة الدكتوراه تفتح له الطريق لاكتساب مزيد من المعرفة عبر إجراء البحوث الميدانية بالإضافة إلى الدراسات النقدية. إن المسألة ليست في الطالب الجامعي بقدر ما تكون أيضاً في من يقدم تلك الخدمة، وحتى نكون أكثر انصافاً نقول إن هناك ملفاً تم السكوت عنه طويلاً، وهو ملف الأكاديميين الخليجيين وغيرهم من العرب والأجانب العاملين في تلك الجامعات، ونحن بحكم موقعنا الأكاديمي نرى العجب العجاب في بعض الأكاديميين، فهم لا يستطيعون مسايرة التطور التقني ويواصلون غيابهم الاختياري عن الساحة المحلية والمشاركة الفاعلة في الرقي بمجتمعاتهم.

ولا بد من الاعتراف بأن معظم الجامعات الخليجية تفتقر إلى وجود فلسفة تعليمية واضحة تحدد أهدافها وتبلور نظمها التعليمية. ويعود ذلك في رأي الباحث إلى افتقارها إلى دور (المفكر الجامعيالاستراتيجي) وإلى (القائد الإداري المفكر) بما يجعلها قادرة على إيجاد نموذجهاالخاص، ورؤيتها الواضحة من دون استنساخ لنظم جامعية أجنبية قد لا تتطابق مع البيئة التعليميةللمكان وخصوصية هوية التعليم، ومهارات الطلبة ومخرجات التعليم الثانوي، وهذا ماجعلها بالتالي جامعات تدريس فقط أيّ مدارس تعليم عام تحت مسمى مؤسسات تعليم عال. وتعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعة أهدافالجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقدالرؤية والاستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القياديالجامعي الذي يؤسس لها استراتيجية واضحة لمسيرتها. فقد أضحت بعض الجامعات أداة منأدوات الحفاظ على السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغفي مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود.

إننا نعرف كما هو الحال لدى الكثيرين من المهتمين في التعليم العالي، أن هناك مشكلة عالمية في هذا المجال، لكن -كما يقال- فإن لكل مشكلة حلاً، فلماذا لا نبدأ من الداخل ونعمل على تأسيس استراتيجية تعليمية محلية تنطلق من الهوية الوطنية، وتأخذ بالسياسات التعليمية العالمية التي تتوافق مع البيئة والعمل على تطبيقها تدريجياً؟ ولماذا السعي وراء تطبيق نظم أكاديمية عالمية تنطلق من وعي مجتمعاتها لتفرض على مجتمعات لديها تقاليد سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة؟ إذاً المعضلة ليست في جوهر التعليم الذي تقدمه الجامعات، بقدر ما هي في الفهم الخاطئ للواقع الثقافي والهوية الوطنية، فهناك خليط من المشكلات المتراكمة والمسكوت عنها إعلامياً تعيق مسيرة التعليم العالي في منطقة الخليج. فهناك الساعون إلى بتر عروبية الجامعات الخليجية ووأد ما تبقى منها، وهناك من يشكك في قدرتها على حمل رسالتها العلمية، وبالتالي الارتماء في أحضان الغرب الذي بدوره سوف يحمل نعش الهوية العربية إلى مثواها الأخير.

جميل أن يستفيد الخليجيون من تجارب الأمم الأخرى في العلم والفن والثقافة، والأجمل أن يحافظوا على التواصل الحضاري مع الآخرين، لكن أن يسعوا بأيديهمإلى إلغاء ثقافتهم من أجل أن يقال إنهم حضاريون فتلك مصيبة كبرى، ومهما حاولوا أن يكونوا متطورين، فلن يتحقق ذلك إلا من خلال واقعهم الثقافي، ويجب أن يدركوا أنهم أمة ليست متخلفة كما يحلو للبعض أن يقول عنهم، بحكم علاقتهم بالمؤسسات التعليمية الغربية، في محاولة منهم لطمس الهوية بطريقة ساذجة، كأن الغرب مهتم بتراثهم أو ثقافتهم. ولهؤلاء نقول (كفوا أيديكم وألسنتكم عن الهوية) فالمجتمعات العربية الخليجية لا تساوم على هويتها وعروبتها.

