أزمة ديون دبي وتأثيراتها المحتملة في اقتصادات دول مجلس التعاون
::cck::849::/cck::
::introtext::
مع بداية عطلة عيد الأضحى المبارك، وبالتحديد في 25 نوفمبر 2009، شهد هذا التوقيت حدثاً مثّل زلزالاً مالياً للعديد من دول العالم، وأرجع الذاكرة إلى بداية الأزمة المالية العالمية التي تظهر توابعها بين الفينة والأخرى، وهو إعلان شركة دبي العالمية رغبتها في جدولة ديونها لمدة ستة أشهر، وتقدر كافة ديون شركة دبي العالمية بحوالي 59 مليار دولار تشكل الجزء الأكبر من ديون الشركات التابعة لإمارة دبي، ويستحق جزء مهم من هذه الديون بدءاً من نهاية عام 2009، ويمتد خلال السنوات القليلة المقبلة.
::/introtext::
::fulltext::
مع بداية عطلة عيد الأضحى المبارك، وبالتحديد في 25 نوفمبر 2009، شهد هذا التوقيت حدثاً مثّل زلزالاً مالياً للعديد من دول العالم، وأرجع الذاكرة إلى بداية الأزمة المالية العالمية التي تظهر توابعها بين الفينة والأخرى، وهو إعلان شركة دبي العالمية رغبتها في جدولة ديونها لمدة ستة أشهر، وتقدر كافة ديون شركة دبي العالمية بحوالي 59 مليار دولار تشكل الجزء الأكبر من ديون الشركات التابعة لإمارة دبي، ويستحق جزء مهم من هذه الديون بدءاً من نهاية عام 2009، ويمتد خلال السنوات القليلة المقبلة.
تعتمد دبي في ناتجها المحلي على الخدمات ويحتل القطاع العقاري والمالي والسياحي الأولوية
تعد شركة دبي العالمية المملوكة من قبل حكومة دبي بالكاملبالإضافة إلى شركتين عملاقتين أخريين هما دبي القابضة ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية أكبر ثلاث شركات تتبع لحكومة الإمارة. وتعتبر شركة دبي العالمية بصفة خاصة أهم شركات الإمارة وقاطرة الاستثمار العقاري فيها، وتشمل أنشطتها العديد من المجالات داخل الإمارة وخارجها، وتمتلك العديد من الشركات التابعة الكبيرة مثل شركة (نخيل)، أكبر شركة تطوير عقاري في دبي، و(ليمتلس)، كما تمتلك الحصة الأكبر في شركة (موانئ دبي العالمية) التي تدير 49 محطة في مناطق عديدة في العالم، وتمثل شركة (استثمار) الذراع الاستثمارية للشركة والتي تدير أصولاً تقدر قيمتها بحوالي 36 مليار درهم في مختلف أنحاء العالم أهمها حصة في بنك ستاندرد تشارترد البريطاني. كما تمتلك دبي العالمية أيضاً شركة المناطق الاقتصادية والتي تتبع لها منطقة جبل علي الحرة (جافزا) التي تعد واحدة من أكبر المناطق الحرة في العالم، فضلاً عن العديد من المناطق الحرة الناشئة، بالإضافة إلى عدد من الشركات الأقل أهمية مثل مدينة دبي الملاحية والأحواض الجافة وليجر كورب.

وقد قامت الشركات التابعة لدبي العالمية بالاقتراض المكثف خلال السنوات الخمس الماضية لتمويل توسعات متزايدة وبناء مشاريع ضخمة، وتتركز مشكلات دبي العالمية بشكل خاص في شركة نخيل التي ألغت منذ الأزمة المالية العالمية عدداً من المشاريع، كما قلصت الأعمال بشكل واسع في نخلتي جبل علي وديرة والواجهة البحرية. كما لم يحالف التوفيق دبي العالمية في استثمارات خارجية مثل الاستثمار في لاس فيغاس، فيما تحقق موانئ دبي والمناطق الاقتصادية (جبل علي الحرة) تدفقات نقدية كافية لخدمة الديون وهو الشيء الذي أدى إلى إسراع موانئ دبي بالإعلان أنها ليست طرفاً في عملية طلب تأخير موعد السداد لدائني دبي العالمية.
آثار الأزمة
شهدت أسواق المال العالمية فور إعلان دبي العالمية عن سعيها لجدولة ديونها انخفاضاً ملحوظاً، وأنقذت عطلة عيد الأضحى الأسواق الخليجية والعربية من التهاوي، وهو الأمر الذي حدث بعد انتهاء العطلة، وتراجعت أسهم العديد من البنوك العالمية وخصوصاً تلك المنكشفة على دبي العالمية كالبنوك الأوروبية الكبرى مثل (إتش إس بي سي) وستاندرد تشارترد فيما أعلنت بنوك أخرى حول العالم أن انكشافها محدود أو أنه تحت السيطرة. وسرعان ما استقرت الأمور بعد إعلام البنك المركزي الإماراتي ضخ كميات إضافية من السيولة، وتحقيق تطمينات من جانب إمارة أبوظبي بل من جانب إمارة دبي ذاتها. كما كشفت مجموعة دبي العالمية عن إعادة هيكلة ديون تقدر فقط بقيمة 22 مليار دولار، وأبلغت الدائنين بأن إجمالي ديونها يبلغ 40 مليار دولار، وشرحت وضعها المالي للدائنين وسعيها لإعادة هيكلة ديون مرتبطة بها وبوحدتي نخيل وليمتلس العالمية العقاريتين التابعتين لها.
المركز المالي لإمارة دبي
يكشف الواقع أن حجم الديون الخاصة بحكومة دبي يبلغ 10 مليارات دولار فقط، و70 مليار دولار أخرى ديون الشركات التابعة لها، وأن حجم أصول الحكومة في دبي يصل إلى 90 مليار دولار بخلاف الطرق والمطارات والموانئ، أما أصول الشركات التابعة للحكومة فتبلغ 260 مليار دولار. ويبلغ الناتج الإجمالي المحلي للإمارة في حدود 50 مليار دولار، وتعتمد دبي في ناتجها المحلي على الخدمات، ويحتل القطاع العقاري والمالي والسياحي الأولوية في الإمارة بينما لا يمثل النفط إلا 6 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للإمارة، وهو ما يرفع في مجمله من سقف التطمينات.
ردود الأفعال العالمية
توالت الردود العالمية لأزمة دبي في صورة تصريحات الكثير من زعماء العالم الذين تميزت ردود أفعالهم بالثقة باقتصاد دبي وقدرته على التعافي، معتبرين أنها أزمة ضئيلة إذا ما قورنت بالأزمة المالية العالمية. فقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أن النظام المالي العالمي قوي بما يكفي لمواجهة أزمة ديون دبي، وقال إنه تحدث إلى مسؤولين في دبي وإنهم ما زالوا يرغبون في المضي في مشروعات للمرافق الأساسية في بريطانيا. وفي واشنطن, قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها تراقب أزمة ديون دبي عن كثب. وكشفت بيانات بنك التسويات الدولية أن حجم انكشاف المؤسسات المالية الأمريكية على دبي يزيد على 10.5 مليار دولار، إلا أن هذا المبلغ يقل كثيراً عن حجم انكشاف البنوك البريطانية والفرنسية على تلك الأزمة. وقال رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون إن بالإمكان احتواء أزمة ديون دبي، وأشار إلى أن لدى منطقة الخليج موارد مالية تضمن عدم انزلاق العالم في أزمة جديدة. كما أعلن الاتحاد الأوروبي أن أزمة ديون دبي تظهر أن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد، وأن الأزمة الراهنة تعزز عزم أوروبا على تطبيق القرارات التي اتخذتها مجموعة العشرين من أجل إنعاش الاقتصاد العالمي والحيلولة دون تكرار تلك النوعية من الهزات المالية الكبرى.
أبوظبي وزمام المبادرة
أخذت إمارة أبوظبي بزمام المبادرة ومنحت إمارة دبي 10 مليارات دولار لاستخدامها في تسديد ديون دبي العالمية. وتجنبت دبي بذلك العجز عن سداد صكوك بقيمة 4,1 مليار دولار كانت نخيل قد أصدرتها. وهو ما ساهم في تحقيق الاطمئنان في أسواق المال الخليجية والعربية والعالمية، خاصة أن أبوظبي تضخ نحو 90 في المائة من النفط الذي تنتجه الإمارات التي تعد ثالث أكبر مصدر للنفط للخام في العالم، وتمتلك أكبر صندوق استثماري سيادي في العالم يقدر بأكثر من 800 مليار دولار، وسبق أن قدمت 15 مليار دولار دعماً غير مباشر إلى دبي عن طريق مصرف الإمارات المركزي وبنكين من القطاع الخاص مقرهما في أبوظبي.
الأزمة ودول مجلس التعاون
وبالنسبة لتأثير أزمة دبي في دول مجلس التعاون، فقد رأى البعض أن تلك الأزمة ستكون بداية لأزمات متلاحقة في دول مجلس التعاون. بينما رأى البعض الآخر أن تلك الأزمة كشفت أن نموذج دبي هو نموذج هش لقيامه على الفقاعات سواء أكانت عقارية أم مالية أم سياحية. ورأى طرف ثالث أن الاستثمارات ستنتقل إلى دول أخرى داخل مجلس التعاون خاصة الاستثمارات العقارية، بل اتجه رأي آخر إلى اتجاه الأموال للاستثمار خارج دول مجلس التعاون.
والواقع أن أزمة دبي أخذت أكثر من حجمها، فدبي تملك من الأصول ما يكفي لسداد ديونها، لكن من المسلمات الاقتصادية ألا يتم تسييل تلك الأصول بقيمة تقل بصورة كبيرة عن قيمتها الحقيقية، وهو ما دفع دبي العالمية إلى جدولة ديونها وفقاً لمبدأ (المنافع / التكاليف)، كما أن دبي وعت درس الفقاعات العقارية واعتماد الناتج المحلي فيها على الريع من خلال سعيها على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منذ أكثر من عامين إلى تنويع هيكل الإنتاج فيها والتوجه نحو التصنيع، وهو اتجاه طيب، وإن كان لم يؤت ثمرته بعد نتيجة لحداثته، كما أنه عقب تلك الأزمة عززت حكومة دبي من ترشيد نفقاتها.
حجم أصول الحكومة بدبي يصل إلى 90 مليار دولار بخلاف الطرق والمطارات والموانئ
أما من يرى أن أزمة دبي ستؤدي إلى انتقال الاستثمارات إلى دول بعينها دون غيرها واتجاه الأموال للاستثمار خارج دول مجلس التعاون فهو أمر يفتقد الدليل والمنطق، ففي ظل الأزمات المالية تتقوقع الأموال باعتبار رأس المال جبان، وقد تنشط المضاربات للاستفادة من فروق الأسعار. فمن يرغب في انتقال ماله سينقله من بلد فيه أزمة إلى بلد آخر فيه أزمة، فالأزمة عالمية وإن اختلفت درجة تأثيرها، ووضع المال تحت عين صاحبه هو الوضع المناسب في تلك المرحلة.
حجم الديون الخاصة بحكومة دبي يبلغ 10 مليارات دولار، و70 ملياراً ديون الشركات التابعة لها
هل من نهاية للأزمة؟
إن أزمة دبي أمر عارض وسوف ينتهي بصورة طبيعية، خاصة أن تلك الأزمة كشفت عن مد يد العون لدبي، وأنها ليست وحدها، حتى إن الكويت عرضت يد المساعدة، وهذا شيء منطقي لأن انهيار اقتصاد أي إمارة أو دولة خليجية ستكون له آثار سلبية في بقية دول المجلس، ومن ثم لن تقف دول مجلس التعاون مكتوفة الأيدي أمام تلك الأزمة وذلك من خلال مد يد العون المالي لدبي وتحقيق الثقة والطمأنينة لدى الدائنين وجمهور المتعاملين، الأمر الذي يسهم في تعافي دبي من تلك الأزمة، كما أن دبي قادرة على إدارة الأزمة، وهذا ليس جديداً عليها وإن كانت أزمة ديون، ويعزز ذلك نجاح مركز دبي المالي وشركة دبي القابضة في تسديد قروض مستحقة على الشركة في نوفمبر 2008 قدرت بنحو 1.4 مليار دولار، وقيام بورصة دبي بسداد دين عليها في فبراير 2009 بلغت قيمته 2.5 مليار دولار، وقيام حكومة دبي بترشيد نفقات دوائرها الحكومية مما حقق لها وفراً يقدر بمبلغ 800 مليون دولار بما يسهم في سد العجز في الموازنة المقدر له 1.1 مليار دولار نتيجة للإنفاق الاستثماري الملحوظ في البنية التحتية وإن كانت الموازنة التشغيلية لحكومة دبي لعام 2009 حققت فائضاً.
كما قامت دبي بالسعي لدمج شركتي التمويل العقاري (أملاك) و(تمويل) في مصرف إسلامي، وتشغيل المبنى رقم 3 في مطار دبي، إلى جانب ما تملكه من خبرة في تخطي أزمات سابقة، حيث تمكنت من تجاوز أزمة شركات التأمين العالمية في الثمانينات من القرن الماضي من خلال تأسيس آليات للتأمين الذاتي. وختاماً فإن هذه الأزمة ستشكل علامة فارقة ودرساً مستفاداً من النهج التوسعي الذي رسمته دبي طوال العقد الماضي، والذي يبدو أنه سيمر بمرحلة من إعادة النظر خلال السنوات المقبلة وفقاً لأوليات الاستثمار مع تعزيز التوجه نحو تنويع هيكل الإنتاج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::849::/cck::
::introtext::
مع بداية عطلة عيد الأضحى المبارك، وبالتحديد في 25 نوفمبر 2009، شهد هذا التوقيت حدثاً مثّل زلزالاً مالياً للعديد من دول العالم، وأرجع الذاكرة إلى بداية الأزمة المالية العالمية التي تظهر توابعها بين الفينة والأخرى، وهو إعلان شركة دبي العالمية رغبتها في جدولة ديونها لمدة ستة أشهر، وتقدر كافة ديون شركة دبي العالمية بحوالي 59 مليار دولار تشكل الجزء الأكبر من ديون الشركات التابعة لإمارة دبي، ويستحق جزء مهم من هذه الديون بدءاً من نهاية عام 2009، ويمتد خلال السنوات القليلة المقبلة.
::/introtext::
::fulltext::
مع بداية عطلة عيد الأضحى المبارك، وبالتحديد في 25 نوفمبر 2009، شهد هذا التوقيت حدثاً مثّل زلزالاً مالياً للعديد من دول العالم، وأرجع الذاكرة إلى بداية الأزمة المالية العالمية التي تظهر توابعها بين الفينة والأخرى، وهو إعلان شركة دبي العالمية رغبتها في جدولة ديونها لمدة ستة أشهر، وتقدر كافة ديون شركة دبي العالمية بحوالي 59 مليار دولار تشكل الجزء الأكبر من ديون الشركات التابعة لإمارة دبي، ويستحق جزء مهم من هذه الديون بدءاً من نهاية عام 2009، ويمتد خلال السنوات القليلة المقبلة.
تعتمد دبي في ناتجها المحلي على الخدمات ويحتل القطاع العقاري والمالي والسياحي الأولوية
تعد شركة دبي العالمية المملوكة من قبل حكومة دبي بالكاملبالإضافة إلى شركتين عملاقتين أخريين هما دبي القابضة ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية أكبر ثلاث شركات تتبع لحكومة الإمارة. وتعتبر شركة دبي العالمية بصفة خاصة أهم شركات الإمارة وقاطرة الاستثمار العقاري فيها، وتشمل أنشطتها العديد من المجالات داخل الإمارة وخارجها، وتمتلك العديد من الشركات التابعة الكبيرة مثل شركة (نخيل)، أكبر شركة تطوير عقاري في دبي، و(ليمتلس)، كما تمتلك الحصة الأكبر في شركة (موانئ دبي العالمية) التي تدير 49 محطة في مناطق عديدة في العالم، وتمثل شركة (استثمار) الذراع الاستثمارية للشركة والتي تدير أصولاً تقدر قيمتها بحوالي 36 مليار درهم في مختلف أنحاء العالم أهمها حصة في بنك ستاندرد تشارترد البريطاني. كما تمتلك دبي العالمية أيضاً شركة المناطق الاقتصادية والتي تتبع لها منطقة جبل علي الحرة (جافزا) التي تعد واحدة من أكبر المناطق الحرة في العالم، فضلاً عن العديد من المناطق الحرة الناشئة، بالإضافة إلى عدد من الشركات الأقل أهمية مثل مدينة دبي الملاحية والأحواض الجافة وليجر كورب.

وقد قامت الشركات التابعة لدبي العالمية بالاقتراض المكثف خلال السنوات الخمس الماضية لتمويل توسعات متزايدة وبناء مشاريع ضخمة، وتتركز مشكلات دبي العالمية بشكل خاص في شركة نخيل التي ألغت منذ الأزمة المالية العالمية عدداً من المشاريع، كما قلصت الأعمال بشكل واسع في نخلتي جبل علي وديرة والواجهة البحرية. كما لم يحالف التوفيق دبي العالمية في استثمارات خارجية مثل الاستثمار في لاس فيغاس، فيما تحقق موانئ دبي والمناطق الاقتصادية (جبل علي الحرة) تدفقات نقدية كافية لخدمة الديون وهو الشيء الذي أدى إلى إسراع موانئ دبي بالإعلان أنها ليست طرفاً في عملية طلب تأخير موعد السداد لدائني دبي العالمية.
آثار الأزمة
شهدت أسواق المال العالمية فور إعلان دبي العالمية عن سعيها لجدولة ديونها انخفاضاً ملحوظاً، وأنقذت عطلة عيد الأضحى الأسواق الخليجية والعربية من التهاوي، وهو الأمر الذي حدث بعد انتهاء العطلة، وتراجعت أسهم العديد من البنوك العالمية وخصوصاً تلك المنكشفة على دبي العالمية كالبنوك الأوروبية الكبرى مثل (إتش إس بي سي) وستاندرد تشارترد فيما أعلنت بنوك أخرى حول العالم أن انكشافها محدود أو أنه تحت السيطرة. وسرعان ما استقرت الأمور بعد إعلام البنك المركزي الإماراتي ضخ كميات إضافية من السيولة، وتحقيق تطمينات من جانب إمارة أبوظبي بل من جانب إمارة دبي ذاتها. كما كشفت مجموعة دبي العالمية عن إعادة هيكلة ديون تقدر فقط بقيمة 22 مليار دولار، وأبلغت الدائنين بأن إجمالي ديونها يبلغ 40 مليار دولار، وشرحت وضعها المالي للدائنين وسعيها لإعادة هيكلة ديون مرتبطة بها وبوحدتي نخيل وليمتلس العالمية العقاريتين التابعتين لها.
المركز المالي لإمارة دبي
يكشف الواقع أن حجم الديون الخاصة بحكومة دبي يبلغ 10 مليارات دولار فقط، و70 مليار دولار أخرى ديون الشركات التابعة لها، وأن حجم أصول الحكومة في دبي يصل إلى 90 مليار دولار بخلاف الطرق والمطارات والموانئ، أما أصول الشركات التابعة للحكومة فتبلغ 260 مليار دولار. ويبلغ الناتج الإجمالي المحلي للإمارة في حدود 50 مليار دولار، وتعتمد دبي في ناتجها المحلي على الخدمات، ويحتل القطاع العقاري والمالي والسياحي الأولوية في الإمارة بينما لا يمثل النفط إلا 6 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للإمارة، وهو ما يرفع في مجمله من سقف التطمينات.
ردود الأفعال العالمية
توالت الردود العالمية لأزمة دبي في صورة تصريحات الكثير من زعماء العالم الذين تميزت ردود أفعالهم بالثقة باقتصاد دبي وقدرته على التعافي، معتبرين أنها أزمة ضئيلة إذا ما قورنت بالأزمة المالية العالمية. فقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أن النظام المالي العالمي قوي بما يكفي لمواجهة أزمة ديون دبي، وقال إنه تحدث إلى مسؤولين في دبي وإنهم ما زالوا يرغبون في المضي في مشروعات للمرافق الأساسية في بريطانيا. وفي واشنطن, قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها تراقب أزمة ديون دبي عن كثب. وكشفت بيانات بنك التسويات الدولية أن حجم انكشاف المؤسسات المالية الأمريكية على دبي يزيد على 10.5 مليار دولار، إلا أن هذا المبلغ يقل كثيراً عن حجم انكشاف البنوك البريطانية والفرنسية على تلك الأزمة. وقال رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون إن بالإمكان احتواء أزمة ديون دبي، وأشار إلى أن لدى منطقة الخليج موارد مالية تضمن عدم انزلاق العالم في أزمة جديدة. كما أعلن الاتحاد الأوروبي أن أزمة ديون دبي تظهر أن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد، وأن الأزمة الراهنة تعزز عزم أوروبا على تطبيق القرارات التي اتخذتها مجموعة العشرين من أجل إنعاش الاقتصاد العالمي والحيلولة دون تكرار تلك النوعية من الهزات المالية الكبرى.
أبوظبي وزمام المبادرة
أخذت إمارة أبوظبي بزمام المبادرة ومنحت إمارة دبي 10 مليارات دولار لاستخدامها في تسديد ديون دبي العالمية. وتجنبت دبي بذلك العجز عن سداد صكوك بقيمة 4,1 مليار دولار كانت نخيل قد أصدرتها. وهو ما ساهم في تحقيق الاطمئنان في أسواق المال الخليجية والعربية والعالمية، خاصة أن أبوظبي تضخ نحو 90 في المائة من النفط الذي تنتجه الإمارات التي تعد ثالث أكبر مصدر للنفط للخام في العالم، وتمتلك أكبر صندوق استثماري سيادي في العالم يقدر بأكثر من 800 مليار دولار، وسبق أن قدمت 15 مليار دولار دعماً غير مباشر إلى دبي عن طريق مصرف الإمارات المركزي وبنكين من القطاع الخاص مقرهما في أبوظبي.
الأزمة ودول مجلس التعاون
وبالنسبة لتأثير أزمة دبي في دول مجلس التعاون، فقد رأى البعض أن تلك الأزمة ستكون بداية لأزمات متلاحقة في دول مجلس التعاون. بينما رأى البعض الآخر أن تلك الأزمة كشفت أن نموذج دبي هو نموذج هش لقيامه على الفقاعات سواء أكانت عقارية أم مالية أم سياحية. ورأى طرف ثالث أن الاستثمارات ستنتقل إلى دول أخرى داخل مجلس التعاون خاصة الاستثمارات العقارية، بل اتجه رأي آخر إلى اتجاه الأموال للاستثمار خارج دول مجلس التعاون.
والواقع أن أزمة دبي أخذت أكثر من حجمها، فدبي تملك من الأصول ما يكفي لسداد ديونها، لكن من المسلمات الاقتصادية ألا يتم تسييل تلك الأصول بقيمة تقل بصورة كبيرة عن قيمتها الحقيقية، وهو ما دفع دبي العالمية إلى جدولة ديونها وفقاً لمبدأ (المنافع / التكاليف)، كما أن دبي وعت درس الفقاعات العقارية واعتماد الناتج المحلي فيها على الريع من خلال سعيها على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منذ أكثر من عامين إلى تنويع هيكل الإنتاج فيها والتوجه نحو التصنيع، وهو اتجاه طيب، وإن كان لم يؤت ثمرته بعد نتيجة لحداثته، كما أنه عقب تلك الأزمة عززت حكومة دبي من ترشيد نفقاتها.
حجم أصول الحكومة بدبي يصل إلى 90 مليار دولار بخلاف الطرق والمطارات والموانئ
أما من يرى أن أزمة دبي ستؤدي إلى انتقال الاستثمارات إلى دول بعينها دون غيرها واتجاه الأموال للاستثمار خارج دول مجلس التعاون فهو أمر يفتقد الدليل والمنطق، ففي ظل الأزمات المالية تتقوقع الأموال باعتبار رأس المال جبان، وقد تنشط المضاربات للاستفادة من فروق الأسعار. فمن يرغب في انتقال ماله سينقله من بلد فيه أزمة إلى بلد آخر فيه أزمة، فالأزمة عالمية وإن اختلفت درجة تأثيرها، ووضع المال تحت عين صاحبه هو الوضع المناسب في تلك المرحلة.
حجم الديون الخاصة بحكومة دبي يبلغ 10 مليارات دولار، و70 ملياراً ديون الشركات التابعة لها
هل من نهاية للأزمة؟
إن أزمة دبي أمر عارض وسوف ينتهي بصورة طبيعية، خاصة أن تلك الأزمة كشفت عن مد يد العون لدبي، وأنها ليست وحدها، حتى إن الكويت عرضت يد المساعدة، وهذا شيء منطقي لأن انهيار اقتصاد أي إمارة أو دولة خليجية ستكون له آثار سلبية في بقية دول المجلس، ومن ثم لن تقف دول مجلس التعاون مكتوفة الأيدي أمام تلك الأزمة وذلك من خلال مد يد العون المالي لدبي وتحقيق الثقة والطمأنينة لدى الدائنين وجمهور المتعاملين، الأمر الذي يسهم في تعافي دبي من تلك الأزمة، كما أن دبي قادرة على إدارة الأزمة، وهذا ليس جديداً عليها وإن كانت أزمة ديون، ويعزز ذلك نجاح مركز دبي المالي وشركة دبي القابضة في تسديد قروض مستحقة على الشركة في نوفمبر 2008 قدرت بنحو 1.4 مليار دولار، وقيام بورصة دبي بسداد دين عليها في فبراير 2009 بلغت قيمته 2.5 مليار دولار، وقيام حكومة دبي بترشيد نفقات دوائرها الحكومية مما حقق لها وفراً يقدر بمبلغ 800 مليون دولار بما يسهم في سد العجز في الموازنة المقدر له 1.1 مليار دولار نتيجة للإنفاق الاستثماري الملحوظ في البنية التحتية وإن كانت الموازنة التشغيلية لحكومة دبي لعام 2009 حققت فائضاً.
كما قامت دبي بالسعي لدمج شركتي التمويل العقاري (أملاك) و(تمويل) في مصرف إسلامي، وتشغيل المبنى رقم 3 في مطار دبي، إلى جانب ما تملكه من خبرة في تخطي أزمات سابقة، حيث تمكنت من تجاوز أزمة شركات التأمين العالمية في الثمانينات من القرن الماضي من خلال تأسيس آليات للتأمين الذاتي. وختاماً فإن هذه الأزمة ستشكل علامة فارقة ودرساً مستفاداً من النهج التوسعي الذي رسمته دبي طوال العقد الماضي، والذي يبدو أنه سيمر بمرحلة من إعادة النظر خلال السنوات المقبلة وفقاً لأوليات الاستثمار مع تعزيز التوجه نحو تنويع هيكل الإنتاج.
::/fulltext::
::cck::849::/cck::
