تداعيات (أزمة الغذاء) على دول مجلس التعاون الخليجي
::cck::857::/cck::
::introtext::
يشهد الوضع الغذائي العالمي في الوقت الراهن ما يمكن وصفه بـ (الأزمة) التي تهدد استقرار كثير من الدول والشعوب، المتقدمة منها والنامية على السواء، نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب على السلع الغذائية، وهو ما دفع بالتالي تلك السلع، ولا سيما الرئيسية منها، كالقمح والأرز والذرة، إلى تحقيق قفزات مستمرة في أسعارها خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقدر بحوالي 83 في المائة. وذلك طبقاً لتقارير البنك الدولي، لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد منتجاً رئيسياً للحبوب، شهدت أسواقها ارتفاعاً في الأسعار بنسبة 4 في المائة خلال عام 2007، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1990.
::/introtext::
::fulltext::
يشهد الوضع الغذائي العالمي في الوقت الراهن ما يمكن وصفه بـ (الأزمة) التي تهدد استقرار كثير من الدول والشعوب، المتقدمة منها والنامية على السواء، نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب على السلع الغذائية، وهو ما دفع بالتالي تلك السلع، ولا سيما الرئيسية منها، كالقمح والأرز والذرة، إلى تحقيق قفزات مستمرة في أسعارها خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقدر بحوالي 83 في المائة. وذلك طبقاً لتقارير البنك الدولي، لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد منتجاً رئيسياً للحبوب، شهدت أسواقها ارتفاعاً في الأسعار بنسبة 4 في المائة خلال عام 2007، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1990.
لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي بطبيعة الحال بمنأى عن هذه الأزمة، ففي الإمارات على سبيل المثال أعلن وزير الاقتصاد في تصريح لصحيفة (جلف نيوز) أن أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية في بلاده تضاعفت بنسبة 36 في المائة في عام 2007، ومن المتوقع أن تزداد إلى 40 في المائة عام 2008. وفي السعودية كذلك توقع تقرير لوزارة التجارة والصناعة استمرار ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية خلال عام 2009 بنسب تتراوح ما بين (20-30) في المائة.
رفع المرتبات دون إيجاد دورة إنتاجية حقيقية سيسهم في زيادة معدلات التضخم
وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي قادرة اليوم على تأمين احتياجاتها من الغذاء نظراً لقدرتها الاقتصادية المرتبطة بعوائدها من النفط، إلا أن هذا لا يقلل أبداً من القلق على الأمن الغذائي الخليجي، خاصة إذا علمنا أن واردات الدول الخليجية الغذائية تأتي من دول ليست هي الأخرى بمنأى عن الأزمات الغذائية التي باتت تجتاح كافة دول العالم من دون استثناء، الأمر الذي يبين الحاجة الماسة لدراسة الأبعاد المختلفة لتلك الأزمة، من حيث أسبابها، وتداعياتها، وهل تشكل فعلاً تهديداً لأمن دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها هذه الدول للحد من تفاقمها؟ وما مدى فاعليتها؟ وهل كانت كافية أم ما زال الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات أخرى؟ وتأسيساً على ما سبق، يمكن تناول هذه القضية من خلال محاور رئيسية عدة، وهي:
أولاً: مؤشرات أزمة الغذاء في دول الخليج
تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بشكل رئيسي على استيراد معظم احتياجاتها الغذائية، حيث نستورد حوالي 90 في المائة من تلك الاحتياجات من الخارج، وهو الأمر الذي يظهر حجم الأزمة التي تعيشها دول المجلس في ظل ما يعانيه العالم من شح في السلع الغذائية، فضلاً عن ارتفاع أسعارها.
ويزداد الأمر خطورة إذا ما أخذنا في الاعتبار معدلات التضخم الاقتصادي التي تشهدها هذه الدول، والناتج عن زيادة السيولة المالية المتاحة فيها، وهو ما أوجد موجة من الطلب لا تتناسب مع ما هو معروض، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار في دول المجلس بشكل غير مسبوق، لا سيما أسعار الغذاء، الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً لها ولمسيرة التنمية فيها، على اعتبار أنها مسؤولة عن تيسير الحصول على الغذاء وبأسعار تناسب كافة فئات المجتمع، وخصوصاً غير القادرين على التكيف مع زيادة الأسعار، ولعل ما كشفته الإحصائيات لخير دليل على ذلك، سواء في ما يتعلق بمعدل التضخم أو معدل الارتفاع في الأسعار. ففي الكويت تسارع معدل التضخم خلال 2007 بعد أن سجل 5.2 في المائة كمعدل مدفوع بأسعار الغذاء والمساكن، ليصل في أوائل 2008 إلى 9.5 في المائة، وفي السعودية وصل معدل التضخم إلى ما يقرب من 8.6 في المائة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سجل مؤشر الأسعار خلال مارس 2008 ارتفاعاً من 4.1 في المائة إلى 9.6 في المائة وذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المساكن والإيجارات بنحو 8.1 في المائة.
واردات الدول الخليجية الغذائية تأتي من دول ليست هي الأخرى بمنأى عن الأزمات الغذائية
لكن مملكة البحرين سجلت أدنى مستوى من التضخم السنوي ليبلغ 5.2 في المائة في مارس 2008، ولم تشهد أسعار الغذاء والمساكن ارتفاعات بالدرجة نفسها كما في بقية دول مجلس التعاون، حيث ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 2 في المائة في 2006، أما في سلطنة عمان فقد سجل معدل التضخم 5.4 في المائة في 2007 ثم ارتفع إلى 11.65 في المائة خلال شهر مارس 2008، أما أسعار الإيجارات والصيانة والمياه والوقود فسجلت ارتفاعاً يقدر بحوالي 6.4 في المائة، في حين سجلت أسعار السلع الغذائية ارتفاعاً بنسبة 10.8 في المائة خلال عام 2007، ووصل التضخم في قطر إلى 13.8 في المائة في الربع الأخير من عام 2007 ليرتفع إلى 15 في المائة أوائل عام 2008، ليصبح بذلك المعدل الأعلى في دول مجلس التعاون. وفي الإمارات، وصل معدل التضخم عام 2007 إلى 11 في المائة مقارنة بـ 9.3 في المائة خلال عام 2006.
ثانياً: تداعيات الأزمة
لم يكن من قبيل المبالغة القول إن تلك الأزمة بكافة أبعادها وجوانبها تركت آثارها وتداعياتها على مختلف دول العالم المتقدم والنامي على حد سواء، ولا شك في أن تداعياتها على دول مجلس التعاون لم تكن بنفس الحدة والخطورة التي عانت منها دول أخرى، نظراً لسرعة تدخل الحكومات الخليجية، بما مكنها من التخفيف من حدة تلك الأزمة- بشكل مؤقت.
تستورد دول مجلس التعاون الخليجي 90 في المائة من احتياجاتها الغذائية من الخارج
لكن، لا يعني ما سبق أن الأزمة لم تترك تداعياتها وآثارها على المجتمعات الخليجية، فرغم أنه لم تترتب عليها تداعيات وقتية آنية، إلا أنها ستفرز بلا شك تداعيات على المدى البعيد، وذلك كما يلي:
على المستوى الاقتصادي، من المتوقع أن تؤدي الأزمة إلى انخفاض مستوى المعيشة للأفراد بسبب الاستغناء عن بعض الضروريات في ظل عدم تمكن الأسر من الادخار، وبالتالي ضعف الاستثمار التراكمي، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة وعلى إنتاجية الأفراد في ظل توجيه جانب كبير من دخول الأسر إلى توفير الغذاء، مما يسهم في ضعف فرص التعليم وزيادة نسبة التسرب من المدارس، والانصراف عن العمل والابتكار وتحقيق الطموحات والأهداف إلى توفير ضروريات الحياة، فضلاً عن صعوبة قيام مؤسسات صغيرة ومتوسطة وارتفاع نسبة الإفلاس في الشركات والأفراد، نظراً لزيادة نسبة الاقتراض من البنوك.
وعلى المستوى الاجتماعي، قد يؤدي تفاقم الأزمة على المدى البعيد إلى التأثير المباشر في العائلات من ذوي الدخل المحدود (مصروفات عالية ودخل أقل)، الأمر الذي تترتب عليه معاناة الأسر وإثقال كاهلها بالمصاريف بسبب عدم القدرة على الإيفاء بمتطلبات الحياة، وهو ما قد ينتج عنه: انتشار ظواهر سلبية في المجتمع من قبيل البحث عن الكسب غير المشروع، والسعي لزيادة ساعات العمل لتوفير الحاجات الضرورية، الأمر الذي يخلق مشكلات أسرية ويضعف الإنتاجية، بالإضافة إلى العزوف عن الزواج وتكوين الأسر الجديدة بسبب عدم القدرة على تحمل المصاريف والتكاليف، مما يزيد من العنوسة والانحرافات الأخلاقية وما يرتبط بها من مشكلات اجتماعية أخرى.
وعلى المستوى السياسي، لا شك في أن عدم قدرة الحكومات على تأمين السلع الغذائية الأساسية بكميات وأسعار مناسبة قد يؤدي إلى إيجاد العديد من المشكلات على الأمد البعيد، يتمثل أهمها في زيادة التوترات وتهديد الاستقرار، نظراً لمطالبة العديد من الموظفين وأبناء الطبقات المتوسطة بضرورة تأمين مصادر دخل مناسبة لمواجهة غلاء المعيشة.
ومن ناحية أخرى، فإن عدم الإسراع في معالجة الأزمة في إطار تعاوني (خليجي – عربي) من شأنه أن يفسح المجال أمام قوى معادية لمعالجة الأزمة بصورة لا تصب في صالح دول المنطقة. ويكفي في هذا الشأن الإشارة إلى المؤتمر الذي عقدته وزارة الخارجية الإسرائيلية في مدينة القدس يومي 1 و 2 يونيو الماضي تحت عنوان (إسرائيل والثورة الخضراء في إفريقيا)، بهدف البحث في إمكانية معالجة الأزمة في كنف دول القارة السمراء، التي تمثل امتداداً في غالبية دولها للعالم العربي والإسلامي، ومن ثم فإن الأمر يبدو في مجمله نوعاً من التنافس التعاوني الذي يستدعي التحرك الفوري، ليس من أجل معالجة تبعات الأزمات الغذائية فحسب، وإنما لتأمين مخاطرها على الأمن القومي العربي بصفة عامة.
ثالثاً: الجهود الخليجية لمعالجة الأزمة
إدراكاً من جانب حكومات دول مجلس التعاون لتلك التداعيات السلبية على المجتمعات، سارعت- كما سبق القول- إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات للحد من آثارها وخطورتها على المجتمع، فعلى المستوى المحلي استطاعت هذه الدول التقليل من حدة الأزمة على المدى القريب، نظراً لوجود فوائض مالية ضخمة ساعدتها على تجاوز الأزمة بيسر وسهولة، حيث اتخذت مجموعة من الإجراءات أقرب ما تكون إلى إجراءات شكلية، تمثلت بصفة أساسية في: زيادة رواتب الموظفين، والدعوة للتعاون الإيجابي بين القطاعين العام والخاص، وتشديد الرقابة الحكومية على الأسواق لمنع أية محاولات لرفع الأسعار، وزيادة الوعي العام لدي المستهلكين بأهمية تغيير الأنماط الاستهلاكية السائدة.
وقد اختلفت نسبة رفع الرواتب من دولة إلى أخرى حسب ما تسمح به موازنتها، فقد جاءت الإمارات في مقدمة الدول التي قامت بزيادة رواتب موظفيها، حيث قامت بزيادة رواتبهم بنسبة 70 في المائة.
كما قامت الكويت بزيادة رواتب الموظفين الرسميين المواطنين والموظفين الكويتيين في القطاع الخاص، بالإضافة إلى المتقاعدين والمستفيدين من الإعانات الاجتماعية، بمقدار 120 ديناراً (440 دولاراً)، كما استفاد الموظفون الوافدون في القطاع الحكومي من زيادة قدرها خمسون ديناراً (183 دولاراً).
ومن ناحيتها أصدرت المملكة العربية السعودية قرارات استراتيجية تستهدف معالجة ارتفاع أسعار السلع وتحقيق الأمن الغذائي على المديين القصير والبعيد، وقد قضت القرارات، التي تعد استكمالاً لخطوات عدة اتخذتها الحكومة على مدى الأشهر الماضية لمواجهة التضخم، ببناء مخزون استراتيجي للغذاء من خلال توفير السلع والمواد التموينية وضبط أسعارها محلياً، سعياً لتخفيف الغلاء المعيشي على المواطنين.
وكانت الحكومة السعودية قد خفضت الجمارك على 180 سلعة وتحملت الفرق بين (التعرفة الجمركية) الخليجية ورسوم الحماية المطبقة حالياً في المملكة، كما اعتمدت 17 قراراً اقتصادياً لمكافحة الغلاء وزيادة الرواتب لموظفي ومستخدمي ومتقاعدي الدولة.
وبالتوازي مع ذلك، وجهت الحكومة وزارة المالية إلى تقديم الدعم المالي اللازم لوزارة التجارية والصناعة بما يمكنها من مراقبة الأسعار، وذلك للمعالجة الداخلية، بينما قضت بدراسة إنشاء شركة قابضة بين القطاعين العام والخاص للتطوير والتشغيل والاستثمار الزراعي والحيواني في الدول الأخرى، ووضع آلية لتنظيم التعاقد مع الشركات السعودية المستثمرة في الدول الأخرى لشراء منتجاتها، ووجه مجلس الوزراء كلاً من وزارتي الزراعة والتجارة والصناعة إلى ضرورة رفع نتائج إجراء المسح الشامل للدول التي تتوافر لديها إمكانات وفرص للاستثمار في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية، كما ألزمت الوزارتين بإعداد دراسة متكاملة لتحديد احتياجات المملكة المستقبلية من المنتجات الغذائية التموينية، وذلك من خلال تكليف متخصصين في القطاعين العام والخاص بدراسة موضوع توفير الأمن الغذائي للمملكة، وبناء المخزون الاستراتيجي من المنتجات الغذائية التموينية ودعم البنية التحتية اللازمة لذلك، ودراسة الخيارات المتاحة الأخرى.
كما ألزمت الحكومة الوزارات بوضع خطط ودراسات لمكافحة الأسعار على المديين القصير والطويل، وحثت وزارات الشؤون الإسلامية، والتربية والتعليم والثقافة والإعلام، والتجارة والصناعة على رفع مستوى الوعي بشأن الثقافة الاستهلاكية، بما يحقق ترشيد الاستهلاك لدى المواطنين والمقيمين، مشددة على ضرورة التنسيق مع الجهات المعنية لبحث تخصيص أراض لإنشاء مستودعات عن طريق القطاع الخاص لتخزين المواد الغذائية التموينية.
ولم تخرج وزارة الخارجية عن هذه التوجيهات، إذ كلفت بإعداد صياغة نموذجية لاتفاقية إطارية في شأن الاستثمارات السعودية الخارجية في المجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية، بحيث تضمن توفير الحوافز والضمانات اللازمة لتلك الاستثمارات، على أن ترفع إلى مجلس الوزراء لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة، وكذلك عملت الحكومة على التوسع في الاستثمارات السعودية المتعلقة بالمجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية خارج المملكة وعدم التركيز على دولة واحدة، وتحفيز رجال الأعمال السعوديين على الاستثمار في تلك المجالات من خلال توفير التسهيلات الائتمانية والتمويل الميسر عن طريق المؤسسات التمويلية العامة، بما يضمن توفير هذه المنتجات في المملكة بأسعار معقولة، ويحقق الأمن الغذائي على المديين المتوسط والطويل.
وفي البحرين وافق مجلس الوزراء على تعديل جداول رواتب الوظائف العمومية والتعليمية وضباط الصف والأفراد العاملين بالجهات الأمنية والعسكرية، حيث بلغت نسبة الزيادة 15 في المائة، كما قدمت الحكومة دعماً بمقدار 100 مليون دولار لمساعدة أكثر الناس تضرراً ورفع مستوى دخول الأفراد. وفي عُمان زادت الرواتب بنسبة 43 في المائة، كما قامت الدولة بتوفير السلع الغذائية الأساسية في كافة أرجائها، كما سعت إلى تنويع وارداتها من المواد الغذائية لمواجهة الأزمة، أما في قطر فقد زادت الرواتب بحوالي 200 في المائة في محاولة جادة لتخفيف العبء عن المواطنين القطريين والحيلولة دون تفاقم تداعيات أزمة الغذاء.
أما على المستوى الخارجي، فقد أدركت بعض دول الخليج أهمية البعد التعاوني لمعالجة الأزمة، غير أن التوجه إزاء ذلك لم يكن على المستوى المأمول، ففي حين ترددت أنباء حول توجه مصري- سعودي لإقامة مشروعات زراعية مشتركة على الأراضي السودانية، في خطوة لحل الأزمة في إطار تكاملي، لم يتحول المشروع في حينه إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
ومن جانب آخر، تسعى دولة الإمارات إلى شراء أراض صالحة للزراعة في باكستان كجزء من خطتها الرامية إلى زيادة تأمين الغذاء، الأمر الذي يثير التساؤلات، لماذا باكستان بالذات، وليست أية دولة عربية أخرى يمكن التكامل معها في إطار مشروع عربي مشترك لصالح المنطقة بأكملها، لا سيما أن باكستان يمكن اعتبارها من أكثر الدول التي تشهد توترات وصراعات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، الأمر الذي يهدد في طياته مصالح واستثمارات دولة الإمارات ويضعها في مأزق أكبر بسبب مثل هذه الخطوة؟
ابعاً: استراتيجيات مقترحة
رغم ما اتخذ من إجراءات أسهمت في التقليل من حدة الأزمة، إلا أن التحدي الحقيقي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي يتمثل في مدى قدرتها على التوصل إلى حل هيكلي حقيقي يساعد على تأمين الإمدادات الغذائية لشعوبها، خاصة أن الأزمة تدق ناقوس الخطر الذي يحتاج إلى التعاون والتكاتف بين الدول وإيجاد حلول جذرية لما تشكله من تحد حقيقي لأمن واستقرار دول المنطقة على المدى البعيد، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات هيكلية تعالج جذور الأزمة وأسبابها. ومن أهم الرؤى والتصورات التي طرحتها بعض الأطراف سواء من داخل الحكومات الخليجية أو من جانب المنتديات والمؤتمرات التي عقدت في هذا الخصوص، المطالبة بتفعيل مبادرة الشراء الموحد للسلع، ودراسة أفضل الآليات التي يمكن أن يتم ذلك من خلالها سواء بتأسيس تكتل خليجي أو شركات مستقلة من ناحية، والعمل على تحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي من خلال المشروعات الإنتاجية المشتركة واستمرار تقديم الإعفاءات الجمركية للسلع الأساسية من ناحية أخرى، وهو ما يتطلب بدوره العمل على:
1- إعادة النظر في السياسة النقدية في دول مجلس التعاون التي تأثرت كثيراً بانخفاض الدولار، والدعوة إلى رفع قيمة العملات الخليجية حالياً كحل أمثل لمواجهة حالة الغلاء وأزمة الغذاء، فتحقيق هذه الخطوة سيسهم في تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وزيادة إحساسهم بقيمة الرواتب التي تتضاءل حالياً. ومن الممكن أن يتحقق ذلك من خلال التركيز على برامج ومشاريع وإجراءات مشتركة سواء على صعيد أسعار صرف العملات أمام الدولار أو تنسيق الجهود في ما يتعلق بتبني المشروعات التي تعمل على توفير احتياجات المواطن الخليجي من السلع، والعمل على نشر التوعية حول أسباب الأزمة والبدائل المتاحة للتخفيف من حدة الأزمة، وإمكانية تطبيق فكرة الشراء الجماعي للسلع الاستهلاكية لدول المجلس ككتلة واحدة، خاصة في مجال السلع الغذائية، وتنفيذ مقترح إنشاء شركة مساهمة خليجية لتأمين احتياجات دول المجلس، الذي تم تكليف منظمة الخليج للاستثمارات الصناعية بإعداد دراسة الجدوى الاقتصادية له.
2- الدخول في تحالفات استراتيجية وشراكات واستثمارات مع مواقع الإنتاج في الدول المنتجة سواء الدول الصناعية أو الزراعية، واستثمارات قيام السوق الخليجية المشتركة التي لا شك في أنها تتيح لدول مجلس التعاون قوة تفاوضية كبيرة، لا سيما في ظل اشتداد حدة المنافسة الاقتصادية على المستوى العالمي، وتوجيه جزء من استثمارات دول المجلس نحو القطاع الزراعي الداخلي بالنسبة للبلدان التي تتوفر فيها الشروط الكفيلة بتحقيق ذلك، وتأمين حق التصدير بعد دخول المشاريع مرحلة الإنتاج، وهو ما بدأ يطفو على السطح إثر توجيه بعض الدول الخليجية، وبخاصة القطاع الخاص لاستثماراتها نحو إقامة مشاريع زراعية ضخمة في السودان على غرار المشاريع العقارية، والحديث عن تقديم مستثمرين قطريين لمشاريع من هذا النوع للاستثمار هناك أيضاً.
3- دعم الجهود المشتركة لعلاج وسد الفجوة في المواد الغذائية، واعتماد استراتيجية خليجية موحدة لتحقيق التكامل الزراعي الأولي والذي يراعي المزايا النسبية على مستوى دول المجلس، خاصة بعد قيام السوق الخليجية المشتركة، ووضع استراتيجية مماثلة مع الدول العربية خصوصاً الزراعية منها مثل السودان ومصر واليمن، والاتفاق معها على تخصيص أراض للاستثمار الزراعي تكون ملكيتها وإدارتها وتسويق محاصيلها في أيدي الشركات الخليجية التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض، بالإضافة إلى توعية المستهلكين بتغيير أنماط الاستهلاك الغذائي بما يتلاءم مع وضع السوق وإنشاء تكتلات على المستوى الوطني، وفي إطار دول مجلس التعاون للتفاوض مع المنتجين الرئيسيين للمواد الغذائية الأساسية.
4- ضرورة تقديم إعانات مؤقتة لاستيراد بعض المواد الغذائية الحيوية، والتوسع في مجال الاستثمار الزراعي المشترك، وإنشاء المؤسسات الصناعية في مجال الإنتاج الزراعي وتسويقه، بما يسهم في تفعيل السوق الخليجية المشتركة، وإجراء المزيد من الدراسات والأبحاث العلمية المشتركة في مجال تحسين الإنتاج الزراعي.
5- محاولة البحث عن حلول للمشكلات المتسببة أساساً في أزمة الغذاء، من خلال عقد المزيد من المؤتمرات وإجراء الأبحاث العلمية التي تناقش مشكلات المياه والطاقة على سبيل المثال، عبر توجيه الدراسات والأبحاث العلمية نحو إيجاد الحلول لمشكلات ندرة الموارد المائية، لأن المياه هي أساس ما يعرف بالزراعة المستدامة، والاهتمام بوضع لجان في الغرف التجارية مختصة بالمياه على غرار اللجان الزراعية حتى تتمكن من الاطلاع على أوضاع المياه وتوجيه القطاع الزراعي إلى أخذ مبدأ الزراعة المستدامة كأساس لأي مشروع زراعي، بالإضافة إلى ضرورة الإفادة من توظيف الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة بقصد مواجهة الطلب المتزايد على الطاقة، بدلاً من الاتجاه إلى تعويض النقص عن طريق استخدام المحاصيل الزراعية في تصنيع الوقود الحيوي.
6- تفعيل دور رجال الأعمال والمستثمرين، وتقديم كافة الأفكار والرؤى، والعمل على تحقيق التنمية المتوازنة بالمجال الزراعي من حيث: الإنتاج، التسويق، التصنيع، والبحث في أهم المشكلات والعقبات التي تعترض العاملين في هذا النشاط. وفي هذا الشأن يمكن للشركات الزراعية الخاصة أن تلعب دوراً حيوياً في المحيط الذي تقع فيه، على أن يراعى فيه البعد الاجتماعي، من خلال توطين الخبرات الوطنية والتقنية واستخدامها في العمليات الزراعية، وتوفيرها للمزارع الصغير، وهو ما قد يسهم في دوران الرساميل، وإتاحة المزيد من فرص العمل، والمساهمة بشكل فاعل في تحقيق الاكتفاء الغذائي من السلع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::857::/cck::
::introtext::
يشهد الوضع الغذائي العالمي في الوقت الراهن ما يمكن وصفه بـ (الأزمة) التي تهدد استقرار كثير من الدول والشعوب، المتقدمة منها والنامية على السواء، نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب على السلع الغذائية، وهو ما دفع بالتالي تلك السلع، ولا سيما الرئيسية منها، كالقمح والأرز والذرة، إلى تحقيق قفزات مستمرة في أسعارها خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقدر بحوالي 83 في المائة. وذلك طبقاً لتقارير البنك الدولي، لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد منتجاً رئيسياً للحبوب، شهدت أسواقها ارتفاعاً في الأسعار بنسبة 4 في المائة خلال عام 2007، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1990.
::/introtext::
::fulltext::
يشهد الوضع الغذائي العالمي في الوقت الراهن ما يمكن وصفه بـ (الأزمة) التي تهدد استقرار كثير من الدول والشعوب، المتقدمة منها والنامية على السواء، نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب على السلع الغذائية، وهو ما دفع بالتالي تلك السلع، ولا سيما الرئيسية منها، كالقمح والأرز والذرة، إلى تحقيق قفزات مستمرة في أسعارها خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقدر بحوالي 83 في المائة. وذلك طبقاً لتقارير البنك الدولي، لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد منتجاً رئيسياً للحبوب، شهدت أسواقها ارتفاعاً في الأسعار بنسبة 4 في المائة خلال عام 2007، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1990.
لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي بطبيعة الحال بمنأى عن هذه الأزمة، ففي الإمارات على سبيل المثال أعلن وزير الاقتصاد في تصريح لصحيفة (جلف نيوز) أن أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية في بلاده تضاعفت بنسبة 36 في المائة في عام 2007، ومن المتوقع أن تزداد إلى 40 في المائة عام 2008. وفي السعودية كذلك توقع تقرير لوزارة التجارة والصناعة استمرار ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية خلال عام 2009 بنسب تتراوح ما بين (20-30) في المائة.
رفع المرتبات دون إيجاد دورة إنتاجية حقيقية سيسهم في زيادة معدلات التضخم
وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي قادرة اليوم على تأمين احتياجاتها من الغذاء نظراً لقدرتها الاقتصادية المرتبطة بعوائدها من النفط، إلا أن هذا لا يقلل أبداً من القلق على الأمن الغذائي الخليجي، خاصة إذا علمنا أن واردات الدول الخليجية الغذائية تأتي من دول ليست هي الأخرى بمنأى عن الأزمات الغذائية التي باتت تجتاح كافة دول العالم من دون استثناء، الأمر الذي يبين الحاجة الماسة لدراسة الأبعاد المختلفة لتلك الأزمة، من حيث أسبابها، وتداعياتها، وهل تشكل فعلاً تهديداً لأمن دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها هذه الدول للحد من تفاقمها؟ وما مدى فاعليتها؟ وهل كانت كافية أم ما زال الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات أخرى؟ وتأسيساً على ما سبق، يمكن تناول هذه القضية من خلال محاور رئيسية عدة، وهي:
أولاً: مؤشرات أزمة الغذاء في دول الخليج
تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بشكل رئيسي على استيراد معظم احتياجاتها الغذائية، حيث نستورد حوالي 90 في المائة من تلك الاحتياجات من الخارج، وهو الأمر الذي يظهر حجم الأزمة التي تعيشها دول المجلس في ظل ما يعانيه العالم من شح في السلع الغذائية، فضلاً عن ارتفاع أسعارها.
ويزداد الأمر خطورة إذا ما أخذنا في الاعتبار معدلات التضخم الاقتصادي التي تشهدها هذه الدول، والناتج عن زيادة السيولة المالية المتاحة فيها، وهو ما أوجد موجة من الطلب لا تتناسب مع ما هو معروض، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار في دول المجلس بشكل غير مسبوق، لا سيما أسعار الغذاء، الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً لها ولمسيرة التنمية فيها، على اعتبار أنها مسؤولة عن تيسير الحصول على الغذاء وبأسعار تناسب كافة فئات المجتمع، وخصوصاً غير القادرين على التكيف مع زيادة الأسعار، ولعل ما كشفته الإحصائيات لخير دليل على ذلك، سواء في ما يتعلق بمعدل التضخم أو معدل الارتفاع في الأسعار. ففي الكويت تسارع معدل التضخم خلال 2007 بعد أن سجل 5.2 في المائة كمعدل مدفوع بأسعار الغذاء والمساكن، ليصل في أوائل 2008 إلى 9.5 في المائة، وفي السعودية وصل معدل التضخم إلى ما يقرب من 8.6 في المائة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سجل مؤشر الأسعار خلال مارس 2008 ارتفاعاً من 4.1 في المائة إلى 9.6 في المائة وذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المساكن والإيجارات بنحو 8.1 في المائة.
واردات الدول الخليجية الغذائية تأتي من دول ليست هي الأخرى بمنأى عن الأزمات الغذائية
لكن مملكة البحرين سجلت أدنى مستوى من التضخم السنوي ليبلغ 5.2 في المائة في مارس 2008، ولم تشهد أسعار الغذاء والمساكن ارتفاعات بالدرجة نفسها كما في بقية دول مجلس التعاون، حيث ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 2 في المائة في 2006، أما في سلطنة عمان فقد سجل معدل التضخم 5.4 في المائة في 2007 ثم ارتفع إلى 11.65 في المائة خلال شهر مارس 2008، أما أسعار الإيجارات والصيانة والمياه والوقود فسجلت ارتفاعاً يقدر بحوالي 6.4 في المائة، في حين سجلت أسعار السلع الغذائية ارتفاعاً بنسبة 10.8 في المائة خلال عام 2007، ووصل التضخم في قطر إلى 13.8 في المائة في الربع الأخير من عام 2007 ليرتفع إلى 15 في المائة أوائل عام 2008، ليصبح بذلك المعدل الأعلى في دول مجلس التعاون. وفي الإمارات، وصل معدل التضخم عام 2007 إلى 11 في المائة مقارنة بـ 9.3 في المائة خلال عام 2006.
ثانياً: تداعيات الأزمة
لم يكن من قبيل المبالغة القول إن تلك الأزمة بكافة أبعادها وجوانبها تركت آثارها وتداعياتها على مختلف دول العالم المتقدم والنامي على حد سواء، ولا شك في أن تداعياتها على دول مجلس التعاون لم تكن بنفس الحدة والخطورة التي عانت منها دول أخرى، نظراً لسرعة تدخل الحكومات الخليجية، بما مكنها من التخفيف من حدة تلك الأزمة- بشكل مؤقت.
تستورد دول مجلس التعاون الخليجي 90 في المائة من احتياجاتها الغذائية من الخارج
لكن، لا يعني ما سبق أن الأزمة لم تترك تداعياتها وآثارها على المجتمعات الخليجية، فرغم أنه لم تترتب عليها تداعيات وقتية آنية، إلا أنها ستفرز بلا شك تداعيات على المدى البعيد، وذلك كما يلي:
على المستوى الاقتصادي، من المتوقع أن تؤدي الأزمة إلى انخفاض مستوى المعيشة للأفراد بسبب الاستغناء عن بعض الضروريات في ظل عدم تمكن الأسر من الادخار، وبالتالي ضعف الاستثمار التراكمي، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة وعلى إنتاجية الأفراد في ظل توجيه جانب كبير من دخول الأسر إلى توفير الغذاء، مما يسهم في ضعف فرص التعليم وزيادة نسبة التسرب من المدارس، والانصراف عن العمل والابتكار وتحقيق الطموحات والأهداف إلى توفير ضروريات الحياة، فضلاً عن صعوبة قيام مؤسسات صغيرة ومتوسطة وارتفاع نسبة الإفلاس في الشركات والأفراد، نظراً لزيادة نسبة الاقتراض من البنوك.
وعلى المستوى الاجتماعي، قد يؤدي تفاقم الأزمة على المدى البعيد إلى التأثير المباشر في العائلات من ذوي الدخل المحدود (مصروفات عالية ودخل أقل)، الأمر الذي تترتب عليه معاناة الأسر وإثقال كاهلها بالمصاريف بسبب عدم القدرة على الإيفاء بمتطلبات الحياة، وهو ما قد ينتج عنه: انتشار ظواهر سلبية في المجتمع من قبيل البحث عن الكسب غير المشروع، والسعي لزيادة ساعات العمل لتوفير الحاجات الضرورية، الأمر الذي يخلق مشكلات أسرية ويضعف الإنتاجية، بالإضافة إلى العزوف عن الزواج وتكوين الأسر الجديدة بسبب عدم القدرة على تحمل المصاريف والتكاليف، مما يزيد من العنوسة والانحرافات الأخلاقية وما يرتبط بها من مشكلات اجتماعية أخرى.
وعلى المستوى السياسي، لا شك في أن عدم قدرة الحكومات على تأمين السلع الغذائية الأساسية بكميات وأسعار مناسبة قد يؤدي إلى إيجاد العديد من المشكلات على الأمد البعيد، يتمثل أهمها في زيادة التوترات وتهديد الاستقرار، نظراً لمطالبة العديد من الموظفين وأبناء الطبقات المتوسطة بضرورة تأمين مصادر دخل مناسبة لمواجهة غلاء المعيشة.
ومن ناحية أخرى، فإن عدم الإسراع في معالجة الأزمة في إطار تعاوني (خليجي – عربي) من شأنه أن يفسح المجال أمام قوى معادية لمعالجة الأزمة بصورة لا تصب في صالح دول المنطقة. ويكفي في هذا الشأن الإشارة إلى المؤتمر الذي عقدته وزارة الخارجية الإسرائيلية في مدينة القدس يومي 1 و 2 يونيو الماضي تحت عنوان (إسرائيل والثورة الخضراء في إفريقيا)، بهدف البحث في إمكانية معالجة الأزمة في كنف دول القارة السمراء، التي تمثل امتداداً في غالبية دولها للعالم العربي والإسلامي، ومن ثم فإن الأمر يبدو في مجمله نوعاً من التنافس التعاوني الذي يستدعي التحرك الفوري، ليس من أجل معالجة تبعات الأزمات الغذائية فحسب، وإنما لتأمين مخاطرها على الأمن القومي العربي بصفة عامة.
ثالثاً: الجهود الخليجية لمعالجة الأزمة
إدراكاً من جانب حكومات دول مجلس التعاون لتلك التداعيات السلبية على المجتمعات، سارعت- كما سبق القول- إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات للحد من آثارها وخطورتها على المجتمع، فعلى المستوى المحلي استطاعت هذه الدول التقليل من حدة الأزمة على المدى القريب، نظراً لوجود فوائض مالية ضخمة ساعدتها على تجاوز الأزمة بيسر وسهولة، حيث اتخذت مجموعة من الإجراءات أقرب ما تكون إلى إجراءات شكلية، تمثلت بصفة أساسية في: زيادة رواتب الموظفين، والدعوة للتعاون الإيجابي بين القطاعين العام والخاص، وتشديد الرقابة الحكومية على الأسواق لمنع أية محاولات لرفع الأسعار، وزيادة الوعي العام لدي المستهلكين بأهمية تغيير الأنماط الاستهلاكية السائدة.
وقد اختلفت نسبة رفع الرواتب من دولة إلى أخرى حسب ما تسمح به موازنتها، فقد جاءت الإمارات في مقدمة الدول التي قامت بزيادة رواتب موظفيها، حيث قامت بزيادة رواتبهم بنسبة 70 في المائة.
كما قامت الكويت بزيادة رواتب الموظفين الرسميين المواطنين والموظفين الكويتيين في القطاع الخاص، بالإضافة إلى المتقاعدين والمستفيدين من الإعانات الاجتماعية، بمقدار 120 ديناراً (440 دولاراً)، كما استفاد الموظفون الوافدون في القطاع الحكومي من زيادة قدرها خمسون ديناراً (183 دولاراً).
ومن ناحيتها أصدرت المملكة العربية السعودية قرارات استراتيجية تستهدف معالجة ارتفاع أسعار السلع وتحقيق الأمن الغذائي على المديين القصير والبعيد، وقد قضت القرارات، التي تعد استكمالاً لخطوات عدة اتخذتها الحكومة على مدى الأشهر الماضية لمواجهة التضخم، ببناء مخزون استراتيجي للغذاء من خلال توفير السلع والمواد التموينية وضبط أسعارها محلياً، سعياً لتخفيف الغلاء المعيشي على المواطنين.
وكانت الحكومة السعودية قد خفضت الجمارك على 180 سلعة وتحملت الفرق بين (التعرفة الجمركية) الخليجية ورسوم الحماية المطبقة حالياً في المملكة، كما اعتمدت 17 قراراً اقتصادياً لمكافحة الغلاء وزيادة الرواتب لموظفي ومستخدمي ومتقاعدي الدولة.
وبالتوازي مع ذلك، وجهت الحكومة وزارة المالية إلى تقديم الدعم المالي اللازم لوزارة التجارية والصناعة بما يمكنها من مراقبة الأسعار، وذلك للمعالجة الداخلية، بينما قضت بدراسة إنشاء شركة قابضة بين القطاعين العام والخاص للتطوير والتشغيل والاستثمار الزراعي والحيواني في الدول الأخرى، ووضع آلية لتنظيم التعاقد مع الشركات السعودية المستثمرة في الدول الأخرى لشراء منتجاتها، ووجه مجلس الوزراء كلاً من وزارتي الزراعة والتجارة والصناعة إلى ضرورة رفع نتائج إجراء المسح الشامل للدول التي تتوافر لديها إمكانات وفرص للاستثمار في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية، كما ألزمت الوزارتين بإعداد دراسة متكاملة لتحديد احتياجات المملكة المستقبلية من المنتجات الغذائية التموينية، وذلك من خلال تكليف متخصصين في القطاعين العام والخاص بدراسة موضوع توفير الأمن الغذائي للمملكة، وبناء المخزون الاستراتيجي من المنتجات الغذائية التموينية ودعم البنية التحتية اللازمة لذلك، ودراسة الخيارات المتاحة الأخرى.
كما ألزمت الحكومة الوزارات بوضع خطط ودراسات لمكافحة الأسعار على المديين القصير والطويل، وحثت وزارات الشؤون الإسلامية، والتربية والتعليم والثقافة والإعلام، والتجارة والصناعة على رفع مستوى الوعي بشأن الثقافة الاستهلاكية، بما يحقق ترشيد الاستهلاك لدى المواطنين والمقيمين، مشددة على ضرورة التنسيق مع الجهات المعنية لبحث تخصيص أراض لإنشاء مستودعات عن طريق القطاع الخاص لتخزين المواد الغذائية التموينية.
ولم تخرج وزارة الخارجية عن هذه التوجيهات، إذ كلفت بإعداد صياغة نموذجية لاتفاقية إطارية في شأن الاستثمارات السعودية الخارجية في المجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية، بحيث تضمن توفير الحوافز والضمانات اللازمة لتلك الاستثمارات، على أن ترفع إلى مجلس الوزراء لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة، وكذلك عملت الحكومة على التوسع في الاستثمارات السعودية المتعلقة بالمجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية خارج المملكة وعدم التركيز على دولة واحدة، وتحفيز رجال الأعمال السعوديين على الاستثمار في تلك المجالات من خلال توفير التسهيلات الائتمانية والتمويل الميسر عن طريق المؤسسات التمويلية العامة، بما يضمن توفير هذه المنتجات في المملكة بأسعار معقولة، ويحقق الأمن الغذائي على المديين المتوسط والطويل.
وفي البحرين وافق مجلس الوزراء على تعديل جداول رواتب الوظائف العمومية والتعليمية وضباط الصف والأفراد العاملين بالجهات الأمنية والعسكرية، حيث بلغت نسبة الزيادة 15 في المائة، كما قدمت الحكومة دعماً بمقدار 100 مليون دولار لمساعدة أكثر الناس تضرراً ورفع مستوى دخول الأفراد. وفي عُمان زادت الرواتب بنسبة 43 في المائة، كما قامت الدولة بتوفير السلع الغذائية الأساسية في كافة أرجائها، كما سعت إلى تنويع وارداتها من المواد الغذائية لمواجهة الأزمة، أما في قطر فقد زادت الرواتب بحوالي 200 في المائة في محاولة جادة لتخفيف العبء عن المواطنين القطريين والحيلولة دون تفاقم تداعيات أزمة الغذاء.
أما على المستوى الخارجي، فقد أدركت بعض دول الخليج أهمية البعد التعاوني لمعالجة الأزمة، غير أن التوجه إزاء ذلك لم يكن على المستوى المأمول، ففي حين ترددت أنباء حول توجه مصري- سعودي لإقامة مشروعات زراعية مشتركة على الأراضي السودانية، في خطوة لحل الأزمة في إطار تكاملي، لم يتحول المشروع في حينه إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
ومن جانب آخر، تسعى دولة الإمارات إلى شراء أراض صالحة للزراعة في باكستان كجزء من خطتها الرامية إلى زيادة تأمين الغذاء، الأمر الذي يثير التساؤلات، لماذا باكستان بالذات، وليست أية دولة عربية أخرى يمكن التكامل معها في إطار مشروع عربي مشترك لصالح المنطقة بأكملها، لا سيما أن باكستان يمكن اعتبارها من أكثر الدول التي تشهد توترات وصراعات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، الأمر الذي يهدد في طياته مصالح واستثمارات دولة الإمارات ويضعها في مأزق أكبر بسبب مثل هذه الخطوة؟
ابعاً: استراتيجيات مقترحة
رغم ما اتخذ من إجراءات أسهمت في التقليل من حدة الأزمة، إلا أن التحدي الحقيقي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي يتمثل في مدى قدرتها على التوصل إلى حل هيكلي حقيقي يساعد على تأمين الإمدادات الغذائية لشعوبها، خاصة أن الأزمة تدق ناقوس الخطر الذي يحتاج إلى التعاون والتكاتف بين الدول وإيجاد حلول جذرية لما تشكله من تحد حقيقي لأمن واستقرار دول المنطقة على المدى البعيد، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات هيكلية تعالج جذور الأزمة وأسبابها. ومن أهم الرؤى والتصورات التي طرحتها بعض الأطراف سواء من داخل الحكومات الخليجية أو من جانب المنتديات والمؤتمرات التي عقدت في هذا الخصوص، المطالبة بتفعيل مبادرة الشراء الموحد للسلع، ودراسة أفضل الآليات التي يمكن أن يتم ذلك من خلالها سواء بتأسيس تكتل خليجي أو شركات مستقلة من ناحية، والعمل على تحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي من خلال المشروعات الإنتاجية المشتركة واستمرار تقديم الإعفاءات الجمركية للسلع الأساسية من ناحية أخرى، وهو ما يتطلب بدوره العمل على:
1- إعادة النظر في السياسة النقدية في دول مجلس التعاون التي تأثرت كثيراً بانخفاض الدولار، والدعوة إلى رفع قيمة العملات الخليجية حالياً كحل أمثل لمواجهة حالة الغلاء وأزمة الغذاء، فتحقيق هذه الخطوة سيسهم في تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وزيادة إحساسهم بقيمة الرواتب التي تتضاءل حالياً. ومن الممكن أن يتحقق ذلك من خلال التركيز على برامج ومشاريع وإجراءات مشتركة سواء على صعيد أسعار صرف العملات أمام الدولار أو تنسيق الجهود في ما يتعلق بتبني المشروعات التي تعمل على توفير احتياجات المواطن الخليجي من السلع، والعمل على نشر التوعية حول أسباب الأزمة والبدائل المتاحة للتخفيف من حدة الأزمة، وإمكانية تطبيق فكرة الشراء الجماعي للسلع الاستهلاكية لدول المجلس ككتلة واحدة، خاصة في مجال السلع الغذائية، وتنفيذ مقترح إنشاء شركة مساهمة خليجية لتأمين احتياجات دول المجلس، الذي تم تكليف منظمة الخليج للاستثمارات الصناعية بإعداد دراسة الجدوى الاقتصادية له.
2- الدخول في تحالفات استراتيجية وشراكات واستثمارات مع مواقع الإنتاج في الدول المنتجة سواء الدول الصناعية أو الزراعية، واستثمارات قيام السوق الخليجية المشتركة التي لا شك في أنها تتيح لدول مجلس التعاون قوة تفاوضية كبيرة، لا سيما في ظل اشتداد حدة المنافسة الاقتصادية على المستوى العالمي، وتوجيه جزء من استثمارات دول المجلس نحو القطاع الزراعي الداخلي بالنسبة للبلدان التي تتوفر فيها الشروط الكفيلة بتحقيق ذلك، وتأمين حق التصدير بعد دخول المشاريع مرحلة الإنتاج، وهو ما بدأ يطفو على السطح إثر توجيه بعض الدول الخليجية، وبخاصة القطاع الخاص لاستثماراتها نحو إقامة مشاريع زراعية ضخمة في السودان على غرار المشاريع العقارية، والحديث عن تقديم مستثمرين قطريين لمشاريع من هذا النوع للاستثمار هناك أيضاً.
3- دعم الجهود المشتركة لعلاج وسد الفجوة في المواد الغذائية، واعتماد استراتيجية خليجية موحدة لتحقيق التكامل الزراعي الأولي والذي يراعي المزايا النسبية على مستوى دول المجلس، خاصة بعد قيام السوق الخليجية المشتركة، ووضع استراتيجية مماثلة مع الدول العربية خصوصاً الزراعية منها مثل السودان ومصر واليمن، والاتفاق معها على تخصيص أراض للاستثمار الزراعي تكون ملكيتها وإدارتها وتسويق محاصيلها في أيدي الشركات الخليجية التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض، بالإضافة إلى توعية المستهلكين بتغيير أنماط الاستهلاك الغذائي بما يتلاءم مع وضع السوق وإنشاء تكتلات على المستوى الوطني، وفي إطار دول مجلس التعاون للتفاوض مع المنتجين الرئيسيين للمواد الغذائية الأساسية.
4- ضرورة تقديم إعانات مؤقتة لاستيراد بعض المواد الغذائية الحيوية، والتوسع في مجال الاستثمار الزراعي المشترك، وإنشاء المؤسسات الصناعية في مجال الإنتاج الزراعي وتسويقه، بما يسهم في تفعيل السوق الخليجية المشتركة، وإجراء المزيد من الدراسات والأبحاث العلمية المشتركة في مجال تحسين الإنتاج الزراعي.
5- محاولة البحث عن حلول للمشكلات المتسببة أساساً في أزمة الغذاء، من خلال عقد المزيد من المؤتمرات وإجراء الأبحاث العلمية التي تناقش مشكلات المياه والطاقة على سبيل المثال، عبر توجيه الدراسات والأبحاث العلمية نحو إيجاد الحلول لمشكلات ندرة الموارد المائية، لأن المياه هي أساس ما يعرف بالزراعة المستدامة، والاهتمام بوضع لجان في الغرف التجارية مختصة بالمياه على غرار اللجان الزراعية حتى تتمكن من الاطلاع على أوضاع المياه وتوجيه القطاع الزراعي إلى أخذ مبدأ الزراعة المستدامة كأساس لأي مشروع زراعي، بالإضافة إلى ضرورة الإفادة من توظيف الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة بقصد مواجهة الطلب المتزايد على الطاقة، بدلاً من الاتجاه إلى تعويض النقص عن طريق استخدام المحاصيل الزراعية في تصنيع الوقود الحيوي.
6- تفعيل دور رجال الأعمال والمستثمرين، وتقديم كافة الأفكار والرؤى، والعمل على تحقيق التنمية المتوازنة بالمجال الزراعي من حيث: الإنتاج، التسويق، التصنيع، والبحث في أهم المشكلات والعقبات التي تعترض العاملين في هذا النشاط. وفي هذا الشأن يمكن للشركات الزراعية الخاصة أن تلعب دوراً حيوياً في المحيط الذي تقع فيه، على أن يراعى فيه البعد الاجتماعي، من خلال توطين الخبرات الوطنية والتقنية واستخدامها في العمليات الزراعية، وتوفيرها للمزارع الصغير، وهو ما قد يسهم في دوران الرساميل، وإتاحة المزيد من فرص العمل، والمساهمة بشكل فاعل في تحقيق الاكتفاء الغذائي من السلع.
::/fulltext::
::cck::857::/cck::
