حلف شمال الأطلسي وأمن الخليج: حدود الدور المطلوب
::cck::1000::/cck::
::introtext::
أسس حلف شمال الأطلسي كأداة ضامنة لعلاقات الحلفاء الغربيين بوجه التحديات التي جابهتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأهمها ظهور مؤشرات إلى صدام محتمل مع الاتحاد السوفييتي (السابق). وكانت فكرة الحلف تقوم على الدفاع عن أراضي أعضائه (المادة الخامسة من المعاهدة المنشئة للحلف)، واستمر قائماً على تلك الفكرة حتى عام 1991، حيث ظهرت تغيرات في البيئة الأمنية بسقوط جدار برلين وتفكك حلف وارسو والاتحاد السوفييتي.
::/introtext::
::fulltext::
أسس حلف شمال الأطلسي كأداة ضامنة لعلاقات الحلفاء الغربيين بوجه التحديات التي جابهتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأهمها ظهور مؤشرات إلى صدام محتمل مع الاتحاد السوفييتي (السابق). وكانت فكرة الحلف تقوم على الدفاع عن أراضي أعضائه (المادة الخامسة من المعاهدة المنشئة للحلف)، واستمر قائماً على تلك الفكرة حتى عام 1991، حيث ظهرت تغيرات في البيئة الأمنية بسقوط جدار برلين وتفكك حلف وارسو والاتحاد السوفييتي.
أدركت القوى الأطلسية أن أغلب مصادر تهديد استقرار مجتمعاتها تأتي من مكونات شرق أوسطية
أعاد الحلفاء قراءة المتغيرات الجديدة المؤثرة في أمنهم وبقاء التزامهم، واستقروا على أن البيئة القائمة والمتوقعة تجعل الأمن الأطلسي يواجه تهديدات وتحديات، والتحدي العسكري الخارجي الأكثر محدودية بينها، في حين كانت التحديات غير التقليدية أكثر بروزاً، وأهمها عدم الاستقرار الذي قد يصيب دول الحلف جراء هجرات واسعة (تحمل اتجاهات متشددة) من تخومه الشرقية أو الجنوبية تسهم في إشاعة عدم الاستقرار، أو حتى احتمال وصول صواريخ بعيدة المدى من دول في جنوبي المتوسط تعتبر إما متمردة على قواعد إدارة النظام الدولي، أو غير قانعة أو تعتبر فاشلة. ولم تجر مراجعة لأسس الحلف إلا عام 1999، عندما طرح للنقاش توسيع عضويته ومراجعة هدف الدفاع ذاته في ظرف البيئة المحيطة التي تعاني عدم الاستقرار، وكان التهديد المتوقع هو وصول اللااستقرار إلى داخل الحدود الأطلسية، مما دفع الحلفاء إلى إعادة صياغة استراتيجيات الحلف وأولوياته من الدفاع نحو توسيع مجالات الأمن إلى خارج حدود أعضائه، وطرح القيام بمهام محددة تكاد تكون أقرب إلى الاستباقية ضد التهديدات القائمة.
وعندما حدثت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وافق أعضاء الحلف على المشاركة والدخول في مواجهة مع عدو افتراضي (الإرهاب). وقد تحرك الحلف بعيداً عن الدفاع الاستاتيكي عن أوروبا في قمة براغ عام 2002، إذ ناقش الحلفاء المهام الواجب القيام بها خارج أوروبا، بمعنى توسيع المجال الأمني.
خيار الاعتماد على الآخرين في التسلح والحصول على المعلومات وتوفير الأمن هو خيار مكلف سياسياً
هذه التطورات لم تمنع وجود توتر في العلاقات الأطلسية، وهو ما حدث بفعل محاولات الولايات المتحدة وبريطانيا و(إسبانيا) إدراج العراق في قائمة الدول الواجب غزوها عام 2002، بحيث تعرضت جهودهما لرفض فرنسي وألماني وعدم مشاركة تركيا في العمليات العسكرية، فاضطرت للقيام بغزوها للعراق عام 2003 إلى الاعتماد على دعم (تحالفات طوعية للراغبين). ورغم أن دول الحلف اشتركت بعدها عام 2003 في إدارة عمليات أفغانستان، وإدامة الجهد العسكري فيه رغبة منها في إظهار التزام أطلسي مع الولايات المتحدة، إلا أن التوتر الذي حصل لم يحسم إلا في مؤتمر اسطنبول عام 2004، الذي انتهت فيه قيادات الحلف إلى الالتزام بالاستعداد للقيام بأدوار غير قتالية في عراق ما بعد عام 2003، وإعلان مبادرة للحوار الأطلسي-الشرق أوسطي.
منذ عام 2004 بدأت ملامح توجه أطلسي نحو الشرق الأوسط عبر مبادرة اسطنبول
وبعدها، بدأ تحول في إدراك القيادات الأطلسية لتحويل أعمال الحلف من مناقشة عمليات إلى منتدى للنقاش السياسي ولصنع القرار الأطلسي. وهو ما طرح في قمة براغ 2005، إذ جرى البحث في أخطار القرن الحادي والعشرين من قبيل أعمال الإرهاب، والدول الفاشلة، وانتشار أسلحة الدمار الشاملة، والقيام بإصلاحات لتخطيط دفاعي طويل الأجل من قبيل: إعادة هيكلة القيادة الاستراتيجية، والتزام الأعضاء بتهيئة 40 في المائة من قواتهم لتكون قابلة للاستخدام من قبل الحلف، و8 في المائة منها تستخدم لمهامه الخارجية، وإطلاق قيادة التدخل في الأزمات حول العالم. تلاها ما جرى في قمة ريغا 2006 من مصادقة على إطار أولويات، مع ضوابط التعاون الاستخباري البعيد المدى، وتحليل للتهديدات الأمنية المستقبلية، وإعطاء أولوية لتنمية القدرة على الانتشار، وإتمام بناء قوة الرد السريع. إلا أن ما ميز هذه القمة أن مقرراتها دعت إلى إجراء دراسات على حماية أمن الطاقة.
وما يهمنا أنه منذ عام 2004، بدأت ملامح توجه أطلسي نحو الشرق الأوسط بموجب مبادرة اسطنبول، إذ فتح الحلف باباً للحوار مع دول خليجية راغبة.
غايات حلف الأطلسي الشرق أوسطية
طرحت الولايات المتحدة عام 2004 مشروعاً للشرق الأوسط الكبير، يقوم على تشجيع الإصلاح، وسعت إلى أن يتبناه حلف الأطلسي أو يدعمه. إلا أن المخاوف من الإفراط في توسيع الالتزامات إلى مديات جغرافية غير مسبوقة، أدت إلى نتائج متواضعة على صعيد قبول تلك المبادرة. إذ اتفق الأعضاء بدلاً منها على إطلاق مبادرة اسطنبول للحوار مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقصد بها القيام بحوار ثنائي لاختيار خيارات يتم الاتفاق عليها من بين حزمة خيارات طرحها الحلف وبما يتوافق وأولوياته. ثم وجد الحلف مشاركاً في أعمال مؤتمر المنامة السنوي الذي يناقش قضايا أمن المنطقة منذ عام 2007 ليكون طرفاً مطلعاً وله وجهة نظر بشأن قضايا الأمن.
أغلب أعضاء حلف الناتو هم من القوى الصناعية التي ترغب في الوصول إلى الأسواق وموارد الطاقة
ومما لا غبار عليه أن الحلف يمثل إرادة أعضائه، وأغلب هؤلاء هم من القوى الصناعية التي تقصد الرفاهية وتتوخى الوصول إلى الأسواق والحصول على موارد لصناعاتها، والشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تحديداً غنية بالموارد الهيدروكربونية. يقابل ذلك، أن القوى الأطلسية أدركت أن أغلب مصادر تهديد استقرار مجتمعاتها تأتي من مكونات شرق أوسطية، وبضمنها مكونات خليجية. وهذا ما يجعل العنف ليس وليد حالات فقر فحسب، بل وليد ثقافة تحث على قبول واعتماد العنف كوسيلة للتعامل مع الآخر. وقبول الحلف بالتدخل في أفغانستان، وأيضاً قبول بعض من دوله بالتدخل في العراق، إنما يعكسان رغبة أطلسية في تدمير ما أمكن بشكل استباقي لعناصر قوة الآخر المهددة للمصالح الأطلسية.
ومن جانب آخر، اعتبر الموقع الاستراتيجي لمنطقة الخليج العربي مهماً في استراتيجيات الحلف، فهي قريبة من الصين وروسيا وأوروبا. والتحكم في المنطقة عبر التواجد فيها يعني امتلاك خط دفاع/هجوم أول ضد ما يهدد المصالح الأطلسية.
والجانب الأخير في التوجه نحو الشرق الأوسط، هو تحقيق الهيبة وإظهار المركزية الأطلسية في قيادة النظام الدولي. وهذا وإن كانت له سلبيات متعلقة بتوزيع المغانم وتحمل التكاليف والالتزامات بين الحلفاء، إلا أنه يدفعها إلى التفكير بإعادة صياغة جماعية للخريطة الإقليمية وفقاً للمصالح الأطلسية. ويترافق مع ذلك، أن قدرة الحلف على ربط دول شرق أوسطية به استراتيجياً توفر له أسساً لقاعدة متقدمة، ويضمن من خلالها اختراقاً لمجال يعتبر تقليدياً غير مستقر بحكم التقاطعات التاريخية والجغرافية والقومية والدينية والمذهبية والقبلية، بحيث تكون الدول المرتبطة به قاصدة للحوار أو التعاون في مجال تبادل المعلومات والتدريب والتسلح.. ومثل هكذا علاقات في السياسة الخارجية تفرض على الدولة الأضعف أو المتلقية أن يدعمها الطرف القوي بكل الوسائل.
دول الخليج العربية: حاجات أمنية لم تشبع
إن منظور القيادات الخليجية في حفظ الأمن الخليجي ركز على ثلاثة مستويات، هي: استضافة لقوات غربية في إطار اتفاقيات ثنائية، وبناء قدرة خليجية مشتركة تمثلت في بناء قوات درع الجزيرة، وبناء قدرات دفاعية لكل دولة خليجية على حدة. بيد أن تضارب المصالح والاهتمام، من قبيل: الخصومات والتوترات الداخلية، وعدم الاتفاق على طبيعة التهديدات، واعتماد سياسات أمنية وعسكرية منفصلة، والاعتماد على الولايات المتحدة لتوفير الحماية، أدى إلى الحيلولة دون التوصل إلى تكامل خليجي فاعل على صعيد تلك المستويات. وعموماً، تعاني دول الخليج العربية من ثلاثة مواطن ضعف أمنية رئيسة، هي:
1- ضعف القدرات: سواء ما كانت منه بشرية أو تسليحية أو عقائدية. فعدد سكانها مجتمعة عام 2005 هو 34.4 مليون نسمة؛ في حين عدد سكان إيران والعراق هو 69.4 مليون، و27.9 مليون على التوالي؛ وإذا حللنا وقارنا نوع تلك القدرات البشرية سنصل إلى نتائج مخيبة. أما القدرات التسليحية والعقائد العسكرية فهي مختلة أيضاً، إذ لا توجد قدرات وبرامج تسلح ذاتية، بل لا تزال معتمدة على استيراد أنواع وكميات محددة وغير منسقة؛ وأغلبها (95.4 في المائة) من قوى أطلسية، كما أن استمرار تدفق الأسلحة يتوقف على استمرار العلاقة الخليجية-الغربية.
2- يقابل ذلك ضعف عام في نظم المعلومات الأمنية، فرغم التحسن الحاصل لا تزال تلك الأنظمة غير كافية، مما يجعلها عرضة للاختراق إذا ما أراد الخصوم ذلك.
3- عدم تأهيل كامل البيئة الداخلية مقارنة بحجم التهديدات والتحديات الخارجية والافتقار إلى مشروع سياسي محدد الأبعاد، مما يعطي انطباعاً بأن هناك انشغالاً عن بناء الدولة.
إن مواطن الضعف جعلت وتجعل هذه الدول تعاني من تهديدات وتحديات. ويمكن تصنيفها في عنوانين رئيسين هما:
أ- تحديات تقليدية: متمثلة في وجود تهديدات أمنية-عسكرية مؤثرة في المصالح وفي إرادة صانع القرار الخليجي. واليوم، انفردت إيران بوصفها التهديد العسكري الأبرز، ومظاهر تهديدها: احتلال جزر إماراتية، إقامة تدريبات عسكرية واسعة في أو قرب الخليج العربي، تهديد بإغلاق عسكري لمضيق هرمز، ولو استشعرت إيران وجود منافس خليجي قادر وراغب في حفظ مصالحه لحسبت لأي فعل تقوم به، إنما غرضها هو الزعامة الإقليمية.
ب- تحديات غير تقليدية: باتت تجابه بنوع آخر من التحديات غير المحددة، أهمها: العنف العابر للحدود من حركات تتوخى اعتماد العنف ولا تقيم وزناً في نشاطها للحدود السياسية. وهذه الحركات مهما كان اعتقادها أو نشاطها تتحرك ضمن إطار إقليمي عريض نحو دول الخليج العربية، ومن وإلى (اليمن، والعراق، ومصر، وإيران). كما باتت تجابه بعنف داخلي، ويكاد هذا النوع ينحصر في أطر سيادية خليجية داخلية، وله تفرعات عدة لكل منها أسبابه، ومنها: توسع أزمة الطائفية، وظهور أزمة للمشاركة السياسية، والخوف من فقدان الرفاهية الاقتصادية، واحتمالات وجود أزمة بسبب العمالة المهاجرة.
ولعلاج ما تقدم، يفترض على الدول الخليجية التحرك بثلاثة اتجاهات منفردة أو متزامنة، وهذه الاتجاهات هي:
الأول: إظهار استعداد للهجوم، بتسريع بناء القدرات الخليجية الذاتية، على صعيد القدرات البشرية (تحفيز زيادة أعداد السكان)، التسليحية (بناء صناعات عسكرية وإن بالمشاركة كمرحلة أولى)، وبناء نظم معلومات أمنية، وبناء عقيدة عسكرية. واعتماد هذا الخيار مكلف رغم إيجابياته المتعلقة برفع استقلالية القرار السيادي الخليجي.
الثاني: إظهار التزام الدفاع، عبر الاعتماد على الآخرين في التسلح والحصول على المعلومات وتوفير الأمن. وهذا خيار قائم منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، وهو غير مكلف مادياً إلا أنه خيار مكلف سياسياً.
الثالث: المهادنة التامة، ليس بمعنى دبلوماسية التوسل، إنما إعلام المحيطين العربي والإقليمي والمجتمع الدولي بالانشغال بقضايا الرفاهية، وعدم الانخراط السياسي بالقضايا الإقليمية، أي اختزان القدرة وتنميتها إلى حين توفر الظروف المناسبة لذلك. بيد أن ما يعيق هذا الخيار أن المحيط الإقليمي فيه أطراف متناقضة، ولا يمكن ضمان التزامها جميعاً بعدم التدخل بالشأن الخليجي أو التحريض عليه.
إن بناء تكنولوجيا لأسلحة متطورة قادرة على أداء مهام دفاعية وهجومية فاعلة في وسط بيئة تحوي تهديدات وتحديات أمنية جدية، هو عملية مرهقة للإمكانات الذاتية، ويصعب اتخاذ قرار سياسي في هذا المجال من قبل دول الخليج العربية. يقابله عدم وجود قوة عمل قادرة على تصنيع وإدارة هذه التكنولوجيا. وبقصد تلافي الحرج السياسي، فإن أفضل ما تحتاج إليه هذه الدول هو نصيب أكبر من أنظمة هجومية بعيدة المدى تتألف من صواريخ بالستية وقاذفات استراتيجية، وقوة بحرية فاعلة لجعل أعمال الدفاع بعيدة عن الأرض الخليجية، ودفاع جوي فاعل (دفاع بصيغة الهجوم). فهذا من شأنه تعزيز الفرص لتصحيح الاختلال بالتوازن المزعزع للاستقرار الذي تفرضه إيران كخيار سياسي لفرض أمر واقع. ومثل هذه الأنظمة الهجومية مجدية نسبياً لأنها تجعل الآخر يفكر بمأزق أن خيار دول الخليج العربية العسكري هو نقل ساحة أي معركة إلى أرض الخصم.
وبقصد تلافي القدرة على تصنيع تلك المنظومات محلياً، فإنه يمكن الاعتماد على خيارين: استراتيجي طويل الأمد مفاده إطلاق برامج تعاونية لتطوير تلك الأسلحة مع دول لديها تماثل ثقافي وسياسي مع دول الخليج. وقصير الأمد مفاده تنويع مصادر الأسلحة بدلاً من تركيزها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ على أهميتها.
حلف الأطلسي والدور الخليجي المطلوب
تثار تساؤلات من قبيل، هل دول مجلس التعاون الخليجي، بكل ما تواجهه من تحديات على المستويين الداخلي والخارجي بحاجة إلى إقحام حلف الأطلسي، ومن ثم إثقال كاهلها، والمجازفة بإثقال كاهل التوازن الأمني الإقليمي الخليجي؟ وهل يتوقع أن يكون دخول الحلف في المعادلات الأمنية الخليجية عاملاً مساعداً لتقريب وجهات النظر الخليجية بشأن التحديات الأمنية؟ لقد قبلت بعض من دول مجلس التعاون مبادرة اسطنبول، وكل منها حدد مجالات للحوار والتعاون الثنائي مع الحلف؛ وبالنتيجة صار للحلف حضور في القضايا الخليجية.
إن بديهيات السياسة تتطلب تقييماً شاملاً لأي خطوة سياسية تكبل دولة ما بالتزامات محددة. وهنا الحكمة تقتضي مراعاة اعتبارات عدة أهمها: على الصعيد الخليجي، لا ينكر حجم التباين في القدرات بين دول مجلس التعاون وبين كل من إيران والعراق، ومن مصلحة الخليجيين ضمان الرفاهية وبناء القوة وليس متابعة قضايا مثل مدى تأثر الآخرين بسياسات خليجية، فمبادئ العدل عبارة عن خطاب سياسي وإعلامي يستهدف الجمهور، وهي لغة خطاب للضمائر، بينما الحقائق هي التي تصنع الواقع والمستقبل.
أما على صعيد العلاقة مع حلف الأطلسي، فتباين الاحتياجات للدول المختلفة بقدر ما يولد أرضية مشتركة بينها، بيد أن أصعب أرضية يتم بناؤها هي ما بين دولة وكتلة سياسية أو عسكرية، فالأخيرة هي مجموعة إرادات ومصالح. والطرف الأضعف في هكذا علاقة يسعى إلى وضع تقل فيه السلبيات والتحديات، بينما يتدخل الطرف القوي ليرسم صورة لما يريده وهي صورة تقوم على تعظيم المنافع والامتيازات. وإذا ما تتبعنا مسيرة تنفيذ مبادرة اسطنبول نلحظ أن أمن منطقة الخليج لم يكن هدفاً لمبادرة خاصة بذاته، بل هو جزء من استراتيجية الحلف الجديدة. ويؤكد هذه النتيجة:
1- أن اتفاقيات التعاون التي تم توقيعها بين الحلف ودول مجلس التعاون هي وفقاً لصيغة (26 +1) وليس مع المجلس، وتدور حول المعلومات، وتسهيل عبور الإمدادات، بما يخدم مصالح دول الحلف في المقام الأول.
2- قضية أمن الطاقة طرحت كواحد من مشاغل الحلف. وذلك على الرغم من عدم إشارة المبادرة إلى تلك القضية؛ مما يعني أن الحلف ربما يضطلع بدور ما تجاهها مستقبلاً، سواء بالنسبة للممرات أو المنابع.
3- ليست للحلف رؤية واضحة تجاه أمن دول مجلس التعاون، ففي أعقاب ختام فعاليات لقاء (الناتو-الإمارات، التنسيق المشترك للمضي قدماً بمبادرة اسطنبول للتعاون)، في 29 أكتوبر 2009، رد الأمين العام لحلف الأطلسي فوغ راسموسن على سؤال: ماذا تنتظر الدول الخليجية، في مبادرة اسطنبول للتعاون، من الحلف إذا ما تعرضت للهجوم من إيران؟ بقوله (إن المعاهدة المنشئة للحلف واضحة، وبناء عليها الحلف يركز على الدفاع، والردع يغطي كل دول الحلف). أضاف أن باقي السؤال افتراضي، ومن الأفضل والأذكى ألا نجيب عن أسئلة افتراضية).
كما أن من بين الاعتبارات الواجب النظر إليها خليجياًَ عند تطوير العلاقة مع الحلف، هو أن البدء بعمل سياسي أمر ممكن، بينما التحكم في تفاعلاته أو مخرجاته أمر آخر. وهنا نستذكر ملاحظات ذهب إليها الأستاذ عبدالعزيز بن عثمان بن صقر (حلف الناتو وأمن منطقة الخليج.. أفكار للمناقشة) بقوله (إذا نظرنا إلى الاتفاقيات الثنائية الحالية، نجد أن السبب المباشر الذي دعا إلى الدخول فيها هو أن هناك اتفاقاً على وجود خطر وقدر من القبول بالوجود الأمريكي. لكن هذا لا يمكن اعتباره أساساً كافياً للانطلاق نحو التوسع والتوصل إلى بناء هيكل أمني إقليمي. فمن الممكن أن تتغير نظرة أي من الأطراف لمسألة الخطر أو مصدر التهديد وقبول النخبة أو الشعوب بهذا الدور الموسّع، (وتوسيع التعاون) يمكن أن يقود إلى المزيد من الكراهية بدلاً من تخفيف حالة التوتر، حيث ستعمل دول مثل إيران على استخدام مختلف وسائل التهديد من أجل منع تحقيق مثل هذا التعاون.
وأضاف يبدو أن شعوب المنطقة تتطلع إلى سياسات حكومية تنحو في اتجاه صياغة وتنفيذ حلول أمنية فاعلة على الصعيد الإقليمي. وضمن سياق هذه التطلعات، يرى الكثيرون من أبناء منطقة الخليج أن الاعتماد المفرط على القدرات الأمريكية من شأنه أن يؤدي إلى حالة من الشعور بالرضا الذاتي والاسترخاء، وبالتالي تأجيل النظر في الاستحقاقات المرتبطة بضرورة صياغة سياسات أمنية بديلة). فإذا كان هدف دول مجلس التعاون التي قبلت المبادرة هو تحقيق الأمن؛ فإن عدم وجود رؤية موحدة لديها لأمن الخليج العربي، تسبب بوجود تعارضات بين التزاماتها مع مجلس التعاون ذاته، ومع القوى الغربية التي وقعت معها معاهدات حماية وتواجد، ومع حلف الأطلسي الذي استحضرته إلى المنطقة. وبغض النظر عما يعرضه الحلف من مجالات للتعاون الأمني، فإن دور الحلف في منطقة الخليج سيظل محدداً بالسياسة الأمريكية تجاه هذه المنطقة مستقبلاً، وبالمجالات التي سيقبل الحلف بالتدخل بها تجاه الأمن الإقليمي الخليجي ككل. وبالنتيجة، على دول الخليج العربية الاتفاق على إطار مصالح أمنية مشتركة، تتفاوض في إطاره، سواء مع الحلف أو غيره. ولا يمكن تصور أن ذلك يتجاوز خطوطاً خليجية محددة وهي:
أ- تقليل حجم التهديدات الخارجية، أما مسألة إنهائها بإرادة أطلسية فإنها ستجعل الدول الخليجية أطرافاً في صراع إقليمي-عالمي، وتتحمل تبعاته على أرضها ومصالحها.
ب-المساهمة في تسريع بناء القدرات الخليجية، على صعيدين: المشاركة في مشاريع صناعات دفاعية خليجية، ومساعدة دول الخليج على بناء نظم معلومات أمنية.
ج-الاستمرار بالأدوار التقليدية في المرحلة الراهنة، وأهمها: الحوار الأمني الخليجي-الأطلسي، وتبادل المعلومات، وتزويد دول الخليج العربية بالسلاح والمعدات، وتدريب جيوشها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1000::/cck::
::introtext::
أسس حلف شمال الأطلسي كأداة ضامنة لعلاقات الحلفاء الغربيين بوجه التحديات التي جابهتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأهمها ظهور مؤشرات إلى صدام محتمل مع الاتحاد السوفييتي (السابق). وكانت فكرة الحلف تقوم على الدفاع عن أراضي أعضائه (المادة الخامسة من المعاهدة المنشئة للحلف)، واستمر قائماً على تلك الفكرة حتى عام 1991، حيث ظهرت تغيرات في البيئة الأمنية بسقوط جدار برلين وتفكك حلف وارسو والاتحاد السوفييتي.
::/introtext::
::fulltext::
أسس حلف شمال الأطلسي كأداة ضامنة لعلاقات الحلفاء الغربيين بوجه التحديات التي جابهتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأهمها ظهور مؤشرات إلى صدام محتمل مع الاتحاد السوفييتي (السابق). وكانت فكرة الحلف تقوم على الدفاع عن أراضي أعضائه (المادة الخامسة من المعاهدة المنشئة للحلف)، واستمر قائماً على تلك الفكرة حتى عام 1991، حيث ظهرت تغيرات في البيئة الأمنية بسقوط جدار برلين وتفكك حلف وارسو والاتحاد السوفييتي.
أدركت القوى الأطلسية أن أغلب مصادر تهديد استقرار مجتمعاتها تأتي من مكونات شرق أوسطية
أعاد الحلفاء قراءة المتغيرات الجديدة المؤثرة في أمنهم وبقاء التزامهم، واستقروا على أن البيئة القائمة والمتوقعة تجعل الأمن الأطلسي يواجه تهديدات وتحديات، والتحدي العسكري الخارجي الأكثر محدودية بينها، في حين كانت التحديات غير التقليدية أكثر بروزاً، وأهمها عدم الاستقرار الذي قد يصيب دول الحلف جراء هجرات واسعة (تحمل اتجاهات متشددة) من تخومه الشرقية أو الجنوبية تسهم في إشاعة عدم الاستقرار، أو حتى احتمال وصول صواريخ بعيدة المدى من دول في جنوبي المتوسط تعتبر إما متمردة على قواعد إدارة النظام الدولي، أو غير قانعة أو تعتبر فاشلة. ولم تجر مراجعة لأسس الحلف إلا عام 1999، عندما طرح للنقاش توسيع عضويته ومراجعة هدف الدفاع ذاته في ظرف البيئة المحيطة التي تعاني عدم الاستقرار، وكان التهديد المتوقع هو وصول اللااستقرار إلى داخل الحدود الأطلسية، مما دفع الحلفاء إلى إعادة صياغة استراتيجيات الحلف وأولوياته من الدفاع نحو توسيع مجالات الأمن إلى خارج حدود أعضائه، وطرح القيام بمهام محددة تكاد تكون أقرب إلى الاستباقية ضد التهديدات القائمة.
وعندما حدثت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وافق أعضاء الحلف على المشاركة والدخول في مواجهة مع عدو افتراضي (الإرهاب). وقد تحرك الحلف بعيداً عن الدفاع الاستاتيكي عن أوروبا في قمة براغ عام 2002، إذ ناقش الحلفاء المهام الواجب القيام بها خارج أوروبا، بمعنى توسيع المجال الأمني.
خيار الاعتماد على الآخرين في التسلح والحصول على المعلومات وتوفير الأمن هو خيار مكلف سياسياً
هذه التطورات لم تمنع وجود توتر في العلاقات الأطلسية، وهو ما حدث بفعل محاولات الولايات المتحدة وبريطانيا و(إسبانيا) إدراج العراق في قائمة الدول الواجب غزوها عام 2002، بحيث تعرضت جهودهما لرفض فرنسي وألماني وعدم مشاركة تركيا في العمليات العسكرية، فاضطرت للقيام بغزوها للعراق عام 2003 إلى الاعتماد على دعم (تحالفات طوعية للراغبين). ورغم أن دول الحلف اشتركت بعدها عام 2003 في إدارة عمليات أفغانستان، وإدامة الجهد العسكري فيه رغبة منها في إظهار التزام أطلسي مع الولايات المتحدة، إلا أن التوتر الذي حصل لم يحسم إلا في مؤتمر اسطنبول عام 2004، الذي انتهت فيه قيادات الحلف إلى الالتزام بالاستعداد للقيام بأدوار غير قتالية في عراق ما بعد عام 2003، وإعلان مبادرة للحوار الأطلسي-الشرق أوسطي.
منذ عام 2004 بدأت ملامح توجه أطلسي نحو الشرق الأوسط عبر مبادرة اسطنبول
وبعدها، بدأ تحول في إدراك القيادات الأطلسية لتحويل أعمال الحلف من مناقشة عمليات إلى منتدى للنقاش السياسي ولصنع القرار الأطلسي. وهو ما طرح في قمة براغ 2005، إذ جرى البحث في أخطار القرن الحادي والعشرين من قبيل أعمال الإرهاب، والدول الفاشلة، وانتشار أسلحة الدمار الشاملة، والقيام بإصلاحات لتخطيط دفاعي طويل الأجل من قبيل: إعادة هيكلة القيادة الاستراتيجية، والتزام الأعضاء بتهيئة 40 في المائة من قواتهم لتكون قابلة للاستخدام من قبل الحلف، و8 في المائة منها تستخدم لمهامه الخارجية، وإطلاق قيادة التدخل في الأزمات حول العالم. تلاها ما جرى في قمة ريغا 2006 من مصادقة على إطار أولويات، مع ضوابط التعاون الاستخباري البعيد المدى، وتحليل للتهديدات الأمنية المستقبلية، وإعطاء أولوية لتنمية القدرة على الانتشار، وإتمام بناء قوة الرد السريع. إلا أن ما ميز هذه القمة أن مقرراتها دعت إلى إجراء دراسات على حماية أمن الطاقة.
وما يهمنا أنه منذ عام 2004، بدأت ملامح توجه أطلسي نحو الشرق الأوسط بموجب مبادرة اسطنبول، إذ فتح الحلف باباً للحوار مع دول خليجية راغبة.
غايات حلف الأطلسي الشرق أوسطية
طرحت الولايات المتحدة عام 2004 مشروعاً للشرق الأوسط الكبير، يقوم على تشجيع الإصلاح، وسعت إلى أن يتبناه حلف الأطلسي أو يدعمه. إلا أن المخاوف من الإفراط في توسيع الالتزامات إلى مديات جغرافية غير مسبوقة، أدت إلى نتائج متواضعة على صعيد قبول تلك المبادرة. إذ اتفق الأعضاء بدلاً منها على إطلاق مبادرة اسطنبول للحوار مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقصد بها القيام بحوار ثنائي لاختيار خيارات يتم الاتفاق عليها من بين حزمة خيارات طرحها الحلف وبما يتوافق وأولوياته. ثم وجد الحلف مشاركاً في أعمال مؤتمر المنامة السنوي الذي يناقش قضايا أمن المنطقة منذ عام 2007 ليكون طرفاً مطلعاً وله وجهة نظر بشأن قضايا الأمن.
أغلب أعضاء حلف الناتو هم من القوى الصناعية التي ترغب في الوصول إلى الأسواق وموارد الطاقة
ومما لا غبار عليه أن الحلف يمثل إرادة أعضائه، وأغلب هؤلاء هم من القوى الصناعية التي تقصد الرفاهية وتتوخى الوصول إلى الأسواق والحصول على موارد لصناعاتها، والشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تحديداً غنية بالموارد الهيدروكربونية. يقابل ذلك، أن القوى الأطلسية أدركت أن أغلب مصادر تهديد استقرار مجتمعاتها تأتي من مكونات شرق أوسطية، وبضمنها مكونات خليجية. وهذا ما يجعل العنف ليس وليد حالات فقر فحسب، بل وليد ثقافة تحث على قبول واعتماد العنف كوسيلة للتعامل مع الآخر. وقبول الحلف بالتدخل في أفغانستان، وأيضاً قبول بعض من دوله بالتدخل في العراق، إنما يعكسان رغبة أطلسية في تدمير ما أمكن بشكل استباقي لعناصر قوة الآخر المهددة للمصالح الأطلسية.
ومن جانب آخر، اعتبر الموقع الاستراتيجي لمنطقة الخليج العربي مهماً في استراتيجيات الحلف، فهي قريبة من الصين وروسيا وأوروبا. والتحكم في المنطقة عبر التواجد فيها يعني امتلاك خط دفاع/هجوم أول ضد ما يهدد المصالح الأطلسية.
والجانب الأخير في التوجه نحو الشرق الأوسط، هو تحقيق الهيبة وإظهار المركزية الأطلسية في قيادة النظام الدولي. وهذا وإن كانت له سلبيات متعلقة بتوزيع المغانم وتحمل التكاليف والالتزامات بين الحلفاء، إلا أنه يدفعها إلى التفكير بإعادة صياغة جماعية للخريطة الإقليمية وفقاً للمصالح الأطلسية. ويترافق مع ذلك، أن قدرة الحلف على ربط دول شرق أوسطية به استراتيجياً توفر له أسساً لقاعدة متقدمة، ويضمن من خلالها اختراقاً لمجال يعتبر تقليدياً غير مستقر بحكم التقاطعات التاريخية والجغرافية والقومية والدينية والمذهبية والقبلية، بحيث تكون الدول المرتبطة به قاصدة للحوار أو التعاون في مجال تبادل المعلومات والتدريب والتسلح.. ومثل هكذا علاقات في السياسة الخارجية تفرض على الدولة الأضعف أو المتلقية أن يدعمها الطرف القوي بكل الوسائل.
دول الخليج العربية: حاجات أمنية لم تشبع
إن منظور القيادات الخليجية في حفظ الأمن الخليجي ركز على ثلاثة مستويات، هي: استضافة لقوات غربية في إطار اتفاقيات ثنائية، وبناء قدرة خليجية مشتركة تمثلت في بناء قوات درع الجزيرة، وبناء قدرات دفاعية لكل دولة خليجية على حدة. بيد أن تضارب المصالح والاهتمام، من قبيل: الخصومات والتوترات الداخلية، وعدم الاتفاق على طبيعة التهديدات، واعتماد سياسات أمنية وعسكرية منفصلة، والاعتماد على الولايات المتحدة لتوفير الحماية، أدى إلى الحيلولة دون التوصل إلى تكامل خليجي فاعل على صعيد تلك المستويات. وعموماً، تعاني دول الخليج العربية من ثلاثة مواطن ضعف أمنية رئيسة، هي:
1- ضعف القدرات: سواء ما كانت منه بشرية أو تسليحية أو عقائدية. فعدد سكانها مجتمعة عام 2005 هو 34.4 مليون نسمة؛ في حين عدد سكان إيران والعراق هو 69.4 مليون، و27.9 مليون على التوالي؛ وإذا حللنا وقارنا نوع تلك القدرات البشرية سنصل إلى نتائج مخيبة. أما القدرات التسليحية والعقائد العسكرية فهي مختلة أيضاً، إذ لا توجد قدرات وبرامج تسلح ذاتية، بل لا تزال معتمدة على استيراد أنواع وكميات محددة وغير منسقة؛ وأغلبها (95.4 في المائة) من قوى أطلسية، كما أن استمرار تدفق الأسلحة يتوقف على استمرار العلاقة الخليجية-الغربية.
2- يقابل ذلك ضعف عام في نظم المعلومات الأمنية، فرغم التحسن الحاصل لا تزال تلك الأنظمة غير كافية، مما يجعلها عرضة للاختراق إذا ما أراد الخصوم ذلك.
3- عدم تأهيل كامل البيئة الداخلية مقارنة بحجم التهديدات والتحديات الخارجية والافتقار إلى مشروع سياسي محدد الأبعاد، مما يعطي انطباعاً بأن هناك انشغالاً عن بناء الدولة.
إن مواطن الضعف جعلت وتجعل هذه الدول تعاني من تهديدات وتحديات. ويمكن تصنيفها في عنوانين رئيسين هما:
أ- تحديات تقليدية: متمثلة في وجود تهديدات أمنية-عسكرية مؤثرة في المصالح وفي إرادة صانع القرار الخليجي. واليوم، انفردت إيران بوصفها التهديد العسكري الأبرز، ومظاهر تهديدها: احتلال جزر إماراتية، إقامة تدريبات عسكرية واسعة في أو قرب الخليج العربي، تهديد بإغلاق عسكري لمضيق هرمز، ولو استشعرت إيران وجود منافس خليجي قادر وراغب في حفظ مصالحه لحسبت لأي فعل تقوم به، إنما غرضها هو الزعامة الإقليمية.
ب- تحديات غير تقليدية: باتت تجابه بنوع آخر من التحديات غير المحددة، أهمها: العنف العابر للحدود من حركات تتوخى اعتماد العنف ولا تقيم وزناً في نشاطها للحدود السياسية. وهذه الحركات مهما كان اعتقادها أو نشاطها تتحرك ضمن إطار إقليمي عريض نحو دول الخليج العربية، ومن وإلى (اليمن، والعراق، ومصر، وإيران). كما باتت تجابه بعنف داخلي، ويكاد هذا النوع ينحصر في أطر سيادية خليجية داخلية، وله تفرعات عدة لكل منها أسبابه، ومنها: توسع أزمة الطائفية، وظهور أزمة للمشاركة السياسية، والخوف من فقدان الرفاهية الاقتصادية، واحتمالات وجود أزمة بسبب العمالة المهاجرة.
ولعلاج ما تقدم، يفترض على الدول الخليجية التحرك بثلاثة اتجاهات منفردة أو متزامنة، وهذه الاتجاهات هي:
الأول: إظهار استعداد للهجوم، بتسريع بناء القدرات الخليجية الذاتية، على صعيد القدرات البشرية (تحفيز زيادة أعداد السكان)، التسليحية (بناء صناعات عسكرية وإن بالمشاركة كمرحلة أولى)، وبناء نظم معلومات أمنية، وبناء عقيدة عسكرية. واعتماد هذا الخيار مكلف رغم إيجابياته المتعلقة برفع استقلالية القرار السيادي الخليجي.
الثاني: إظهار التزام الدفاع، عبر الاعتماد على الآخرين في التسلح والحصول على المعلومات وتوفير الأمن. وهذا خيار قائم منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، وهو غير مكلف مادياً إلا أنه خيار مكلف سياسياً.
الثالث: المهادنة التامة، ليس بمعنى دبلوماسية التوسل، إنما إعلام المحيطين العربي والإقليمي والمجتمع الدولي بالانشغال بقضايا الرفاهية، وعدم الانخراط السياسي بالقضايا الإقليمية، أي اختزان القدرة وتنميتها إلى حين توفر الظروف المناسبة لذلك. بيد أن ما يعيق هذا الخيار أن المحيط الإقليمي فيه أطراف متناقضة، ولا يمكن ضمان التزامها جميعاً بعدم التدخل بالشأن الخليجي أو التحريض عليه.
إن بناء تكنولوجيا لأسلحة متطورة قادرة على أداء مهام دفاعية وهجومية فاعلة في وسط بيئة تحوي تهديدات وتحديات أمنية جدية، هو عملية مرهقة للإمكانات الذاتية، ويصعب اتخاذ قرار سياسي في هذا المجال من قبل دول الخليج العربية. يقابله عدم وجود قوة عمل قادرة على تصنيع وإدارة هذه التكنولوجيا. وبقصد تلافي الحرج السياسي، فإن أفضل ما تحتاج إليه هذه الدول هو نصيب أكبر من أنظمة هجومية بعيدة المدى تتألف من صواريخ بالستية وقاذفات استراتيجية، وقوة بحرية فاعلة لجعل أعمال الدفاع بعيدة عن الأرض الخليجية، ودفاع جوي فاعل (دفاع بصيغة الهجوم). فهذا من شأنه تعزيز الفرص لتصحيح الاختلال بالتوازن المزعزع للاستقرار الذي تفرضه إيران كخيار سياسي لفرض أمر واقع. ومثل هذه الأنظمة الهجومية مجدية نسبياً لأنها تجعل الآخر يفكر بمأزق أن خيار دول الخليج العربية العسكري هو نقل ساحة أي معركة إلى أرض الخصم.
وبقصد تلافي القدرة على تصنيع تلك المنظومات محلياً، فإنه يمكن الاعتماد على خيارين: استراتيجي طويل الأمد مفاده إطلاق برامج تعاونية لتطوير تلك الأسلحة مع دول لديها تماثل ثقافي وسياسي مع دول الخليج. وقصير الأمد مفاده تنويع مصادر الأسلحة بدلاً من تركيزها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ على أهميتها.
حلف الأطلسي والدور الخليجي المطلوب
تثار تساؤلات من قبيل، هل دول مجلس التعاون الخليجي، بكل ما تواجهه من تحديات على المستويين الداخلي والخارجي بحاجة إلى إقحام حلف الأطلسي، ومن ثم إثقال كاهلها، والمجازفة بإثقال كاهل التوازن الأمني الإقليمي الخليجي؟ وهل يتوقع أن يكون دخول الحلف في المعادلات الأمنية الخليجية عاملاً مساعداً لتقريب وجهات النظر الخليجية بشأن التحديات الأمنية؟ لقد قبلت بعض من دول مجلس التعاون مبادرة اسطنبول، وكل منها حدد مجالات للحوار والتعاون الثنائي مع الحلف؛ وبالنتيجة صار للحلف حضور في القضايا الخليجية.
إن بديهيات السياسة تتطلب تقييماً شاملاً لأي خطوة سياسية تكبل دولة ما بالتزامات محددة. وهنا الحكمة تقتضي مراعاة اعتبارات عدة أهمها: على الصعيد الخليجي، لا ينكر حجم التباين في القدرات بين دول مجلس التعاون وبين كل من إيران والعراق، ومن مصلحة الخليجيين ضمان الرفاهية وبناء القوة وليس متابعة قضايا مثل مدى تأثر الآخرين بسياسات خليجية، فمبادئ العدل عبارة عن خطاب سياسي وإعلامي يستهدف الجمهور، وهي لغة خطاب للضمائر، بينما الحقائق هي التي تصنع الواقع والمستقبل.
أما على صعيد العلاقة مع حلف الأطلسي، فتباين الاحتياجات للدول المختلفة بقدر ما يولد أرضية مشتركة بينها، بيد أن أصعب أرضية يتم بناؤها هي ما بين دولة وكتلة سياسية أو عسكرية، فالأخيرة هي مجموعة إرادات ومصالح. والطرف الأضعف في هكذا علاقة يسعى إلى وضع تقل فيه السلبيات والتحديات، بينما يتدخل الطرف القوي ليرسم صورة لما يريده وهي صورة تقوم على تعظيم المنافع والامتيازات. وإذا ما تتبعنا مسيرة تنفيذ مبادرة اسطنبول نلحظ أن أمن منطقة الخليج لم يكن هدفاً لمبادرة خاصة بذاته، بل هو جزء من استراتيجية الحلف الجديدة. ويؤكد هذه النتيجة:
1- أن اتفاقيات التعاون التي تم توقيعها بين الحلف ودول مجلس التعاون هي وفقاً لصيغة (26 +1) وليس مع المجلس، وتدور حول المعلومات، وتسهيل عبور الإمدادات، بما يخدم مصالح دول الحلف في المقام الأول.
2- قضية أمن الطاقة طرحت كواحد من مشاغل الحلف. وذلك على الرغم من عدم إشارة المبادرة إلى تلك القضية؛ مما يعني أن الحلف ربما يضطلع بدور ما تجاهها مستقبلاً، سواء بالنسبة للممرات أو المنابع.
3- ليست للحلف رؤية واضحة تجاه أمن دول مجلس التعاون، ففي أعقاب ختام فعاليات لقاء (الناتو-الإمارات، التنسيق المشترك للمضي قدماً بمبادرة اسطنبول للتعاون)، في 29 أكتوبر 2009، رد الأمين العام لحلف الأطلسي فوغ راسموسن على سؤال: ماذا تنتظر الدول الخليجية، في مبادرة اسطنبول للتعاون، من الحلف إذا ما تعرضت للهجوم من إيران؟ بقوله (إن المعاهدة المنشئة للحلف واضحة، وبناء عليها الحلف يركز على الدفاع، والردع يغطي كل دول الحلف). أضاف أن باقي السؤال افتراضي، ومن الأفضل والأذكى ألا نجيب عن أسئلة افتراضية).
كما أن من بين الاعتبارات الواجب النظر إليها خليجياًَ عند تطوير العلاقة مع الحلف، هو أن البدء بعمل سياسي أمر ممكن، بينما التحكم في تفاعلاته أو مخرجاته أمر آخر. وهنا نستذكر ملاحظات ذهب إليها الأستاذ عبدالعزيز بن عثمان بن صقر (حلف الناتو وأمن منطقة الخليج.. أفكار للمناقشة) بقوله (إذا نظرنا إلى الاتفاقيات الثنائية الحالية، نجد أن السبب المباشر الذي دعا إلى الدخول فيها هو أن هناك اتفاقاً على وجود خطر وقدر من القبول بالوجود الأمريكي. لكن هذا لا يمكن اعتباره أساساً كافياً للانطلاق نحو التوسع والتوصل إلى بناء هيكل أمني إقليمي. فمن الممكن أن تتغير نظرة أي من الأطراف لمسألة الخطر أو مصدر التهديد وقبول النخبة أو الشعوب بهذا الدور الموسّع، (وتوسيع التعاون) يمكن أن يقود إلى المزيد من الكراهية بدلاً من تخفيف حالة التوتر، حيث ستعمل دول مثل إيران على استخدام مختلف وسائل التهديد من أجل منع تحقيق مثل هذا التعاون.
وأضاف يبدو أن شعوب المنطقة تتطلع إلى سياسات حكومية تنحو في اتجاه صياغة وتنفيذ حلول أمنية فاعلة على الصعيد الإقليمي. وضمن سياق هذه التطلعات، يرى الكثيرون من أبناء منطقة الخليج أن الاعتماد المفرط على القدرات الأمريكية من شأنه أن يؤدي إلى حالة من الشعور بالرضا الذاتي والاسترخاء، وبالتالي تأجيل النظر في الاستحقاقات المرتبطة بضرورة صياغة سياسات أمنية بديلة). فإذا كان هدف دول مجلس التعاون التي قبلت المبادرة هو تحقيق الأمن؛ فإن عدم وجود رؤية موحدة لديها لأمن الخليج العربي، تسبب بوجود تعارضات بين التزاماتها مع مجلس التعاون ذاته، ومع القوى الغربية التي وقعت معها معاهدات حماية وتواجد، ومع حلف الأطلسي الذي استحضرته إلى المنطقة. وبغض النظر عما يعرضه الحلف من مجالات للتعاون الأمني، فإن دور الحلف في منطقة الخليج سيظل محدداً بالسياسة الأمريكية تجاه هذه المنطقة مستقبلاً، وبالمجالات التي سيقبل الحلف بالتدخل بها تجاه الأمن الإقليمي الخليجي ككل. وبالنتيجة، على دول الخليج العربية الاتفاق على إطار مصالح أمنية مشتركة، تتفاوض في إطاره، سواء مع الحلف أو غيره. ولا يمكن تصور أن ذلك يتجاوز خطوطاً خليجية محددة وهي:
أ- تقليل حجم التهديدات الخارجية، أما مسألة إنهائها بإرادة أطلسية فإنها ستجعل الدول الخليجية أطرافاً في صراع إقليمي-عالمي، وتتحمل تبعاته على أرضها ومصالحها.
ب-المساهمة في تسريع بناء القدرات الخليجية، على صعيدين: المشاركة في مشاريع صناعات دفاعية خليجية، ومساعدة دول الخليج على بناء نظم معلومات أمنية.
ج-الاستمرار بالأدوار التقليدية في المرحلة الراهنة، وأهمها: الحوار الأمني الخليجي-الأطلسي، وتبادل المعلومات، وتزويد دول الخليج العربية بالسلاح والمعدات، وتدريب جيوشها.
::/fulltext::
::cck::1000::/cck::
