تقلبات أسعار النفط وتأثيراتها في مستقبل التنمية بمنطقة الخليج

::cck::876::/cck::
::introtext::

يُعتبر تسعير النفط الخام في الأسواق الدولية من الأمور الخطيرة جداً للاقتصاد العالمي، وذلك لكون النفط أكبر سلعة يتم تبادلها تجارياً، سواء أكان ذلك من ناحية الحجم أم من ناحية القيمة التأثيرية لهذه السلعة.

 

::/introtext::
::fulltext::

يُعتبر تسعير النفط الخام في الأسواق الدولية من الأمور الخطيرة جداً للاقتصاد العالمي، وذلك لكون النفط أكبر سلعة يتم تبادلها تجارياً، سواء أكان ذلك من ناحية الحجم أم من ناحية القيمة التأثيرية لهذه السلعة.

تعتمد منظمة (أوبك) في تسعيرها للنفط الخام طبقاً لسلة مؤلفة من سبعة أنواع من النفط الخام المنتج 

أصبح من المأثور في هذه الأيام، ومع انتشار العولمة الاقتصادية الترويج لمقولة أن قوى السوق تستطيع معالجة أي اختلاف في مستويات العرض والطلب على النفط، وبالتالي استقرار أسعاره في الأسواق العالمية، وأياً كانت مدته وحجمه، ويعلل أصحاب هذه المقولة رأيهم بأن ذلك ما فعلته قوى السوق عندما تفاقمت الأزمة مع انخفاض الإنتاج النفطي بواقع (4-5) ملايين برميل يومياً عقب حرب الخليج الثانية عام 1991. إلا أن التطورات التي حدثت في الأسواق النفطية الدولية وحصول تذبذب (Fluctuation) بأسعار النفط غير مسبوق ومتفرد عقب ذلك دحضت هذا الافتراض.

 الخلفية التاريخية: تعرضت السوق النفطية العالمية خلال السنوات الثلاثين الماضية لثلاث صدمات نفطية حادة، وُصفت بأنها تاريخية، ويمكن إيجازها في الآتي:

1- الصدمة الأولى: حصلت عقب اندلاع حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 بين الدول العربية وإسرائيل، واستخدام العرب النفط كسلاح في المعركة، حيث قُطعت بعض الإمدادات النفطية العربية عن الدول الصناعية المتقدمة والمتحالفة مع الدولة العبرية، مما أدى إلى انخفاض مُفاجئ وحاد لسقف الإنتاج وما أعقبه من ارتفاع أسعار النفط، إذ وصل السعر آنذاك إلى (36) دولاراً للبرميل الواحد.

2- الصدمة الثانية: حدثت عقب الثورة الإيرانية في فبراير 1979، مما أدى إلى قطع إمدادات النفط الإيراني عن الأسواق الدولية لبضعة شهور، وبالتالي انخفاض كميات المعروض النفطي، وعندئذ ازداد الطلب وارتفعت أسعار النفط إلى (31) دولاراً للبرميل الواحد.

3- الصدمة الثالثة: جاءت مختلفة عن سابقتيها من حيث المضامين والدلالات لتسجل تصاعد الأسعار بشكل تدريجي وزاحف بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في إبريل 2003 ليصل السعر إلى أكثر من (40) دولاراً في عام 2004 ثم إلى أكثر من (50) دولاراً عام 2005 ليواصل ارتفاعه إلى أكثر من (70) دولاراً في عام 2006، ثم ليتخطى حاجز (90) دولاراً للبرميل الواحد في نهاية 2007. ثم شهدت الأشهر الثمانية من عام 2008 استمرار تصاعد سريع لأسعار النفط حتى وصل سعره في أغسطس 2008 إلى نحو (147) دولاراً للبرميل الواحد، لينتكس السعر بحلول سبتمبر 2008، وبالتزامن مع وقوع الأزمة المالية العالمية لتسجل الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2008 أسرع وأعلى انخفاض لأسعار النفط في التاريخ عندما هبطت أسعاره من (147) دولاراً للبرميل الواحد إلى (36) دولاراً ولتسجل أول ظاهرة عالمية بهذا الحجم. وعقب فترة الانهيار بدأت أسعار النفط بالارتفاع التدريجي خلال عام 2009 لتستقر عند معدل يتراوح بين (65-75) دولاراً للبرميل الواحد وحتى الوقت الحاضر.

 * أسباب تقلبات أسعار النفط: يستخدم مُنتجو النفط عدداً من التوليفات (Blends) التي تُستخدم في البورصات النفطية العالمية للاسترشاد بها لدى تعاملهم مع المستهلكين لتسعير النفط الخام اعتماداً على كثافته النوعية. وتعتمد منظمة (أوبك) في تسعيرها للنفط الخام طبقاً لسلة مؤلفة من سبعة أنواع من النفط الخام المنتج في كل من: السعودية، الجزائر، وإندونيسيا، ونيجيريا، ودبي، وفنزويلا، وخامات المكسيك، رغم أن الأخير لا ينتمي إلى منظمة (أوبك). إلا أن التوليفتين الأكثر استعمالاً في تجارة النفط، هما: خام برنت بحر الشمال، وتوليفة غرب تكساس، ويتم التعامل بنفط خام برنت في سوق لندن للتبادل النفطي، في حين أن توليفة نفط خام تكساس يتم التبادل فيها في سوق نيويورك.

شهدت الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2008 أسرع وأعلى انخفاض لأسعار النفط في التاريخ 

ورغم الثبات النسبي للصيغ الاسترشادية المتبعة لتحديد أسعار النفط، اعتماداً على كثافته النوعية، فإن هنالك العديد من الأسباب الاقتصادية والسياسية التي دفعت إلى حصول تقلبات لأسعار النفط في الأسواق العالمية، لعل من أهمها الآتي:

1- زيادة الطلب: عكست أرقام إجمالي الطلب (Aggregate demand) العالمي على النفط في الأسواق الدولية منذ عام 2002 والتي لم تفلح القدرة الإنتاجية الاحتياطية المتاحة لدى الدول المنتجة – باستثناء السعودية – عن مواجهة الزيادة التي طرأت على الطلب العالمي والتي بلغت نحو (7) ملايين برميل خلال الأعوام الأخيرة، وعلى سبيل المثال بلغ إجمالي الطلب عام 2002 نحو (77.8) مليون برميل يومياً، وفي عام 2005 وصل حجم الطلب إلى (83.3) مليون برميل، ثم ارتفع عام 2008 إلى (85.6) مليون برميل يومياً. وخلال عام 2009 انخفضت تجارة النفط العالمية بنسبة (1.79) أو ما يعادل (930.000) برميل يومياً، ولأول مرة منذ عام 2002. ويعتبر هذا التراجع في الطلب التراجع الأكبر منذ ثلاثين عاماً، وذلك عقب انخفاض استهلاك مجموعة الدول الصناعية مؤخراً، ومما لا شك فيه أن هذا التباين ينعكس على الأسعار صعوداً ونزولاً في الأسواق الدولية.

2- نقص طاقات التكرير: تُسبب نقص طاقات معامل التكرير (Refining) والاختناقات في طاقات التكرير العالمية والتحويلية، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، في العجر عن تلبية احتياجات الاستهلاك مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية.

3- تذبذب أسعار الدولار: استمرت أسعار صرف الدولار الأمريكي بالتذبذب ارتفاعاً وانخفاضاً، مقارنة ببقية العملات الدولية. ولاعتماد عملة الدولار الأمريكي كعملة أساسية لتسعير النفط فقد انعكس ذلك على أسعاره بالتعاقب صعوداً أو نزولاً في الأسواق الدولية.

4- عمليات مزج البنزين بالإيثانول: عمدت العديد من مصافي التكرير في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مزج البنزين بالإيثانول لأسباب بيئية تنفيذاً لقوانين أقرت في الولايات المتحدة الأمريكية مما أدى إلى زيادة الطلب على البنزين.

5- العوامل السياسية: تتأثر سلعة النفط، وبشكل حاد جداً بالأحداث السياسية التي يشهدها العالم، وقد أسهمت العديد من التهديدات الجيوسياسية في مختلف مناطق العالم، وبخاصة في مناطق إنتاج النفط، بتقلب أسعار النفط، وفي مقدمتها: أولاً، تطورات الأحداث في العراق: على الرغم من امتلاك العراق ثاني أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم بعد المملكة العربية السعودية، إلا أنه يعاني من اضطراب الوضع الأمني منذ الاحتلال الأمريكي في إبريل 2003 وحتى الوقت الحاضر. وقد تسببت هذه الظاهرة في زيادة حجم الأضرار التي تكبدها القطاع النفطي العراقي جراء استمرار عمليات التخريب والتي بلغت خسائرها وفقاً لتصريحات رسمية عراقية بنحو خمسة مليارات دولار، مما أدى إلى تراجع إمكانات التصدير العراقية أو انقطاعها لفترات طويلة. وثانياً، الأزمة النووية الإيرانية، والتي تسببت باستمرار التوتر بين إيران والدول الغربية، وبخاصة عقب تهديدات إيران المتكررة بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي، والذي يعد المنفذ الذي تخرج منه صادرات النفط إلى الدول المستهلكة في مختلف دول، والتي تبلغ أكثر من (17) مليون برميل يومياً، فضلاً عن عشرات السفن التي تعبر المضيق وتنقل البضائع من وإلى الدول المطلة على الخليج العربي.

تعرضت السوق النفطية العالمية خلال السنوات الثلاثين الماضية لثلاث صدمات نفطية حادة

* التداعيات الاقتصادية: لقد شهدت الفترة من (2002 -2009) تأرجحاً شديداً في أسعار النفط الخام وبمديات لم يسبق لها مثيل في التاريخ الاقتصادي لسلعة النفط. كما أسلفنا، وهذه الظاهرة لم تحصل لأسعار النفط منذ انهيارها خلال منتصف ثمانينات القرن الماضي. وقد لعبت منظمة (أوبك) دوراً حاسماً أثناء هذا الانهيار غير المسبوق لضمان التوازن التدريجي للأسعار، وبخاصة أن نسب الاستهلاك حافظت على استقرارها خلال تلك الفترة.

وقد أفرزت ظاهرة ارتفاع فوائض العائدات النفطية غير المتوقعة في البلدان المنتجة، وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي انعكاسات إيجابية وسلبية متداخلة، حيث مكّن الريع النفطي المرتفع حكومات مجلس التعاون الخليجي من تقديم الخدمات لمواطنيها بتكلفة بسيطة أو شبه مجانية، إلى جانب إعداد وتمويل خطط تنمية طموحة، ولاسيما عقب تزايد الإيرادات المالية لصادرات النفط والتي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة. وعلى سبيل المثال ارتفعت الفوائض المالية من (154) مليار دولار عام 2002 لتصل إلى (365) مليار دولار عام 2005. كما تضاعفت الاحتياطيات المالية الخارجية من (140) مليار دولار عام 2003 لتصل إلى (300) مليار دولار عام 2005. كما تصاعدت قيمة صادرات النفط الخام لدول مجلس التعاون الخليجي للسنوات (2004-2008) والتي تدرجت من (130.22) مليار دولار سنوياً عام 2004 حتى وصلت إلى (436.915) مليار دولار عام 2009 مما أدى إلى الاعتماد على الفوائض المالية النفطية لتنشيط الاستثمارات وإعداد خطط التنمية في كافة دول المجلس مضمونة التمويل، إلى حد ما، ولعدة سنوات.

ويتمثل الجانب (السلبي) غير المنظور في المرحلة الحالية، في هذا المضمار في إسدال الستار عن مشاريع الإصلاحات الاقتصادية في غالبية دول مجلس التعاون الخليجي وتركيز الاعتماد على سلعة النفط مما أكسب اقتصادات دول الخليج صفة الاقتصادات الريعية التي اعتمدت على النفط وبأرجحية عالية لتسيير القطاعات الاقتصادية. وعلى الرغم من شيوع حالة الازدهار الاقتصادي في دول الخليج جراء الفوائض النفطية، إلا أن اقتصاداتها أضحت شديدة الحساسية جراء التأثر بواقع التطورات الاقتصادية الدولية، ومنها على سبيل المثال ما يحصل في بورصات الأسهم العالمية وكذلك تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008، كما حصل بانهيار أسواق دبي مؤخراً. ولتجاوز تأثير هذه التقلبات في أسعار النفط ينبغي الشروع بخطط بعيدة المدى لتنويع الاقتصادات الخليجية وتقليل الاعتماد على القطاع النفطي بصورة تدريجية لتلافي الآثار السلبية غير المتوقعة في تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.

             

 

::/fulltext::

oil-59c
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::876::/cck::
::introtext::

يُعتبر تسعير النفط الخام في الأسواق الدولية من الأمور الخطيرة جداً للاقتصاد العالمي، وذلك لكون النفط أكبر سلعة يتم تبادلها تجارياً، سواء أكان ذلك من ناحية الحجم أم من ناحية القيمة التأثيرية لهذه السلعة.

 

::/introtext::
::fulltext::

يُعتبر تسعير النفط الخام في الأسواق الدولية من الأمور الخطيرة جداً للاقتصاد العالمي، وذلك لكون النفط أكبر سلعة يتم تبادلها تجارياً، سواء أكان ذلك من ناحية الحجم أم من ناحية القيمة التأثيرية لهذه السلعة.

تعتمد منظمة (أوبك) في تسعيرها للنفط الخام طبقاً لسلة مؤلفة من سبعة أنواع من النفط الخام المنتج 

أصبح من المأثور في هذه الأيام، ومع انتشار العولمة الاقتصادية الترويج لمقولة أن قوى السوق تستطيع معالجة أي اختلاف في مستويات العرض والطلب على النفط، وبالتالي استقرار أسعاره في الأسواق العالمية، وأياً كانت مدته وحجمه، ويعلل أصحاب هذه المقولة رأيهم بأن ذلك ما فعلته قوى السوق عندما تفاقمت الأزمة مع انخفاض الإنتاج النفطي بواقع (4-5) ملايين برميل يومياً عقب حرب الخليج الثانية عام 1991. إلا أن التطورات التي حدثت في الأسواق النفطية الدولية وحصول تذبذب (Fluctuation) بأسعار النفط غير مسبوق ومتفرد عقب ذلك دحضت هذا الافتراض.

 الخلفية التاريخية: تعرضت السوق النفطية العالمية خلال السنوات الثلاثين الماضية لثلاث صدمات نفطية حادة، وُصفت بأنها تاريخية، ويمكن إيجازها في الآتي:

1- الصدمة الأولى: حصلت عقب اندلاع حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 بين الدول العربية وإسرائيل، واستخدام العرب النفط كسلاح في المعركة، حيث قُطعت بعض الإمدادات النفطية العربية عن الدول الصناعية المتقدمة والمتحالفة مع الدولة العبرية، مما أدى إلى انخفاض مُفاجئ وحاد لسقف الإنتاج وما أعقبه من ارتفاع أسعار النفط، إذ وصل السعر آنذاك إلى (36) دولاراً للبرميل الواحد.

2- الصدمة الثانية: حدثت عقب الثورة الإيرانية في فبراير 1979، مما أدى إلى قطع إمدادات النفط الإيراني عن الأسواق الدولية لبضعة شهور، وبالتالي انخفاض كميات المعروض النفطي، وعندئذ ازداد الطلب وارتفعت أسعار النفط إلى (31) دولاراً للبرميل الواحد.

3- الصدمة الثالثة: جاءت مختلفة عن سابقتيها من حيث المضامين والدلالات لتسجل تصاعد الأسعار بشكل تدريجي وزاحف بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في إبريل 2003 ليصل السعر إلى أكثر من (40) دولاراً في عام 2004 ثم إلى أكثر من (50) دولاراً عام 2005 ليواصل ارتفاعه إلى أكثر من (70) دولاراً في عام 2006، ثم ليتخطى حاجز (90) دولاراً للبرميل الواحد في نهاية 2007. ثم شهدت الأشهر الثمانية من عام 2008 استمرار تصاعد سريع لأسعار النفط حتى وصل سعره في أغسطس 2008 إلى نحو (147) دولاراً للبرميل الواحد، لينتكس السعر بحلول سبتمبر 2008، وبالتزامن مع وقوع الأزمة المالية العالمية لتسجل الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2008 أسرع وأعلى انخفاض لأسعار النفط في التاريخ عندما هبطت أسعاره من (147) دولاراً للبرميل الواحد إلى (36) دولاراً ولتسجل أول ظاهرة عالمية بهذا الحجم. وعقب فترة الانهيار بدأت أسعار النفط بالارتفاع التدريجي خلال عام 2009 لتستقر عند معدل يتراوح بين (65-75) دولاراً للبرميل الواحد وحتى الوقت الحاضر.

 * أسباب تقلبات أسعار النفط: يستخدم مُنتجو النفط عدداً من التوليفات (Blends) التي تُستخدم في البورصات النفطية العالمية للاسترشاد بها لدى تعاملهم مع المستهلكين لتسعير النفط الخام اعتماداً على كثافته النوعية. وتعتمد منظمة (أوبك) في تسعيرها للنفط الخام طبقاً لسلة مؤلفة من سبعة أنواع من النفط الخام المنتج في كل من: السعودية، الجزائر، وإندونيسيا، ونيجيريا، ودبي، وفنزويلا، وخامات المكسيك، رغم أن الأخير لا ينتمي إلى منظمة (أوبك). إلا أن التوليفتين الأكثر استعمالاً في تجارة النفط، هما: خام برنت بحر الشمال، وتوليفة غرب تكساس، ويتم التعامل بنفط خام برنت في سوق لندن للتبادل النفطي، في حين أن توليفة نفط خام تكساس يتم التبادل فيها في سوق نيويورك.

شهدت الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2008 أسرع وأعلى انخفاض لأسعار النفط في التاريخ 

ورغم الثبات النسبي للصيغ الاسترشادية المتبعة لتحديد أسعار النفط، اعتماداً على كثافته النوعية، فإن هنالك العديد من الأسباب الاقتصادية والسياسية التي دفعت إلى حصول تقلبات لأسعار النفط في الأسواق العالمية، لعل من أهمها الآتي:

1- زيادة الطلب: عكست أرقام إجمالي الطلب (Aggregate demand) العالمي على النفط في الأسواق الدولية منذ عام 2002 والتي لم تفلح القدرة الإنتاجية الاحتياطية المتاحة لدى الدول المنتجة – باستثناء السعودية – عن مواجهة الزيادة التي طرأت على الطلب العالمي والتي بلغت نحو (7) ملايين برميل خلال الأعوام الأخيرة، وعلى سبيل المثال بلغ إجمالي الطلب عام 2002 نحو (77.8) مليون برميل يومياً، وفي عام 2005 وصل حجم الطلب إلى (83.3) مليون برميل، ثم ارتفع عام 2008 إلى (85.6) مليون برميل يومياً. وخلال عام 2009 انخفضت تجارة النفط العالمية بنسبة (1.79) أو ما يعادل (930.000) برميل يومياً، ولأول مرة منذ عام 2002. ويعتبر هذا التراجع في الطلب التراجع الأكبر منذ ثلاثين عاماً، وذلك عقب انخفاض استهلاك مجموعة الدول الصناعية مؤخراً، ومما لا شك فيه أن هذا التباين ينعكس على الأسعار صعوداً ونزولاً في الأسواق الدولية.

2- نقص طاقات التكرير: تُسبب نقص طاقات معامل التكرير (Refining) والاختناقات في طاقات التكرير العالمية والتحويلية، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، في العجر عن تلبية احتياجات الاستهلاك مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية.

3- تذبذب أسعار الدولار: استمرت أسعار صرف الدولار الأمريكي بالتذبذب ارتفاعاً وانخفاضاً، مقارنة ببقية العملات الدولية. ولاعتماد عملة الدولار الأمريكي كعملة أساسية لتسعير النفط فقد انعكس ذلك على أسعاره بالتعاقب صعوداً أو نزولاً في الأسواق الدولية.

4- عمليات مزج البنزين بالإيثانول: عمدت العديد من مصافي التكرير في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مزج البنزين بالإيثانول لأسباب بيئية تنفيذاً لقوانين أقرت في الولايات المتحدة الأمريكية مما أدى إلى زيادة الطلب على البنزين.

5- العوامل السياسية: تتأثر سلعة النفط، وبشكل حاد جداً بالأحداث السياسية التي يشهدها العالم، وقد أسهمت العديد من التهديدات الجيوسياسية في مختلف مناطق العالم، وبخاصة في مناطق إنتاج النفط، بتقلب أسعار النفط، وفي مقدمتها: أولاً، تطورات الأحداث في العراق: على الرغم من امتلاك العراق ثاني أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم بعد المملكة العربية السعودية، إلا أنه يعاني من اضطراب الوضع الأمني منذ الاحتلال الأمريكي في إبريل 2003 وحتى الوقت الحاضر. وقد تسببت هذه الظاهرة في زيادة حجم الأضرار التي تكبدها القطاع النفطي العراقي جراء استمرار عمليات التخريب والتي بلغت خسائرها وفقاً لتصريحات رسمية عراقية بنحو خمسة مليارات دولار، مما أدى إلى تراجع إمكانات التصدير العراقية أو انقطاعها لفترات طويلة. وثانياً، الأزمة النووية الإيرانية، والتي تسببت باستمرار التوتر بين إيران والدول الغربية، وبخاصة عقب تهديدات إيران المتكررة بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي، والذي يعد المنفذ الذي تخرج منه صادرات النفط إلى الدول المستهلكة في مختلف دول، والتي تبلغ أكثر من (17) مليون برميل يومياً، فضلاً عن عشرات السفن التي تعبر المضيق وتنقل البضائع من وإلى الدول المطلة على الخليج العربي.

تعرضت السوق النفطية العالمية خلال السنوات الثلاثين الماضية لثلاث صدمات نفطية حادة

* التداعيات الاقتصادية: لقد شهدت الفترة من (2002 -2009) تأرجحاً شديداً في أسعار النفط الخام وبمديات لم يسبق لها مثيل في التاريخ الاقتصادي لسلعة النفط. كما أسلفنا، وهذه الظاهرة لم تحصل لأسعار النفط منذ انهيارها خلال منتصف ثمانينات القرن الماضي. وقد لعبت منظمة (أوبك) دوراً حاسماً أثناء هذا الانهيار غير المسبوق لضمان التوازن التدريجي للأسعار، وبخاصة أن نسب الاستهلاك حافظت على استقرارها خلال تلك الفترة.

وقد أفرزت ظاهرة ارتفاع فوائض العائدات النفطية غير المتوقعة في البلدان المنتجة، وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي انعكاسات إيجابية وسلبية متداخلة، حيث مكّن الريع النفطي المرتفع حكومات مجلس التعاون الخليجي من تقديم الخدمات لمواطنيها بتكلفة بسيطة أو شبه مجانية، إلى جانب إعداد وتمويل خطط تنمية طموحة، ولاسيما عقب تزايد الإيرادات المالية لصادرات النفط والتي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة. وعلى سبيل المثال ارتفعت الفوائض المالية من (154) مليار دولار عام 2002 لتصل إلى (365) مليار دولار عام 2005. كما تضاعفت الاحتياطيات المالية الخارجية من (140) مليار دولار عام 2003 لتصل إلى (300) مليار دولار عام 2005. كما تصاعدت قيمة صادرات النفط الخام لدول مجلس التعاون الخليجي للسنوات (2004-2008) والتي تدرجت من (130.22) مليار دولار سنوياً عام 2004 حتى وصلت إلى (436.915) مليار دولار عام 2009 مما أدى إلى الاعتماد على الفوائض المالية النفطية لتنشيط الاستثمارات وإعداد خطط التنمية في كافة دول المجلس مضمونة التمويل، إلى حد ما، ولعدة سنوات.

ويتمثل الجانب (السلبي) غير المنظور في المرحلة الحالية، في هذا المضمار في إسدال الستار عن مشاريع الإصلاحات الاقتصادية في غالبية دول مجلس التعاون الخليجي وتركيز الاعتماد على سلعة النفط مما أكسب اقتصادات دول الخليج صفة الاقتصادات الريعية التي اعتمدت على النفط وبأرجحية عالية لتسيير القطاعات الاقتصادية. وعلى الرغم من شيوع حالة الازدهار الاقتصادي في دول الخليج جراء الفوائض النفطية، إلا أن اقتصاداتها أضحت شديدة الحساسية جراء التأثر بواقع التطورات الاقتصادية الدولية، ومنها على سبيل المثال ما يحصل في بورصات الأسهم العالمية وكذلك تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008، كما حصل بانهيار أسواق دبي مؤخراً. ولتجاوز تأثير هذه التقلبات في أسعار النفط ينبغي الشروع بخطط بعيدة المدى لتنويع الاقتصادات الخليجية وتقليل الاعتماد على القطاع النفطي بصورة تدريجية لتلافي الآثار السلبية غير المتوقعة في تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.

             

 

::/fulltext::
::cck::876::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *