حلف شمال الأطلسي.. خيوط متعددة للشراكة وهدف محوري

::cck::1016::/cck::
::introtext::

يمكن النظر إلى تحول أدوار حلف شمال الأطلسي من أنماط تقليدية في مواجهة الخطر الشيوعي إبان الحرب الباردة، إلى أدوار وظيفية أكثر تشعباً مع ازدياد طموح توسيع مساحته لتحقيق شراكات متعددة، أبرزها مع دول الشرق الأوسط الكبير، الذي يضم دولاً منها إسرائيل ومصر والأردن والجزائر وتونس وموريتانيا، وقبل ذلك ليحتل مبدأ شراكته مع دول الخليج العربية أهم أولوياته ولا سيما قطر والكويت والبحرين والإمارات، ليمتد أيضاً ضمن وظيفة أخرى له في أفغانستان التي أخذت دور المواجهة العسكرية مع حركة طالبان في جنوب البلاد، وأدوار أخرى في العراق تختصر في ظروفها الآنية على تدريب وتأهيل القوات العسكرية العراقية، وأخرى في لبنان.

::/introtext::
::fulltext::

يمكن النظر إلى تحول أدوار حلف شمال الأطلسي من أنماط تقليدية في مواجهة الخطر الشيوعي إبان الحرب الباردة، إلى أدوار وظيفية أكثر تشعباً مع ازدياد طموح توسيع مساحته لتحقيق شراكات متعددة، أبرزها مع دول الشرق الأوسط الكبير، الذي يضم دولاً منها إسرائيل ومصر والأردن والجزائر وتونس وموريتانيا، وقبل ذلك ليحتل مبدأ شراكته مع دول الخليج العربية أهم أولوياته ولا سيما قطر والكويت والبحرين والإمارات، ليمتد أيضاً ضمن وظيفة أخرى له في أفغانستان التي أخذت دور المواجهة العسكرية مع حركة طالبان في جنوب البلاد، وأدوار أخرى في العراق تختصر في ظروفها الآنية على تدريب وتأهيل القوات العسكرية العراقية، وأخرى في لبنان.

حلف الناتو أخذ على عاتقه مواجهة خطر التحالفات المتوقعة في منطقة أوروبا الشرقية 

إن هذه الأدوار وغيرها تقودنا إلى استذكار وظيفة حلف بغداد تجاه المد الشيوعي والحركات الوطنية والقومية المرتبطة به في المنطقة العربية آنذاك، ليمثل خط دفاع شرق أوسطياً – إن صح التعبير- تجاه هذا الخطر وتصاعد موجات العمل الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لمواجهة بقايا الاستعمار الغربي القديم. ولا شك في أن خريطة العالم قد تغيرت كثيراً بعد الحرب الباردة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي لتظهر إلى الوجود قوه أحادية تريد الهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً ضمن برامج العولمة ومنطقها الذي يحتاج إلى ذراع عسكرية فاعلة لمساندة برامجها وهو ما عرج عليه الباحث الاستراتيجي الأمريكي توماس بارنيت حينما اختزل مهمة الحلف الحقيقية بوصفه (جيش العولمة) وإلا أصبح وجوده صفراً إلى الشمال. ومن خلال ذلك يمكن النظر إلى خيوط التحالفات والشراكات التي يحاول إبرامها ضمن رؤية أوروبية تدور حول هدف محوري معلن هو محاربة الإرهاب ومنع قنوات جديدة لأسلحة الدمار الشامل، وقد يكون هذا الهدف في شكله مندمجاًَ مع مضمون آخر هو وضع حساب لمارد آسيوي هو الصين الذي يتململ بهدوء ويتمدد باتجاهات مختلفة في آسيا وإفريقيا وغيرها ليكون تفسير تعدد شراكات حلف ناتو وفق محورية هذا الهدف العريض.

أولاً: انهيار الاتحاد السوفييتي وضم دول أوروبا الشرقية للحلف

لا شك في أن المهام التقليدية التي كان يؤديها الحلف في الماضي قد تغيرت بعد تحول العالم إلى تبني مفاهيم جديدة طرحها النظام العالمي الجديد لتبدأ حلقات جديدة من التعاون الاستراتيجي بين أوروبا وأمريكا، وإن كانت هناك دعوات أوروبية لتحقيق قدر من استقلالية القرار الأوروبي في القضايا الدولية، وأن ذلك جاء بعد أن تم ضم العديد من دول أوروبا الشرقية إلى هذا الحلف، ليشكل ذلك منعطفاً جديداً لمواجهة بقايا الاتحاد السوفييتي وبعض التحالفات المتوقعة معه مستقبلاً سواء على مستقبل دول آسيوية أو الصين. ويرى الباحث سعد محيور على شبكة الإنترنت أنه خلال حقبة التسعينات وبعد أن خرجت معظم دول أوروبا الشرقية من قبضة الإمبراطورية السوفييتية لتسقط في شبكة الإمبراطورية الأمريكية الأطلسية، ولم يبق آنذاك خارجها سوى حفنة من الدول على حدود روسيا (أوكرانيا وجورجيا) وبعض دول البلقان (مقدونيا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة) بعد أن قبلت قمة بوخارست عضوية ألمانيا وكرواتيا، ولا تزال هناك محاولات أخرى جارية لضم دول إلى هذا الحلف الذي أخذ على عاتقه مواجهة خطر التحالفات المتوقعة في تلك المنطقة. وقد تبلور ذلك من خلال تنمية سياسات دفاعية ضد هذا الخطر المتوقع، كما أن ذلك ارتبط بشبكة الدرع الصاروخية خوفاً من صواريخ قد تطلق من إيران وغيرها تجاه مواقع استراتيجية بالنسبة للحلف الأطلسي الأمريكي، وأن هذا الدور في أوروبا الشرقية له ارتباط مع دخول الحلف بشكل مباشر في حرب قتالية مع أفغانستان، وهو دور يختلف عن أدواره الأخرى في مناطق مختلفة من العالم والتي تقوم على أساس طرح الحوارات وتحقيق الحماية لمواقع استراتيجية تهم المصالح الغربية الأمريكية كما هي الحال في العراق لتأهيل قواته الأمنية أو في الخليج العربي لوضع ترتيبات أمنية تقوم على أساس المصالح المتبادلة من جهة ومحاربة الإرهاب في مناطق إنتاجه الثقافي والحد من انتشار الأسلحة النووية التي تهدد سياسات الغرب من جهة أخرى. ولا شك في أن خريطة التمدد الأطلسي لا تقتصر على مدياتها الراهنة إنما تمتد إلى مدايات مستقبلية، لا سيما ما يتصل بقضايا الشرق الأوسط وأبرزها مستقبل إسرائيل، الذي يسعى العقل الغربي إلى حل إشكاليته ضمن عملية اندماجية في مشروع الشرق الأوسط الكبير وفق توقعات تغير ثقافي اجتماعي لهذه المنطقة ترسم ملامحه أنظمة واستراتيجية العولمة مع الأخذ في الاعتبار ما تشكله القضايا الإقليمية وعلى وجه التحديد الاقتصادية المتصلة بنفط بحر قزوين وإشكالية البرنامج النووي الإيراني وامتداداته التحالفية التي قد تظهر في المحيط الروسي أو ضمن المجتمعات الملونة التي كانت تمثل الجزء الجنوبي من الاتحاد السوفييتي آنذاك، لذا فإن خيوط هذا الشراكات قد يكون لها امتداد في هذا الموقع الجغرافي الحيوي.

ثانياً: شراكة حلف الناتو في إطار الشرق الأوسط الكبير

لا شك في أن حوض البحر الأبيض المتوسط يمثل منطقة استراتيجية فائقة الأهمية لما يمثله من موقع جغرافي مميز يربط الشرق بالغرب، كما أنه يضم حليفاً استراتيجياً للغرب وأمريكا هو إسرائيل، الذي تتبلور شراكة الناتو معه على أساس الحفاظ على توازن أدواره الوظيفية في السيطرة على نقطة مركزية في إطار منظومة الشرق الأوسط المقترح وما يتوقع له من مستقبل تظهر فيه سيطرة إسرائيل على هذه الدول المتخلفة تكنولوجياً وتصنيعياً فضلاً عما تعج به من مشكلات اجتماعية وثقافية واقتصادية متفاقمة. لذا فإن عملية التعايش والاندماج وتبادل الخبرات ستتم عن طريق السيطرة التكنولوجية لإسرائيل في إطار هذه المنظومة الكبيرة والتي سيكون حلف الناتو فيها ذراعاً عسكرية تحفظ انسيابية العلاقة بين هذه الدول بما يتفق ويتناسق مع مصالحه، وما يمكن أن يشكله من خط دفاعي لأي تهديد يطال المنطقة. والأمر الذي بدأ يدركه المخططون في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الغربي أن ذلك مرهون بتغيرات ثقافية ينبغي أن تحصل في المنطقة وفق مشروعات العولمة واستراتيجياتها. إن فكرة أطروحات الشرق الأوسط الكبير أو دول شرق أوسطية وغيرها من التسميات تظهر هذه المرة بشكل أو آخر من خلال تحالفات حلف الناتو مع شركاء يمتدون على طول حوض البحر الأبيض المتوسط بما فيها شمال إفريقيا وما يمكن أن يشكله هذا الشمال من واجهة عريضة لقارة شديدة التميز جغرافياً وغنية بالثروات اقتصادياً وبالغة التأثير ثقافياً، لا سيما أن هذه الأهمية تزداد حضوراًَ في الاهتمام السياسي الغربي مع تمدد واضح للصين فيها، حيث إن انضمام دول ذلك الحوض فضلاً عن مصر والأردن وإسرائيل يشكل بداية أساسية لوضع مفاهيم جديدة في الخريطة السياسية والثقافية لمنطقة الشرق الأوسط بكاملها، وفي هذا الإطار تأتي مبادرة اسطنبول لتوسيع نطاق الشراكة مع الناتو ليدخل ضمن حسابات استراتيجية تخص المصالح المشتركة بما فيه مصالح تركيا في الشرق الأوسط ولا سيما مصالحها الاقتصادية في الخليج العربي من جهة وتبني وجهة نظر غربية بثوب تركي لتوسيع دائرة فرصها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

ويشير عمار الجندي على شبكة الإنترنت خلال نقله لبعض جوانب المؤتمر الصحفي للأمين العام لحلف الأطلسي، إلى أن قمة اسطنبول جاءت نتيجة ثمرة مناقشات مفصلة مع دول عربية بغرض التعرف إلى حاجاتها وأفكارها بشأن التعاون، مشيراً إلى أنه لم يعد يرد رفض مبادرة اسطنبول في هذا الشأن من أية دولة من دول الشرق الأوسط الكبير في الانضمام إليها. وقد كانت مهمة القمة هي تعزيز العلاقات والتعاون الأمني بين دول شمال حلف الأطلسي ومنطقة الشرق الأوسط الكبير، وأشارت في الوقت نفسه إلى توثيق العلاقات مع دول الجوار المتوسطي التي تضم المغرب والجزائر وتونس وإسرائيل ومصر وموريتانيا مبررة هذا التعاون في إطار أهمية المنطقة البالغة في محاربة الإرهاب ومنع تسرب أسلحة الدمار الشامل، ويظهر من ذلك أن دور الناتو أخذ يتعدى مهامه التقليدية في حماية أوروبا إلى دور عالمي -إن صح التعبير- يتفق مع توجهات السياسة الأمريكية، فالحلف أوروبي، لكنه يخضع لإرادة أمريكية أو لقيادة أمريكية في توظيفه أدواراً خارج أدواره التقليدية المشار إليها.

أطروحات الحلف للشراكة مع دول الخليج العربية تنطلق من تجاوب مشترك بين الطرفين

ثالثاً: حلف الناتو والخليج العربي ومحيطه الإقليمي

إن تمدد حلف الناتو إلى أماكن عدة في الشرق الأوسط جاء ضمن توجهات جديدة للسياسات الأمريكية-الأوروبية تجاه قضايا المنطقة وفي مقدمتها قضية الصراع العربي-الإسرائيلي وقضية المفاعل النووي الإيراني وقضية استراتيجية مصادر الطاقة في العالم المتمثلة في منطقة الخليج العربي إلى نفط بحر قزوين، ولا شك في أن إيران محور أساسي ومهم في هذا الجانب، وأن أمن الخليج بالمقابل قضية متفاعلة، والأدوار في العراق بالمرحلة الراهنة مع قرب انسحاب القوات الأمريكية منه، وإن اقتصر دور الحلف على التدريب فإنه من المتوقع أن يتوسع هذا الدور إلى مهام أخرى. يضاف إلى ذلك أن أطروحات الحلف للشراكة مع دول الخليج العربية تنطلق من تجاوب مشترك بين الطرفين، كما أنها لا تخرج عن رؤية خليجية تأخذ في الاعتبار أهداف هذا الحلف مرجحة في الاختيار مصالحها الأمنية، وإذا كانت مبادرة اسطنبول للتعاون مع دول الشرق الأوسط تمثل مبادرة تتفق مع أهداف الحلف في اتجاهاته واستراتيجياته تجاه قضايا إقليمية ودولية فإن خطوة تركيا في هذا الجانب تتفق مع مصالحها الاقتصادية التي باتت تتعامل مع قضايا الشرق الأوسط ومنها قضية فلسطين لصالح العرب، ويمكن فهم هذا الدور من زاويتين: الأولى أن تركيا بمواقفها السياسية المؤيدة للعالم الإسلامي والعربي يمكن أن تمثل في أبعادها الثقافية والمستقبلية (خطراً) أو معضلة للعلاقات مع الغرب على المدى المستقبلي الطويل وهي عامل ضغط سياسي على الغرب للتسريع من قبولها في الاتحاد الأوروبي، وبالتالي إدماجها مع ثقافة غربية كانت متحمسة لها مع بداية تكوين ونضج الدولة التركية على مدى عقود من الزمن.

والثانية هي التوجه التركي إلى المنطقة ولا سيما في الفترة الحالية وتأييد المواقف الفلسطينية والعربية وتضييق المنافذ على إسرائيل في
المجال السياسي تجاه تلك القضايا، وقد ظهرت بمظهر أكثر تحمساً من العرب أنفسهم في هذا الجانب، وهو بما يحمل من إيجابية عالية يحتاجها الموقف العربي المتدهور في ظروفه الراهنة، كذلك ما يمكن أن تلعبه تركيا كفاعل اقتصادي، وما يمكن أن ينجم عنه من شراكات اقتصادية تخدم الاقتصاد القومي التركي، لا سيما أن المنطقة العربية فيها مجال واسع للاستثمار يمكن الاستفادة منه في ظرف اقتصادي عالمي مأزوم. ولا شك في أن دور تركيا بات مهماً في التوازنات الإقليمية لمنطقة الخليج العربي تجاه قضايا الوضع في العراق والمفاعل النووي الإيراني ومسألة الأمن القومي الخليجي ومسألة الإرهاب وتشعباته وما يمكن أن ينطوي عليه ذلك من صراع إيديولوجي بين فريقين أحدهما يتبنى الفكر الليبرالي الغربي بفلسفته الاقتصادية الرأسمالية، وفكر يمكن أن يوصف باليساري ضمن توجهات الصين في المنطقة ومداراتها الإقليمية والدولية والذي يقوم أصله على أساس التنافس. ولذلك فإن طرح مبدأ الشراكة مع دول الخليج العربية جاء بعد جولات من النقاش والحوار المستمر من أجل فهم حيثيات الواقع الإقليمي والدولي وتحدياتها، كما أن هذه العلاقة تقوم على أساس المصالح المشتركة، إذ يعمل (الناتو) على تأمين إمدادات الطاقة إلى الدول الغربية وحماية المصالح الغربية في المنطقة وبالمقابل تحقق دول الخليج أهدافاً أبرزها ما يتصل بأمنها القومي وزيادة الخبرة العسكرية والفنية لقواتها المسلحة، فضلاً عن أهداف أخرى مرتبطة بطبيعة التفاهمات المشتركة، أبرزها ما يتصل ببنود مبادرة اسطنبول.

إن هذه الشراكة واحدة من الشراكات التي يحاول الناتو إبرامها في مناطق مختلفة في العالم لتحقيق هدف مركزي يتصل بحماية المصالح الغربية الأمريكية، تلك المصالح التي تقابلها مصالح محلية لهذا الطرف أو ذاك.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1016::/cck::
::introtext::

يمكن النظر إلى تحول أدوار حلف شمال الأطلسي من أنماط تقليدية في مواجهة الخطر الشيوعي إبان الحرب الباردة، إلى أدوار وظيفية أكثر تشعباً مع ازدياد طموح توسيع مساحته لتحقيق شراكات متعددة، أبرزها مع دول الشرق الأوسط الكبير، الذي يضم دولاً منها إسرائيل ومصر والأردن والجزائر وتونس وموريتانيا، وقبل ذلك ليحتل مبدأ شراكته مع دول الخليج العربية أهم أولوياته ولا سيما قطر والكويت والبحرين والإمارات، ليمتد أيضاً ضمن وظيفة أخرى له في أفغانستان التي أخذت دور المواجهة العسكرية مع حركة طالبان في جنوب البلاد، وأدوار أخرى في العراق تختصر في ظروفها الآنية على تدريب وتأهيل القوات العسكرية العراقية، وأخرى في لبنان.

::/introtext::
::fulltext::

يمكن النظر إلى تحول أدوار حلف شمال الأطلسي من أنماط تقليدية في مواجهة الخطر الشيوعي إبان الحرب الباردة، إلى أدوار وظيفية أكثر تشعباً مع ازدياد طموح توسيع مساحته لتحقيق شراكات متعددة، أبرزها مع دول الشرق الأوسط الكبير، الذي يضم دولاً منها إسرائيل ومصر والأردن والجزائر وتونس وموريتانيا، وقبل ذلك ليحتل مبدأ شراكته مع دول الخليج العربية أهم أولوياته ولا سيما قطر والكويت والبحرين والإمارات، ليمتد أيضاً ضمن وظيفة أخرى له في أفغانستان التي أخذت دور المواجهة العسكرية مع حركة طالبان في جنوب البلاد، وأدوار أخرى في العراق تختصر في ظروفها الآنية على تدريب وتأهيل القوات العسكرية العراقية، وأخرى في لبنان.

حلف الناتو أخذ على عاتقه مواجهة خطر التحالفات المتوقعة في منطقة أوروبا الشرقية 

إن هذه الأدوار وغيرها تقودنا إلى استذكار وظيفة حلف بغداد تجاه المد الشيوعي والحركات الوطنية والقومية المرتبطة به في المنطقة العربية آنذاك، ليمثل خط دفاع شرق أوسطياً – إن صح التعبير- تجاه هذا الخطر وتصاعد موجات العمل الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لمواجهة بقايا الاستعمار الغربي القديم. ولا شك في أن خريطة العالم قد تغيرت كثيراً بعد الحرب الباردة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي لتظهر إلى الوجود قوه أحادية تريد الهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً ضمن برامج العولمة ومنطقها الذي يحتاج إلى ذراع عسكرية فاعلة لمساندة برامجها وهو ما عرج عليه الباحث الاستراتيجي الأمريكي توماس بارنيت حينما اختزل مهمة الحلف الحقيقية بوصفه (جيش العولمة) وإلا أصبح وجوده صفراً إلى الشمال. ومن خلال ذلك يمكن النظر إلى خيوط التحالفات والشراكات التي يحاول إبرامها ضمن رؤية أوروبية تدور حول هدف محوري معلن هو محاربة الإرهاب ومنع قنوات جديدة لأسلحة الدمار الشامل، وقد يكون هذا الهدف في شكله مندمجاًَ مع مضمون آخر هو وضع حساب لمارد آسيوي هو الصين الذي يتململ بهدوء ويتمدد باتجاهات مختلفة في آسيا وإفريقيا وغيرها ليكون تفسير تعدد شراكات حلف ناتو وفق محورية هذا الهدف العريض.

أولاً: انهيار الاتحاد السوفييتي وضم دول أوروبا الشرقية للحلف

لا شك في أن المهام التقليدية التي كان يؤديها الحلف في الماضي قد تغيرت بعد تحول العالم إلى تبني مفاهيم جديدة طرحها النظام العالمي الجديد لتبدأ حلقات جديدة من التعاون الاستراتيجي بين أوروبا وأمريكا، وإن كانت هناك دعوات أوروبية لتحقيق قدر من استقلالية القرار الأوروبي في القضايا الدولية، وأن ذلك جاء بعد أن تم ضم العديد من دول أوروبا الشرقية إلى هذا الحلف، ليشكل ذلك منعطفاً جديداً لمواجهة بقايا الاتحاد السوفييتي وبعض التحالفات المتوقعة معه مستقبلاً سواء على مستقبل دول آسيوية أو الصين. ويرى الباحث سعد محيور على شبكة الإنترنت أنه خلال حقبة التسعينات وبعد أن خرجت معظم دول أوروبا الشرقية من قبضة الإمبراطورية السوفييتية لتسقط في شبكة الإمبراطورية الأمريكية الأطلسية، ولم يبق آنذاك خارجها سوى حفنة من الدول على حدود روسيا (أوكرانيا وجورجيا) وبعض دول البلقان (مقدونيا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة) بعد أن قبلت قمة بوخارست عضوية ألمانيا وكرواتيا، ولا تزال هناك محاولات أخرى جارية لضم دول إلى هذا الحلف الذي أخذ على عاتقه مواجهة خطر التحالفات المتوقعة في تلك المنطقة. وقد تبلور ذلك من خلال تنمية سياسات دفاعية ضد هذا الخطر المتوقع، كما أن ذلك ارتبط بشبكة الدرع الصاروخية خوفاً من صواريخ قد تطلق من إيران وغيرها تجاه مواقع استراتيجية بالنسبة للحلف الأطلسي الأمريكي، وأن هذا الدور في أوروبا الشرقية له ارتباط مع دخول الحلف بشكل مباشر في حرب قتالية مع أفغانستان، وهو دور يختلف عن أدواره الأخرى في مناطق مختلفة من العالم والتي تقوم على أساس طرح الحوارات وتحقيق الحماية لمواقع استراتيجية تهم المصالح الغربية الأمريكية كما هي الحال في العراق لتأهيل قواته الأمنية أو في الخليج العربي لوضع ترتيبات أمنية تقوم على أساس المصالح المتبادلة من جهة ومحاربة الإرهاب في مناطق إنتاجه الثقافي والحد من انتشار الأسلحة النووية التي تهدد سياسات الغرب من جهة أخرى. ولا شك في أن خريطة التمدد الأطلسي لا تقتصر على مدياتها الراهنة إنما تمتد إلى مدايات مستقبلية، لا سيما ما يتصل بقضايا الشرق الأوسط وأبرزها مستقبل إسرائيل، الذي يسعى العقل الغربي إلى حل إشكاليته ضمن عملية اندماجية في مشروع الشرق الأوسط الكبير وفق توقعات تغير ثقافي اجتماعي لهذه المنطقة ترسم ملامحه أنظمة واستراتيجية العولمة مع الأخذ في الاعتبار ما تشكله القضايا الإقليمية وعلى وجه التحديد الاقتصادية المتصلة بنفط بحر قزوين وإشكالية البرنامج النووي الإيراني وامتداداته التحالفية التي قد تظهر في المحيط الروسي أو ضمن المجتمعات الملونة التي كانت تمثل الجزء الجنوبي من الاتحاد السوفييتي آنذاك، لذا فإن خيوط هذا الشراكات قد يكون لها امتداد في هذا الموقع الجغرافي الحيوي.

ثانياً: شراكة حلف الناتو في إطار الشرق الأوسط الكبير

لا شك في أن حوض البحر الأبيض المتوسط يمثل منطقة استراتيجية فائقة الأهمية لما يمثله من موقع جغرافي مميز يربط الشرق بالغرب، كما أنه يضم حليفاً استراتيجياً للغرب وأمريكا هو إسرائيل، الذي تتبلور شراكة الناتو معه على أساس الحفاظ على توازن أدواره الوظيفية في السيطرة على نقطة مركزية في إطار منظومة الشرق الأوسط المقترح وما يتوقع له من مستقبل تظهر فيه سيطرة إسرائيل على هذه الدول المتخلفة تكنولوجياً وتصنيعياً فضلاً عما تعج به من مشكلات اجتماعية وثقافية واقتصادية متفاقمة. لذا فإن عملية التعايش والاندماج وتبادل الخبرات ستتم عن طريق السيطرة التكنولوجية لإسرائيل في إطار هذه المنظومة الكبيرة والتي سيكون حلف الناتو فيها ذراعاً عسكرية تحفظ انسيابية العلاقة بين هذه الدول بما يتفق ويتناسق مع مصالحه، وما يمكن أن يشكله من خط دفاعي لأي تهديد يطال المنطقة. والأمر الذي بدأ يدركه المخططون في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الغربي أن ذلك مرهون بتغيرات ثقافية ينبغي أن تحصل في المنطقة وفق مشروعات العولمة واستراتيجياتها. إن فكرة أطروحات الشرق الأوسط الكبير أو دول شرق أوسطية وغيرها من التسميات تظهر هذه المرة بشكل أو آخر من خلال تحالفات حلف الناتو مع شركاء يمتدون على طول حوض البحر الأبيض المتوسط بما فيها شمال إفريقيا وما يمكن أن يشكله هذا الشمال من واجهة عريضة لقارة شديدة التميز جغرافياً وغنية بالثروات اقتصادياً وبالغة التأثير ثقافياً، لا سيما أن هذه الأهمية تزداد حضوراًَ في الاهتمام السياسي الغربي مع تمدد واضح للصين فيها، حيث إن انضمام دول ذلك الحوض فضلاً عن مصر والأردن وإسرائيل يشكل بداية أساسية لوضع مفاهيم جديدة في الخريطة السياسية والثقافية لمنطقة الشرق الأوسط بكاملها، وفي هذا الإطار تأتي مبادرة اسطنبول لتوسيع نطاق الشراكة مع الناتو ليدخل ضمن حسابات استراتيجية تخص المصالح المشتركة بما فيه مصالح تركيا في الشرق الأوسط ولا سيما مصالحها الاقتصادية في الخليج العربي من جهة وتبني وجهة نظر غربية بثوب تركي لتوسيع دائرة فرصها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

ويشير عمار الجندي على شبكة الإنترنت خلال نقله لبعض جوانب المؤتمر الصحفي للأمين العام لحلف الأطلسي، إلى أن قمة اسطنبول جاءت نتيجة ثمرة مناقشات مفصلة مع دول عربية بغرض التعرف إلى حاجاتها وأفكارها بشأن التعاون، مشيراً إلى أنه لم يعد يرد رفض مبادرة اسطنبول في هذا الشأن من أية دولة من دول الشرق الأوسط الكبير في الانضمام إليها. وقد كانت مهمة القمة هي تعزيز العلاقات والتعاون الأمني بين دول شمال حلف الأطلسي ومنطقة الشرق الأوسط الكبير، وأشارت في الوقت نفسه إلى توثيق العلاقات مع دول الجوار المتوسطي التي تضم المغرب والجزائر وتونس وإسرائيل ومصر وموريتانيا مبررة هذا التعاون في إطار أهمية المنطقة البالغة في محاربة الإرهاب ومنع تسرب أسلحة الدمار الشامل، ويظهر من ذلك أن دور الناتو أخذ يتعدى مهامه التقليدية في حماية أوروبا إلى دور عالمي -إن صح التعبير- يتفق مع توجهات السياسة الأمريكية، فالحلف أوروبي، لكنه يخضع لإرادة أمريكية أو لقيادة أمريكية في توظيفه أدواراً خارج أدواره التقليدية المشار إليها.

أطروحات الحلف للشراكة مع دول الخليج العربية تنطلق من تجاوب مشترك بين الطرفين

ثالثاً: حلف الناتو والخليج العربي ومحيطه الإقليمي

إن تمدد حلف الناتو إلى أماكن عدة في الشرق الأوسط جاء ضمن توجهات جديدة للسياسات الأمريكية-الأوروبية تجاه قضايا المنطقة وفي مقدمتها قضية الصراع العربي-الإسرائيلي وقضية المفاعل النووي الإيراني وقضية استراتيجية مصادر الطاقة في العالم المتمثلة في منطقة الخليج العربي إلى نفط بحر قزوين، ولا شك في أن إيران محور أساسي ومهم في هذا الجانب، وأن أمن الخليج بالمقابل قضية متفاعلة، والأدوار في العراق بالمرحلة الراهنة مع قرب انسحاب القوات الأمريكية منه، وإن اقتصر دور الحلف على التدريب فإنه من المتوقع أن يتوسع هذا الدور إلى مهام أخرى. يضاف إلى ذلك أن أطروحات الحلف للشراكة مع دول الخليج العربية تنطلق من تجاوب مشترك بين الطرفين، كما أنها لا تخرج عن رؤية خليجية تأخذ في الاعتبار أهداف هذا الحلف مرجحة في الاختيار مصالحها الأمنية، وإذا كانت مبادرة اسطنبول للتعاون مع دول الشرق الأوسط تمثل مبادرة تتفق مع أهداف الحلف في اتجاهاته واستراتيجياته تجاه قضايا إقليمية ودولية فإن خطوة تركيا في هذا الجانب تتفق مع مصالحها الاقتصادية التي باتت تتعامل مع قضايا الشرق الأوسط ومنها قضية فلسطين لصالح العرب، ويمكن فهم هذا الدور من زاويتين: الأولى أن تركيا بمواقفها السياسية المؤيدة للعالم الإسلامي والعربي يمكن أن تمثل في أبعادها الثقافية والمستقبلية (خطراً) أو معضلة للعلاقات مع الغرب على المدى المستقبلي الطويل وهي عامل ضغط سياسي على الغرب للتسريع من قبولها في الاتحاد الأوروبي، وبالتالي إدماجها مع ثقافة غربية كانت متحمسة لها مع بداية تكوين ونضج الدولة التركية على مدى عقود من الزمن.

والثانية هي التوجه التركي إلى المنطقة ولا سيما في الفترة الحالية وتأييد المواقف الفلسطينية والعربية وتضييق المنافذ على إسرائيل في
المجال السياسي تجاه تلك القضايا، وقد ظهرت بمظهر أكثر تحمساً من العرب أنفسهم في هذا الجانب، وهو بما يحمل من إيجابية عالية يحتاجها الموقف العربي المتدهور في ظروفه الراهنة، كذلك ما يمكن أن تلعبه تركيا كفاعل اقتصادي، وما يمكن أن ينجم عنه من شراكات اقتصادية تخدم الاقتصاد القومي التركي، لا سيما أن المنطقة العربية فيها مجال واسع للاستثمار يمكن الاستفادة منه في ظرف اقتصادي عالمي مأزوم. ولا شك في أن دور تركيا بات مهماً في التوازنات الإقليمية لمنطقة الخليج العربي تجاه قضايا الوضع في العراق والمفاعل النووي الإيراني ومسألة الأمن القومي الخليجي ومسألة الإرهاب وتشعباته وما يمكن أن ينطوي عليه ذلك من صراع إيديولوجي بين فريقين أحدهما يتبنى الفكر الليبرالي الغربي بفلسفته الاقتصادية الرأسمالية، وفكر يمكن أن يوصف باليساري ضمن توجهات الصين في المنطقة ومداراتها الإقليمية والدولية والذي يقوم أصله على أساس التنافس. ولذلك فإن طرح مبدأ الشراكة مع دول الخليج العربية جاء بعد جولات من النقاش والحوار المستمر من أجل فهم حيثيات الواقع الإقليمي والدولي وتحدياتها، كما أن هذه العلاقة تقوم على أساس المصالح المشتركة، إذ يعمل (الناتو) على تأمين إمدادات الطاقة إلى الدول الغربية وحماية المصالح الغربية في المنطقة وبالمقابل تحقق دول الخليج أهدافاً أبرزها ما يتصل بأمنها القومي وزيادة الخبرة العسكرية والفنية لقواتها المسلحة، فضلاً عن أهداف أخرى مرتبطة بطبيعة التفاهمات المشتركة، أبرزها ما يتصل ببنود مبادرة اسطنبول.

إن هذه الشراكة واحدة من الشراكات التي يحاول الناتو إبرامها في مناطق مختلفة في العالم لتحقيق هدف مركزي يتصل بحماية المصالح الغربية الأمريكية، تلك المصالح التي تقابلها مصالح محلية لهذا الطرف أو ذاك.

::/fulltext::
::cck::1016::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *