النفوذ الإيراني في العالم العربي

::cck::1012::/cck::
::introtext::

لم يعد من المبالغة القول إن إيران أصبحت لاعباً أساسياً في قضايا المنطقة العربية بل صاحبة نفوذ مؤثر استناداً إلى عدد من حقائق الواقع التي ارتبطت بقدراتها من ناحية وما أنتجه الغزو الأمريكي للعراق من تقديم فرصة سانحه لإيران لتنامى نفوذها في المنطقة العربية بشكل كبير.

::/introtext::
::fulltext::

لم يعد من المبالغة القول إن إيران أصبحت لاعباً أساسياً في قضايا المنطقة العربية بل صاحبة نفوذ مؤثر استناداً إلى عدد من حقائق الواقع التي ارتبطت بقدراتها من ناحية وما أنتجه الغزو الأمريكي للعراق من تقديم فرصة سانحه لإيران لتنامى نفوذها في المنطقة العربية بشكل كبير.

استفاقت المنطقة مؤخراً على نفوذ إيراني لا يمكن تجاهله أو تخطيه

صار الحديث حول وجود مشروع إيراني إقليمي لا يمكن إغفاله، يناهض المشروع الأمريكي-الإسرائيلي، ويتسم بديناميكية استفادت من الفشل الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق، ونجح في وضع الجيش الأمريكي بين فكي (الكماشة) في العراق، ثم استغل هذا الوضع وحرك أوراق ملفاته، ومنها ملفه النووي، ونجح أيضاً في استقطاب محاور أخرى للاصطفاف معه عربياً، مثلما أمكنه صياغة علاقات استراتيجية مع سوريا، واللعب بحرية تامة في الميدان العراقي مستفيداً من حالة التشرذم العربية وحالة الفراغ، كما استطاع توظيف ورقة حزب الله ووضعه في خاصرة إسرائيل ليستطيع بها ملاعبة الأمريكيين والضغط عليهم في الملفات الأخرى.

كان نصر (حزب الله) في حربه ضد إسرائيل نصراً إيرانياً بالدرجة الأولى

وتتمثل ركائز المشروع الإيراني في التحالف الاستراتيجي مع سوريا وحزب الله، وتطوير هذا التحالف ليشمل منظمات المقاومة الإسلامية في فلسطين، ناهيك عن ركيزة أساسية وهي اختراق العراق تماماً والسعي لفصل الجنوب عن الشمال والوسط، ثم بعد ذلك يتم اللعب بورقة الأقليات الشيعية في الخليج، الأمر الذي عزز في النهاية من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة العربية من خلال العديد من المجالات يمكن إجمالها في التالي:

أولاً: المجال السياسي

يتزايد تراكم الأداء الإيراني منذ بداية حقبة الثورة الإيرانية نهاية السبعينات، الذي كان بمجمله أداءً عقائدياً بامتياز ميّزه العمل ضمن الوعي القومي العام المعادي للغرب وإسرائيل في المنطقة، حيث اجتهد الأداء الإيراني من داخل الإطار القومي ونما معه وفي ظله ولم يصل إلى حدود التناقض معه إلا مؤخراً حيث استفاقت المنطقة على نفوذ إيراني من غير الممكن تجاهله أو تخطيه. وقد مر تعظيم هذا النفوذ الإيراني بعدة مراحل المرحلة الأولى: كان هدفها تحقيق الاستقرار الداخلي ومحاولة إيجاد صيغة سياسية تلتقي عليها كافة القوى الداخلية الإيرانية، وفي الوقت نفسه نشر الدعوة للتشيع في أقطار مختلفة وإيجاد بذور تنظيمات شيعية في الخارج، وقد استغرقت هذه المرحلة فترة طويلة نظراً لدخول إيران في حرب مريرة مع العراق. ثم المرحلة الثانية وهي مرحلة الصعود الإقليمي وكسر القوى التي تحول بين هذا الصعود وهي طالبان ونظام صدام حسين، وجاءتها الفرصة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما اندفعت أمريكا بقوتها الغاشمة إلى المنطقة. أما المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الطموح العالمي والوصول إلى حلم الدخول في نادي القوى الكبرى عن طريق البرنامج النووي وهي مرحلة التصادم مع الولايات المتحدة، حيث تتقاطع الاستراتيجيتان لكل من الدولتين خاصة في المنطقة العربية.

واستطاعت الماكينة الإيرانية الحضور بفاعلية في قضايا المنطقة، وفرض شروطها على المنطقة والغرب على حد سواء وتحوّل معه النظام الإيراني إلى كيان حاضر دائماً في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق.

فقد واجهت إيران مؤتمر أنابوليس، كما واجهت من قبله كل اللقاءات والمؤتمرات التي عملت على طرح القضية الفلسطينية على الطاولة. حيث عارضت أنابوليس ورفضت المبادرة العربية، وعبرت عن استيائها من المشاركة السورية، ودعمت سيطرة (حماس) على غزة، ودخلت في الشأن اللبناني فكان نصر (حزب الله) في حربه ضد إسرائيل نصراً إيرانياً بالدرجة الأولى، ثم بعد ذلك، دخلت على خط الوساطة السياسية بعدما سيطر (حزب الله) على وسط بيروت من خلال عملية الاعتصام المستمرة، ولجمت الفتنة المذهبية بعدما استفحل الصدام بين السنة والشيعة في شوارع بيروت. واليوم أكدت أكثر من أي وقت مضى حضورها في التفاصيل السياسية اللبنانية من خلال قدرتها على امتلاك مفتاح الحل والربط مع (حزب الله)، أو بواسطة أتباعها من القوى السياسية وغير السياسية التي تدور في فلكها، بالإضافة إلى دورها في قضية الاستحقاق الرئاسي اللبناني، فظهر أنه إذا أراد اللبنانيون إجراء انتخاباتهم الرئاسية واستحقاقاتهم الدستورية فإن عليهم أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار. ولأن الوساطة الفرنسية تجاهلت التأثير الإيراني في لبنان واعتمدت على التقارب مع سوريا فقط ولأن فرنسا أظهرت أيضاً تشدداً في موقفها من الملف النووي الإيراني بمطالبتها بزيادة حدة العقوبات على إيران، فإن ذلك انعكس تصميماً إيرانياً على إعاقة الحلول إلا إذا اقترنت بمكاسب جدّية.

لكل ذلك ثمة حقيقة واضحة وثابتة وهي أن الصراع الذي يخوضه النظام الرسمي العربي اليوم في المنطقة هو صراع فصل الملفين الفلسطيني واللبناني عن الملف النووي الإيراني بعدما نجحت إيران في إقامة ترابط وثيق بين موضوعها الخاص الذي يحمل بُعداً دولياً ويخضع للتوازنات الدولية وبين الموضوع المتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي.

ومن ثم فإن المتابع لرصد الحركة الإيرانية في المنطقة لا يتوقع أن تقنَع إيران بقبض ثمن سياسي لنفوذها تنحصر جغرافيته ضمن إيران وفي المناطق المحاذية لها. فقد استطاعت الدبلوماسية الإيرانية تأكيد الانتقال إلى قبض أثمان خارج حدود مداها الجغرافي أي خارج منطقة الخليج بمجملها، لذلك وفي ظل انكشاف المنطقة أمام استثمار إيراني لا يوازيه أي استثمار آخر تحولت إيران من دولة إقليمية إلى منظومة فاعلة مُبادِرة قادرة على إمساك أوراق الفعل من جهة والتعطيل من جهة ثانية. فحيث لا تكون السياسة الإيرانية هجومية من خلال أدواتها العسكرية أو من خلال تشجيع الخطوات المحسوبة لصالحها كحرب يوليو 2006 في لبنان أو انقلاب (حماس) في غزة تكون من خلال أدواتها وماكينتها السياسية مُعطِلة، وتمتلك القدرة على الرفض، كما واجهت أنابوليس وكذلك واجهت الاتجاه العربي والدولي الذاهب إلى حل الاستحقاق الرئاسى اللبناني، وذهبت إلى أبعد من ذلك في ‏إبرامها مؤخراً اتفاقاً عسكرياً مع السودان ضمن تحرك لمد نفوذها إلى الجناح الإفريقي للعالم العربي، كما تحالفت معها سوريا على أساس حماية أمنها المهدد، حين بدا لها أن النظام العربي الرسمي لا يقف معها في مواجهة التهديد الأمريكي الخطير الذي تعرضت له عقب الحرب على العراق،‏ بدءاً بفتح ملفاتها في لبنان وإخراج قواتها منه،‏ ووصولاً إلى محاولة عزلها ومحاصرتها في داخل حدودها إلى أن يحين أوان التعامل مع النظام القائم فيها‏.‏

ثانياً: المجال الديني

مثل الغزو الأمريكي للعراق بداية لمد شيعي جديد، فالصحوة الشيعية القائمة اليوم تؤشر إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية مؤداه أن المكاسب المحققة في العراق لا بد من صونها وترسيخها، فالنتيجة الحاصلة من الحرب عادت بالنفع على الشيعة في كل المنطقة لا في العراق وحده، وتأكدت أن ثمة روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكل بين شتى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعاً سوف يتعزز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوة الشيعة السياسية، وأن مثال العراق سوف يمارس (تأثيراً بالبيئة) على التجمعات الشيعية خارج العراق، لتبدأ بالمطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحكم داخل بلدانها، وأن هذه المكتسبات على صعيد القوة سوف تعزز بدورها استدامة المكتسبات التي حققوها على صعيد القوة والنفوذ. لقد أطلق العراق تفاعلاً متسلسلاً، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في دول أخرى كثيرة، لكن المحصلة الإجمالية ستكون قوة شيعية أكبر، ومزيداً من الصلات الثقافية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتد من لبنان إلى باكستان.

ففي الخليج يعتبر أتباع الشيعة من الأقليات الدينية، حيث لا تتجاوز نسبهم في بعض الدول 10 في المائة باستثناء مملكة البحرين التي يمثل الشيعة فيها نسبة كبيرة، بينما تصل إلى أقل من 5 في المائة في سلطنة عمان. وعلى الرغم من أن عددهم قليل إلا أنهم يحاولون في هذه المرحلة إبراز أنفسهم كقوة شعبية تؤثر في السياسة العامة للدول الخليجية وإلى البروز بشكل أكبر مستفيدين من الأحداث الأخيرة التي حصلت في العراق والتي أدت إلى تعاظم الوجود الإيراني في هذه الدول عبر الضغط عليها بورقة هذه الأقليات.

من ناحية أخرى تهدف إيران إلى مساعدة حركات النضال الشعبي والجماهيري، وأن تكون حليفة لها في هذه المرحلة، ولا تضع وزناً كبيراً للحسابات الآنية والقصيرة في خطواتها تجاهها، ومن هنا جاءت مساعداتها المالية لحركة حماس في الوقت الذي كانت تضغط فيه دول أخرى عليها من أجل الاعتراف بإسرائيل. وهذا الأمر كشف حكومات هذه الدول إزاء شعوب المنطقة، وأعطى لإيران صورة قوية ومشرقة في المنطقة، وهي قادرة على القيام بمثل هذه التحركات بالنظر إلى ثروتها النفطية ومؤشر زيادة أسعار النفط في الوقت الحالي.

وفي ما يتعلق بهذه النقطة لا بد من الإشارة إلى أن إيران على الرغم من شيعتها، وعلى الرغم من أنها تطبق نظام ولاية الفقيه، وهو ليس متفقاً عليه لدى أغلبية شيعة المنطقة، حيث يختلف معه كل من شيعة العراق وشيعة لبنان، إلا أنها تنفتح على الشيعة الرافضين له وفي الوقت نفسه تنفتح على السنة في فلسطين ولها روابط في تمرد الحوثي في اليمن. فضلاً عن ذلك فإنها كما يبدو من سياستها فهي تعلي من الجانب العملي البراغماتي على حساب الجانب الإيديولوجي المذهبي، وهذا الأمر بالذات هو ما جعلها ذات علاقة قوية بأكراد العراق على الرغم من أن علاقة هؤلاء ليست جيدة بكافة فصائل شيعة العراق، لكنها تريد من هذا السلوك أن تجعل من نفسها على علاقة بكافة أطراف المعادلة العراقية بما يساعدها أن تكون وسيطاً في مرحلة ما أو أن تقوم بالتوفيق بين الأطراف المختلفة بما يجعل منها رقماً رئيسياً في المعادلة العراقية، مما يقوي من نفوذها الإقليمي ويدفع الولايات المتحدة إلى الاعتراف به في كافة قضايا ومشكلات المنطقة، وهذا الأمر بالذات هو أحد الأسس التي يستند إليها القائلون إن المنطقة على أعتاب الحقبة الإيرانية.

ثالثاً: المجال التعبوي (النفسي)

في هذا الصدد تمارس إيران سياستين متوازيتين: رسمية وشعبية. حيث تنتهج إيران مع الأنظمة العربية سياسة امتلاك الأوراق والتهديد والمراوغة، وتمارس مع الشعوب العربية سياسة امتلاك القلوب، وحشد الناس وراء شعارات ومطالب، قد تجدها الشعوب العربية مطالب محقة وعادلة، فتنطلق مؤيدة من دون تدقيق وتمحيص، ومن دون استدراك لما قد تؤول إليه من نتائج قاسية على الأمن والسيادة العربية. فإيران تقف مع الحق الفلسطيني، لكنها بوقفتها هذه شرخت الموقف الفلسطيني إلى قسمين: ثوري ورسمي، وتمكنت من تأييد الثوري لمد ذراع نفوذها إلى قطاع غزة، فكانت النتيجة أننا شاهدنا فريقين فلسطينيين يتقاتلان، يحمل كل منهما شعارات لا يمكن نكران عدالتها ولا صدقها، لكنها تضييع في معمعة الاتهامات والتخوين. فإسرائيل لا تريد الوحدة الفلسطينية ولا إيران تسعى إليها، والخاسر الأوحد هم الفلسطينيون. فلو أن المسألة كانت قضية شعب، وليست مسألة مصالح، لشاهدنا إيران تعمل مع الدول العربية من أجل جمع الفلسطينيين ولمّ شملهم لمواجهة إسرائيل.

إيران تقف مع الحق الفلسطيني لكن بوقفتها هذه شرخت الموقف الفلسطيني إلى نصفين 

كما أن البعد العسكري المتعلق بإمكانات إيران النووية له علاقة قوية بالبعد الرمزي، ذلك أنه على الرغم من أن معظم الحكومات العربية ترفض أن تتملك إيران التكنولوجيا النووية، وترجع ذلك إلى وجود أطماع إقليمية لها وأنها يمكن أن تعيد استراتيجيتها لتصدير الثورة على حساب الأنظمة المعتدلة والعلمانية، وعلى الرغم أيضاً من أن هذه الأنظمة نظمت حملات دعائية وإعلامية داخلية حول هذا الملف، إلا أن الوعي الشعبي لم يتفاعل معها بسبب الإدراك الشعبي أن هذا الملف النووي الإيراني يحجم من هيمنة إسرائيل، وإدراكها كذلك أن الولايات المتحدة ترفض امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية لمصلحة إسرائيل، وليس لأهداف تتعلق بالأمن الدولي حسبما تدعي، وكل ذلك بالطبع يعطي ميزة لإيران في ما يتعلق بدورها الإقليمي ليس في المنطقة العربية فقط بل والشرق أوسطية برمتها.

رابعاً: المجال الاقتصادي

تستند هذه الاستراتيجية إلى أموال النفط الذي زادت أسعاره في السنوات القليلة الماضية بمعدلات غير مسبوقة، فإيران تضخ في سوق النفط العالمية نحو 2.5 مليون برميل يومياً من إجمالي 4 ملايين برميل تنتجها باعتبارها رابع منتج للنفط على مستوى العالم، أي أن صادرات النفط الإيراني تشكل نحو 8.5 في المائة من إجمالي الصادرات النفطية في العالم، كما أن إيران تضخ 80 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً في السوق العالمية، وهو ما يمثل نحو 3 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية من الغاز، وتعتبر سادس مصدر للغاز عالمياً. وبنظرة سريعة على الوضع الراهن للإمكانات الاقتصادية الإيرانية في ظل الارتفاع السريع لأسعار النفط وزيادة عوائدها من صادراتها منه،‏ نجد أن ناتجها المحلي الإجمالي قد ارتفع من ‏114.1‏ مليار دولار عام‏2001،‏ إلى ‏230‏ مليار دولار في عام ‏2006، ويتمتع الاقتصاد الإيراني بنسبة عالية من الاحتياطيات من العملات الأجنبية التي تراكمت لديه خلال السنوات الأخيرة بسبب زيادة عوائد النفط من العملات الأجنبية. كل هذه الأموال تمول الاستراتيجيات الإيرانية في المنطقة بدءاً من التمويل العسكري والبرنامج النووي وتسليح الجيش وتطوير قدراته التسليحية والتدريبية، كذلك تنتقل هذه الأموال إلى الأذرع الشيعية في العالم سواء كانت دعوية أو سياسية أو عسكرية أو تعليمية أو ثقافية.

وقد مثلت فلسفة التشابك الاقتصادي توجهاً إيرانياً رئيسياً انطلاقاً من إيجاد مقاربة للمصالح الاقتصادية مع الجانب العربي، حتى إن ظلت دون المأمول، فعلى سبيل المثال أكد هذا التوجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أثناء مشاركته في قمة الدوحة الخليجية ديسمبر 2008، عندما دعا إلى تأسيس منظمة للتعاون الاقتصادي بين الطرفين وإلغاء تأشيرات الدخول بين إيران ودول المجلس، بالإضافة إلى الاستثمار المشترك في الطاقة والتعاون في المجالات العلمية والتربوية والاقتصادية، كما اقترح إنشاء اتفاقية للتجارة الحرة بين الطرفين وإنشاء مناطق للتجارة الحرة بالإضافة إلى إنشاء (ممر شمال جنوب) بين الطرفين تسخر له إيران بناها التحتية وسككها الحديدة، ويستخدم أيضاً لنقل الطاقة. كذلك أكد أحمدي نجاد استعداد بلادها (توفير المياه الصالحة للشرب والغاز) لدول المجلس، داعياً قادة الدول الست إلى الاجتماع في طهران للبحث في مقترحات التعاون.

وفي النهاية فإن تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة العربية قد تكون له جوانب إيجابية وبناءة،‏ بمقدار ما يتوافر فيه من تكافؤ، ولا إمكان لمثل هذا التكافؤ في غياب مشروع عربي لمستقبل المنطقة‏.‏ والأكيد أن غياب هذا المشروع ليس مسؤولية دولة بعينها وإنما كافة الدول خاصة التي تقود النظام العربي في الوقت الحالي والتي تركت فراغاً إقليمياً أصبح أحد أهم مصادر البلاء العربي الراهن‏.‏ فما كان للجموح الأمريكي أن يبلغ ما بلغه إلا في ظل إغراء ملء هذا الفراغ‏.‏ وما كان لفشل المشروع الأمريكي،‏ بعد هزيمته الاستراتيجية في العراق،‏ أن يوفر لإيران فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها إلا لأنها وجدت أمامها فراغاً فتمددت فيه وأمسكت بأوراق عربية مفصلية من العراق إلى لبنان وفلسطين. فهل يستوعب العرب الرسالة؟ 

::/fulltext::

ahmadyy-8e2
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1012::/cck::
::introtext::

لم يعد من المبالغة القول إن إيران أصبحت لاعباً أساسياً في قضايا المنطقة العربية بل صاحبة نفوذ مؤثر استناداً إلى عدد من حقائق الواقع التي ارتبطت بقدراتها من ناحية وما أنتجه الغزو الأمريكي للعراق من تقديم فرصة سانحه لإيران لتنامى نفوذها في المنطقة العربية بشكل كبير.

::/introtext::
::fulltext::

لم يعد من المبالغة القول إن إيران أصبحت لاعباً أساسياً في قضايا المنطقة العربية بل صاحبة نفوذ مؤثر استناداً إلى عدد من حقائق الواقع التي ارتبطت بقدراتها من ناحية وما أنتجه الغزو الأمريكي للعراق من تقديم فرصة سانحه لإيران لتنامى نفوذها في المنطقة العربية بشكل كبير.

استفاقت المنطقة مؤخراً على نفوذ إيراني لا يمكن تجاهله أو تخطيه

صار الحديث حول وجود مشروع إيراني إقليمي لا يمكن إغفاله، يناهض المشروع الأمريكي-الإسرائيلي، ويتسم بديناميكية استفادت من الفشل الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق، ونجح في وضع الجيش الأمريكي بين فكي (الكماشة) في العراق، ثم استغل هذا الوضع وحرك أوراق ملفاته، ومنها ملفه النووي، ونجح أيضاً في استقطاب محاور أخرى للاصطفاف معه عربياً، مثلما أمكنه صياغة علاقات استراتيجية مع سوريا، واللعب بحرية تامة في الميدان العراقي مستفيداً من حالة التشرذم العربية وحالة الفراغ، كما استطاع توظيف ورقة حزب الله ووضعه في خاصرة إسرائيل ليستطيع بها ملاعبة الأمريكيين والضغط عليهم في الملفات الأخرى.

كان نصر (حزب الله) في حربه ضد إسرائيل نصراً إيرانياً بالدرجة الأولى

وتتمثل ركائز المشروع الإيراني في التحالف الاستراتيجي مع سوريا وحزب الله، وتطوير هذا التحالف ليشمل منظمات المقاومة الإسلامية في فلسطين، ناهيك عن ركيزة أساسية وهي اختراق العراق تماماً والسعي لفصل الجنوب عن الشمال والوسط، ثم بعد ذلك يتم اللعب بورقة الأقليات الشيعية في الخليج، الأمر الذي عزز في النهاية من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة العربية من خلال العديد من المجالات يمكن إجمالها في التالي:

أولاً: المجال السياسي

يتزايد تراكم الأداء الإيراني منذ بداية حقبة الثورة الإيرانية نهاية السبعينات، الذي كان بمجمله أداءً عقائدياً بامتياز ميّزه العمل ضمن الوعي القومي العام المعادي للغرب وإسرائيل في المنطقة، حيث اجتهد الأداء الإيراني من داخل الإطار القومي ونما معه وفي ظله ولم يصل إلى حدود التناقض معه إلا مؤخراً حيث استفاقت المنطقة على نفوذ إيراني من غير الممكن تجاهله أو تخطيه. وقد مر تعظيم هذا النفوذ الإيراني بعدة مراحل المرحلة الأولى: كان هدفها تحقيق الاستقرار الداخلي ومحاولة إيجاد صيغة سياسية تلتقي عليها كافة القوى الداخلية الإيرانية، وفي الوقت نفسه نشر الدعوة للتشيع في أقطار مختلفة وإيجاد بذور تنظيمات شيعية في الخارج، وقد استغرقت هذه المرحلة فترة طويلة نظراً لدخول إيران في حرب مريرة مع العراق. ثم المرحلة الثانية وهي مرحلة الصعود الإقليمي وكسر القوى التي تحول بين هذا الصعود وهي طالبان ونظام صدام حسين، وجاءتها الفرصة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما اندفعت أمريكا بقوتها الغاشمة إلى المنطقة. أما المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الطموح العالمي والوصول إلى حلم الدخول في نادي القوى الكبرى عن طريق البرنامج النووي وهي مرحلة التصادم مع الولايات المتحدة، حيث تتقاطع الاستراتيجيتان لكل من الدولتين خاصة في المنطقة العربية.

واستطاعت الماكينة الإيرانية الحضور بفاعلية في قضايا المنطقة، وفرض شروطها على المنطقة والغرب على حد سواء وتحوّل معه النظام الإيراني إلى كيان حاضر دائماً في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق.

فقد واجهت إيران مؤتمر أنابوليس، كما واجهت من قبله كل اللقاءات والمؤتمرات التي عملت على طرح القضية الفلسطينية على الطاولة. حيث عارضت أنابوليس ورفضت المبادرة العربية، وعبرت عن استيائها من المشاركة السورية، ودعمت سيطرة (حماس) على غزة، ودخلت في الشأن اللبناني فكان نصر (حزب الله) في حربه ضد إسرائيل نصراً إيرانياً بالدرجة الأولى، ثم بعد ذلك، دخلت على خط الوساطة السياسية بعدما سيطر (حزب الله) على وسط بيروت من خلال عملية الاعتصام المستمرة، ولجمت الفتنة المذهبية بعدما استفحل الصدام بين السنة والشيعة في شوارع بيروت. واليوم أكدت أكثر من أي وقت مضى حضورها في التفاصيل السياسية اللبنانية من خلال قدرتها على امتلاك مفتاح الحل والربط مع (حزب الله)، أو بواسطة أتباعها من القوى السياسية وغير السياسية التي تدور في فلكها، بالإضافة إلى دورها في قضية الاستحقاق الرئاسي اللبناني، فظهر أنه إذا أراد اللبنانيون إجراء انتخاباتهم الرئاسية واستحقاقاتهم الدستورية فإن عليهم أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار. ولأن الوساطة الفرنسية تجاهلت التأثير الإيراني في لبنان واعتمدت على التقارب مع سوريا فقط ولأن فرنسا أظهرت أيضاً تشدداً في موقفها من الملف النووي الإيراني بمطالبتها بزيادة حدة العقوبات على إيران، فإن ذلك انعكس تصميماً إيرانياً على إعاقة الحلول إلا إذا اقترنت بمكاسب جدّية.

لكل ذلك ثمة حقيقة واضحة وثابتة وهي أن الصراع الذي يخوضه النظام الرسمي العربي اليوم في المنطقة هو صراع فصل الملفين الفلسطيني واللبناني عن الملف النووي الإيراني بعدما نجحت إيران في إقامة ترابط وثيق بين موضوعها الخاص الذي يحمل بُعداً دولياً ويخضع للتوازنات الدولية وبين الموضوع المتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي.

ومن ثم فإن المتابع لرصد الحركة الإيرانية في المنطقة لا يتوقع أن تقنَع إيران بقبض ثمن سياسي لنفوذها تنحصر جغرافيته ضمن إيران وفي المناطق المحاذية لها. فقد استطاعت الدبلوماسية الإيرانية تأكيد الانتقال إلى قبض أثمان خارج حدود مداها الجغرافي أي خارج منطقة الخليج بمجملها، لذلك وفي ظل انكشاف المنطقة أمام استثمار إيراني لا يوازيه أي استثمار آخر تحولت إيران من دولة إقليمية إلى منظومة فاعلة مُبادِرة قادرة على إمساك أوراق الفعل من جهة والتعطيل من جهة ثانية. فحيث لا تكون السياسة الإيرانية هجومية من خلال أدواتها العسكرية أو من خلال تشجيع الخطوات المحسوبة لصالحها كحرب يوليو 2006 في لبنان أو انقلاب (حماس) في غزة تكون من خلال أدواتها وماكينتها السياسية مُعطِلة، وتمتلك القدرة على الرفض، كما واجهت أنابوليس وكذلك واجهت الاتجاه العربي والدولي الذاهب إلى حل الاستحقاق الرئاسى اللبناني، وذهبت إلى أبعد من ذلك في ‏إبرامها مؤخراً اتفاقاً عسكرياً مع السودان ضمن تحرك لمد نفوذها إلى الجناح الإفريقي للعالم العربي، كما تحالفت معها سوريا على أساس حماية أمنها المهدد، حين بدا لها أن النظام العربي الرسمي لا يقف معها في مواجهة التهديد الأمريكي الخطير الذي تعرضت له عقب الحرب على العراق،‏ بدءاً بفتح ملفاتها في لبنان وإخراج قواتها منه،‏ ووصولاً إلى محاولة عزلها ومحاصرتها في داخل حدودها إلى أن يحين أوان التعامل مع النظام القائم فيها‏.‏

ثانياً: المجال الديني

مثل الغزو الأمريكي للعراق بداية لمد شيعي جديد، فالصحوة الشيعية القائمة اليوم تؤشر إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية مؤداه أن المكاسب المحققة في العراق لا بد من صونها وترسيخها، فالنتيجة الحاصلة من الحرب عادت بالنفع على الشيعة في كل المنطقة لا في العراق وحده، وتأكدت أن ثمة روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكل بين شتى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعاً سوف يتعزز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوة الشيعة السياسية، وأن مثال العراق سوف يمارس (تأثيراً بالبيئة) على التجمعات الشيعية خارج العراق، لتبدأ بالمطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحكم داخل بلدانها، وأن هذه المكتسبات على صعيد القوة سوف تعزز بدورها استدامة المكتسبات التي حققوها على صعيد القوة والنفوذ. لقد أطلق العراق تفاعلاً متسلسلاً، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في دول أخرى كثيرة، لكن المحصلة الإجمالية ستكون قوة شيعية أكبر، ومزيداً من الصلات الثقافية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتد من لبنان إلى باكستان.

ففي الخليج يعتبر أتباع الشيعة من الأقليات الدينية، حيث لا تتجاوز نسبهم في بعض الدول 10 في المائة باستثناء مملكة البحرين التي يمثل الشيعة فيها نسبة كبيرة، بينما تصل إلى أقل من 5 في المائة في سلطنة عمان. وعلى الرغم من أن عددهم قليل إلا أنهم يحاولون في هذه المرحلة إبراز أنفسهم كقوة شعبية تؤثر في السياسة العامة للدول الخليجية وإلى البروز بشكل أكبر مستفيدين من الأحداث الأخيرة التي حصلت في العراق والتي أدت إلى تعاظم الوجود الإيراني في هذه الدول عبر الضغط عليها بورقة هذه الأقليات.

من ناحية أخرى تهدف إيران إلى مساعدة حركات النضال الشعبي والجماهيري، وأن تكون حليفة لها في هذه المرحلة، ولا تضع وزناً كبيراً للحسابات الآنية والقصيرة في خطواتها تجاهها، ومن هنا جاءت مساعداتها المالية لحركة حماس في الوقت الذي كانت تضغط فيه دول أخرى عليها من أجل الاعتراف بإسرائيل. وهذا الأمر كشف حكومات هذه الدول إزاء شعوب المنطقة، وأعطى لإيران صورة قوية ومشرقة في المنطقة، وهي قادرة على القيام بمثل هذه التحركات بالنظر إلى ثروتها النفطية ومؤشر زيادة أسعار النفط في الوقت الحالي.

وفي ما يتعلق بهذه النقطة لا بد من الإشارة إلى أن إيران على الرغم من شيعتها، وعلى الرغم من أنها تطبق نظام ولاية الفقيه، وهو ليس متفقاً عليه لدى أغلبية شيعة المنطقة، حيث يختلف معه كل من شيعة العراق وشيعة لبنان، إلا أنها تنفتح على الشيعة الرافضين له وفي الوقت نفسه تنفتح على السنة في فلسطين ولها روابط في تمرد الحوثي في اليمن. فضلاً عن ذلك فإنها كما يبدو من سياستها فهي تعلي من الجانب العملي البراغماتي على حساب الجانب الإيديولوجي المذهبي، وهذا الأمر بالذات هو ما جعلها ذات علاقة قوية بأكراد العراق على الرغم من أن علاقة هؤلاء ليست جيدة بكافة فصائل شيعة العراق، لكنها تريد من هذا السلوك أن تجعل من نفسها على علاقة بكافة أطراف المعادلة العراقية بما يساعدها أن تكون وسيطاً في مرحلة ما أو أن تقوم بالتوفيق بين الأطراف المختلفة بما يجعل منها رقماً رئيسياً في المعادلة العراقية، مما يقوي من نفوذها الإقليمي ويدفع الولايات المتحدة إلى الاعتراف به في كافة قضايا ومشكلات المنطقة، وهذا الأمر بالذات هو أحد الأسس التي يستند إليها القائلون إن المنطقة على أعتاب الحقبة الإيرانية.

ثالثاً: المجال التعبوي (النفسي)

في هذا الصدد تمارس إيران سياستين متوازيتين: رسمية وشعبية. حيث تنتهج إيران مع الأنظمة العربية سياسة امتلاك الأوراق والتهديد والمراوغة، وتمارس مع الشعوب العربية سياسة امتلاك القلوب، وحشد الناس وراء شعارات ومطالب، قد تجدها الشعوب العربية مطالب محقة وعادلة، فتنطلق مؤيدة من دون تدقيق وتمحيص، ومن دون استدراك لما قد تؤول إليه من نتائج قاسية على الأمن والسيادة العربية. فإيران تقف مع الحق الفلسطيني، لكنها بوقفتها هذه شرخت الموقف الفلسطيني إلى قسمين: ثوري ورسمي، وتمكنت من تأييد الثوري لمد ذراع نفوذها إلى قطاع غزة، فكانت النتيجة أننا شاهدنا فريقين فلسطينيين يتقاتلان، يحمل كل منهما شعارات لا يمكن نكران عدالتها ولا صدقها، لكنها تضييع في معمعة الاتهامات والتخوين. فإسرائيل لا تريد الوحدة الفلسطينية ولا إيران تسعى إليها، والخاسر الأوحد هم الفلسطينيون. فلو أن المسألة كانت قضية شعب، وليست مسألة مصالح، لشاهدنا إيران تعمل مع الدول العربية من أجل جمع الفلسطينيين ولمّ شملهم لمواجهة إسرائيل.

إيران تقف مع الحق الفلسطيني لكن بوقفتها هذه شرخت الموقف الفلسطيني إلى نصفين 

كما أن البعد العسكري المتعلق بإمكانات إيران النووية له علاقة قوية بالبعد الرمزي، ذلك أنه على الرغم من أن معظم الحكومات العربية ترفض أن تتملك إيران التكنولوجيا النووية، وترجع ذلك إلى وجود أطماع إقليمية لها وأنها يمكن أن تعيد استراتيجيتها لتصدير الثورة على حساب الأنظمة المعتدلة والعلمانية، وعلى الرغم أيضاً من أن هذه الأنظمة نظمت حملات دعائية وإعلامية داخلية حول هذا الملف، إلا أن الوعي الشعبي لم يتفاعل معها بسبب الإدراك الشعبي أن هذا الملف النووي الإيراني يحجم من هيمنة إسرائيل، وإدراكها كذلك أن الولايات المتحدة ترفض امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية لمصلحة إسرائيل، وليس لأهداف تتعلق بالأمن الدولي حسبما تدعي، وكل ذلك بالطبع يعطي ميزة لإيران في ما يتعلق بدورها الإقليمي ليس في المنطقة العربية فقط بل والشرق أوسطية برمتها.

رابعاً: المجال الاقتصادي

تستند هذه الاستراتيجية إلى أموال النفط الذي زادت أسعاره في السنوات القليلة الماضية بمعدلات غير مسبوقة، فإيران تضخ في سوق النفط العالمية نحو 2.5 مليون برميل يومياً من إجمالي 4 ملايين برميل تنتجها باعتبارها رابع منتج للنفط على مستوى العالم، أي أن صادرات النفط الإيراني تشكل نحو 8.5 في المائة من إجمالي الصادرات النفطية في العالم، كما أن إيران تضخ 80 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً في السوق العالمية، وهو ما يمثل نحو 3 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية من الغاز، وتعتبر سادس مصدر للغاز عالمياً. وبنظرة سريعة على الوضع الراهن للإمكانات الاقتصادية الإيرانية في ظل الارتفاع السريع لأسعار النفط وزيادة عوائدها من صادراتها منه،‏ نجد أن ناتجها المحلي الإجمالي قد ارتفع من ‏114.1‏ مليار دولار عام‏2001،‏ إلى ‏230‏ مليار دولار في عام ‏2006، ويتمتع الاقتصاد الإيراني بنسبة عالية من الاحتياطيات من العملات الأجنبية التي تراكمت لديه خلال السنوات الأخيرة بسبب زيادة عوائد النفط من العملات الأجنبية. كل هذه الأموال تمول الاستراتيجيات الإيرانية في المنطقة بدءاً من التمويل العسكري والبرنامج النووي وتسليح الجيش وتطوير قدراته التسليحية والتدريبية، كذلك تنتقل هذه الأموال إلى الأذرع الشيعية في العالم سواء كانت دعوية أو سياسية أو عسكرية أو تعليمية أو ثقافية.

وقد مثلت فلسفة التشابك الاقتصادي توجهاً إيرانياً رئيسياً انطلاقاً من إيجاد مقاربة للمصالح الاقتصادية مع الجانب العربي، حتى إن ظلت دون المأمول، فعلى سبيل المثال أكد هذا التوجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أثناء مشاركته في قمة الدوحة الخليجية ديسمبر 2008، عندما دعا إلى تأسيس منظمة للتعاون الاقتصادي بين الطرفين وإلغاء تأشيرات الدخول بين إيران ودول المجلس، بالإضافة إلى الاستثمار المشترك في الطاقة والتعاون في المجالات العلمية والتربوية والاقتصادية، كما اقترح إنشاء اتفاقية للتجارة الحرة بين الطرفين وإنشاء مناطق للتجارة الحرة بالإضافة إلى إنشاء (ممر شمال جنوب) بين الطرفين تسخر له إيران بناها التحتية وسككها الحديدة، ويستخدم أيضاً لنقل الطاقة. كذلك أكد أحمدي نجاد استعداد بلادها (توفير المياه الصالحة للشرب والغاز) لدول المجلس، داعياً قادة الدول الست إلى الاجتماع في طهران للبحث في مقترحات التعاون.

وفي النهاية فإن تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة العربية قد تكون له جوانب إيجابية وبناءة،‏ بمقدار ما يتوافر فيه من تكافؤ، ولا إمكان لمثل هذا التكافؤ في غياب مشروع عربي لمستقبل المنطقة‏.‏ والأكيد أن غياب هذا المشروع ليس مسؤولية دولة بعينها وإنما كافة الدول خاصة التي تقود النظام العربي في الوقت الحالي والتي تركت فراغاً إقليمياً أصبح أحد أهم مصادر البلاء العربي الراهن‏.‏ فما كان للجموح الأمريكي أن يبلغ ما بلغه إلا في ظل إغراء ملء هذا الفراغ‏.‏ وما كان لفشل المشروع الأمريكي،‏ بعد هزيمته الاستراتيجية في العراق،‏ أن يوفر لإيران فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها إلا لأنها وجدت أمامها فراغاً فتمددت فيه وأمسكت بأوراق عربية مفصلية من العراق إلى لبنان وفلسطين. فهل يستوعب العرب الرسالة؟ 

::/fulltext::
::cck::1012::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *