اللغة العربية والنظام التعليمي والهوية الوطنية في الخليج العربي

::cck::824::/cck::
::introtext::

اللغة وعاء الأمة الحضاري وهويتها الوطنية، والدول الكبرى والعريقة تنفق على لغتها وتسعى إلى نشرها خارج بلادها، لأن انتشار اللغة يعني نشر ثقافتها وحضارتها وبالتالي نفوذها، وعندما دخلت فرنسا بلاد المغرب العربي، عملت بكل الوسائل على فرض لغتها ونشرها، وحاولت تهميش اللغة العربية، اللغة الوطنية للبلاد، لأن طمس اللغة يعني طمس الهوية، وبروز التيار الفرانكفوني الذي نشاهد ولاءه لفرنسا أكثر من وطنه الأم، والولايات المتحدة تفرض على من يحصل على جنسيتها أن يتعلم الإنجليزية ويتكلم بها وأن يعرف تاريخ الولايات المتحدة، وهكذا تفعل ألمانيا.

::/introtext::
::fulltext::

اللغة وعاء الأمة الحضاري وهويتها الوطنية، والدول الكبرى والعريقة تنفق على لغتها وتسعى إلى نشرها خارج بلادها، لأن انتشار اللغة يعني نشر ثقافتها وحضارتها وبالتالي نفوذها، وعندما دخلت فرنسا بلاد المغرب العربي، عملت بكل الوسائل على فرض لغتها ونشرها، وحاولت تهميش اللغة العربية، اللغة الوطنية للبلاد، لأن طمس اللغة يعني طمس الهوية، وبروز التيار الفرانكفوني الذي نشاهد ولاءه لفرنسا أكثر من وطنه الأم، والولايات المتحدة تفرض على من يحصل على جنسيتها أن يتعلم الإنجليزية ويتكلم بها وأن يعرف تاريخ الولايات المتحدة، وهكذا تفعل ألمانيا.

لكن في عالمنا العربي، فإننا نهمش لغتنا العربية بأيدينا، حتى وصلنا في بعض الدول العربية لإنشاء جمعيات للمحافظة على اللغة العربية، في وطنها الأم، وبالتالي ماذا يمكن أن تكون الهوية الوطنية بعد عقد أو عقدين من الزمن؟

الدول الكبرى وإصلاح التعليم

أصبح مطلب التعليم في العالم العربي والإسلامي مطلباً ملحاً من الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة، واتخذت من أحداث 11 سبتمبر 2001 ذريعة لذلك تحت حجة أن مناهج هذه الدول وخاصة في منطقة الخليج العربي تغذي الإرهاب، وهو ما ينافي الواقع، وإصلاح التعليم له تأثير في اللغة العربية خاصة عندما تطلب الدول تقليص عدد الساعات المقررة للتربية الإسلامية. والغريب أن مناهج الغرب تعج بما هو غير موضوعي وأكاذيب عن العرب والمسلمين ولينظروا إلى ما تحتويه كتب المناهج الإسرائيلية عن العرب والمسلمين من حق وتغذية للإرهاب. كما دفعت الولايات المتحدة 100 مليون دولار لحكومة باكستان لتغيير مناهج المدارس الإسلامية، علماً أنها تخدم الشعب الباكستاني وتخفف من الأعباء الاقتصادية عن حكومة باكستان وتعلم الفقراء التعليم الديني وتحفيظ القرآن وهذا لا يشكل خطراً على أحد. إن مطلب إصلاح التعليم في دول الخليج كلمة حق يراد بها باطل ما تريده الدول الغربية وإسرائيل إصلاح تعليمي يخدم مصالحها، لكننا نريد في عالمنا العربي إصلاحاً تعليمياً يخدم مصالحنا ولغتنا العربية.

إن بعض الدول في المنطقة طلبت من مؤسسة راند الأمريكية النظر في إصلاح التعليم فيها، ومؤسسة راند معروفة بدراساتها عن قضايا الدفاع والأمن القومي، فهل عندما تضع خطط الإصلاح تنطلق من الأمن القومي الأمريكي أم من المصلحة الوطنية التي كلفتها؟ وهل ينقصنا في دول مجلس التعاون خبراء تربويون ومفكرون حتى نستعين بمؤسسات غربية؟ إن أخطر ما تواجهه أية أمة هو عدم الثقة بالنفس والثقة بالآخر المختلف حضارياً وثقافياً عن تراثنا وتاريخ بلادنا؟

الجامعات الأجنبية واللغة العربية

إن ظاهرة الجامعات الأجنبية التي غزت دول مجلس التعاون بفروعها في هذه الدول ظاهرة تستحق الدراسة والاهتمام ولها تأثيرها في الشخصية والهوية الوطنية، ففي دولة قطر وكذلك دولة الإمارات فروع للجامعات الأمريكية وفرع لجامعة السوربون، وبالمناسبة إن عدد سكان دول المجلس لا يتناسب كثيراً مع الحاجة إلى هذه الفروع المتعددة. وهذه الجامعات الأجنبية تدرس بلغاتها الأم الإنجليزية والسوربون باللغة الفرنسية. إن هذا بالفعل له تأثير سلبي في اللغة العربية عندما يتجه الطلبة من أبناء هذه الدول للدراسة حتى في التخصصات الأدبية باللغة الإنجليزية على حساب اللغة العربية لغة القرآن ولغة حضارة الأمة العربية والإسلامية. ومن السذاجة أن نتصور أن هذه الجامعات أفضل من جامعاتنا، فمحور العملية التربوية الطالب والأستاذ والمنهاج، وإذا قمنا بالإعداد الجيد لأبنائنا لسنا بحاجة لهذه الفروع لأننا نملك الجامعات الوطنية.

إن تعلم لغة أجنبية شيء مهم وضروري، لكن ليس على حساب الهوية الوطنية. ولماذا لا نطور جامعاتنا الوطنية؟ وعندنا أساتذة تخرجوا في الجامعات الغربية وبالتأكيد منهم المتفوق والمتميز والمفكر والمبدع أفضل مما يوجد في كثير من الجامعات التي غزت بلادنا.

وإذا كان أبناء الوطن الذين تخرجوا في الجامعات الغربية الموجودة في بلادنا، فلا شك في أن الحياة الجامعية فيها ونمطها الثقافي وحتى حفلات التخرج على نمط جامعاتها الأم ولها تأثير ثقافي واجتماعي على المديين المتوسط والبعيد، هو الغزو الثقافي المنمق والمزخرف تحت مسمى جامعات عريقة جلبناها، علما بأن الربح المادي والتأثير الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي سيظهر بوضوح  في المستقبل.

هنتنغتون وكتابه (مَنْ نحن)

وحول الهوية الوطنية واللغة، كتب المفكر الأمريكي الراحل صموئيل هنتنغتون كتابه الذي قد يكون الأخير في عام 2004 حول (مَنْ نحن) يقصد الولايات المتحدة وبالذات القلق على الهوية الأنغلو-ساكسونية الأمريكية من اجتياح الهجرة من أمريكا الجنوبية (الهسبنك) وهم يتكلمون اللغة الإسبانية، حيث إن عددهم في ازدياد وقد يصل إلى 40 مليون نسمة، فحذر من ازدواجية اللغة في الولايات المتحدة وتأثير ذلك في هويتها وأمنها القومي وهي الدول العظمى بقواتها ومواردها. فأين نحن منها وطوفان العمالة القادم من آسيا يزيد على عدد السكان؟

قامت الولايات المتحدة بفتح مراكز مجانية لتعليم المهاجرين اللغة الإنجليزية وتعريفهم بالتاريخ الأمريكي، ولا يحق للمهاجر الحصول على الجنسية إلا بعد أن يتكلم اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة ونطقاً ثم معرفة الرموز السياسية الأمريكية وتاريخها، هذا سلوك دولة عظمى للمحافظة على هويتها وأمنها القومي.

لماذا لا تتعلم العمالة الآسيوية اللغة العربية؟

وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد حباها الله بالثروة، فلماذا لا تفرض على العمالة الآسيوية تعلم اللغة العربية إذا رغبت العمل في البلاد وتفتح المراكز المجانية للتعليم، بدل أن نسمع ونشاهد في شوارعنا كأننا في بومباي أو كراتشي أو نيودلهي ولماذا لا نفرض على من أراد العيش في بلادنا أن يتعلم لغتنا العربية ويطلع على حضارتنا وثقافتنا؟

الاهتمام بالجامعات الوطنية

إن لدى دول المجلس القوى البشرية المدربة ولديها أيضاً المتخرجون من أرقى الجامعات الغربية، وما حققته جامعة الملك سعود من مركز على المستوى العالمي يستحق التقدير، ويمكن أن تلحق بها الجامعات الوطنية الأخرى إذا وجدت الرعاية والاهتمام، لكن ما معنى أن تدرس المواد الدراسية في بعض جامعتنا في الكليات الأدبية باللغة الإنجليزية؟ وهل العربية التي تعد من أغنى اللغات في العالم عاجزة حتى نتجه إلى اللغة الأجنبية في المواد الأدبية؟ وحتى المواد العلمية توفي بها العربية وفي جامعات عربية أخرى تدرس الطب باللغة العربية وتميز طلبتها بالتفوق العلمي. ونحن أيضاً بحاجة إلى رعاية الأستاذ الجامعي والطالب وأن نجعل من مكتباتنا غنية بما فيها من الكتب، وتستطيع جامعاتنا أن تتقدم إذا تم توفير ما تحتاجه، كما أن الاعتماد على الجامعات الأجنبية يولد الإحباط عند مفكرينا.

اللغة العبرية كانت ميتة فتم إحياؤها

إن اللغة العبرية كانت شبه ميتة، وعندما تأسست الحركة الصهيونية في عام 1897 بمؤتمر بال في سويسرا، بدأ التخطيط الفعلي لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وبعد الحرب العالمية الثانية ومع الانتداب البريطاني على فلسطين وتنفيذ وعد بلفور تم تأسيس الجامعة العبرية في ضواحي القدس 1925، وتم التدريس فيها باللغة العبرية، وأصبح حتى القادم من دول العالم إلى (إسرائيل) بعد قيامها يتعلم اللغة العبرية، وهكذا تم إحياء لغة ميتة، فما بالنا بلغة القرآن الكريم، الذي نزل بلسان عربي مبين، تتعرض إلى التهميش على يد أبنائها في المحافل العلمية. إن النهوض الحضاري العربي لا يمكن أن يتم على تهميش اللغة الوطنية، وتبني اللغات الأجنبية، وإنما بالتأكيد على اللغة العربية، اللغة الأم وعلى إصلاح التعليم بما يتوافق مع مصالحنا الوطنية ويحافظ على تراثنا الحضاري.

كمال أتاتورك والتجربة الفاشلة

لقد اعتقد كمال أتاتورك أن نهضة تركيا تقوم على التغريب، فقام بتغيير كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية لقطع ماضي تركيا عن حاضرها، وليبعد الجيل التركي الجديد عن تاريخ الدولة العثمانية المجيد، لكن تركيا لم تصبح أوروبية ولم يتقبلها الغرب ضمن الاتحاد الأوروبي ولم تشهد تركيا الاستقرار السياسي بل شهدت صداماً حضارياً بين أبناء الشعب الواحد، وبعد ثمانية عقود مع عودة العثمانية الجديدة التي أرادت مصالحة الشعب التركي مع تاريخه العثماني المجيد، شهدت تركيا النمو الاقتصادي وأصبحت الدولة رقم 16 على مستوى الاقتصاد العالمي والثانية عالمياً في نموها الاقتصادي والسابعة في مرتبتها الاقتصادية على مستوى أوروبا. جاء ذلك لأن حزب العدالة والتنمية لم يتنكر للماضي العثماني وسقطت هالة كمال أتاتورك المزيفة التي أبعدت تركيا عن جغرافيتها وتاريخها.

أخيراً نقول إن فرنسا الدولة الأولى تنفق على لغتها، والولايات المتحدة تفرض على من يتجنس أن يعرف اللغة الإنجليزية وكذلك الدول الأوروبية، واللغة العبرية تم بعثها بعد موتها، ونحن بحاجة للاستفادة من تجارب الأمم في المحافظة على اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا، وحتى كتابة أسماء المحال التجارية وغيرها يجب أن تكتب بالعربية، وأن يتعلم العامل الوافد اللغة العربية، وأن نهتم بجامعاتنا، وأن نعي أن فروع الجامعات الغربية تستنزف الأموال، وتبقى جامعاتنا العريقة هي الأم والحاضنة لأبناء الخليج العربي، كما أن نظام التعليم الناجح لا يعني الاهتمام باللغة الأجنبية على حساب لغتنا الأم. وإذا كانت اللغة الوعاء الحضاري فهي أيضاً وعاء الأمن القومي والأمن الحضاري.

::/fulltext::

araa74_49-f05
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::824::/cck::
::introtext::

اللغة وعاء الأمة الحضاري وهويتها الوطنية، والدول الكبرى والعريقة تنفق على لغتها وتسعى إلى نشرها خارج بلادها، لأن انتشار اللغة يعني نشر ثقافتها وحضارتها وبالتالي نفوذها، وعندما دخلت فرنسا بلاد المغرب العربي، عملت بكل الوسائل على فرض لغتها ونشرها، وحاولت تهميش اللغة العربية، اللغة الوطنية للبلاد، لأن طمس اللغة يعني طمس الهوية، وبروز التيار الفرانكفوني الذي نشاهد ولاءه لفرنسا أكثر من وطنه الأم، والولايات المتحدة تفرض على من يحصل على جنسيتها أن يتعلم الإنجليزية ويتكلم بها وأن يعرف تاريخ الولايات المتحدة، وهكذا تفعل ألمانيا.

::/introtext::
::fulltext::

اللغة وعاء الأمة الحضاري وهويتها الوطنية، والدول الكبرى والعريقة تنفق على لغتها وتسعى إلى نشرها خارج بلادها، لأن انتشار اللغة يعني نشر ثقافتها وحضارتها وبالتالي نفوذها، وعندما دخلت فرنسا بلاد المغرب العربي، عملت بكل الوسائل على فرض لغتها ونشرها، وحاولت تهميش اللغة العربية، اللغة الوطنية للبلاد، لأن طمس اللغة يعني طمس الهوية، وبروز التيار الفرانكفوني الذي نشاهد ولاءه لفرنسا أكثر من وطنه الأم، والولايات المتحدة تفرض على من يحصل على جنسيتها أن يتعلم الإنجليزية ويتكلم بها وأن يعرف تاريخ الولايات المتحدة، وهكذا تفعل ألمانيا.

لكن في عالمنا العربي، فإننا نهمش لغتنا العربية بأيدينا، حتى وصلنا في بعض الدول العربية لإنشاء جمعيات للمحافظة على اللغة العربية، في وطنها الأم، وبالتالي ماذا يمكن أن تكون الهوية الوطنية بعد عقد أو عقدين من الزمن؟

الدول الكبرى وإصلاح التعليم

أصبح مطلب التعليم في العالم العربي والإسلامي مطلباً ملحاً من الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة، واتخذت من أحداث 11 سبتمبر 2001 ذريعة لذلك تحت حجة أن مناهج هذه الدول وخاصة في منطقة الخليج العربي تغذي الإرهاب، وهو ما ينافي الواقع، وإصلاح التعليم له تأثير في اللغة العربية خاصة عندما تطلب الدول تقليص عدد الساعات المقررة للتربية الإسلامية. والغريب أن مناهج الغرب تعج بما هو غير موضوعي وأكاذيب عن العرب والمسلمين ولينظروا إلى ما تحتويه كتب المناهج الإسرائيلية عن العرب والمسلمين من حق وتغذية للإرهاب. كما دفعت الولايات المتحدة 100 مليون دولار لحكومة باكستان لتغيير مناهج المدارس الإسلامية، علماً أنها تخدم الشعب الباكستاني وتخفف من الأعباء الاقتصادية عن حكومة باكستان وتعلم الفقراء التعليم الديني وتحفيظ القرآن وهذا لا يشكل خطراً على أحد. إن مطلب إصلاح التعليم في دول الخليج كلمة حق يراد بها باطل ما تريده الدول الغربية وإسرائيل إصلاح تعليمي يخدم مصالحها، لكننا نريد في عالمنا العربي إصلاحاً تعليمياً يخدم مصالحنا ولغتنا العربية.

إن بعض الدول في المنطقة طلبت من مؤسسة راند الأمريكية النظر في إصلاح التعليم فيها، ومؤسسة راند معروفة بدراساتها عن قضايا الدفاع والأمن القومي، فهل عندما تضع خطط الإصلاح تنطلق من الأمن القومي الأمريكي أم من المصلحة الوطنية التي كلفتها؟ وهل ينقصنا في دول مجلس التعاون خبراء تربويون ومفكرون حتى نستعين بمؤسسات غربية؟ إن أخطر ما تواجهه أية أمة هو عدم الثقة بالنفس والثقة بالآخر المختلف حضارياً وثقافياً عن تراثنا وتاريخ بلادنا؟

الجامعات الأجنبية واللغة العربية

إن ظاهرة الجامعات الأجنبية التي غزت دول مجلس التعاون بفروعها في هذه الدول ظاهرة تستحق الدراسة والاهتمام ولها تأثيرها في الشخصية والهوية الوطنية، ففي دولة قطر وكذلك دولة الإمارات فروع للجامعات الأمريكية وفرع لجامعة السوربون، وبالمناسبة إن عدد سكان دول المجلس لا يتناسب كثيراً مع الحاجة إلى هذه الفروع المتعددة. وهذه الجامعات الأجنبية تدرس بلغاتها الأم الإنجليزية والسوربون باللغة الفرنسية. إن هذا بالفعل له تأثير سلبي في اللغة العربية عندما يتجه الطلبة من أبناء هذه الدول للدراسة حتى في التخصصات الأدبية باللغة الإنجليزية على حساب اللغة العربية لغة القرآن ولغة حضارة الأمة العربية والإسلامية. ومن السذاجة أن نتصور أن هذه الجامعات أفضل من جامعاتنا، فمحور العملية التربوية الطالب والأستاذ والمنهاج، وإذا قمنا بالإعداد الجيد لأبنائنا لسنا بحاجة لهذه الفروع لأننا نملك الجامعات الوطنية.

إن تعلم لغة أجنبية شيء مهم وضروري، لكن ليس على حساب الهوية الوطنية. ولماذا لا نطور جامعاتنا الوطنية؟ وعندنا أساتذة تخرجوا في الجامعات الغربية وبالتأكيد منهم المتفوق والمتميز والمفكر والمبدع أفضل مما يوجد في كثير من الجامعات التي غزت بلادنا.

وإذا كان أبناء الوطن الذين تخرجوا في الجامعات الغربية الموجودة في بلادنا، فلا شك في أن الحياة الجامعية فيها ونمطها الثقافي وحتى حفلات التخرج على نمط جامعاتها الأم ولها تأثير ثقافي واجتماعي على المديين المتوسط والبعيد، هو الغزو الثقافي المنمق والمزخرف تحت مسمى جامعات عريقة جلبناها، علما بأن الربح المادي والتأثير الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي سيظهر بوضوح  في المستقبل.

هنتنغتون وكتابه (مَنْ نحن)

وحول الهوية الوطنية واللغة، كتب المفكر الأمريكي الراحل صموئيل هنتنغتون كتابه الذي قد يكون الأخير في عام 2004 حول (مَنْ نحن) يقصد الولايات المتحدة وبالذات القلق على الهوية الأنغلو-ساكسونية الأمريكية من اجتياح الهجرة من أمريكا الجنوبية (الهسبنك) وهم يتكلمون اللغة الإسبانية، حيث إن عددهم في ازدياد وقد يصل إلى 40 مليون نسمة، فحذر من ازدواجية اللغة في الولايات المتحدة وتأثير ذلك في هويتها وأمنها القومي وهي الدول العظمى بقواتها ومواردها. فأين نحن منها وطوفان العمالة القادم من آسيا يزيد على عدد السكان؟

قامت الولايات المتحدة بفتح مراكز مجانية لتعليم المهاجرين اللغة الإنجليزية وتعريفهم بالتاريخ الأمريكي، ولا يحق للمهاجر الحصول على الجنسية إلا بعد أن يتكلم اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة ونطقاً ثم معرفة الرموز السياسية الأمريكية وتاريخها، هذا سلوك دولة عظمى للمحافظة على هويتها وأمنها القومي.

لماذا لا تتعلم العمالة الآسيوية اللغة العربية؟

وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد حباها الله بالثروة، فلماذا لا تفرض على العمالة الآسيوية تعلم اللغة العربية إذا رغبت العمل في البلاد وتفتح المراكز المجانية للتعليم، بدل أن نسمع ونشاهد في شوارعنا كأننا في بومباي أو كراتشي أو نيودلهي ولماذا لا نفرض على من أراد العيش في بلادنا أن يتعلم لغتنا العربية ويطلع على حضارتنا وثقافتنا؟

الاهتمام بالجامعات الوطنية

إن لدى دول المجلس القوى البشرية المدربة ولديها أيضاً المتخرجون من أرقى الجامعات الغربية، وما حققته جامعة الملك سعود من مركز على المستوى العالمي يستحق التقدير، ويمكن أن تلحق بها الجامعات الوطنية الأخرى إذا وجدت الرعاية والاهتمام، لكن ما معنى أن تدرس المواد الدراسية في بعض جامعتنا في الكليات الأدبية باللغة الإنجليزية؟ وهل العربية التي تعد من أغنى اللغات في العالم عاجزة حتى نتجه إلى اللغة الأجنبية في المواد الأدبية؟ وحتى المواد العلمية توفي بها العربية وفي جامعات عربية أخرى تدرس الطب باللغة العربية وتميز طلبتها بالتفوق العلمي. ونحن أيضاً بحاجة إلى رعاية الأستاذ الجامعي والطالب وأن نجعل من مكتباتنا غنية بما فيها من الكتب، وتستطيع جامعاتنا أن تتقدم إذا تم توفير ما تحتاجه، كما أن الاعتماد على الجامعات الأجنبية يولد الإحباط عند مفكرينا.

اللغة العبرية كانت ميتة فتم إحياؤها

إن اللغة العبرية كانت شبه ميتة، وعندما تأسست الحركة الصهيونية في عام 1897 بمؤتمر بال في سويسرا، بدأ التخطيط الفعلي لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وبعد الحرب العالمية الثانية ومع الانتداب البريطاني على فلسطين وتنفيذ وعد بلفور تم تأسيس الجامعة العبرية في ضواحي القدس 1925، وتم التدريس فيها باللغة العبرية، وأصبح حتى القادم من دول العالم إلى (إسرائيل) بعد قيامها يتعلم اللغة العبرية، وهكذا تم إحياء لغة ميتة، فما بالنا بلغة القرآن الكريم، الذي نزل بلسان عربي مبين، تتعرض إلى التهميش على يد أبنائها في المحافل العلمية. إن النهوض الحضاري العربي لا يمكن أن يتم على تهميش اللغة الوطنية، وتبني اللغات الأجنبية، وإنما بالتأكيد على اللغة العربية، اللغة الأم وعلى إصلاح التعليم بما يتوافق مع مصالحنا الوطنية ويحافظ على تراثنا الحضاري.

كمال أتاتورك والتجربة الفاشلة

لقد اعتقد كمال أتاتورك أن نهضة تركيا تقوم على التغريب، فقام بتغيير كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية لقطع ماضي تركيا عن حاضرها، وليبعد الجيل التركي الجديد عن تاريخ الدولة العثمانية المجيد، لكن تركيا لم تصبح أوروبية ولم يتقبلها الغرب ضمن الاتحاد الأوروبي ولم تشهد تركيا الاستقرار السياسي بل شهدت صداماً حضارياً بين أبناء الشعب الواحد، وبعد ثمانية عقود مع عودة العثمانية الجديدة التي أرادت مصالحة الشعب التركي مع تاريخه العثماني المجيد، شهدت تركيا النمو الاقتصادي وأصبحت الدولة رقم 16 على مستوى الاقتصاد العالمي والثانية عالمياً في نموها الاقتصادي والسابعة في مرتبتها الاقتصادية على مستوى أوروبا. جاء ذلك لأن حزب العدالة والتنمية لم يتنكر للماضي العثماني وسقطت هالة كمال أتاتورك المزيفة التي أبعدت تركيا عن جغرافيتها وتاريخها.

أخيراً نقول إن فرنسا الدولة الأولى تنفق على لغتها، والولايات المتحدة تفرض على من يتجنس أن يعرف اللغة الإنجليزية وكذلك الدول الأوروبية، واللغة العبرية تم بعثها بعد موتها، ونحن بحاجة للاستفادة من تجارب الأمم في المحافظة على اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا، وحتى كتابة أسماء المحال التجارية وغيرها يجب أن تكتب بالعربية، وأن يتعلم العامل الوافد اللغة العربية، وأن نهتم بجامعاتنا، وأن نعي أن فروع الجامعات الغربية تستنزف الأموال، وتبقى جامعاتنا العريقة هي الأم والحاضنة لأبناء الخليج العربي، كما أن نظام التعليم الناجح لا يعني الاهتمام باللغة الأجنبية على حساب لغتنا الأم. وإذا كانت اللغة الوعاء الحضاري فهي أيضاً وعاء الأمن القومي والأمن الحضاري.

::/fulltext::
::cck::824::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *