العراق بعد الانتخابات المقبلة بين التجادبات الإقليمية والمشاريع الدولية

::cck::1001::/cck::
::introtext::

يمتزج الدور الإقليمي بالدور الدولي في العراق، بحيث لا يمكن الحديث عن دور فردي لإحدى الدول بمعزل عن بقية الأدوار اللاعبة في المشهد العراقي، إذ يصعب فيه لأحد الأطراف الانفراد بأية قضية من دون أن يلقى معارضة من أحد الأطراف الأخرى، وقد تصل المعارضة للتعبير عن الرفض بأشكال مختلفة إلى حد الاقتتال، طالما تقاطعت مصالحها مع طموحات وأهداف أطراف أخرى لاعبة في المشهد العراقي.

::/introtext::
::fulltext::

يمتزج الدور الإقليمي بالدور الدولي في العراق، بحيث لا يمكن الحديث عن دور فردي لإحدى الدول بمعزل عن بقية الأدوار اللاعبة في المشهد العراقي، إذ يصعب فيه لأحد الأطراف الانفراد بأية قضية من دون أن يلقى معارضة من أحد الأطراف الأخرى، وقد تصل المعارضة للتعبير عن الرفض بأشكال مختلفة إلى حد الاقتتال، طالما تقاطعت مصالحها مع طموحات وأهداف أطراف أخرى لاعبة في المشهد العراقي.

لم تكن انتخابات 2010 إلا تعبيراً عن مصالح وطموحات الأطراف الإقليمية اللاعبة في العراق 

تحاول هذه الورقة بيان الأدوار المختلفة للأطراف الإقليمية والدولية في المشهد العراقي، والتي لن تكون انتخابات 2010 إلا تعبيراً عن مصالح وطموحات هذه الدول بغض النظر عن هوية الممثلين في الانتخابات العامة، تماماً كما جرى عليه الواقع في الفترة التشريعية السابقة. ولذلك فأن استمرار المشهد العراقي من دون تغيير باعتباره سمة المرحلة المقبلة يقتضي منا تقرير حقيقتين ساهمتا وما زالتا ببلورة الواقع العراقي الحالي، الأولى انعدام السيادة العراقية في ظل هذا العدد الكبير من اللاعبين من جهة، واستمرار المشروع السياسي الذي نشأ بعد عدوان 2003 على أخطائه القانونية والسياسية من دون تغيير، من جهة أخرى.

ويساهم استمرار هذا الواقع في ظل التخبط المستمر للسياسات الحكومية الساعية إلى إيجاد حل أمني وسياسي للوضع العراقي، في فرض رؤية جديدة للتعامل مع العراق لدى هذه الأطراف (الدولية)، ما سيكون لها امتداداته على المشروع السياسي العراقي نفسه، وقد تمتد إلى خارج العراق باتجاه إعادة صياغة السياسات في منطقة الشرق الأوسط.

 العراق دولة ناقصة السيادة

في الوقت الذي ستجري فيه انتخابات 2010 كسابقتها في ظل وجود أجنبي فعلي، فإنه  يتضح حالياً للعيان أيضاً وجود ثلاث قوى عسكرية لها ترتيباتها الخاصة في المشهد العراقي وهي الأمريكية والبريطانية والتركية وهي تحظى بنفوذ معترف به من جانب الحكومة العراقية يتمثل في اتفاقيات أمنية خاصة تم توقيعها معها. وتجري الانتخابات في ظل تكهنات حقيقية حول استمرار هذا الوجود المباشر حتى بعد نفاد الاتفاقيات.

أما القوى غير الظاهرة أو الموجودة من خلال وكلائها المحليين أو مؤسسات أمنية استخباراتية دولية، فهي الأجهزة الأمنية الدولية في العراق التي يبلغ عددها بحسب تصريحات أحد أعضاء البرلمان العراقي 23  جهازاً أجنبياً عاملاً في العراق.

إضافة إلى كل ذلك، فالاتفاقيات الأمنية غير المتكافئة، والوجود العسكري المباشر وغير المباشر، وشركات الأمن الخاصة، ناهيك عن استمرار بقاء العراق ضمن التزامات الفصل السابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى الترتيبات السياسية والاقتصادية الحكومية أو التزاماتها الدولية كفيلة بتقرير حقيقة انعدام سيادة حقيقية للعراق بموجب القوانين الدولية، الأمر الذي يفتح المجال لاستمرار الأدوار الإقليمية والدولية في الساحة العراقية، بل مع احتمال بروز أطراف أخرى يدفعها طموحها إلى لعب دور يخدم مصالحها في العراق.

الدور الدولي

سنحصر حديثنا بالدرجة الأساسية على الدور الأمريكي، إذ يضيق المقام هنا بسرد بقية الأدوار الدولية اللاعبة. ولعل من نافلة القول إنه تبلورت خلال السنة الأخيرة من فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن فكرة مفادها أن الولايات المتحدة في ظل سعيها لتنفيذ مشروعها للشرق الأوسط الكبير، وخصوصاً بما قامت به في العراق، بدأت تبتعد عن الخط العام لاستراتيجيتها الكونية التي تحددت خلال مطلع القرن الحالي والتي عرفت بمشروع القرن الأمريكي الجديد، والقائم على فكرة استغلال سنوات الفرصة التي توفرت لأمريكا بعد انتهاء الحرب الباردة لإيجاد قرن أمريكي بامتياز تمتد فيه المصالح الأمريكية إلى حدود الصين، ولذلك ضمن هذه الرؤية الاستراتيجية كان عليها ترتيب حديقتها الخلفية المتمثلة في الشرق الأوسط، بحيث تكون موطئ استقرار تستطيع من خلاله النفاذ إلى تحقيق هدفها البعيد، وفي سبيل ذلك أعدت عدداً من السياسات وقامت بتغييرها فيما بعد وابتكار سياسات جديدة غرق فيها المتابعون كما غرقت فيها حكومات وشعوب، ابتدئت بسياسة الحرب المباشرة مروراً بالحرب بالوكالة وصولاً إلى الحرب على الإرهاب حتى انتقلنا إلى سياسة الفوضى الخلاقة وكلها تصب في تحقيق هذه الاستراتيجية.

الحكومة العراقية القادمة لن تكون إلا حلقة من حلقات المشروع الأمريكي في العراق 

لذا فإن من ينظر للمشروع السياسي، الذي قادته الولايات المتحدة في العراق منذ عام 2003، والذي جاء سريعاً (لم تستطع فيه حتى القوى العراقية الحليفة التقاط أنفاسها لإعادة تقييم المرحلة وتصويبها)، يجد أنه يقوم على حقيقتين أساسيتين: الأولى ترتبط بالموديل الذي أرادت تقديمه لشعوب وحكومات المنطقة من أن التغيير في العراق كان هدفه هو جعل هذا البلد نقطة البداية في تنفيذ التحرك الأمريكي الجديد إزاء الدول العربية الأخرى سواء لوزنه النفطي أو مكانته الإقليمية. والحقيقة الثانية ترتبط بالعملية السياسية وما آلت إليه الآن والتي تعتبر الانتخابات المقبلة الحلقة قبل الأخيرة من حلقات المشروع الذي يعتبر الانسحاب الأمريكي آخر حلقاته السياسية، فالدارس لكافة التشريعات والقوانين سواء منذ قانون إدارة الدولة العراقية مروراً بأوامر سلطة الائتلاف المائة وصولاً إلى الدستور ثم تشريعات مجلس النواب تؤكد كلها أن البناء السياسي الذي نشأ في العراق إنما يقع في إطار رؤية (العراق الجديد) الذي يعتبر بحسب الرؤية الأمريكية كونه جبهة متقدمة لمواجهة الإرهاب الدولي لا كونه دولة تحتاج إلى إعادة بناء من جديد، وتحتاج أيضاً إلى تفعيل مبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان فيه، حينها فقط بدأت الولايات المتحدة تفكر في الانتقال إلى استكمال مشروعها في المنطقة والعالم بعد أن تيقن لها أن هذا البلد سواء بمؤسساته أو تشريعاته أصبح موجهاً باتجاه أن يكون بوابة خلفية ولوجستية لإمداد القوات الأمريكية في حربها لمواجهة الإرهاب، فكان التوجه نحو إنجاز اتفاق ثنائي وجاءت الاتفاقية الأمنية بديباجتها تعبيراً واضحاً عن الالتزامات الملقاة على عاتق مخرجات المشروع السياسي الأمريكي  في العراق الذي لن تكون الحكومة المقبلة إلا حلقة ضمن حلقاته، حيث تبين الديباجة أهداف الاتفاقية في (تعزيز الأمن المشترك والإسهام في السلم والاستقرار الدوليين، ومحاربة الإرهاب والتعاون في مجالات الأمن والدفاع وردع التهديدات الموجهة ضد سيادة وأمن العراق ووحدة أراضيه). أي أن العراق بموجب الاتفاقية أصبح، بحسب ما أشار إليه الرئيس السوري قاعدة لضرب دول الجوار. وبالتالي يترتب على العراق أن يعادي كل من يعادي الولايات المتحدة إذا ما أرادت هذه الأخيرة المساعدة في هزيمة ما سمته المجموعات الإرهابية.                                             

الدور الإقليمي ويتمثل في:

أولاً: الدور الإيراني

ستبقى الولايات المتحدةعبر اتفاقيتها الأمنية مع العراق لاعب مهماً وأساسياً في المشهد العراقي إلى وقت غير معلوم، بل إن رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني حدد الوجود الأمريكي بفترة قد تمتد إلى عام 2020، ونظراً لكون إيران استحقت هي الأخرى أن تكون لاعباً مهماً وأساسياً في المشهد العراقي بعد إخفاقات الولايات المتحدة في  إبعاد الأدوار الخارجية التي بدأت تزاحم المشروع الأمريكي في العراق منذ نهاية السنة الأولى من عمر الاحتلال، فإن إيران استطاعت البروز بقوة وأسست لنفسها مصالح في العراق، إذ تسعى هي الأخرى إلى انتزاع اعتراف عراقي رسمي بها من خلال فرض الاتفاقية الامنية على الحكومة العراقية إن لم تكن فعلياً قد حصلت على هذا الاعتراف، وهناك العديد من المؤشرات تدلل على نفوذ إيراني مغاير في الآونة الأخيرة بعلاقاتها مع العراق، ويختلف عن سلوكها خلال السنوات الأولى من الاحتلال.

لكن الإيرانيين على العكس تماماً من الدول اللاعبة لديهم استراتيجية واضحة المعالم في العراق. هذه السياسة معلنة وقد عكسها أكثر من مسؤول إيراني، وإزاء تنفيذ هذه الاستراتيجية تعمل إيران كل جهدها لتحقيق هذه المصالح أو الاستراتيجيات. فالاستراتيجية الإيرانية تجاه العراق تقوم في المدى المنظور على إيجاد حكومة عراقية موالية لها بأي صورة كانت حتى لو كان على حساب الهوية العراقية وعروبة العراق، أو على أقل تقدير إيجاد حكومة في العراق غير معادية إذا لم يتسن لها إيجاد حكومة موالية لها. ويقوم على تنفيذ هذه الاستراتيجية وكلاؤها في المشروع السياسي القائم وتحديداً المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة بدرجة أولى والصدريون ومن انشق عنهم بدرجة ثانية.

هذا الوضوح في الرؤية الاستراتيجية المترافق مع التنفيذ الناجح لها جعل منها لاعباً مهماً في المشهد العراقي يصعب من دونه الحديث عن استقرار الوضع الأمني أو السياسي في العراق بمعزل عنها، وهو ما اقتنعت به الولايات المتحدة التي بدأت معها لقاءات ثنائية في بغداد في مرحلة من مراحل الصراع بينهما. إلا أن تداعيات هذه الاستراتيجية على الواقع العراقي تبدو أكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة وخصوصاً بعد الانتخابات التشريعية المقبلة والحاجة الأمريكية للانسحاب من العراق، فكان أن بادرت إلى عرض رؤية جديدة تعتقد أنها ستلبي مصالح أمريكا داخل العراق وفي الإقليم أو تلقى صدى لدى صناع القرار، إذ تقوم الرؤية على مفهوم خلط الأوراق الداخلية بالإقليمية ومبادلة الاستقرار في العراق بالتعايش مع مشروع نووي إيراني في المنطقة. أي بكلمة أخرى الوصول إلى اتفاق إيراني-أمريكي يستفيد منه العراق من جهة، كما يستفيد منه العرب من جهة أخرى. 

ثانياً: الدور التركي

لقد مهّد احتلال العراق لبروز لاعبين كثر على الساحة العراقية سواء نتيجة استمرار مسلسل الأخطاء أو نتيجة تنامي المصالح والمخاوف الإقليمية من عراق غير مستقر بدأت تطل مخاطره خارج الحدود، ومن أجل درء هذه المخاطر شهدنا بدايات الدخول للدور التركي الذي فرض أجندته على الساحة العراقية بقوة، وتمثل ذلك في التدخل العسكري للجيش التركي في شمال العراق فارضاً أجندته السياسية على جميع اللاعبين السابقين، بل إن التدخلات التركية بدأت تتجاوز حتى موافقة شركائها الأمريكيين، فمن المتوقع في المرحلة المقبلة أن تتجاوز تركيا سياستها المحدودة تجاه العراق والمرتبطة بتأمين جبهتها الجنوبية في وجه الطموحات الكردية إلى لعب دور أكبر في العراق خصوصاً مع تنامي سقف توقعات الأطراف اللاعبة فيها سواء العراقية أو الأجنبية، ما يشكل انتقاصاً للمصالح التركية في العراق، كما قد نشهد خلال السنة المقبلة تمرداً تركياً على المصالح الأمريكية ولو جزئياً في حال لم تأخذ أمريكا بمخاوف تركيا على محمل الجد.

فالقيادة السياسية الكردية التي تتمتع بخبرة سياسية طويلة لم يكفها حجم ما تحقق من طموحات، فهي تدرك جيداً متى تدفع بهذه الطموحات إلى أقصى ما يمكن ومتى تلجمها في قراءة واقعية للمشهد السياسي الدولي والداخلي. لذلك لا نجد استفزازاً من قبلها لإثارة اللاعبين الدوليين الآخرين، بل بالأحرى تماشياً معها بصورة لم تألفها من قبل، ونتيجة لهذا السلوك لجمت تركيا سياستها في العراق بحصرها في إطار المشهد الكردي رافضة الاندفاع في الملفات الأخرى التي تعني المشهد العراقي، أي أن الأكراد في العراق خلال المرحلة المقبلة لا بد أن يتفاعلوا سلباً وإيجاباً مع ميزان القوى الإقليمي خصوصاً مع احتمال انسحاب أمريكي سيضع الأكراد في العراق أمام حقيقة الانكفاء أكثر في الحياة السياسية للعراق.

ثالثاً: الدور العربي

قامت السياسة العربية عموماً تجاه العراق منذ الاحتلال على مبدأ الحيطة والحذر والانتظار ريثما تتضح الصورة أكثر. هذا الموقف غلب على الموقف العربي خلال السنوات الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق، لكن سرعان ما أدركت هذه الدول أن البقاء في هذا السياق قد أخذ يهدد مصالحها وأمنها الداخلي، ولذلك انتظمت بالتفاعل إزاء المشهد العراقي بصورة مغايرة الواحدة عن الأخرى وإن كان اندفاعها محكوماً باهتماماتها ومواقفها الشرق أوسطية، وهو ما سيبقي على موقفها تجاه العراق في المرحلة المقبلة بناء على سياستها في المنطقة، وضمن الخط العام للمحاور التي برزت في المشهد العربي والمتمثل في محوري الممانعة والاعتدال، فقد وصلت مخاطر الوضع الداخلي العراقي تطل برأسها داخل حدود هذه الدول وتحديداً تلك الدول المجاورة للعراق،  فإذا كانت مصالح تركيا متجلية عبر موقفها من قضية كركوك أو قضية الدولة التي يسعى أكراد العراق إلى إنشائها، بالإضافة إلى مصالحها الاقتصادية والسياسية، فالموقف العربي أخذ هو الأخر يتجه إلى بناء دور له، فبدأنا نتلمس هذا الدور من خلال تنسيق أجهزة مخابرات بعض الدول العربية المجاورة والولايات المتحدة للتعامل بصورة موحدة إزاء العراق، ناهيك عن تكرار اللقاءات والاجتماعات في أكثر من عاصمة عربية لأطراف عراقية مختلفة سواء تلك المعارضة (المقاومة) أو المؤيدة للعملية السياسية في مسعى لاجتذابها لصالحها. لكن الثابت أن قوى الرد العكسي في المشهد العراقي متمثلة في إيران ترفض أي نفوذ لأي طرف عربي بعيداً عن بوابتها.

الدول العربية أدركت أن البقاء على موقف المتفرج في العراق قد يهدد مصالحها وأمنها 

هذا المحدد الأخير سيبقى يخيم على الموقف العربي سواء بصورة فردية أو جماعية تجاه العراق في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن انسحاباً أمريكياً سيترك العراق عرضة لمزيد من النفوذ الإيراني، ما سيفرض تداعياته على العلاقات العربية الثنائية مع العراق، وذلك على النحو التالي:

1- فالأردن تراوح موقفه بين تغليب الاعتبارات الأمنية على غيرها من الأولويات بحيث غلب الجانب الأمني على مجمل العلاقة بينهما حتى إلى الوقت الحاضر، واتضح ذلك بصورة جلية على علاقات الدولتين منذ تفجيرات الفنادق بالعاصمة عمان 2005، ورغم أن الأطراف التي تبنت هذه العمليات ومحسوبة على تنظيم القاعدة إلا أن الأردن يخشى من التداعيات الأمنية التي تطال أمنه، أن تكون أطراف عراقية ذات أجندات خارجية وراءها أو تهديدات قادمة من العراق وراءها إيران النافذة بقوة في سياسات العراق، إلا أن هذه الأولويات اختلفت في السنوات الأخيرة، حيث لاحظنا اهتماماً كبيراً للقيادة الأردنية بأخذ جانب اقتصادي، لكن بصورة محدودة مع التشديد على الجانب الأمني الذي سيبقى محوراً مهماً في العلاقة بينهما والمحدد الأساسي في العلاقة.

ويهتم الأردن في البحث عن شركاء ضمن العملية السياسية ممن يستطيعون الدفاع عن مصالحه أو تبني أهمية العلاقة مع الأردن الجار، إلا أنه يعاني من ضعف في العلاقات مع النخب الحاكمة الشيعية التي لا يستطيع النفاذ إليها لاعتبارات تتعلق بالجانب الإيراني. لكن على الأردن الذي رأى بحق خلال العقود الماضية بالعراق متنفساً وعمقاً استراتيجياً ستدفعه مصالحه إلى توطيد العلاقات مع الحكام الجدد في العراق أياً كانت هويتهم القومية أو العرقية، إذ سيفرض عليه الواقع الإقليمي والداخلي للخروج من ضائقة الإمكانات المحدودة إلى فضاء الفرص الاقتصادية، وما يستتبع ذلك من علاقات سياسية حقيقية تجنبه تداعيات ما يحاك في أروقة السياسة الدولية والإسرائيلية.

2- في دول الخليج ما زال الجانب الأمني يسيطر على كل العلاقات بين هذه الدول والعراق، حيث هناك انعدام تام للثقة بينهما نظراً لاختلافات عميقة تطال العقيدة الفكرية لأنظمة الحكم، كما أن الحكومات الخليجية لا تزال تنظر للعراق الرسمي باعتباره دولة تحكمها طائفة بعينها، بحيث تقصي أطرافاً عراقية مهمة في نظر هذه الدول والسعودية على وجه الخصوص من أنها تمس صورتها الإقليمية والدولية باعتبارها ممثلة لعموم السنة في العالم، إذ تسعى المملكة العربية السعودية إلى فرض علاقات سياسية مع القادة العراقيين أكثر من الانكفاء على إيجاد علاقات طبيعية لإدراكها أن المحرك الأساسي في العراق هو إيران، الخصم الأكبر للسعودية والتي بدأت تزاحم مصالحها في المنطقة. أما بالنسبة  للدول الخليجية التي لديها علاقات دبلوماسية مع العراق فهي، أيضاً كعلاقاتها مع السعودية، غير طبيعية أو مهمة بقدر ما هي علاقات يحكمها رأس المال الخاص وبصورة محدودة، بالإضافة إلى رؤية القيادة في الإمارات وخصوصاً في إمارة دبي للتمييز بين الجانب الاقتصادي عن المواقف السياسية في علاقاتها الخارجية، إذ تغلب الاعتبارات الاقتصادية الفردية (الشخصية) بالدرجة الأولى على كل العلاقة بين الجانبين العراقي والإماراتي، في حين تأتي العلاقات مع البحرين والكويت محدودة هي الأخرى ويغلب عليها الاهتمام في جانب السياحة الدينية.

3- أما بالنسبة لسوريا فهي حبيسة العزلة المفروضة عليها إقليمياً، وتسعى إلى استغلال علاقتها مع العراق لمبادلة الاستقرار فيه مع الخروج من عزلتها الإقليمية وهي رسائل تبعثها للجميع بين الفينة والأخرى. وهي لا تزال تعيش في هاجس إعادة تصدير الموديل العراقي إليها في تهديد حقيقي لكيانها.

4- بالنسبة لمصر فقد انتقل حذرها من بناء علاقة طبيعية مع إيران منذ عام 1979 والتي انعكست في علاقات شبه مجمدة بينهما، إلى اتباع الحذر ذاته في علاقتها تجاه العراق، إلا أنها سعت بصورة تكتيكية على غرار بقية الدول العربية في الآونة الأخيرة إلى البحث عن مصالح اقتصادية والمزاوجة بينها وبين الإملاءات الأمريكية الدافعة لها باتجاه الانغماس أكثر في المشهد العراقي خصوصاً بعد انسحاب أمريكي محتمل من العراق. 

5- بالنسبة لدول المغرب العربي فلا يبدو أن هنالك علاقات طبيعية تحكمها بقدر ما يفرضه المشهد العراقي الطائفي وهوية العراق شبه الدينية من توتر يدفع هذه الدول إلى الابتعاد عن الانغماس في المشهد العراقي.

لعل أبرز ما يمكن أن تخلص به هذه الورقة أن العراق بعد انتخابات عام 2010 وبعد سبع سنوات من الغزو يعد رقماً سلبياً في معادلة التوازن والاستقرار في المنطقة، وهو جزء من المشكلة وليس محور حل، وهو يشع بأزماته إلى كل مكان، وتنخره الصراعات الطائفية والعرقية والفئوية، وتشير بوصلته إلى الاحتراب والفوضى، ويذهب شعبه ضحية لأجندات أجنبية وإقليمية مختلفة. أجندات تعتبره والعالم العربي جزءاً من المنطقة وليس عمادها، لا يبدو أن الضوء في نهاية النفق سيكون بمعزل عن الانضواء في ضوء الهوية العربية وعمقها الجماهيري الداعم لكل أشكال المقاومة ضد المحتل، فالعراق قبل الانتخابات وبعدها لا يزال دولة محتلة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1001::/cck::
::introtext::

يمتزج الدور الإقليمي بالدور الدولي في العراق، بحيث لا يمكن الحديث عن دور فردي لإحدى الدول بمعزل عن بقية الأدوار اللاعبة في المشهد العراقي، إذ يصعب فيه لأحد الأطراف الانفراد بأية قضية من دون أن يلقى معارضة من أحد الأطراف الأخرى، وقد تصل المعارضة للتعبير عن الرفض بأشكال مختلفة إلى حد الاقتتال، طالما تقاطعت مصالحها مع طموحات وأهداف أطراف أخرى لاعبة في المشهد العراقي.

::/introtext::
::fulltext::

يمتزج الدور الإقليمي بالدور الدولي في العراق، بحيث لا يمكن الحديث عن دور فردي لإحدى الدول بمعزل عن بقية الأدوار اللاعبة في المشهد العراقي، إذ يصعب فيه لأحد الأطراف الانفراد بأية قضية من دون أن يلقى معارضة من أحد الأطراف الأخرى، وقد تصل المعارضة للتعبير عن الرفض بأشكال مختلفة إلى حد الاقتتال، طالما تقاطعت مصالحها مع طموحات وأهداف أطراف أخرى لاعبة في المشهد العراقي.

لم تكن انتخابات 2010 إلا تعبيراً عن مصالح وطموحات الأطراف الإقليمية اللاعبة في العراق 

تحاول هذه الورقة بيان الأدوار المختلفة للأطراف الإقليمية والدولية في المشهد العراقي، والتي لن تكون انتخابات 2010 إلا تعبيراً عن مصالح وطموحات هذه الدول بغض النظر عن هوية الممثلين في الانتخابات العامة، تماماً كما جرى عليه الواقع في الفترة التشريعية السابقة. ولذلك فأن استمرار المشهد العراقي من دون تغيير باعتباره سمة المرحلة المقبلة يقتضي منا تقرير حقيقتين ساهمتا وما زالتا ببلورة الواقع العراقي الحالي، الأولى انعدام السيادة العراقية في ظل هذا العدد الكبير من اللاعبين من جهة، واستمرار المشروع السياسي الذي نشأ بعد عدوان 2003 على أخطائه القانونية والسياسية من دون تغيير، من جهة أخرى.

ويساهم استمرار هذا الواقع في ظل التخبط المستمر للسياسات الحكومية الساعية إلى إيجاد حل أمني وسياسي للوضع العراقي، في فرض رؤية جديدة للتعامل مع العراق لدى هذه الأطراف (الدولية)، ما سيكون لها امتداداته على المشروع السياسي العراقي نفسه، وقد تمتد إلى خارج العراق باتجاه إعادة صياغة السياسات في منطقة الشرق الأوسط.

 العراق دولة ناقصة السيادة

في الوقت الذي ستجري فيه انتخابات 2010 كسابقتها في ظل وجود أجنبي فعلي، فإنه  يتضح حالياً للعيان أيضاً وجود ثلاث قوى عسكرية لها ترتيباتها الخاصة في المشهد العراقي وهي الأمريكية والبريطانية والتركية وهي تحظى بنفوذ معترف به من جانب الحكومة العراقية يتمثل في اتفاقيات أمنية خاصة تم توقيعها معها. وتجري الانتخابات في ظل تكهنات حقيقية حول استمرار هذا الوجود المباشر حتى بعد نفاد الاتفاقيات.

أما القوى غير الظاهرة أو الموجودة من خلال وكلائها المحليين أو مؤسسات أمنية استخباراتية دولية، فهي الأجهزة الأمنية الدولية في العراق التي يبلغ عددها بحسب تصريحات أحد أعضاء البرلمان العراقي 23  جهازاً أجنبياً عاملاً في العراق.

إضافة إلى كل ذلك، فالاتفاقيات الأمنية غير المتكافئة، والوجود العسكري المباشر وغير المباشر، وشركات الأمن الخاصة، ناهيك عن استمرار بقاء العراق ضمن التزامات الفصل السابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى الترتيبات السياسية والاقتصادية الحكومية أو التزاماتها الدولية كفيلة بتقرير حقيقة انعدام سيادة حقيقية للعراق بموجب القوانين الدولية، الأمر الذي يفتح المجال لاستمرار الأدوار الإقليمية والدولية في الساحة العراقية، بل مع احتمال بروز أطراف أخرى يدفعها طموحها إلى لعب دور يخدم مصالحها في العراق.

الدور الدولي

سنحصر حديثنا بالدرجة الأساسية على الدور الأمريكي، إذ يضيق المقام هنا بسرد بقية الأدوار الدولية اللاعبة. ولعل من نافلة القول إنه تبلورت خلال السنة الأخيرة من فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن فكرة مفادها أن الولايات المتحدة في ظل سعيها لتنفيذ مشروعها للشرق الأوسط الكبير، وخصوصاً بما قامت به في العراق، بدأت تبتعد عن الخط العام لاستراتيجيتها الكونية التي تحددت خلال مطلع القرن الحالي والتي عرفت بمشروع القرن الأمريكي الجديد، والقائم على فكرة استغلال سنوات الفرصة التي توفرت لأمريكا بعد انتهاء الحرب الباردة لإيجاد قرن أمريكي بامتياز تمتد فيه المصالح الأمريكية إلى حدود الصين، ولذلك ضمن هذه الرؤية الاستراتيجية كان عليها ترتيب حديقتها الخلفية المتمثلة في الشرق الأوسط، بحيث تكون موطئ استقرار تستطيع من خلاله النفاذ إلى تحقيق هدفها البعيد، وفي سبيل ذلك أعدت عدداً من السياسات وقامت بتغييرها فيما بعد وابتكار سياسات جديدة غرق فيها المتابعون كما غرقت فيها حكومات وشعوب، ابتدئت بسياسة الحرب المباشرة مروراً بالحرب بالوكالة وصولاً إلى الحرب على الإرهاب حتى انتقلنا إلى سياسة الفوضى الخلاقة وكلها تصب في تحقيق هذه الاستراتيجية.

الحكومة العراقية القادمة لن تكون إلا حلقة من حلقات المشروع الأمريكي في العراق 

لذا فإن من ينظر للمشروع السياسي، الذي قادته الولايات المتحدة في العراق منذ عام 2003، والذي جاء سريعاً (لم تستطع فيه حتى القوى العراقية الحليفة التقاط أنفاسها لإعادة تقييم المرحلة وتصويبها)، يجد أنه يقوم على حقيقتين أساسيتين: الأولى ترتبط بالموديل الذي أرادت تقديمه لشعوب وحكومات المنطقة من أن التغيير في العراق كان هدفه هو جعل هذا البلد نقطة البداية في تنفيذ التحرك الأمريكي الجديد إزاء الدول العربية الأخرى سواء لوزنه النفطي أو مكانته الإقليمية. والحقيقة الثانية ترتبط بالعملية السياسية وما آلت إليه الآن والتي تعتبر الانتخابات المقبلة الحلقة قبل الأخيرة من حلقات المشروع الذي يعتبر الانسحاب الأمريكي آخر حلقاته السياسية، فالدارس لكافة التشريعات والقوانين سواء منذ قانون إدارة الدولة العراقية مروراً بأوامر سلطة الائتلاف المائة وصولاً إلى الدستور ثم تشريعات مجلس النواب تؤكد كلها أن البناء السياسي الذي نشأ في العراق إنما يقع في إطار رؤية (العراق الجديد) الذي يعتبر بحسب الرؤية الأمريكية كونه جبهة متقدمة لمواجهة الإرهاب الدولي لا كونه دولة تحتاج إلى إعادة بناء من جديد، وتحتاج أيضاً إلى تفعيل مبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان فيه، حينها فقط بدأت الولايات المتحدة تفكر في الانتقال إلى استكمال مشروعها في المنطقة والعالم بعد أن تيقن لها أن هذا البلد سواء بمؤسساته أو تشريعاته أصبح موجهاً باتجاه أن يكون بوابة خلفية ولوجستية لإمداد القوات الأمريكية في حربها لمواجهة الإرهاب، فكان التوجه نحو إنجاز اتفاق ثنائي وجاءت الاتفاقية الأمنية بديباجتها تعبيراً واضحاً عن الالتزامات الملقاة على عاتق مخرجات المشروع السياسي الأمريكي  في العراق الذي لن تكون الحكومة المقبلة إلا حلقة ضمن حلقاته، حيث تبين الديباجة أهداف الاتفاقية في (تعزيز الأمن المشترك والإسهام في السلم والاستقرار الدوليين، ومحاربة الإرهاب والتعاون في مجالات الأمن والدفاع وردع التهديدات الموجهة ضد سيادة وأمن العراق ووحدة أراضيه). أي أن العراق بموجب الاتفاقية أصبح، بحسب ما أشار إليه الرئيس السوري قاعدة لضرب دول الجوار. وبالتالي يترتب على العراق أن يعادي كل من يعادي الولايات المتحدة إذا ما أرادت هذه الأخيرة المساعدة في هزيمة ما سمته المجموعات الإرهابية.                                             

الدور الإقليمي ويتمثل في:

أولاً: الدور الإيراني

ستبقى الولايات المتحدةعبر اتفاقيتها الأمنية مع العراق لاعب مهماً وأساسياً في المشهد العراقي إلى وقت غير معلوم، بل إن رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني حدد الوجود الأمريكي بفترة قد تمتد إلى عام 2020، ونظراً لكون إيران استحقت هي الأخرى أن تكون لاعباً مهماً وأساسياً في المشهد العراقي بعد إخفاقات الولايات المتحدة في  إبعاد الأدوار الخارجية التي بدأت تزاحم المشروع الأمريكي في العراق منذ نهاية السنة الأولى من عمر الاحتلال، فإن إيران استطاعت البروز بقوة وأسست لنفسها مصالح في العراق، إذ تسعى هي الأخرى إلى انتزاع اعتراف عراقي رسمي بها من خلال فرض الاتفاقية الامنية على الحكومة العراقية إن لم تكن فعلياً قد حصلت على هذا الاعتراف، وهناك العديد من المؤشرات تدلل على نفوذ إيراني مغاير في الآونة الأخيرة بعلاقاتها مع العراق، ويختلف عن سلوكها خلال السنوات الأولى من الاحتلال.

لكن الإيرانيين على العكس تماماً من الدول اللاعبة لديهم استراتيجية واضحة المعالم في العراق. هذه السياسة معلنة وقد عكسها أكثر من مسؤول إيراني، وإزاء تنفيذ هذه الاستراتيجية تعمل إيران كل جهدها لتحقيق هذه المصالح أو الاستراتيجيات. فالاستراتيجية الإيرانية تجاه العراق تقوم في المدى المنظور على إيجاد حكومة عراقية موالية لها بأي صورة كانت حتى لو كان على حساب الهوية العراقية وعروبة العراق، أو على أقل تقدير إيجاد حكومة في العراق غير معادية إذا لم يتسن لها إيجاد حكومة موالية لها. ويقوم على تنفيذ هذه الاستراتيجية وكلاؤها في المشروع السياسي القائم وتحديداً المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة بدرجة أولى والصدريون ومن انشق عنهم بدرجة ثانية.

هذا الوضوح في الرؤية الاستراتيجية المترافق مع التنفيذ الناجح لها جعل منها لاعباً مهماً في المشهد العراقي يصعب من دونه الحديث عن استقرار الوضع الأمني أو السياسي في العراق بمعزل عنها، وهو ما اقتنعت به الولايات المتحدة التي بدأت معها لقاءات ثنائية في بغداد في مرحلة من مراحل الصراع بينهما. إلا أن تداعيات هذه الاستراتيجية على الواقع العراقي تبدو أكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة وخصوصاً بعد الانتخابات التشريعية المقبلة والحاجة الأمريكية للانسحاب من العراق، فكان أن بادرت إلى عرض رؤية جديدة تعتقد أنها ستلبي مصالح أمريكا داخل العراق وفي الإقليم أو تلقى صدى لدى صناع القرار، إذ تقوم الرؤية على مفهوم خلط الأوراق الداخلية بالإقليمية ومبادلة الاستقرار في العراق بالتعايش مع مشروع نووي إيراني في المنطقة. أي بكلمة أخرى الوصول إلى اتفاق إيراني-أمريكي يستفيد منه العراق من جهة، كما يستفيد منه العرب من جهة أخرى. 

ثانياً: الدور التركي

لقد مهّد احتلال العراق لبروز لاعبين كثر على الساحة العراقية سواء نتيجة استمرار مسلسل الأخطاء أو نتيجة تنامي المصالح والمخاوف الإقليمية من عراق غير مستقر بدأت تطل مخاطره خارج الحدود، ومن أجل درء هذه المخاطر شهدنا بدايات الدخول للدور التركي الذي فرض أجندته على الساحة العراقية بقوة، وتمثل ذلك في التدخل العسكري للجيش التركي في شمال العراق فارضاً أجندته السياسية على جميع اللاعبين السابقين، بل إن التدخلات التركية بدأت تتجاوز حتى موافقة شركائها الأمريكيين، فمن المتوقع في المرحلة المقبلة أن تتجاوز تركيا سياستها المحدودة تجاه العراق والمرتبطة بتأمين جبهتها الجنوبية في وجه الطموحات الكردية إلى لعب دور أكبر في العراق خصوصاً مع تنامي سقف توقعات الأطراف اللاعبة فيها سواء العراقية أو الأجنبية، ما يشكل انتقاصاً للمصالح التركية في العراق، كما قد نشهد خلال السنة المقبلة تمرداً تركياً على المصالح الأمريكية ولو جزئياً في حال لم تأخذ أمريكا بمخاوف تركيا على محمل الجد.

فالقيادة السياسية الكردية التي تتمتع بخبرة سياسية طويلة لم يكفها حجم ما تحقق من طموحات، فهي تدرك جيداً متى تدفع بهذه الطموحات إلى أقصى ما يمكن ومتى تلجمها في قراءة واقعية للمشهد السياسي الدولي والداخلي. لذلك لا نجد استفزازاً من قبلها لإثارة اللاعبين الدوليين الآخرين، بل بالأحرى تماشياً معها بصورة لم تألفها من قبل، ونتيجة لهذا السلوك لجمت تركيا سياستها في العراق بحصرها في إطار المشهد الكردي رافضة الاندفاع في الملفات الأخرى التي تعني المشهد العراقي، أي أن الأكراد في العراق خلال المرحلة المقبلة لا بد أن يتفاعلوا سلباً وإيجاباً مع ميزان القوى الإقليمي خصوصاً مع احتمال انسحاب أمريكي سيضع الأكراد في العراق أمام حقيقة الانكفاء أكثر في الحياة السياسية للعراق.

ثالثاً: الدور العربي

قامت السياسة العربية عموماً تجاه العراق منذ الاحتلال على مبدأ الحيطة والحذر والانتظار ريثما تتضح الصورة أكثر. هذا الموقف غلب على الموقف العربي خلال السنوات الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق، لكن سرعان ما أدركت هذه الدول أن البقاء في هذا السياق قد أخذ يهدد مصالحها وأمنها الداخلي، ولذلك انتظمت بالتفاعل إزاء المشهد العراقي بصورة مغايرة الواحدة عن الأخرى وإن كان اندفاعها محكوماً باهتماماتها ومواقفها الشرق أوسطية، وهو ما سيبقي على موقفها تجاه العراق في المرحلة المقبلة بناء على سياستها في المنطقة، وضمن الخط العام للمحاور التي برزت في المشهد العربي والمتمثل في محوري الممانعة والاعتدال، فقد وصلت مخاطر الوضع الداخلي العراقي تطل برأسها داخل حدود هذه الدول وتحديداً تلك الدول المجاورة للعراق،  فإذا كانت مصالح تركيا متجلية عبر موقفها من قضية كركوك أو قضية الدولة التي يسعى أكراد العراق إلى إنشائها، بالإضافة إلى مصالحها الاقتصادية والسياسية، فالموقف العربي أخذ هو الأخر يتجه إلى بناء دور له، فبدأنا نتلمس هذا الدور من خلال تنسيق أجهزة مخابرات بعض الدول العربية المجاورة والولايات المتحدة للتعامل بصورة موحدة إزاء العراق، ناهيك عن تكرار اللقاءات والاجتماعات في أكثر من عاصمة عربية لأطراف عراقية مختلفة سواء تلك المعارضة (المقاومة) أو المؤيدة للعملية السياسية في مسعى لاجتذابها لصالحها. لكن الثابت أن قوى الرد العكسي في المشهد العراقي متمثلة في إيران ترفض أي نفوذ لأي طرف عربي بعيداً عن بوابتها.

الدول العربية أدركت أن البقاء على موقف المتفرج في العراق قد يهدد مصالحها وأمنها 

هذا المحدد الأخير سيبقى يخيم على الموقف العربي سواء بصورة فردية أو جماعية تجاه العراق في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن انسحاباً أمريكياً سيترك العراق عرضة لمزيد من النفوذ الإيراني، ما سيفرض تداعياته على العلاقات العربية الثنائية مع العراق، وذلك على النحو التالي:

1- فالأردن تراوح موقفه بين تغليب الاعتبارات الأمنية على غيرها من الأولويات بحيث غلب الجانب الأمني على مجمل العلاقة بينهما حتى إلى الوقت الحاضر، واتضح ذلك بصورة جلية على علاقات الدولتين منذ تفجيرات الفنادق بالعاصمة عمان 2005، ورغم أن الأطراف التي تبنت هذه العمليات ومحسوبة على تنظيم القاعدة إلا أن الأردن يخشى من التداعيات الأمنية التي تطال أمنه، أن تكون أطراف عراقية ذات أجندات خارجية وراءها أو تهديدات قادمة من العراق وراءها إيران النافذة بقوة في سياسات العراق، إلا أن هذه الأولويات اختلفت في السنوات الأخيرة، حيث لاحظنا اهتماماً كبيراً للقيادة الأردنية بأخذ جانب اقتصادي، لكن بصورة محدودة مع التشديد على الجانب الأمني الذي سيبقى محوراً مهماً في العلاقة بينهما والمحدد الأساسي في العلاقة.

ويهتم الأردن في البحث عن شركاء ضمن العملية السياسية ممن يستطيعون الدفاع عن مصالحه أو تبني أهمية العلاقة مع الأردن الجار، إلا أنه يعاني من ضعف في العلاقات مع النخب الحاكمة الشيعية التي لا يستطيع النفاذ إليها لاعتبارات تتعلق بالجانب الإيراني. لكن على الأردن الذي رأى بحق خلال العقود الماضية بالعراق متنفساً وعمقاً استراتيجياً ستدفعه مصالحه إلى توطيد العلاقات مع الحكام الجدد في العراق أياً كانت هويتهم القومية أو العرقية، إذ سيفرض عليه الواقع الإقليمي والداخلي للخروج من ضائقة الإمكانات المحدودة إلى فضاء الفرص الاقتصادية، وما يستتبع ذلك من علاقات سياسية حقيقية تجنبه تداعيات ما يحاك في أروقة السياسة الدولية والإسرائيلية.

2- في دول الخليج ما زال الجانب الأمني يسيطر على كل العلاقات بين هذه الدول والعراق، حيث هناك انعدام تام للثقة بينهما نظراً لاختلافات عميقة تطال العقيدة الفكرية لأنظمة الحكم، كما أن الحكومات الخليجية لا تزال تنظر للعراق الرسمي باعتباره دولة تحكمها طائفة بعينها، بحيث تقصي أطرافاً عراقية مهمة في نظر هذه الدول والسعودية على وجه الخصوص من أنها تمس صورتها الإقليمية والدولية باعتبارها ممثلة لعموم السنة في العالم، إذ تسعى المملكة العربية السعودية إلى فرض علاقات سياسية مع القادة العراقيين أكثر من الانكفاء على إيجاد علاقات طبيعية لإدراكها أن المحرك الأساسي في العراق هو إيران، الخصم الأكبر للسعودية والتي بدأت تزاحم مصالحها في المنطقة. أما بالنسبة  للدول الخليجية التي لديها علاقات دبلوماسية مع العراق فهي، أيضاً كعلاقاتها مع السعودية، غير طبيعية أو مهمة بقدر ما هي علاقات يحكمها رأس المال الخاص وبصورة محدودة، بالإضافة إلى رؤية القيادة في الإمارات وخصوصاً في إمارة دبي للتمييز بين الجانب الاقتصادي عن المواقف السياسية في علاقاتها الخارجية، إذ تغلب الاعتبارات الاقتصادية الفردية (الشخصية) بالدرجة الأولى على كل العلاقة بين الجانبين العراقي والإماراتي، في حين تأتي العلاقات مع البحرين والكويت محدودة هي الأخرى ويغلب عليها الاهتمام في جانب السياحة الدينية.

3- أما بالنسبة لسوريا فهي حبيسة العزلة المفروضة عليها إقليمياً، وتسعى إلى استغلال علاقتها مع العراق لمبادلة الاستقرار فيه مع الخروج من عزلتها الإقليمية وهي رسائل تبعثها للجميع بين الفينة والأخرى. وهي لا تزال تعيش في هاجس إعادة تصدير الموديل العراقي إليها في تهديد حقيقي لكيانها.

4- بالنسبة لمصر فقد انتقل حذرها من بناء علاقة طبيعية مع إيران منذ عام 1979 والتي انعكست في علاقات شبه مجمدة بينهما، إلى اتباع الحذر ذاته في علاقتها تجاه العراق، إلا أنها سعت بصورة تكتيكية على غرار بقية الدول العربية في الآونة الأخيرة إلى البحث عن مصالح اقتصادية والمزاوجة بينها وبين الإملاءات الأمريكية الدافعة لها باتجاه الانغماس أكثر في المشهد العراقي خصوصاً بعد انسحاب أمريكي محتمل من العراق. 

5- بالنسبة لدول المغرب العربي فلا يبدو أن هنالك علاقات طبيعية تحكمها بقدر ما يفرضه المشهد العراقي الطائفي وهوية العراق شبه الدينية من توتر يدفع هذه الدول إلى الابتعاد عن الانغماس في المشهد العراقي.

لعل أبرز ما يمكن أن تخلص به هذه الورقة أن العراق بعد انتخابات عام 2010 وبعد سبع سنوات من الغزو يعد رقماً سلبياً في معادلة التوازن والاستقرار في المنطقة، وهو جزء من المشكلة وليس محور حل، وهو يشع بأزماته إلى كل مكان، وتنخره الصراعات الطائفية والعرقية والفئوية، وتشير بوصلته إلى الاحتراب والفوضى، ويذهب شعبه ضحية لأجندات أجنبية وإقليمية مختلفة. أجندات تعتبره والعالم العربي جزءاً من المنطقة وليس عمادها، لا يبدو أن الضوء في نهاية النفق سيكون بمعزل عن الانضواء في ضوء الهوية العربية وعمقها الجماهيري الداعم لكل أشكال المقاومة ضد المحتل، فالعراق قبل الانتخابات وبعدها لا يزال دولة محتلة.

::/fulltext::
::cck::1001::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *