حصار غزة: هذا المصطلح المراوغ
::cck::821::/cck::
::introtext::
يبدو أن غزة وضحايا حصارها تحولوا إلى حائط مبكى ومادة إشهارية وإعلامية لأحزاب وأنظمة سياسية لم يعد يعنيها أمر فلسطين ولا الضحايا بحد ذاتهم، بل توظيف المشهد والخطاب الدرامي للحصار لخدمة مشاريعها السياسية وأجندتها الخاصة.
::/introtext::
::fulltext::
يبدو أن غزة وضحايا حصارها تحولوا إلى حائط مبكى ومادة إشهارية وإعلامية لأحزاب وأنظمة سياسية لم يعد يعنيها أمر فلسطين ولا الضحايا بحد ذاتهم، بل توظيف المشهد والخطاب الدرامي للحصار لخدمة مشاريعها السياسية وأجندتها الخاصة.
تحت عنوان (رفع الحصار عن غزة) تتم إعادة صياغة القضية الفلسطينية والانقلاب على أصولها الأولى ونكران تاريخ طويل من النضال الوطني والقومي والمعاناة الأشد وقعاً على الشعب من الحصار، ويتم تجاهل وإسقاط حقوق وطنية أهم من غزة التي هي جزء من الوطن لكنها ليست الوطن، وتحت عنوان رفع الحصار تعمل إسرائيل على أن تكون غزة البداية وغزة النهاية، مع إخراج غزة من هويتها وكينونتها الوطنية الفلسطينية وتحويلها إلى ورقة يخفي من خلالها البعض فشله وعجزه عن القيام بواجبه القومي والإسلامي تجاه القضية المركزية فلسطين، فيما البعض الآخر وجد في القطاع المحاصر والفقير والمدمر فرصة تاريخية لتحويله إلى قاعدة منطلق لمشاريع سياسية وهمية يلبسونها لبوس الدين والعقيدة، وداخل القطاع تشكلت طبقة جديدة راكمت ثرواتها وأقامت مشاريعها الاستثمارية والاقتصادية في ظل الحصار وعلى حساب الشرائح التي تعاني حقيقة من الحصار، وأصبحت هذه الطبقة الجديدة تشكل حالة مفارقة مع المشهد العام للحصار كما يتصوره الناس خارج القطاع.
من المهم أن نبكي على ضحايانا الذين يسقطون في كل جولة من جولات الصراع مع عدو لا يخفي أنه يرغب في بناء وجوده على حساب وجودنا الوطني، ولا بأس أن نُحَوِل ضحايانا من بشر وحجر إلى حائط مبكى نستدر من خلالهم عطف العالم ونُذكر أنفسنا بأننا كنا ضحايا تحولات تاريخية ودولية سارت رياحها على عكس ما تشتهي سفننا، وأننا اليوم ضحايا كيان صهيوني استيطاني يتصرف كأنه فوق كل قانون وشريعة. لكن ينبغي ألا ننسى في كل حفل بكاء وعويل على الضحايا الجدد أن هؤلاء شهداء وطن ومن أجل الوطن وليسوا شهداء حزب ومن أجل حزب، ولا يجوز لأحد أن يُخرج الحدث عن سياقه الوطني العام فيقيم على أشلاء الضحايا حائط بكاء خاصاً به وبمشروعه. قد يكون من المهم أيضاً أن نخفف عن الضحايا وذويهم المصاب ونجعل معركتهم لرفع الضيم وتخفيف المصاب جزءاً من معركة الكل الوطني، لكن من المهم أن نعرف كيف أصبحوا ضحايا؟ وكيف نضمن عدم تكرار المأساة أو الأخطاء التي صيرتهم كذلك، وفوق كل ذلك كيف ننتقم لهؤلاء من الأعداء الحقيقيين؟ وذلك بتحويل الضحية من حائط مبكى ومادة إعلامية وإشهارية على حساب كرامته الإنسانية، لهذا الحزب أو النظام السياسي أو لفضائيات تشتغل وكيلاً عن واشنطن لخدمة أغراضها الاستراتيجية لنشر (الفوضى البناءة ) في المنطقة، إلى مواطن يتعالى على مصابه ويستنهض قواه لينتقم من جلاديه بطريقة عقلانية وضمن استراتيجية وطنية.
لا شك في أن كل الشعب الفلسطيني ضحية الاحتلال الصهيوني الذي بدأ عام1948، وبالتالي يفترض أن يتحول كل ضحايا الاحتلال إلى جبهة واحدة موحدة في مواجهة العدو المشترك، إلا أن إسرائيل نهجت استراتيجية لتدمير وحدة الشعب والقضية بتجزئة القضية إلى قضايا متعددة تُشغل من خلالها الشعب وتجره إلى مسارب مواجهات تدفعه أحياناً ليواجه بعضه بعضاً. الحصار جزئية من استراتيجية إسرائيلية متواصلة: سلطة من دون سيادة، نخب سياسية مرتبطة بالاحتلال تغتني من خلال شراكتها الاقتصادية مع إسرائيل بمقدار عجزها عن إنجاز أي تقدم على مسار المفاوضات التي تقودها مع إسرائيل، أحزاب من دون رؤية مشتركة، اقتصاد من دون مجتمع منتج، إنتاج من دون حرية تصدير واستيراد، تمويل خارجي مشروط، قيود تعيق التواصل بين غزة والضفة، انتخابات ترتد على أصولها الديمقراطية وتؤقَت بما يعزز الفتنة والصراع الداخلي، التنسيق الأمني في الضفة، تهدئة غير معلنة مع إسرائيل في غزة، التضييق على المعابر الحدودية، الحواجز الداخلية، الاستيطان المستشري في الضفة، التهويد المتعاظم للقدس، الجدار العازل، خطة شارون لفصل غزة عن الضفة، اعتقال وزراء ونواب من حركة حماس، انقلاب حركة حماس والانقسام السياسي، إبعاد فلسطينيين من الضفة والقدس، وأخيراً هيمنة موضوع رفع الحصار عن غزة على كل القضايا بحيث غيبت غزة الوطن.

نستحضر كل هذه الأمور لنؤكد أن الحصار جزء من استراتيجية صهيونية أكثر شمولاً، وافتعال مشكلة الحصار في غزة هدفه إبعاد الأنظار عن جوهر القضية في الضفة والقدس وعودة اللاجئين.لا شك في أن الحصار يدمر مقومات الحياة الكريمة للبشر ويدمر ممكنات بناء البنية التحتية للقطاع الذي يسكنه أكثر من مليون ونصف المليون نسمة. والحياة الكريمة ليست فقط توفير الغذاء والماء والدواء والكساء فهذه أمور متوفرة بنسبة كبيرة، وقد يرتد السحر على الساحر إذا ما استمرت حركة حماس بالتركيز على البعد الإنساني للحصار، حيث إن إسرائيل مستعدة لإغراق القطاع بالمواد الغذائية والدواء لتنتزع هذه الورقة من حركة حماس. الحياة الكريمة أن يعيش المواطن سيداً في ظل حكومة وطنية شرعية سيدة تحترم حقوقه وتحفظ كرامته وتحترم الحريات العامة للجميع، حكومة تستمد شرعيتها من ولاء واحترام الشعب لها وليس من توازنات إقليمية ودولية وترتيبات أمنية يفرضها العدو. كما أن البنية التحتية للقطاع ليست بناء أجهزة أمنية وسجون أو مشاريع ترفيهية ومشاريع شراء الأراضي والعقارات التي يقدر رأسمال كل مشروع بملايين الدولارات وهي مشاريع تشكلت في ظل الانقسام ومع الحصار.
المطلوب رفع الحصار للتخفيف عن الضحايا وليس تحويل الحصار إلى حائط بكاء تستغله قوى سياسية لخدمة أغراض سياسية حزبية ضيقة كإقامة إمارة أو دويلة في غزة على حساب وحدة المشروع الوطني والقضية الوطنية، أو لخدمة نخب يتعاظم ثراؤها كل يوم يمر على الحصار حتى بات الفقر في غزة يتعايش مع طبقة رأسمالية طفيلية معنية باستمرار الحصار ولو كشعار مضلل يبرر نهجها غير القانوني وغير الأخلاقي في الثراء؟ حتى يكون رفع الحصار مطلباً وطنياً وقومياً ودولياً إنسانياً يجب أن يصب في طاحونة المصلحة الوطنية والمشروع التحرري الوطني وهذا لن يحدث إن تم فصل واقعة فرض الحصار على غزة عن مسبباتها الأولى وعن السياق العام لأزمة النظام السياسي الفلسطيني وعن الاستراتيجية الإسرائيلية التي خططت بداية لفصل غزة عن الضفة.
إذاً تم التعامل مع الحصار ورفعه خارج السياق الوطني العام فستتحول الدينامية الدافعة لرفع الحصار عن غزة – بغض النظر عن حسن نوايا البعض- إلى أداة تخدم الاستراتيجية الصهيونية، وبدلاً من أن يتحول الضحايا إلى قوة ضمن استراتيجية وطنية للانتقام مع العدو الحقيقي – إسرائيل- سيتحولون إلى أدوات أو حالة معيقة للمشروع الوطني وورقة ابتزاز يوظفها العدو لاستكمال مشروعه الاستراتيجي وهو السيطرة التامة على الضفة والقدس وتدمير المشروع الوطني التحرري – المقاوم والسلمي – وتحويل قطاع غزة إلى ساحة صراع فلسطيني – فلسطيني يخوض فيه الفلسطينيون الحرب بالوكالة عن أصحاب أجندة خارجية وغير وطنية.
قبل ثلاث سنوات كتبنا مقالاً بعنوان (حتى لا تغيّب غزة الوطن)، وبعده بأشهر كتبنا مقالاً بعنوان (الحصار: المخاض العسير لولادة دولة غزة ) ويبدو أن غزة ستغيّب الوطن، وأن جهود رفع الحصار ستؤدي إلى ولادة دويلة مشوهة في غزة، وحتى لا نكون مبالغين فلندقق بمفردات الخطاب السياسي والإعلامي اليوم: حصارغزة، الحرب على غزة، لبيك غزة، نصرة غزة، رفع الحصار عن غزة، غزة سجن كبير، قوافل الحرية إلى غزة، لجان تحقيق دولية حول غزة، حملات دولية لفك الحصار عن غزة، اجتماعات لمجلس الأمن ومنظمات دولية وإقليمية للبحث فيما يجري في غزة ومستقبلها، مقترحات أوروبية وأمريكية وإسرائيلية للتخفيف من الحصار عن غزة أو رفعه إلخ. وشعارات وقرارات وتصورات أخرى كثيرة أصبحت تشكل منظومة متكاملة لحالة سياسية قائمة بذاتها تسمى قطاع غزة، منقطعة الصلة بالقضية الأصلية وهي القضية الوطنية الفلسطينية. أضف إلى ذلك وجود حكومة وسلطة في القطاع تمارس كدولة قائمة بذاتها ولا تتعدى سياساتها العامة حدود القطاع، وقيادة سياسية لحركة حماس بدأ العالم يتعامل معها تدريجياً ليس باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وللقضية بشكل عام بل ممثلة لقطاع غزة، حيث لا نسمع إلا نادراً أن لقاءات خالد مشعل وبقية قيادات حماس مع المسؤولين الأجانب الذين يلتقون بهم تتطرق إلى قضايا تتجاوز رفع الحصار عن غزة وعلاقة القطاع بإسرائيل وخصوصاً في القضايا الأمنية. وفي المقابل فإن المفاوضات المتعثرة والتي أخذت شكل المفاوضات غير المباشرة أصبحت تقتصر على قضية تجميد الاستيطان وقضيتي المياه والأمن في الضفة الغربية فقط، كأن لا وجود لقطاع غزة، أما فلسطين القضية الوطنية قضية الحرية والاستقلال الوطني فقد غابت عن الخطاب الإعلامي والاهتمام الدولي.
ضمن هذا السياق نلاحظ أن الحديث عن حصار غزة ورفعه أو تخفيفه غطى على جوهر القضية وهو الاستيطان في الضفة وتهويد القدس ومأزق التسوية وتهرب إسرائيل من التزاماتها، كما غطى على المقاومة العسكرية والسلمية خطاباً وممارسة، وبدلاً من أن تدفع ديناميكية دعوات رفع الحصار التي أوجدها رأي عام عالمي يتزايد في تأييده ودعمه للفلسطينيين إلى التسريع بالمصالحة زادت من تعقيد ملف المصالحة وجعلتها أبعد منالاً. ونلاحظ أيضاً أن غالبية الحديث عن رفع الحصار بات منبت الصلة بجوهر القضية الفلسطينية حيث الحديث يدور عن رفع الحصار عن غزة بما يكرس فصلها عن الضفة وتأبيد حالة القطيعة بين الطرفين، أما الرؤى التي تسعى إلى تزامن رفع الحصار مع المصالحة بما يحافظ على وحدة الشعب والأرض فهي شبه غائبة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::821::/cck::
::introtext::
يبدو أن غزة وضحايا حصارها تحولوا إلى حائط مبكى ومادة إشهارية وإعلامية لأحزاب وأنظمة سياسية لم يعد يعنيها أمر فلسطين ولا الضحايا بحد ذاتهم، بل توظيف المشهد والخطاب الدرامي للحصار لخدمة مشاريعها السياسية وأجندتها الخاصة.
::/introtext::
::fulltext::
يبدو أن غزة وضحايا حصارها تحولوا إلى حائط مبكى ومادة إشهارية وإعلامية لأحزاب وأنظمة سياسية لم يعد يعنيها أمر فلسطين ولا الضحايا بحد ذاتهم، بل توظيف المشهد والخطاب الدرامي للحصار لخدمة مشاريعها السياسية وأجندتها الخاصة.
تحت عنوان (رفع الحصار عن غزة) تتم إعادة صياغة القضية الفلسطينية والانقلاب على أصولها الأولى ونكران تاريخ طويل من النضال الوطني والقومي والمعاناة الأشد وقعاً على الشعب من الحصار، ويتم تجاهل وإسقاط حقوق وطنية أهم من غزة التي هي جزء من الوطن لكنها ليست الوطن، وتحت عنوان رفع الحصار تعمل إسرائيل على أن تكون غزة البداية وغزة النهاية، مع إخراج غزة من هويتها وكينونتها الوطنية الفلسطينية وتحويلها إلى ورقة يخفي من خلالها البعض فشله وعجزه عن القيام بواجبه القومي والإسلامي تجاه القضية المركزية فلسطين، فيما البعض الآخر وجد في القطاع المحاصر والفقير والمدمر فرصة تاريخية لتحويله إلى قاعدة منطلق لمشاريع سياسية وهمية يلبسونها لبوس الدين والعقيدة، وداخل القطاع تشكلت طبقة جديدة راكمت ثرواتها وأقامت مشاريعها الاستثمارية والاقتصادية في ظل الحصار وعلى حساب الشرائح التي تعاني حقيقة من الحصار، وأصبحت هذه الطبقة الجديدة تشكل حالة مفارقة مع المشهد العام للحصار كما يتصوره الناس خارج القطاع.
من المهم أن نبكي على ضحايانا الذين يسقطون في كل جولة من جولات الصراع مع عدو لا يخفي أنه يرغب في بناء وجوده على حساب وجودنا الوطني، ولا بأس أن نُحَوِل ضحايانا من بشر وحجر إلى حائط مبكى نستدر من خلالهم عطف العالم ونُذكر أنفسنا بأننا كنا ضحايا تحولات تاريخية ودولية سارت رياحها على عكس ما تشتهي سفننا، وأننا اليوم ضحايا كيان صهيوني استيطاني يتصرف كأنه فوق كل قانون وشريعة. لكن ينبغي ألا ننسى في كل حفل بكاء وعويل على الضحايا الجدد أن هؤلاء شهداء وطن ومن أجل الوطن وليسوا شهداء حزب ومن أجل حزب، ولا يجوز لأحد أن يُخرج الحدث عن سياقه الوطني العام فيقيم على أشلاء الضحايا حائط بكاء خاصاً به وبمشروعه. قد يكون من المهم أيضاً أن نخفف عن الضحايا وذويهم المصاب ونجعل معركتهم لرفع الضيم وتخفيف المصاب جزءاً من معركة الكل الوطني، لكن من المهم أن نعرف كيف أصبحوا ضحايا؟ وكيف نضمن عدم تكرار المأساة أو الأخطاء التي صيرتهم كذلك، وفوق كل ذلك كيف ننتقم لهؤلاء من الأعداء الحقيقيين؟ وذلك بتحويل الضحية من حائط مبكى ومادة إعلامية وإشهارية على حساب كرامته الإنسانية، لهذا الحزب أو النظام السياسي أو لفضائيات تشتغل وكيلاً عن واشنطن لخدمة أغراضها الاستراتيجية لنشر (الفوضى البناءة ) في المنطقة، إلى مواطن يتعالى على مصابه ويستنهض قواه لينتقم من جلاديه بطريقة عقلانية وضمن استراتيجية وطنية.
لا شك في أن كل الشعب الفلسطيني ضحية الاحتلال الصهيوني الذي بدأ عام1948، وبالتالي يفترض أن يتحول كل ضحايا الاحتلال إلى جبهة واحدة موحدة في مواجهة العدو المشترك، إلا أن إسرائيل نهجت استراتيجية لتدمير وحدة الشعب والقضية بتجزئة القضية إلى قضايا متعددة تُشغل من خلالها الشعب وتجره إلى مسارب مواجهات تدفعه أحياناً ليواجه بعضه بعضاً. الحصار جزئية من استراتيجية إسرائيلية متواصلة: سلطة من دون سيادة، نخب سياسية مرتبطة بالاحتلال تغتني من خلال شراكتها الاقتصادية مع إسرائيل بمقدار عجزها عن إنجاز أي تقدم على مسار المفاوضات التي تقودها مع إسرائيل، أحزاب من دون رؤية مشتركة، اقتصاد من دون مجتمع منتج، إنتاج من دون حرية تصدير واستيراد، تمويل خارجي مشروط، قيود تعيق التواصل بين غزة والضفة، انتخابات ترتد على أصولها الديمقراطية وتؤقَت بما يعزز الفتنة والصراع الداخلي، التنسيق الأمني في الضفة، تهدئة غير معلنة مع إسرائيل في غزة، التضييق على المعابر الحدودية، الحواجز الداخلية، الاستيطان المستشري في الضفة، التهويد المتعاظم للقدس، الجدار العازل، خطة شارون لفصل غزة عن الضفة، اعتقال وزراء ونواب من حركة حماس، انقلاب حركة حماس والانقسام السياسي، إبعاد فلسطينيين من الضفة والقدس، وأخيراً هيمنة موضوع رفع الحصار عن غزة على كل القضايا بحيث غيبت غزة الوطن.

نستحضر كل هذه الأمور لنؤكد أن الحصار جزء من استراتيجية صهيونية أكثر شمولاً، وافتعال مشكلة الحصار في غزة هدفه إبعاد الأنظار عن جوهر القضية في الضفة والقدس وعودة اللاجئين.لا شك في أن الحصار يدمر مقومات الحياة الكريمة للبشر ويدمر ممكنات بناء البنية التحتية للقطاع الذي يسكنه أكثر من مليون ونصف المليون نسمة. والحياة الكريمة ليست فقط توفير الغذاء والماء والدواء والكساء فهذه أمور متوفرة بنسبة كبيرة، وقد يرتد السحر على الساحر إذا ما استمرت حركة حماس بالتركيز على البعد الإنساني للحصار، حيث إن إسرائيل مستعدة لإغراق القطاع بالمواد الغذائية والدواء لتنتزع هذه الورقة من حركة حماس. الحياة الكريمة أن يعيش المواطن سيداً في ظل حكومة وطنية شرعية سيدة تحترم حقوقه وتحفظ كرامته وتحترم الحريات العامة للجميع، حكومة تستمد شرعيتها من ولاء واحترام الشعب لها وليس من توازنات إقليمية ودولية وترتيبات أمنية يفرضها العدو. كما أن البنية التحتية للقطاع ليست بناء أجهزة أمنية وسجون أو مشاريع ترفيهية ومشاريع شراء الأراضي والعقارات التي يقدر رأسمال كل مشروع بملايين الدولارات وهي مشاريع تشكلت في ظل الانقسام ومع الحصار.
المطلوب رفع الحصار للتخفيف عن الضحايا وليس تحويل الحصار إلى حائط بكاء تستغله قوى سياسية لخدمة أغراض سياسية حزبية ضيقة كإقامة إمارة أو دويلة في غزة على حساب وحدة المشروع الوطني والقضية الوطنية، أو لخدمة نخب يتعاظم ثراؤها كل يوم يمر على الحصار حتى بات الفقر في غزة يتعايش مع طبقة رأسمالية طفيلية معنية باستمرار الحصار ولو كشعار مضلل يبرر نهجها غير القانوني وغير الأخلاقي في الثراء؟ حتى يكون رفع الحصار مطلباً وطنياً وقومياً ودولياً إنسانياً يجب أن يصب في طاحونة المصلحة الوطنية والمشروع التحرري الوطني وهذا لن يحدث إن تم فصل واقعة فرض الحصار على غزة عن مسبباتها الأولى وعن السياق العام لأزمة النظام السياسي الفلسطيني وعن الاستراتيجية الإسرائيلية التي خططت بداية لفصل غزة عن الضفة.
إذاً تم التعامل مع الحصار ورفعه خارج السياق الوطني العام فستتحول الدينامية الدافعة لرفع الحصار عن غزة – بغض النظر عن حسن نوايا البعض- إلى أداة تخدم الاستراتيجية الصهيونية، وبدلاً من أن يتحول الضحايا إلى قوة ضمن استراتيجية وطنية للانتقام مع العدو الحقيقي – إسرائيل- سيتحولون إلى أدوات أو حالة معيقة للمشروع الوطني وورقة ابتزاز يوظفها العدو لاستكمال مشروعه الاستراتيجي وهو السيطرة التامة على الضفة والقدس وتدمير المشروع الوطني التحرري – المقاوم والسلمي – وتحويل قطاع غزة إلى ساحة صراع فلسطيني – فلسطيني يخوض فيه الفلسطينيون الحرب بالوكالة عن أصحاب أجندة خارجية وغير وطنية.
قبل ثلاث سنوات كتبنا مقالاً بعنوان (حتى لا تغيّب غزة الوطن)، وبعده بأشهر كتبنا مقالاً بعنوان (الحصار: المخاض العسير لولادة دولة غزة ) ويبدو أن غزة ستغيّب الوطن، وأن جهود رفع الحصار ستؤدي إلى ولادة دويلة مشوهة في غزة، وحتى لا نكون مبالغين فلندقق بمفردات الخطاب السياسي والإعلامي اليوم: حصارغزة، الحرب على غزة، لبيك غزة، نصرة غزة، رفع الحصار عن غزة، غزة سجن كبير، قوافل الحرية إلى غزة، لجان تحقيق دولية حول غزة، حملات دولية لفك الحصار عن غزة، اجتماعات لمجلس الأمن ومنظمات دولية وإقليمية للبحث فيما يجري في غزة ومستقبلها، مقترحات أوروبية وأمريكية وإسرائيلية للتخفيف من الحصار عن غزة أو رفعه إلخ. وشعارات وقرارات وتصورات أخرى كثيرة أصبحت تشكل منظومة متكاملة لحالة سياسية قائمة بذاتها تسمى قطاع غزة، منقطعة الصلة بالقضية الأصلية وهي القضية الوطنية الفلسطينية. أضف إلى ذلك وجود حكومة وسلطة في القطاع تمارس كدولة قائمة بذاتها ولا تتعدى سياساتها العامة حدود القطاع، وقيادة سياسية لحركة حماس بدأ العالم يتعامل معها تدريجياً ليس باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وللقضية بشكل عام بل ممثلة لقطاع غزة، حيث لا نسمع إلا نادراً أن لقاءات خالد مشعل وبقية قيادات حماس مع المسؤولين الأجانب الذين يلتقون بهم تتطرق إلى قضايا تتجاوز رفع الحصار عن غزة وعلاقة القطاع بإسرائيل وخصوصاً في القضايا الأمنية. وفي المقابل فإن المفاوضات المتعثرة والتي أخذت شكل المفاوضات غير المباشرة أصبحت تقتصر على قضية تجميد الاستيطان وقضيتي المياه والأمن في الضفة الغربية فقط، كأن لا وجود لقطاع غزة، أما فلسطين القضية الوطنية قضية الحرية والاستقلال الوطني فقد غابت عن الخطاب الإعلامي والاهتمام الدولي.
ضمن هذا السياق نلاحظ أن الحديث عن حصار غزة ورفعه أو تخفيفه غطى على جوهر القضية وهو الاستيطان في الضفة وتهويد القدس ومأزق التسوية وتهرب إسرائيل من التزاماتها، كما غطى على المقاومة العسكرية والسلمية خطاباً وممارسة، وبدلاً من أن تدفع ديناميكية دعوات رفع الحصار التي أوجدها رأي عام عالمي يتزايد في تأييده ودعمه للفلسطينيين إلى التسريع بالمصالحة زادت من تعقيد ملف المصالحة وجعلتها أبعد منالاً. ونلاحظ أيضاً أن غالبية الحديث عن رفع الحصار بات منبت الصلة بجوهر القضية الفلسطينية حيث الحديث يدور عن رفع الحصار عن غزة بما يكرس فصلها عن الضفة وتأبيد حالة القطيعة بين الطرفين، أما الرؤى التي تسعى إلى تزامن رفع الحصار مع المصالحة بما يحافظ على وحدة الشعب والأرض فهي شبه غائبة.
::/fulltext::
::cck::821::/cck::