كثيرون من يوجهون أصابع الاتهام للجامعات الخليجية، وكثيرون أيضاً من يحاولون الاصطياد في الماء العكر، وكثيرون من يلقون الكلام على عواهنه. وهذا مرده إلى وجود ضعف واضح في المؤسسات الأكاديمية التي انشغلت بالشأن الخارجي أكثر من انشغالها بالجوانب التعليمية. وإذا ما أرادت الجامعات أن تنأى بنفسها عن البلبلة المجتمعية فعليها أن تركز على جانبين مهمين في مسيرتها، هما الطالب والبحث العلمي، فمن خلالهما يمكن أن تتبوأ الجامعات المكانة المرموقة، وبالتالي الابتعاد قدر الإمكان عن هدر الوقت في الجوانب الشكلية.

إن المعضلة في التعليم العالي في منطقة الخليج ليست في إدخال برامج جديدة أو تطوير المناهج الحالية، لكن المعضلة تكمن في من يخطط بعقلية الآخرين، ويفرض نظماً أكاديمية تختلف في الشكل والمضمون عن البيئة الخليجية، كأن الخليج وجامعاته ما زالا يعيشان حالة التخلف. والحكمة تتطلب قراءة متعمقة وتقييماً منهجياً يخدم المسيرة التعليمية الحالية، والابتعاد عن التشكيك في قدرة تلك الجامعات على بناء إنسان سوي له علاقة بعصره ويخدم مسيرة التنمية الشاملة التي سخرت للإنسان، ويطلق العنان للحرية والإبداع في الدراسات البحثية التي تعتمد على الفهم الواضح للقضايا العالقة، ومن ضمنها مشكلة التعليم العالي التي لا تزال تبحث عمن يخرجها من دائرة الجدل والنقاش إلى رحاب السمو العلمي في عالم متطور يؤمن بالإنسان دونما سواه في عملية البناء والنماء.

::/fulltext::

araa74_37-526
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::826::/cck::
::introtext::

من يصنع التاريخ؟ ومن يصنع الحضارة؟ لا شك في أنه الإنسان، هذا الكائن الذي وصفه رب العالمين بأنه أفضل المخلوقات، لما يتمتع به من قدرات إبداعية خلاقة. هذا الإنسان الذي قُدّر له أن يصنع التاريخ والحضارة معاً، يُفاخر بما صنع، وتتبادل الأجيال المتعاقبة ذلك كل حسب رؤيته، وفي النهاية تبقى صناعة الحضارة حدودها قدرات الإنسان ليس إلا.

::/introtext::
::fulltext::

من يصنع التاريخ؟ ومن يصنع الحضارة؟ لا شك في أنه الإنسان، هذا الكائن الذي وصفه رب العالمين بأنه أفضل المخلوقات، لما يتمتع به من قدرات إبداعية خلاقة. هذا الإنسان الذي قُدّر له أن يصنع التاريخ والحضارة معاً، يُفاخر بما صنع، وتتبادل الأجيال المتعاقبة ذلك كل حسب رؤيته، وفي النهاية تبقى صناعة الحضارة حدودها قدرات الإنسان ليس إلا.

لقد تغيرت مفاهيم كثيرة في هذا العصر، وأصبح الإنسان آلة تستخدم وفق معطيات الغير في منطقة الخليج، وربما يعود السبب في ذلك إلى السباق غير المدروس نحو عولمة التعليم من دون اكتراث لواقع البيئة الخليجية. وقد نتج عن ذلك كثرة الحديث عن أزمات كثيرة في مضمون مناهج الجامعات الخليجية، فالدلائل تشير إلى أن المناهج لم تعد إلا ورقة تجارية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يمكن لها أن تصنع علماء يستطيعون بناء منظومة فكرية في مجتمعات تبحث عن هوية معرفية مستقلة، وفي الوقت نفسه تجد نفسها متلقية ومقلدة وعاجزة عن الاهتمام بنفسها في عوالم التطور التقني والمعرفي. وربما يرجع السبب في ذلك أيضاً إلى غياب آلية التخطيط العلمي القائم حالياً على الاهتمام بالشكل فقط من حيث التصنيف العالمي للجامعات والذي يتجاهل بناء الإنسان الخليجي القادر على حمل الراية العلمية ليخدم بها بلده في كافة العلوم المعرفية والتطبيقية. ومما يؤسف له أن بعض القائمين على المؤسسات الأكاديمية غارقون في النظرة الشكلية ويكرسون جهدهم في البحث عن موقع ضمن التصنيف العالمي يرضون به محيطهم السياسي والاقتصادي، متجاهلين أن الجامعات وجدت لبناء شخصيات علمية متخصصة تنطلق من هويتها وقوميتها.

إن أزمة التعليم العالي في منطقتنا لا ترجع إلى قلة أو كثرة الجامعات، لكن ترجع بالأساس إلى عدم استقلالية تلك الجامعات، فهي ليست حرة بالقدر الذي يسمح لها بأن تبدع في إطار علمي متكامل، وبالتالي تبقى أسيرة للمعطيات السياسية التي تنخر الجدر الأكاديمية بصورة دراماتيكية نتيجة للتدخل المستمر في العملية التعليمية. إن الأزمة باعتقادي هي أزمة ثقة بين الساسة والأكاديميين، ومن هذا المنطلق فإن تطور التعليم العالي في الخليج -كما يزعم الكثيرون- هو تطور زائف مغلف بثقافة الخوف من المجهول، وبالتالي فإن الناتج لا يعدو أن يكون فوجاً من الخريجين لا يملكون مهارات التعليم المعرفي والتطبيقي المبني أساساً على حرية الإبداع والتفكير.

إن أية محاولة لربط تردي أوضاع التعليم العالي في منطقة الخليج بالضغوط الخارجية، هي في الحقيقة محاولة هروب من إيجاد حلول لواقع شائك وغير واضح. فالضغوط الخارجية ما هي إلا حجة زائفة اخترعتها معاهد تجارية تدعي العلمية وطبقها الخليجيون بأنفسهم على أنفسهم، ليقدموا أفواجاً من الضحايا لا حول لهم ولا قوة سوى القبول بفكرة الشهادة التجارية باعتبارها السبيل الوحيد للدخول إلى سوق العمل. فالحكيم يستطيع أن يقرأ واقع مسيرة التطور العلمي في الخليج، فآلاف الأفواج من خريجي الجامعات الخليجية يحملون صناعة تقليدية تعتمد على التلقين المتعمد إلا من رحم ربي.

هناك أصوات أكاديمية متفرقة جادة على الرغم من أنها غير مسموعة تسعى إلى إعادة المنهج الأكاديمي لوضعه الطبيعي من حيث الشكل والمضمون، وهي رؤية توافقية تركز على بناء الإنسان معرفياً وتطبيقياً، وفي الوقت نفسه تعمل بصورة منهجية لوضع الجامعات ضمن الأطر التصنيفية للجامعات العالمية. إن من يحمل رسالة العلم والمعرفة -وهذا الخطاب موجه للأكاديميين تحديداً- عليه أن يعيد ترتيب أوراقه ويعمل على تطوير قدراته ويوسع من مداركه الفكرية، وينظر من خلال موقعه متوخياً الحيطة والحذر من مغبة السقوط في شعارات لا تخدم المسلك العلمي، وعليه أيضاً أن يكون يقظاً لأية محاولة تستهدف زعزعة الأطر الأكاديمية، وعدم الانزلاق وراء مساعٍ هدفها الأساسي القضاء على الهوية العربية وما تبقى من الطاقات الإنتاجية للإنسان الخليجي، وجعله يعيش في دوامة الاتكالية والاعتماد على الآخرين. وللأسف الشديد هذا هو حال بعض الجامعات الخليجية التي تجري وراء كسب رضا السلطة، في المقابل نرى بعض الجامعات الخاصة تجري حثيثاً وراء جني الأرباح دونما احترام للرسالة العلمية التي تدعي حملها.

إن التجربة الأكاديمية في الواقع الخليجي يمكن النظر إليها على أنها تجربة جيدة في بعض التخصصات، وهذا يعود إلى اهتمام بعض القائمين بالجوانب العلمية الصرفة وحرصهم الشديد على بناء طاقات بشرية تعتمد على نفسها. ويؤمن هؤلاء بأن الخريج هو من يستطيع قلب معادلة التصنيف في سوق العمل. والتجربة الخليجية في الشأن البحثي قليلة قياساً إلى الجامعات العريقة في أوروبا والولايات المتحدة وبقية العالم. ويمكن رد ذلك إلى الترسبات المجتمعية التي تتضمن الكثير من التحفظات التقليدية، والتي أوجدت بعضاً من الأكاديميين الذين لديهم تشبع تقليدي ويربطون مسألة البحث العلمي في كثير من المواقع بمسألة الواقع الاجتماعي، وهو أمر مستغرب خاصة أن القراءات الأكاديمية تتنافى مع تلك التحفظات لكونها تعتمد على حرية الإبداع، وحل المشكلات وفك طلاسم التقوقع والانطلاق نحو عالمية البحث.

 وكشفت دراسة نشرها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) أن حجم الإنفاق على قطاعالتعليم في دول الخليج العربية وصل إلى 26 مليار دولار أمريكي في العام الماضي.وجاءت هذه الزيادة نتيجةً لالتزام دول المنطقة بتطوير أنظمتها التعليمية.وتوقعت دراسات تربوية أن حجم الإنفاق على التعليم في دول الخليج العربية سيتجاوز حدالـ 35 مليار دولار عام 2010. وتوضح الأرقام المعلنة عن حجم الانفاق في الشأن الأكاديمي والتعليمي، أن هناك إصراراً قوياً لتخطي شبح الأمية، وتؤكد في الوقت نفسه الرؤية لوجود جامعات تساهم في الارتقاء بالإنسان الخليجي شكلاً ومضموناً، إلا أن ما تنفقه هذه الدول بحاجة إلى تقييم فعلي من خلال ما ترفده تلك الجامعات من كوادر. إن هناك معضلة في الكادر الأكاديمي من حيث الاستطاعة والقدرة على مواكبة التطور العلمي خاصة أن البعض منهم يكتفي بالمؤهل العلمي كوضع مجتمعي ليس إلا، بل يرى فيه درجة عالية من الكمال –والكمال لله وحده- وبالتالي فإن مسايرته للتطور ليست جزءاً من ثقافته، علماً بأن حصوله على شهادة الدكتوراه تفتح له الطريق لاكتساب مزيد من المعرفة عبر إجراء البحوث الميدانية بالإضافة إلى الدراسات النقدية. إن المسألة ليست في الطالب الجامعي بقدر ما تكون أيضاً في من يقدم تلك الخدمة، وحتى نكون أكثر انصافاً نقول إن هناك ملفاً تم السكوت عنه طويلاً، وهو ملف الأكاديميين الخليجيين وغيرهم من العرب والأجانب العاملين في تلك الجامعات، ونحن بحكم موقعنا الأكاديمي نرى العجب العجاب في بعض الأكاديميين، فهم لا يستطيعون مسايرة التطور التقني ويواصلون غيابهم الاختياري عن الساحة المحلية والمشاركة الفاعلة في الرقي بمجتمعاتهم.

ولا بد من الاعتراف بأن معظم الجامعات الخليجية تفتقر إلى وجود فلسفة تعليمية واضحة تحدد أهدافها وتبلور نظمها التعليمية. ويعود ذلك في رأي الباحث إلى افتقارها إلى دور (المفكر الجامعيالاستراتيجي) وإلى (القائد الإداري المفكر) بما يجعلها قادرة على إيجاد نموذجهاالخاص، ورؤيتها الواضحة من دون استنساخ لنظم جامعية أجنبية قد لا تتطابق مع البيئة التعليميةللمكان وخصوصية هوية التعليم، ومهارات الطلبة ومخرجات التعليم الثانوي، وهذا ماجعلها بالتالي جامعات تدريس فقط أيّ مدارس تعليم عام تحت مسمى مؤسسات تعليم عال. وتعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعة أهدافالجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقدالرؤية والاستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القياديالجامعي الذي يؤسس لها استراتيجية واضحة لمسيرتها. فقد أضحت بعض الجامعات أداة منأدوات الحفاظ على السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغفي مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود.

إننا نعرف كما هو الحال لدى الكثيرين من المهتمين في التعليم العالي، أن هناك مشكلة عالمية في هذا المجال، لكن -كما يقال- فإن لكل مشكلة حلاً، فلماذا لا نبدأ من الداخل ونعمل على تأسيس استراتيجية تعليمية محلية تنطلق من الهوية الوطنية، وتأخذ بالسياسات التعليمية العالمية التي تتوافق مع البيئة والعمل على تطبيقها تدريجياً؟ ولماذا السعي وراء تطبيق نظم أكاديمية عالمية تنطلق من وعي مجتمعاتها لتفرض على مجتمعات لديها تقاليد سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة؟ إذاً المعضلة ليست في جوهر التعليم الذي تقدمه الجامعات، بقدر ما هي في الفهم الخاطئ للواقع الثقافي والهوية الوطنية، فهناك خليط من المشكلات المتراكمة والمسكوت عنها إعلامياً تعيق مسيرة التعليم العالي في منطقة الخليج. فهناك الساعون إلى بتر عروبية الجامعات الخليجية ووأد ما تبقى منها، وهناك من يشكك في قدرتها على حمل رسالتها العلمية، وبالتالي الارتماء في أحضان الغرب الذي بدوره سوف يحمل نعش الهوية العربية إلى مثواها الأخير.

جميل أن يستفيد الخليجيون من تجارب الأمم الأخرى في العلم والفن والثقافة، والأجمل أن يحافظوا على التواصل الحضاري مع الآخرين، لكن أن يسعوا بأيديهمإلى إلغاء ثقافتهم من أجل أن يقال إنهم حضاريون فتلك مصيبة كبرى، ومهما حاولوا أن يكونوا متطورين، فلن يتحقق ذلك إلا من خلال واقعهم الثقافي، ويجب أن يدركوا أنهم أمة ليست متخلفة كما يحلو للبعض أن يقول عنهم، بحكم علاقتهم بالمؤسسات التعليمية الغربية، في محاولة منهم لطمس الهوية بطريقة ساذجة، كأن الغرب مهتم بتراثهم أو ثقافتهم. ولهؤلاء نقول (كفوا أيديكم وألسنتكم عن الهوية) فالمجتمعات العربية الخليجية لا تساوم على هويتها وعروبتها.

كثيرون من يوجهون أصابع الاتهام للجامعات الخليجية، وكثيرون أيضاً من يحاولون الاصطياد في الماء العكر، وكثيرون من يلقون الكلام على عواهنه. وهذا مرده إلى وجود ضعف واضح في المؤسسات الأكاديمية التي انشغلت بالشأن الخارجي أكثر من انشغالها بالجوانب التعليمية. وإذا ما أرادت الجامعات أن تنأى بنفسها عن البلبلة المجتمعية فعليها أن تركز على جانبين مهمين في مسيرتها، هما الطالب والبحث العلمي، فمن خلالهما يمكن أن تتبوأ الجامعات المكانة المرموقة، وبالتالي الابتعاد قدر الإمكان عن هدر الوقت في الجوانب الشكلية.

إن المعضلة في التعليم العالي في منطقة الخليج ليست في إدخال برامج جديدة أو تطوير المناهج الحالية، لكن المعضلة تكمن في من يخطط بعقلية الآخرين، ويفرض نظماً أكاديمية تختلف في الشكل والمضمون عن البيئة الخليجية، كأن الخليج وجامعاته ما زالا يعيشان حالة التخلف. والحكمة تتطلب قراءة متعمقة وتقييماً منهجياً يخدم المسيرة التعليمية الحالية، والابتعاد عن التشكيك في قدرة تلك الجامعات على بناء إنسان سوي له علاقة بعصره ويخدم مسيرة التنمية الشاملة التي سخرت للإنسان، ويطلق العنان للحرية والإبداع في الدراسات البحثية التي تعتمد على الفهم الواضح للقضايا العالقة، ومن ضمنها مشكلة التعليم العالي التي لا تزال تبحث عمن يخرجها من دائرة الجدل والنقاش إلى رحاب السمو العلمي في عالم متطور يؤمن بالإنسان دونما سواه في عملية البناء والنماء.

::/fulltext::
::cck::826::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *