استعارة النظم التعليمية

::cck::823::/cck::
::introtext::

قد يكون استخدام مصطلح (استعارة) نظام تعليمي أخف وقعاً على المسامع من استخدام مصطلحات من مثل (تبني) أو (اعتناق) نظام تعليمي معين، في حين قد تكون النتيجة واحدة وإن اختلفت المصطلحات المستخدمة، حيث إن الذي يحدث باختصار في كل الحالات ما هو إلا نقل لبعض أو كامل النظام التعليمي في داخل البلد الواحد أو من بلد إلى آخر لأهداف مختلفة، لكن الهدف الذي دائماً ما يعلن عادة هو إصلاح التعليم. 

::/introtext::
::fulltext::

قد يكون استخدام مصطلح (استعارة) نظام تعليمي أخف وقعاً على المسامع من استخدام مصطلحات من مثل (تبني) أو (اعتناق) نظام تعليمي معين، في حين قد تكون النتيجة واحدة وإن اختلفت المصطلحات المستخدمة، حيث إن الذي يحدث باختصار في كل الحالات ما هو إلا نقل لبعض أو كامل النظام التعليمي في داخل البلد الواحد أو من بلد إلى آخر لأهداف مختلفة، لكن الهدف الذي دائماً ما يعلن عادة هو إصلاح التعليم.

لكن الخوف كل الخوف في مقام استعارة نظم التعليم أن يكون الحال كحال الغراب الذي أراد أن يمشي مشية الحمامة فلم يتقنها وأراد أن يعود إلى مشيته الأصلية فوجد أنه قد نسيها وأضاعها فأصبح يمشي مشية لا هي مشية غراب ولا مشية حمامة. إلا أن الخوف من إضاعة مشيتك الأصلية يجب ألا يعد مدعاة للانعزال والابتعاد في زمن يقترب العالم فيه كل يوم أكثر من سابقه، وأصبح من أهم سماته الانفتاح على الآخر والمشاركة في المعرفة البشرية بالأخذ والعطاء وتبادل الأفكار ومد جسور التواصل الثقافي.

إن استعارة النظم التعليمية أو (النقل التربوي) تعد واحداً من أهم مظاهر عصر العولمة أو ربما يصح أن نقول إنها ريح العولمة التي لا بد أن تصيبك ولا يمكنك أن تغلق الباب دونها. هذا التقارب –والتنافر في الوقت نفسه- الذي لم يشهد تاريخ البشرية مثله من قبل يحاول أن يجعل الثقافات المتعددة ثقافة عالمية واحدة، والتعليم بصفته أهم محركات التغيير في أي مجتمع لا بد أن يكون مؤثراً ومتأثراً بكل مكونات العولمة الثقافية والاقتصادية والسياسية.

غير أن التعليم في جوهره  وأساسه يجب أن يكون صناعة وطنية قومية، ولا ضير في أن تستفيد هذه الصناعة من منجزات الحضارة الإنسانية لتحسين إنتاجها وتجويد مخرجاتها، لا لكي يتم غرس هذه المنجزات في تربة غير مواتية وبيئة مختلفة فلا تنبت ولا تثمر. فالمنجزات وكذلك الخبرات ما هي إلا نتاج واقع معين، واقتطاعها من واقعها وبيئتها يؤثر بدرجة كبيرة في درجة نجاحها وتكرارها في بيئات جديدة، والأسوأ من ذلك أنها ربما تأتي بنتائج مشوهة. وهذا ما دعا أحد كبار التربويين العرب إلى القول إن الخبرات الأجنبية نتاج لواقع مختلف عن واقعنا وعندما ننقل أفكارهم إلى واقعنا ونطبقها تطبيقاً أعمى تصل بنا النتيجة إلى أننا خرّجنا وأعددنا مواطناً عربياً من الناحية الشكلية لكنه أجنبي من حيث الجوهر.

ولذلك فإن موضوع النقل من الشرق أو الغرب في النظم التعليمية يحتاج إلى فرز وتدقيق ومعرفة شاملة بالأفكار وكيف نشأت تلك الأفكار وكذلك أن تكون هناك نظرة متأملة وناقدة للممارسات التعليمية قبل نقلها بحيث نستفيد منها وننميها متى ما كانت صالحة لنا، وأن نستبعدها متى كانت منافية لنا.

مستويات الاستعارة من النظم التعليمية الأخرى: لعل من الأجدر هنا استخدام مصطلح النقل بدلاً من الاستعارة لتوضيح مستويات النقل من النظم المختلفة وذلك لأن الاستعارة نفسها هي أحد مستويات النقل، وإنما استخدمت عنواناً لهذا المقال من باب أن ما يحدث من تغيير في نظم التعليم في الدول العربية عامة ودول الخليج بشكل خاص غالباً ما يدخل تحت هذا المستوى من النقل وهو مستوى الاستعارة الذي هو بدوره يقسم إلى مستويات مختلفة. و(النقل التربوي) يعد من حقول علم التربية المقارنة المهمة، حيث تناوله كثير من الكتّاب بالدراسة والتحليل لتبيان دوافعه وأنواعه ومستوياته. ولعل أهم ثلاثة أنواع ومستويات للنقل التعليمي هي مستوى الإعجاب ومستوى الفرض والإملاء ومستوى الاستعارة.

أولاً- مستوى الإعجاب: وهي المرحلة التي تسمى بحسب الأدبيات في هذا الموضوع مرحلة (الانتشار (Diffusion وهي المرحلة التي تسمى أيضاً مرحلة النقل الناعم والتي عادة يتم فيها الإعجاب بفكرة ما أو برنامج معين قد شاع صيته أو انتشر في العالم أو في المنطقة بسبب نجاحه في نظام تعليمي معين وقامت كثير من النظم التعليمية بتبنيه حتى أصبح من لا يتبناه يفوته خير كثير.

وهذا النقل عادة يتبنى من دون أن يشعر به أحد ولذلك يسمى النقل الناعم لأنه لا يدخل في الأهداف العامة، ولا يحدث تغييراً جذرياً في نظام التعليم إنما يواكب ما حوله من النظم التعليمية بتبني ما يعجبه من تلك النظم من الأفكار والبرامج والمشاريع وربما في كثير من الأحيان لا يشعر أحد بأن هذه الفكرة أو هذا البرنامج قد نقل من نظام تعليمي آخر، وهو بذلك صحيح أن يصنفه المختصون بالنقل غير المقصود في الغالب.

ولأنه يختص بالأفكار ولا يدخل في المناهج وسياسات التعليم، فليس بالضرورة أن يتم هذا النوع من النقل وفق دراسات لمعرفة ما إذا كان هذا النقل سينجح في هذا البلد كما نجح في بلد آخر، وعلى ذلك فإن النجاح والفشل في هذا المستوى من النقل قد لا يعيرها كثيرون بالاً لأنه باختصار إن حقق نجاحاً فإن النجاح يفسر في الإطار الطبيعي للتطوير في النظام التعليمي وإن حالفه الإخفاق والفشل فإن أضراره قد تكون أصغر من أن تلاحظ طالما أن هذه الأضرار قد تحدث في بعض الآليات والأساليب وليس في الخطط والأهداف والهيكلة والاستراتيجيات والرؤى. ويبدو من نافلة القول هنا أن نذكر أن في هذا المستوى عادة ما يكون النقل باتجاه واحد، بمعنى أن النظام التعليمي الأقوى والأعرق والأحدث من حيث التقنيات والذي بالتالي يدعمه نظام اقتصادي وثقافي أقوى لا شك في أنه سيكون من ينقل عنه للنظام التعليمي الأضعف.

ثانياً- مستوى الفرض والإملاء: هو نظام يفرضه النظام العسكري عند استعمار الدول، حيث يحاول المستعمر من خلال فرض نظام تعليمي معين أن يساعده هذا النظام التعليمي على إحلال ثقافة بدلاً من الثقافة القائمة في البلد المحتل تتمثل في اعتناق الأفكار والرؤى والأهداف التي ينقلها المستعمر عن طريق التعليم بمناهجه وأساليبه وآلياته وسياساته. وهذا النوع من النقل عادة ما ينتهي بالفشل وإن طال المقام به بفضل القوة والهيمنة العسكرية لأن أهداف التعليم ورؤاه ومناهجه وأساليبه مخالفة لأهداف وتطلعات وثقافة البلد الرازح تحت الاحتلال.

هذا النوع من النقل هو نقل قسري إجباري لا يستهدف إصلاح التعليم كغاية بقدر ما يستخدم التعليم كوسيلة يثبت بها أقدامه ويطيل مدة بقائه في البلد المحتل ويخفف من شدة المقاومة له. والإملاء هو نوع مشابه للفرض العسكري إلا أنه لا وجود للاحتلال العسكري هنا إنما المصالح والعلاقات هي التي تجعل طرفاً ما يتدخل في نظام تعليمي لبلد آخر بحيث يجعل أهدافه ومخرجاته منسجمة مع أهدافه كبلد ذي نفوذ اقتصادي وسياسي على البلد المستقبل. وعادة ما تأتي هذه الإملاءات على شكل صيغ متعددة أشهرها إصلاح التعليم ومواكبة المعايير العالمية لمخرجات التعليم وغيرها من الشعارات التي تعتبر مبرراً كافياً لتمرير تلك الإملاءات.

ثالثاً- استعارة النظم: وهو النوع الذي يبدو أكثر شيوعاً من غيره، حيث تسعى الدول إلى الاستفادة من النظم التعليمية المتطورة في إصلاح نظامها التعليمي وبذلك تقوم باستعارة نظام تعليمي معين بعد دراسته ودراسة مدى إمكانية نجاحه فيما إذا قامت الدولة باستعارة وتطبيق سياساته عندها. ورغم أن هذا الوضع الذي يفترض أن تكون عليه استعارة النظم التعليمية، إلا أن الواقع يشي بممارسات غير ذلك في أغلب الأحايين وإن كانت النوايا صادقة في تحسين النظام التعليمي والارتقاء بمخرجاته إلى المستويات المأمولة. وتغري نجاحات نظم تعليمية مثل سنغافورة وفنلندا وكوريا بالاستفادة منها ومحاولة تطبيقها بحيث يتحقق الإصلاح التعليمي وترتقي مخرجات التعليم بحيث تصبح ذات جودة عالية ومنافسة عالمياً.

إلا أن على مستوى التطبيق لم تحقق أي من الدول، التي استخدمت استعارة النظم كأسلوب لإصلاح التعليم، تلك النجاحات المرجوة، بل على العكس أفسدت ما كان في الأصل موجوداً ويعمل بجودة أقل، لكنه على الأقل يعمل. ربما يعود سبب الإخفاق في استعارة النظم التعليمية إلى أن الاستعارة لم تكن مبنية على دراسات وافية أخذت في الاعتبار الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد المستعار منه ومدى ملاءمة ذلك كله مع البلد المستعير.

ختاماً فإن التعليم شأن مجتمعي ويسعى إلى تحقيق أهداف المجتمع الذي يوجد فيه، وإصلاح التعليم ضالة كل نظام تعليمي متى ما وجدها عض عليها بالنواجذ، ومن باب (صاحب الحاجة أرعن) فإن ما يحدث أحياناً من تخبط في إصلاح التعليم ماهو إلا دليل على رغبة صادقة في إصلاحه ومحاولات دؤوبة لجعله مواكباً للنظم العالمية الناجحة وإصرار مستمر على جعل مخرجاته ذات جودة عالية ومنافسة في سوق العمل العالمي.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::823::/cck::
::introtext::

قد يكون استخدام مصطلح (استعارة) نظام تعليمي أخف وقعاً على المسامع من استخدام مصطلحات من مثل (تبني) أو (اعتناق) نظام تعليمي معين، في حين قد تكون النتيجة واحدة وإن اختلفت المصطلحات المستخدمة، حيث إن الذي يحدث باختصار في كل الحالات ما هو إلا نقل لبعض أو كامل النظام التعليمي في داخل البلد الواحد أو من بلد إلى آخر لأهداف مختلفة، لكن الهدف الذي دائماً ما يعلن عادة هو إصلاح التعليم. 

::/introtext::
::fulltext::

قد يكون استخدام مصطلح (استعارة) نظام تعليمي أخف وقعاً على المسامع من استخدام مصطلحات من مثل (تبني) أو (اعتناق) نظام تعليمي معين، في حين قد تكون النتيجة واحدة وإن اختلفت المصطلحات المستخدمة، حيث إن الذي يحدث باختصار في كل الحالات ما هو إلا نقل لبعض أو كامل النظام التعليمي في داخل البلد الواحد أو من بلد إلى آخر لأهداف مختلفة، لكن الهدف الذي دائماً ما يعلن عادة هو إصلاح التعليم.

لكن الخوف كل الخوف في مقام استعارة نظم التعليم أن يكون الحال كحال الغراب الذي أراد أن يمشي مشية الحمامة فلم يتقنها وأراد أن يعود إلى مشيته الأصلية فوجد أنه قد نسيها وأضاعها فأصبح يمشي مشية لا هي مشية غراب ولا مشية حمامة. إلا أن الخوف من إضاعة مشيتك الأصلية يجب ألا يعد مدعاة للانعزال والابتعاد في زمن يقترب العالم فيه كل يوم أكثر من سابقه، وأصبح من أهم سماته الانفتاح على الآخر والمشاركة في المعرفة البشرية بالأخذ والعطاء وتبادل الأفكار ومد جسور التواصل الثقافي.

إن استعارة النظم التعليمية أو (النقل التربوي) تعد واحداً من أهم مظاهر عصر العولمة أو ربما يصح أن نقول إنها ريح العولمة التي لا بد أن تصيبك ولا يمكنك أن تغلق الباب دونها. هذا التقارب –والتنافر في الوقت نفسه- الذي لم يشهد تاريخ البشرية مثله من قبل يحاول أن يجعل الثقافات المتعددة ثقافة عالمية واحدة، والتعليم بصفته أهم محركات التغيير في أي مجتمع لا بد أن يكون مؤثراً ومتأثراً بكل مكونات العولمة الثقافية والاقتصادية والسياسية.

غير أن التعليم في جوهره  وأساسه يجب أن يكون صناعة وطنية قومية، ولا ضير في أن تستفيد هذه الصناعة من منجزات الحضارة الإنسانية لتحسين إنتاجها وتجويد مخرجاتها، لا لكي يتم غرس هذه المنجزات في تربة غير مواتية وبيئة مختلفة فلا تنبت ولا تثمر. فالمنجزات وكذلك الخبرات ما هي إلا نتاج واقع معين، واقتطاعها من واقعها وبيئتها يؤثر بدرجة كبيرة في درجة نجاحها وتكرارها في بيئات جديدة، والأسوأ من ذلك أنها ربما تأتي بنتائج مشوهة. وهذا ما دعا أحد كبار التربويين العرب إلى القول إن الخبرات الأجنبية نتاج لواقع مختلف عن واقعنا وعندما ننقل أفكارهم إلى واقعنا ونطبقها تطبيقاً أعمى تصل بنا النتيجة إلى أننا خرّجنا وأعددنا مواطناً عربياً من الناحية الشكلية لكنه أجنبي من حيث الجوهر.

ولذلك فإن موضوع النقل من الشرق أو الغرب في النظم التعليمية يحتاج إلى فرز وتدقيق ومعرفة شاملة بالأفكار وكيف نشأت تلك الأفكار وكذلك أن تكون هناك نظرة متأملة وناقدة للممارسات التعليمية قبل نقلها بحيث نستفيد منها وننميها متى ما كانت صالحة لنا، وأن نستبعدها متى كانت منافية لنا.

مستويات الاستعارة من النظم التعليمية الأخرى: لعل من الأجدر هنا استخدام مصطلح النقل بدلاً من الاستعارة لتوضيح مستويات النقل من النظم المختلفة وذلك لأن الاستعارة نفسها هي أحد مستويات النقل، وإنما استخدمت عنواناً لهذا المقال من باب أن ما يحدث من تغيير في نظم التعليم في الدول العربية عامة ودول الخليج بشكل خاص غالباً ما يدخل تحت هذا المستوى من النقل وهو مستوى الاستعارة الذي هو بدوره يقسم إلى مستويات مختلفة. و(النقل التربوي) يعد من حقول علم التربية المقارنة المهمة، حيث تناوله كثير من الكتّاب بالدراسة والتحليل لتبيان دوافعه وأنواعه ومستوياته. ولعل أهم ثلاثة أنواع ومستويات للنقل التعليمي هي مستوى الإعجاب ومستوى الفرض والإملاء ومستوى الاستعارة.

أولاً- مستوى الإعجاب: وهي المرحلة التي تسمى بحسب الأدبيات في هذا الموضوع مرحلة (الانتشار (Diffusion وهي المرحلة التي تسمى أيضاً مرحلة النقل الناعم والتي عادة يتم فيها الإعجاب بفكرة ما أو برنامج معين قد شاع صيته أو انتشر في العالم أو في المنطقة بسبب نجاحه في نظام تعليمي معين وقامت كثير من النظم التعليمية بتبنيه حتى أصبح من لا يتبناه يفوته خير كثير.

وهذا النقل عادة يتبنى من دون أن يشعر به أحد ولذلك يسمى النقل الناعم لأنه لا يدخل في الأهداف العامة، ولا يحدث تغييراً جذرياً في نظام التعليم إنما يواكب ما حوله من النظم التعليمية بتبني ما يعجبه من تلك النظم من الأفكار والبرامج والمشاريع وربما في كثير من الأحيان لا يشعر أحد بأن هذه الفكرة أو هذا البرنامج قد نقل من نظام تعليمي آخر، وهو بذلك صحيح أن يصنفه المختصون بالنقل غير المقصود في الغالب.

ولأنه يختص بالأفكار ولا يدخل في المناهج وسياسات التعليم، فليس بالضرورة أن يتم هذا النوع من النقل وفق دراسات لمعرفة ما إذا كان هذا النقل سينجح في هذا البلد كما نجح في بلد آخر، وعلى ذلك فإن النجاح والفشل في هذا المستوى من النقل قد لا يعيرها كثيرون بالاً لأنه باختصار إن حقق نجاحاً فإن النجاح يفسر في الإطار الطبيعي للتطوير في النظام التعليمي وإن حالفه الإخفاق والفشل فإن أضراره قد تكون أصغر من أن تلاحظ طالما أن هذه الأضرار قد تحدث في بعض الآليات والأساليب وليس في الخطط والأهداف والهيكلة والاستراتيجيات والرؤى. ويبدو من نافلة القول هنا أن نذكر أن في هذا المستوى عادة ما يكون النقل باتجاه واحد، بمعنى أن النظام التعليمي الأقوى والأعرق والأحدث من حيث التقنيات والذي بالتالي يدعمه نظام اقتصادي وثقافي أقوى لا شك في أنه سيكون من ينقل عنه للنظام التعليمي الأضعف.

ثانياً- مستوى الفرض والإملاء: هو نظام يفرضه النظام العسكري عند استعمار الدول، حيث يحاول المستعمر من خلال فرض نظام تعليمي معين أن يساعده هذا النظام التعليمي على إحلال ثقافة بدلاً من الثقافة القائمة في البلد المحتل تتمثل في اعتناق الأفكار والرؤى والأهداف التي ينقلها المستعمر عن طريق التعليم بمناهجه وأساليبه وآلياته وسياساته. وهذا النوع من النقل عادة ما ينتهي بالفشل وإن طال المقام به بفضل القوة والهيمنة العسكرية لأن أهداف التعليم ورؤاه ومناهجه وأساليبه مخالفة لأهداف وتطلعات وثقافة البلد الرازح تحت الاحتلال.

هذا النوع من النقل هو نقل قسري إجباري لا يستهدف إصلاح التعليم كغاية بقدر ما يستخدم التعليم كوسيلة يثبت بها أقدامه ويطيل مدة بقائه في البلد المحتل ويخفف من شدة المقاومة له. والإملاء هو نوع مشابه للفرض العسكري إلا أنه لا وجود للاحتلال العسكري هنا إنما المصالح والعلاقات هي التي تجعل طرفاً ما يتدخل في نظام تعليمي لبلد آخر بحيث يجعل أهدافه ومخرجاته منسجمة مع أهدافه كبلد ذي نفوذ اقتصادي وسياسي على البلد المستقبل. وعادة ما تأتي هذه الإملاءات على شكل صيغ متعددة أشهرها إصلاح التعليم ومواكبة المعايير العالمية لمخرجات التعليم وغيرها من الشعارات التي تعتبر مبرراً كافياً لتمرير تلك الإملاءات.

ثالثاً- استعارة النظم: وهو النوع الذي يبدو أكثر شيوعاً من غيره، حيث تسعى الدول إلى الاستفادة من النظم التعليمية المتطورة في إصلاح نظامها التعليمي وبذلك تقوم باستعارة نظام تعليمي معين بعد دراسته ودراسة مدى إمكانية نجاحه فيما إذا قامت الدولة باستعارة وتطبيق سياساته عندها. ورغم أن هذا الوضع الذي يفترض أن تكون عليه استعارة النظم التعليمية، إلا أن الواقع يشي بممارسات غير ذلك في أغلب الأحايين وإن كانت النوايا صادقة في تحسين النظام التعليمي والارتقاء بمخرجاته إلى المستويات المأمولة. وتغري نجاحات نظم تعليمية مثل سنغافورة وفنلندا وكوريا بالاستفادة منها ومحاولة تطبيقها بحيث يتحقق الإصلاح التعليمي وترتقي مخرجات التعليم بحيث تصبح ذات جودة عالية ومنافسة عالمياً.

إلا أن على مستوى التطبيق لم تحقق أي من الدول، التي استخدمت استعارة النظم كأسلوب لإصلاح التعليم، تلك النجاحات المرجوة، بل على العكس أفسدت ما كان في الأصل موجوداً ويعمل بجودة أقل، لكنه على الأقل يعمل. ربما يعود سبب الإخفاق في استعارة النظم التعليمية إلى أن الاستعارة لم تكن مبنية على دراسات وافية أخذت في الاعتبار الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد المستعار منه ومدى ملاءمة ذلك كله مع البلد المستعير.

ختاماً فإن التعليم شأن مجتمعي ويسعى إلى تحقيق أهداف المجتمع الذي يوجد فيه، وإصلاح التعليم ضالة كل نظام تعليمي متى ما وجدها عض عليها بالنواجذ، ومن باب (صاحب الحاجة أرعن) فإن ما يحدث أحياناً من تخبط في إصلاح التعليم ماهو إلا دليل على رغبة صادقة في إصلاحه ومحاولات دؤوبة لجعله مواكباً للنظم العالمية الناجحة وإصرار مستمر على جعل مخرجاته ذات جودة عالية ومنافسة في سوق العمل العالمي.

 

::/fulltext::
::cck::823::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *