أمريكا وتحولات الأطلسي في العراق: المصالح والمهمات
::cck::1036::/cck::
::introtext::
عندما أنشئ حلف شمال الأطلسي في أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، كان ذلك الحدث إيذاناً ببدء مسيرة سياسة الأحلاف التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية، وحاولت من خلالها بناء سياج أمني مترامي الأطراف لحماية مصالحها وتحقيق حلم الهيمنة الذي أجهضته الحرب الباردة بتداعياتها وصراعاتها التي شملت أغلب بقاع العالم.
::/introtext::
::fulltext::
عندما أنشئ حلف شمال الأطلسي في أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، كان ذلك الحدث إيذاناً ببدء مسيرة سياسة الأحلاف التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية، وحاولت من خلالها بناء سياج أمني مترامي الأطراف لحماية مصالحها وتحقيق حلم الهيمنة الذي أجهضته الحرب الباردة بتداعياتها وصراعاتها التي شملت أغلب بقاع العالم.
أياً كانت طبيعة العلاقة بين العراق وحلف الأطلسي فإنها ستكون محكومة بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة بالدرجة الأولى
كانت حصة العراق في تلك المرحلة أن أصبح جزءاً من تلك السياسة بفعل السيطرة البريطانية على القرار السياسي آنذاك، إبان فترة الحكم الملكي، وكان حلف بغداد هو المقترب الذي أريد للعراق أن يندمج من خلاله في سياسة الأحلاف الأمريكية الواسعة. فكان تأسيس حلف بغداد بقيادة بريطانية وبمشاركة تركيا وإيران وباكستان إلى جانب العراق، لكن برعاية أمريكية مباشرة، ثم جاء الارتباط الأمريكي على مراحل عبر الانضمام إلى اللجنة الاقتصادية في أواخر عام 1956، ثم إلى اللجنة العسكرية في عام 1957، ووصلت عملية التسليح الأمريكي للعراق إلى أعلى مستوياتها بعد قبول الحكومة العراقية بمشروع الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور لملء الفراغ في منطقة الشرق الأوسط. وكان مقرراً إعلان انضمامها إلى الحلف بشكل رسمي إلا أن تغيير النظام في العراق في 14 يوليو 1958 أدى إلى خروج العراق من الحلف وتقلص نشاطه، بينما عقدت الولايات المتحدة معاهدات ثنائية مع تركيا وإيران لتكون بديلاً عن ارتباطها معهما في الحلف، الذي أصبح يسمى حلف المعاهدة المركزية.
العراق في الطرف الآخر
وفي المرحلة اللاحقة بدا كأن العراق أصبح في الطرف الآخر من المعادلة الأمنية الأمريكية، حيث شهدت فترة الحرب الباردة تنافساً أمريكياً سوفييتياً لإيجاد موطئ قدم في العراق، ويبدو أن المخططين الأمريكيين عدّوا العراق بعد عام 1958 ضمن منطقة نفوذ الاتحاد السوفييتي، خاصة بعد قيام تعاون تسليحي واسع بين الطرفين، وكانت الولايات المتحدة تخوض صراعاً مع الاتحاد السوفييتي للسيطرة على منابع النفط في الخليج إثر انسحاب بريطانيا من المنطقة في عام 1971. كما أن إعلان حزب البعث بعد توليه السلطة عام 1968 عن سياسة مناهضة للغرب عموماً زاد من تدهور العلاقات العراقية – الأمريكية، والأطلسية إلى حد كبير.
وما إن انتهت الحرب الباردة وخرج الاتحاد السوفييتي من معادلة التوازن في المنطقة، حتى قررت الولايات المتحدة وعلى لسان الرئيس الأسبق جورج بوش الأب (1989-1993) أن نظاماً دولياً جديداً في الطريق إلى تولي مهمة إحلال (القانون والعدالة) في العالم. ولم يتردد بالتأكيد على أن الولايات المتحدة هي التي ستقود عملية التغيير نحو النظام الجديد.

وكان تحشيد الجيوش والعدوان على العراق أول إنجازات النظام الدولي الجديد والذي أسهمت فيه دول حلف شمال الأطلسي بدور كبير، حتى كان يوصف في الكثير من الأدبيات وخاصة العراقية آنذاك، بالتحالف الأمريكي-الأطلسي. ذلك التحالف الذي حرص ولأكثر من عقد من الزمن على تعقيد الحياة أمام العراقيين بالحرص على إغلاق المنافذ أمامهم للخروج من الحصار القاسي الذي فرض أمريكياً وأوروبياً وتحت قبة الأمم المتحدة.
الأطلسي أمام الاختبار
لكن الأطلسي الذي وسع مهماته كثيراً في ظل الهيمنة الأمريكية تعرض لأخطر اختبار بفعل المسألة العراقية، وصف بأنه أخطر ما واجهه الحلف منذ تأسيسه في عام 1949، عندما وضع الحلف أمام مفترق طرق، وانقسمت دوله بين معسكر تقوده الولايات المتحدة يدعو إلى الحسم العسكري في الشأن العراقي ويستعجله، والمعسكر الآخر الذي ضم مجموعة من الدول تتقدمها فرنسا وألمانيا وبلجيكا، يدعو إلى إعطاء الدبلوماسية وقتاً أطول.
شهدت فترة الحرب الباردة تنافساً أمريكياً سوفييتياً لإيجاد موطئ قدم في العراق
وتركز جوهر الخلاف آنذاك بين طروحات الولايات المتحدة التي تستعجل الحسم العسكري وطروحات تقودها فرنسا وألمانيا وتتمسك بها بلجيكا من أجل استنفاد كافة جهود المفتشين الدوليين قبل اتخاذ قرار استخدام القوة ضد العراق. وأدت هذه المشكلة إلى العودة إلى الطروحات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة والتي أثارت جدلاً واسعاً حول دور حلف شمال الأطلسي بعد انتهاء الصراع مع المعسكر الاشتراكي. كما عاد الحديث عن تشكيل قوة دفاع أوروبية تقوم بمهام حفظ السلام مستندة إلى الشرعية الدولية، في وقت عملت الولايات المتحدة على استخدام الحلف ضمن آليات سياستها الخارجية. وأرادت للحلف أن يكون ذا دور فاعل في الأزمة العراقية، وحرصت على تذكير الأوروبيين بالدور الذي قام به الحلف في أزمة البلقان وكيف أنه حقق الاستقرار لأوروبا، بينما رأت دول الأطلسي الأوروبية في أزمة البلقان شأناً أوروبياً يدخل ضمن اختصاصات الحلف وفي نطاق عمله الجغرافي.
وفي تلك المرحلة جوبهت الولايات المتحدة بإرجاء الحلف لطلباتها في الحصول على دعم لوجستي في الحرب على العراق، بسبب عدم تحقق الإجماع بين دول الحلف، كما تم رفض طلبها بتقديم الحلف الحماية لتركيا عبر توسيع أنظمة الإنذار المبكر، ونشاط طائرات (الأواكس) وملء الفراغ الناجم عن حركة الأساطيل الأمريكية نحو مياه الخليج العربي.
ورغم خطورة الشرخ الذي حدث آنذاك فإن الكثير من المراقبين توقعوا ألا يفضي التباين في المواقف إلى شق الحلف أو إلى قطيعة بين دوله. وذلك ما حدث فعلاً.
أوروبا تعيد النظر
إن ما حدث على أرض الواقع أن الولايات المتحدة لم تستسلم، ووضعت دوراً للأطلسي في خططها لما بعد انتهاء المعارك الحربية تحت دعاوى حفظ السلام، وسرعان ما بدأت عملية إعادة النظر عندما وجد المعارضون لعملية احتلال العراق أنها أنجزت بسرعة، وأن الدولة العراقية انهارت، وأصبحت جيوش الولايات المتحدة وحلفاؤها على الأرض.
وكانت الخطوة الأولى تتمثل في إعادة بناء موقف الحلف عبر تكليف الحلف بمهام حفظ السلام في أفغانستان وهو القرار الذي وافق عليه أعضاء الحلف التسعة عشر بالإجماع، لتتشكل قوة إيساف وتضم عسكريين من العديد من دول الحلف في مقدمتهم بريطانيا.
من جانب آخر فإن تحولات سياسية حدثت في دول أوروبا عززت موقف الولايات المتحدة، وسمحت بتنشيط دور الحلف، وخاصة في ألمانيا وفرنسا، وكان وصول نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة في فرنسا نقطة تحول كبيرة في دور فرنسا، حيث أنهى المقاطعة العسكرية الفرنسية التي امتدت منذ عام 1967 في عهد الجنرال شارل ديغول.
أما بشأن العراق فإن التردد الذي أبدته دول الأطلسي الأوروبية وخاصة فرنسا تبدد أمام الخشية من الحرمان من عقود إعادة إعمار العراق، فكانت الطروحات الخجولة المعبرة عن التراجع تتمثل في المطالبة بدور أكبر للأمم المتحدة في العراق وفي متابعة عملية إعادة الإعمار، وهي مطالب لم تتابع بإلحاح.
من هنا طرحت علناً مسألة مساهمة قوات حلف الأطلسي في العراق بفاعلية، لكن للقيام بمهام تدريب وتسليح الجيش والشرطة العراقية، وسرعان ما تم الإعلان عن وصول فريقيضم 57ضابطاً من الحلف لتدريب قوات الأمن العراقية، وأعلن الجنرال كاريل هيلدرينك قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أغسطس2004 أن (هذه مهمة تنفذ على المدى الطويل، ما يعني أنها مصممة على تلبية الاحتياجات وتنفيذ قرارات سلطات التحالف، وستوسع المهمة على الأرجح في المستقبل للوفاء باحتياجات الحكومة العراقية المؤقتة).
وقال هيلدرينك، وهو هولندي، إن البعثة التي تشمل ضباطاً من 12 دولة وتعمل تحت قيادة الحلف، ستعد تقريراً وتقدمه لمقر الحلف لتقييم ما إذا كانت هناك حاجة لإرسال مزيد من المدربين والمعدات. لكن هذه القوة سرعان ما زيدت إلى 300 عسكري، وتصاعد الرقم ليصل حسب بعض المصادر إلى ثلاثة آلاف عنصر. وحسب ما يورده الحلف على موقعه الإلكتروني، فإن مهمّة بعثة حلف شمال الأطلسي التدريبية في العراق تتضمن تدريباً وإشرافاً وتقديم الاستشارات لضباط قوّات الأمن العراقية، حيث إن ضباط مهمّة البعثة التدريبية يقدمون الإرشادات لمركز العمليات الوطني لرئيس الوزراء العراقي، ومركز قيادة وزارة الداخلية ومركز عمليات وزارة الدفاع المشترك؛ كما أنها تقوم أيضاً بدعم جامعة الدفاع الوطني العراقية وكلية الدفاع الوطني ومعهد دراسات الدفاع الاستراتيجي. وتمتدّ مشاريع التعاون لحلف شمال الأطلسي في العراق إلى خارج العراق على شكل إلحاق العراقيين بدورات تدريبية في مدارس الحلف؛ فضلاً عن التدريب في داخل العراق مثل تدريب الشرطة الوطنية العراقية في مقر تدريب شرطة الكارايبينيري ومعسكر الرستميّة وأكاديمية الجيش العراقي وكلية الأركان المشتركة وكليّة القيادة.
لقد عملت قوات الأطلسي تحت المظلة الأمريكية طوال السنوات الماضية، لكن قرار الإدارة الأمريكية بالانسحاب من العراق ابتداء من عام 2009 حتى عام 2011 طرح مسألة الضمانات المطلوبة لعمل قوات الأطلسي في المرحلة اللاحقة، لذلك فقد تم عقد اتفاقية بين الحكومة العراقية ومنظمة حلف شمال الأطلسي وتم التوقيع عليها في يوليو 2009.
وأوضح الناطق باسم الحكومة العراقية أن مهام بعثة الناتو للتدريب في العراق هي تقديم المساعدة لمؤسسات تدريب قوات الأمن العراقية في التدريب والاستشارة والدعم لما يكفل ويساعد على بناء قوات أمن عراقية فعالة والمساعدة على تطوير تدريب قوات الأمن العراقية في قيادة التدريب والعقيدة العسكرية مع وضع مبادىء التعليم العسكري المهني والمتخصص وتطوير (تدريب المدرب) ومهارات القيادة لقوات الأمن مع تطوير نظم التدريب وقابليات ومهارات فرق الاستشاريين ووضع مبادىء التدريب المتخصص لمديرية قوات الحدود والشرطة الوطنية العراقية ودعم تعليم اللغة الانكليزية ومعهد الدفاع لتعليم اللغات.
وضمنت هذه الاتفاقية عدم خضوع العاملين ضمن هذه القوات إلى القضاء العراقي إلا في حالات محددة وبما يشبه الضمانات التي وردت في الاتفاقية المعقودة بين العراق والولايات المتحدة في أواخر عام 2008.
إن مسيرة العلاقة بين الأطلسي والعراق تؤشر محطات عدة، كان العراق في أولها قريباً من التصور الأطلسي ومن سياسة الأحلاف، وفي الثانية ابتعد كثيراً بل جاهر بمناهضته للحلف، حتى وصل إلى مرحلة العداء الصريح في التسعينات. ومن المفارقات أن العراق دعا في ديسمبر 1999 الحكومة الصربية- التي كانت تخضع للحصار آنذاك- للتضامن معه في الاقتراح الذي عرضه لإنشاء مجموعة دولية تضم الدول التي تعاني ضغوطاً أمريكية لمواجهة انعدام التوازن في العالم بفعل الهيمنة الأمريكية، بينما شهد عام 2009 توقيع أضخم عقد لتوريد السلاح من صربيا إلى العراق بقيمة 100 مليون دولار، مما عدّ حدثاً ذا مغزى يشير إلى التحسن الواضح في العلاقات بين صربيا والولايات المتحدة.
وفي الجانب الآخر ظهرت دعوات من داخل أوساط سياسية عراقية في مقدمتها رئيس الجمهورية جلال الطالباني لانضمام العراق إلى حلف شمال الأطلسي لكي يحظى بالحماية، وأن تكون قوات الأطلسي بديلاً عن القوات الأمريكية في حال انسحابها من العراق، لكي يأمن العراق من أطماع جيرانه ولضمان عدم حصول فراغ أمني.
وأياً كانت طبيعة العلاقة بين العراق ومنظمة حلف شمال الأطلسي فإنها ستكون محكومة بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة بالدرجة الأولى إذ إن مسيرة العلاقة وعلى مدى عقود من الزمن تؤكد أن الأطلسي ما زال يتبع توجهات السياسة الأمريكية، وأن الدور الأوروبي على أهميته لن يكون إلا مكملاً لهذه التوجهات وداعماً لها أملاً في الحصول على امتيازات واستثمارات أكبر. بينما يدخل العراق في المعادلة الأمريكية الأطلسية ضمن حزمة من المقتربات تتقدمها السيطرة على مصادر الطاقة والمشروع الشرق أوسطي والمشروع الأمني الأطلسي في منطقة الخليج العربي وملف العلاقات الأطلسية-الإيرانية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1036::/cck::
::introtext::
عندما أنشئ حلف شمال الأطلسي في أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، كان ذلك الحدث إيذاناً ببدء مسيرة سياسة الأحلاف التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية، وحاولت من خلالها بناء سياج أمني مترامي الأطراف لحماية مصالحها وتحقيق حلم الهيمنة الذي أجهضته الحرب الباردة بتداعياتها وصراعاتها التي شملت أغلب بقاع العالم.
::/introtext::
::fulltext::
عندما أنشئ حلف شمال الأطلسي في أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، كان ذلك الحدث إيذاناً ببدء مسيرة سياسة الأحلاف التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية، وحاولت من خلالها بناء سياج أمني مترامي الأطراف لحماية مصالحها وتحقيق حلم الهيمنة الذي أجهضته الحرب الباردة بتداعياتها وصراعاتها التي شملت أغلب بقاع العالم.
أياً كانت طبيعة العلاقة بين العراق وحلف الأطلسي فإنها ستكون محكومة بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة بالدرجة الأولى
كانت حصة العراق في تلك المرحلة أن أصبح جزءاً من تلك السياسة بفعل السيطرة البريطانية على القرار السياسي آنذاك، إبان فترة الحكم الملكي، وكان حلف بغداد هو المقترب الذي أريد للعراق أن يندمج من خلاله في سياسة الأحلاف الأمريكية الواسعة. فكان تأسيس حلف بغداد بقيادة بريطانية وبمشاركة تركيا وإيران وباكستان إلى جانب العراق، لكن برعاية أمريكية مباشرة، ثم جاء الارتباط الأمريكي على مراحل عبر الانضمام إلى اللجنة الاقتصادية في أواخر عام 1956، ثم إلى اللجنة العسكرية في عام 1957، ووصلت عملية التسليح الأمريكي للعراق إلى أعلى مستوياتها بعد قبول الحكومة العراقية بمشروع الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور لملء الفراغ في منطقة الشرق الأوسط. وكان مقرراً إعلان انضمامها إلى الحلف بشكل رسمي إلا أن تغيير النظام في العراق في 14 يوليو 1958 أدى إلى خروج العراق من الحلف وتقلص نشاطه، بينما عقدت الولايات المتحدة معاهدات ثنائية مع تركيا وإيران لتكون بديلاً عن ارتباطها معهما في الحلف، الذي أصبح يسمى حلف المعاهدة المركزية.
العراق في الطرف الآخر
وفي المرحلة اللاحقة بدا كأن العراق أصبح في الطرف الآخر من المعادلة الأمنية الأمريكية، حيث شهدت فترة الحرب الباردة تنافساً أمريكياً سوفييتياً لإيجاد موطئ قدم في العراق، ويبدو أن المخططين الأمريكيين عدّوا العراق بعد عام 1958 ضمن منطقة نفوذ الاتحاد السوفييتي، خاصة بعد قيام تعاون تسليحي واسع بين الطرفين، وكانت الولايات المتحدة تخوض صراعاً مع الاتحاد السوفييتي للسيطرة على منابع النفط في الخليج إثر انسحاب بريطانيا من المنطقة في عام 1971. كما أن إعلان حزب البعث بعد توليه السلطة عام 1968 عن سياسة مناهضة للغرب عموماً زاد من تدهور العلاقات العراقية – الأمريكية، والأطلسية إلى حد كبير.
وما إن انتهت الحرب الباردة وخرج الاتحاد السوفييتي من معادلة التوازن في المنطقة، حتى قررت الولايات المتحدة وعلى لسان الرئيس الأسبق جورج بوش الأب (1989-1993) أن نظاماً دولياً جديداً في الطريق إلى تولي مهمة إحلال (القانون والعدالة) في العالم. ولم يتردد بالتأكيد على أن الولايات المتحدة هي التي ستقود عملية التغيير نحو النظام الجديد.

وكان تحشيد الجيوش والعدوان على العراق أول إنجازات النظام الدولي الجديد والذي أسهمت فيه دول حلف شمال الأطلسي بدور كبير، حتى كان يوصف في الكثير من الأدبيات وخاصة العراقية آنذاك، بالتحالف الأمريكي-الأطلسي. ذلك التحالف الذي حرص ولأكثر من عقد من الزمن على تعقيد الحياة أمام العراقيين بالحرص على إغلاق المنافذ أمامهم للخروج من الحصار القاسي الذي فرض أمريكياً وأوروبياً وتحت قبة الأمم المتحدة.
الأطلسي أمام الاختبار
لكن الأطلسي الذي وسع مهماته كثيراً في ظل الهيمنة الأمريكية تعرض لأخطر اختبار بفعل المسألة العراقية، وصف بأنه أخطر ما واجهه الحلف منذ تأسيسه في عام 1949، عندما وضع الحلف أمام مفترق طرق، وانقسمت دوله بين معسكر تقوده الولايات المتحدة يدعو إلى الحسم العسكري في الشأن العراقي ويستعجله، والمعسكر الآخر الذي ضم مجموعة من الدول تتقدمها فرنسا وألمانيا وبلجيكا، يدعو إلى إعطاء الدبلوماسية وقتاً أطول.
شهدت فترة الحرب الباردة تنافساً أمريكياً سوفييتياً لإيجاد موطئ قدم في العراق
وتركز جوهر الخلاف آنذاك بين طروحات الولايات المتحدة التي تستعجل الحسم العسكري وطروحات تقودها فرنسا وألمانيا وتتمسك بها بلجيكا من أجل استنفاد كافة جهود المفتشين الدوليين قبل اتخاذ قرار استخدام القوة ضد العراق. وأدت هذه المشكلة إلى العودة إلى الطروحات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة والتي أثارت جدلاً واسعاً حول دور حلف شمال الأطلسي بعد انتهاء الصراع مع المعسكر الاشتراكي. كما عاد الحديث عن تشكيل قوة دفاع أوروبية تقوم بمهام حفظ السلام مستندة إلى الشرعية الدولية، في وقت عملت الولايات المتحدة على استخدام الحلف ضمن آليات سياستها الخارجية. وأرادت للحلف أن يكون ذا دور فاعل في الأزمة العراقية، وحرصت على تذكير الأوروبيين بالدور الذي قام به الحلف في أزمة البلقان وكيف أنه حقق الاستقرار لأوروبا، بينما رأت دول الأطلسي الأوروبية في أزمة البلقان شأناً أوروبياً يدخل ضمن اختصاصات الحلف وفي نطاق عمله الجغرافي.
وفي تلك المرحلة جوبهت الولايات المتحدة بإرجاء الحلف لطلباتها في الحصول على دعم لوجستي في الحرب على العراق، بسبب عدم تحقق الإجماع بين دول الحلف، كما تم رفض طلبها بتقديم الحلف الحماية لتركيا عبر توسيع أنظمة الإنذار المبكر، ونشاط طائرات (الأواكس) وملء الفراغ الناجم عن حركة الأساطيل الأمريكية نحو مياه الخليج العربي.
ورغم خطورة الشرخ الذي حدث آنذاك فإن الكثير من المراقبين توقعوا ألا يفضي التباين في المواقف إلى شق الحلف أو إلى قطيعة بين دوله. وذلك ما حدث فعلاً.
أوروبا تعيد النظر
إن ما حدث على أرض الواقع أن الولايات المتحدة لم تستسلم، ووضعت دوراً للأطلسي في خططها لما بعد انتهاء المعارك الحربية تحت دعاوى حفظ السلام، وسرعان ما بدأت عملية إعادة النظر عندما وجد المعارضون لعملية احتلال العراق أنها أنجزت بسرعة، وأن الدولة العراقية انهارت، وأصبحت جيوش الولايات المتحدة وحلفاؤها على الأرض.
وكانت الخطوة الأولى تتمثل في إعادة بناء موقف الحلف عبر تكليف الحلف بمهام حفظ السلام في أفغانستان وهو القرار الذي وافق عليه أعضاء الحلف التسعة عشر بالإجماع، لتتشكل قوة إيساف وتضم عسكريين من العديد من دول الحلف في مقدمتهم بريطانيا.
من جانب آخر فإن تحولات سياسية حدثت في دول أوروبا عززت موقف الولايات المتحدة، وسمحت بتنشيط دور الحلف، وخاصة في ألمانيا وفرنسا، وكان وصول نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة في فرنسا نقطة تحول كبيرة في دور فرنسا، حيث أنهى المقاطعة العسكرية الفرنسية التي امتدت منذ عام 1967 في عهد الجنرال شارل ديغول.
أما بشأن العراق فإن التردد الذي أبدته دول الأطلسي الأوروبية وخاصة فرنسا تبدد أمام الخشية من الحرمان من عقود إعادة إعمار العراق، فكانت الطروحات الخجولة المعبرة عن التراجع تتمثل في المطالبة بدور أكبر للأمم المتحدة في العراق وفي متابعة عملية إعادة الإعمار، وهي مطالب لم تتابع بإلحاح.
من هنا طرحت علناً مسألة مساهمة قوات حلف الأطلسي في العراق بفاعلية، لكن للقيام بمهام تدريب وتسليح الجيش والشرطة العراقية، وسرعان ما تم الإعلان عن وصول فريقيضم 57ضابطاً من الحلف لتدريب قوات الأمن العراقية، وأعلن الجنرال كاريل هيلدرينك قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أغسطس2004 أن (هذه مهمة تنفذ على المدى الطويل، ما يعني أنها مصممة على تلبية الاحتياجات وتنفيذ قرارات سلطات التحالف، وستوسع المهمة على الأرجح في المستقبل للوفاء باحتياجات الحكومة العراقية المؤقتة).
وقال هيلدرينك، وهو هولندي، إن البعثة التي تشمل ضباطاً من 12 دولة وتعمل تحت قيادة الحلف، ستعد تقريراً وتقدمه لمقر الحلف لتقييم ما إذا كانت هناك حاجة لإرسال مزيد من المدربين والمعدات. لكن هذه القوة سرعان ما زيدت إلى 300 عسكري، وتصاعد الرقم ليصل حسب بعض المصادر إلى ثلاثة آلاف عنصر. وحسب ما يورده الحلف على موقعه الإلكتروني، فإن مهمّة بعثة حلف شمال الأطلسي التدريبية في العراق تتضمن تدريباً وإشرافاً وتقديم الاستشارات لضباط قوّات الأمن العراقية، حيث إن ضباط مهمّة البعثة التدريبية يقدمون الإرشادات لمركز العمليات الوطني لرئيس الوزراء العراقي، ومركز قيادة وزارة الداخلية ومركز عمليات وزارة الدفاع المشترك؛ كما أنها تقوم أيضاً بدعم جامعة الدفاع الوطني العراقية وكلية الدفاع الوطني ومعهد دراسات الدفاع الاستراتيجي. وتمتدّ مشاريع التعاون لحلف شمال الأطلسي في العراق إلى خارج العراق على شكل إلحاق العراقيين بدورات تدريبية في مدارس الحلف؛ فضلاً عن التدريب في داخل العراق مثل تدريب الشرطة الوطنية العراقية في مقر تدريب شرطة الكارايبينيري ومعسكر الرستميّة وأكاديمية الجيش العراقي وكلية الأركان المشتركة وكليّة القيادة.
لقد عملت قوات الأطلسي تحت المظلة الأمريكية طوال السنوات الماضية، لكن قرار الإدارة الأمريكية بالانسحاب من العراق ابتداء من عام 2009 حتى عام 2011 طرح مسألة الضمانات المطلوبة لعمل قوات الأطلسي في المرحلة اللاحقة، لذلك فقد تم عقد اتفاقية بين الحكومة العراقية ومنظمة حلف شمال الأطلسي وتم التوقيع عليها في يوليو 2009.
وأوضح الناطق باسم الحكومة العراقية أن مهام بعثة الناتو للتدريب في العراق هي تقديم المساعدة لمؤسسات تدريب قوات الأمن العراقية في التدريب والاستشارة والدعم لما يكفل ويساعد على بناء قوات أمن عراقية فعالة والمساعدة على تطوير تدريب قوات الأمن العراقية في قيادة التدريب والعقيدة العسكرية مع وضع مبادىء التعليم العسكري المهني والمتخصص وتطوير (تدريب المدرب) ومهارات القيادة لقوات الأمن مع تطوير نظم التدريب وقابليات ومهارات فرق الاستشاريين ووضع مبادىء التدريب المتخصص لمديرية قوات الحدود والشرطة الوطنية العراقية ودعم تعليم اللغة الانكليزية ومعهد الدفاع لتعليم اللغات.
وضمنت هذه الاتفاقية عدم خضوع العاملين ضمن هذه القوات إلى القضاء العراقي إلا في حالات محددة وبما يشبه الضمانات التي وردت في الاتفاقية المعقودة بين العراق والولايات المتحدة في أواخر عام 2008.
إن مسيرة العلاقة بين الأطلسي والعراق تؤشر محطات عدة، كان العراق في أولها قريباً من التصور الأطلسي ومن سياسة الأحلاف، وفي الثانية ابتعد كثيراً بل جاهر بمناهضته للحلف، حتى وصل إلى مرحلة العداء الصريح في التسعينات. ومن المفارقات أن العراق دعا في ديسمبر 1999 الحكومة الصربية- التي كانت تخضع للحصار آنذاك- للتضامن معه في الاقتراح الذي عرضه لإنشاء مجموعة دولية تضم الدول التي تعاني ضغوطاً أمريكية لمواجهة انعدام التوازن في العالم بفعل الهيمنة الأمريكية، بينما شهد عام 2009 توقيع أضخم عقد لتوريد السلاح من صربيا إلى العراق بقيمة 100 مليون دولار، مما عدّ حدثاً ذا مغزى يشير إلى التحسن الواضح في العلاقات بين صربيا والولايات المتحدة.
وفي الجانب الآخر ظهرت دعوات من داخل أوساط سياسية عراقية في مقدمتها رئيس الجمهورية جلال الطالباني لانضمام العراق إلى حلف شمال الأطلسي لكي يحظى بالحماية، وأن تكون قوات الأطلسي بديلاً عن القوات الأمريكية في حال انسحابها من العراق، لكي يأمن العراق من أطماع جيرانه ولضمان عدم حصول فراغ أمني.
وأياً كانت طبيعة العلاقة بين العراق ومنظمة حلف شمال الأطلسي فإنها ستكون محكومة بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة بالدرجة الأولى إذ إن مسيرة العلاقة وعلى مدى عقود من الزمن تؤكد أن الأطلسي ما زال يتبع توجهات السياسة الأمريكية، وأن الدور الأوروبي على أهميته لن يكون إلا مكملاً لهذه التوجهات وداعماً لها أملاً في الحصول على امتيازات واستثمارات أكبر. بينما يدخل العراق في المعادلة الأمريكية الأطلسية ضمن حزمة من المقتربات تتقدمها السيطرة على مصادر الطاقة والمشروع الشرق أوسطي والمشروع الأمني الأطلسي في منطقة الخليج العربي وملف العلاقات الأطلسية-الإيرانية.
::/fulltext::
::cck::1036::/cck::
