الأنموذج الاقتصادي الخليجي التكاملي: رؤية وتحليل
::cck::1048::/cck::
::introtext::
لعل المخطط الذي قدمه عالم الأنثروبولوجيا لويس مورجان حول الخط التطوري الذي مر به الإنسان من الأنظمة الاجتماعية البدائية إلى النظام الأكثر وضوحاً، وهو العشيرة، ثم إلى نمط تنظيمي أكثر تعقيداً وهو الدولة، يفسر في أحد جوانبه حالة التطور الاقتصادي المادي، الذي كان مرافقاً لكل حقبة من تلك الحقبات، ضمن خط تطوري متوازٍ مع تنظيم اجتماعي وسياسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن ظهور التطور التكنولوجي، يكون بآلية أكثر تميزاً ولمساً وسرعة.
::/introtext::
::fulltext::
لعل المخطط الذي قدمه عالم الأنثروبولوجيا لويس مورجان حول الخط التطوري الذي مر به الإنسان من الأنظمة الاجتماعية البدائية إلى النظام الأكثر وضوحاً، وهو العشيرة، ثم إلى نمط تنظيمي أكثر تعقيداً وهو الدولة، يفسر في أحد جوانبه حالة التطور الاقتصادي المادي، الذي كان مرافقاً لكل حقبة من تلك الحقبات، ضمن خط تطوري متوازٍ مع تنظيم اجتماعي وسياسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن ظهور التطور التكنولوجي، يكون بآلية أكثر تميزاً ولمساً وسرعة.
وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لمثل هذا التصور، إلا أنه يعبر من حيث الأصل عن تراكم تطوري تنظيمي ـ إن صح التعبير ـ ضمن تنظير واضح على مستوى وضوح حقبات التطور الاقتصادي للإنسان، من استعمال يده في التقاط طعامه إلى استخدام تكنولوجيا متطورة كذراع لتحقيق أوجه مقبولة ومميزة من الإنجاز المادي، الذي يخدم ويحقق حاجاته، وإذا كان هذا الاتجاه يعتمد على التخمين في تفسير ذلك، فإنه بلا شك، لا ينطبق بشكل دقيق مع حالات تطورية في مجتمعات أخرى، كالمجتمع العربي، ومنهم المجتمع الخليجي، الذي مر، وبشكل واضح، في نظم اجتماعية متمثلة في عصورها القريبة من القبيلة إلى الدولة.
الاقتصاد الخليجي قائم على إنتاج البترول بشكل أساسي وهي مسألة تحتاج إلى طرح جديد
وإذا قلنا إن انتقال المجتمعات الخليجية يقع ضمن هذا التصور الأخير، فإن ظهور الدولة الخليجية مع اكتشاف النفط، أصبحت أكثر عصرية وعقلانية، وسط عالم متشابك المصالح والنوايا، ولاسيما عندما يحركها صراع اقتصادي ومصالح متباينة، الأمر الذي يتطلب نظاماً اقتصادياً خليجياً تكاملياً، يؤخذ بنظر الاعتبار التطورات السياسية الإقليمية والدولية، قافزاً على الرؤى المحلية والاختلافات المفاهيمية والتوجهات السياسية، إزاء هذا الأمر أو ذاك، لكي يؤسس النظام الخليجي السياسي والاقتصادي توازناً فريداً، يمكن المحافظة من خلاله على مكانة الدولة الخليجية المرموقة على الساحة الدولية، ولكي يكون هناك استمرار متفاعل مع الواقع الثقافي، لابد من إيجاد صيغة جديدة من التنظيم الاقتصادي، يأخذ بنظر الاعتبار قضية التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية العربية، ليوفر ليس متطلبات وحاجات الإنسان الخليجي المعاصر، وإنما ليضمن حاجات الأجيال القادمة، وليصبح هذا النموذج بمثابة قطب اقتصادي جديد، يظهر إلى الساحة الإقليمية، ويكون له القدرة على التفاعل مع مقتضيات الاقتصاد العالمي، سواء في عملية إنتاج وتوفير السلع، أي ظهور جماعة المنتجين، مع قدرة الدولة على المحافظة على حركة السوق، وحماية الملكيات الخاصة، واستقرار العملة النقدية بعد توحيدها بآلية اقتصادية متفاعلة، وهذا ما ترمي إليه النظم الخليجية ضمن توجهها نحو السوق الخليجية المشتركة.
أولاً: الرؤى السياسية وبناء الاقتصاد
إن فهم طبيعة النظرية السياسية في التنظيم الثقافي للمجتمع الخليجي، تعطينا تصوراً متقارباً في فهم مرتكزاته الأساسية، لاسيما من خلال المشتركات الثقافية والاجتماعية، التي ينبغي عليها أن تطرح تصوراً جديداً لبناء اقتصاد خليجي تكاملي، قادر على الوقوف في وجه الأزمات التي يتعرض لها الاقتصاد الدولي، لاسيما وأن الاقتصاد الخليجي قائم على إنتاج البترول بشكل أساسي، وهي مسألة تحتاج إلى طرح جديد، وبلورة مفاهيم الإطار السياسي القادر على تقديم النموذج الاقتصادي الذي هو بكل تأكيد، يعبر عن مضمون النظرية السياسية التي يؤمن بها النظام السياسي الخليجي، والذي يكون من خلاله قادراً على فهم المتغيرات المحلية والإقليمية، لأن الاقتصاد هو الحقل العلمي الذي يتعامل بلغة الأرقام، وبصيغ المادية التي يكون لها باع طويل في التحكم بالواقع.
وعليه فمن دون برنامج اقتصادي تكاملي، سوف لا يكون لهذه السياسات المتبعة تأثيرها الفاعل في المجالين الإقليمي والدولي، لاسيما وأن الحالة التطورية التي مرت بها منطقة الخليج تعكس نموذجاً جديداً في تاريخ تكوين الدولة، من حيث سرعة التكوين وفاعلية الاقتصاد الداعم لهذه الدولة، الأمر الذي يستدعي قيام وحدة اقتصادية خليجية، وهي في الأصل متوافرة الشروط، أكثر من أي حالة أخرى على الكرة الأرضية، لاسيما عندما ننظر إلى هذه الشروط وفق مقوماتها الثقافية، خلال حقب التاريخ التي مرت بها هذه المنطقة، وعليه فإن صياغة مرتكزات النظام الاقتصادي، وفق رؤى سياسية تعدها نماذج متميزة لا تكون مصادفة، إنما تكمن في قدرة هذه النماذج القيادية البارزة على التحكم في النشاطات الاقتصادية لأن صيرورة ومرتكزات النظام الاقتصادي الحديث ترتبط بنمط الملكية السائدة، واستقرار النقد، وبالتالي استقرار السوق لاسيما فيما يتصل بالقدرة على الاستمرار لخدمة صيرورة هذا النظام، وجعله فاعلاً، وبكل تأكيد سوف لا يكون ذلك خارج أطر التفاعل الاجتماعي بين الناس، المتمثل بالسلوك الاقتصادي المعبر عنه في جزئيات النظام الاقتصادي نفسه، لكن الذي يجعل هذا النظام تحت السيطرة، هي قدرة وفاعلية النماذج السياسية السائدة في نظام الدولة الخليجية على تحريك وبلورة هذا التوجه الاقتصادي والتحكم في حركة السوق وتوجيهه وفق آليات محددة، معتمداً على استقرار العملة وتأمين المشاريع والملكيات الخاصة، وإن فعل ذلك يأتي من خلال نظم سياسية متماسكة، لها القدرة الفائقة في تشريع وسن القوانين اللازمة لحركة السوق، وتأمين الملكيات الخاصة الداعمة للنظام الاقتصادي الخليجي.
والشيء الذي يدعم هذا الاقتصاد هو قدرة الدولة على المسك بخيوطه المختلفة، ولاسيما في مجال الخدمات وتحقيق مستلزمات الأمن الاجتماعي في المجتمع بشكل عام، ولا شك أن اتباع الرؤى السياسية الحديثة في إدارة الدولة، يتطلب التجرد العلمي في توجيه العمل السياسي والسمو به فوق التداعيات المعرقلة لها، لاسيما ما يتصل منها بالتزامات النظم القرابية أو القبلية، وربما تأثير بعض المؤثرات الدينية والاجتماعية ذات الصبغة الشعبية والناقضة للصيغة العقلانية التي تميز المعاملات الاقتصادية في النظام الإسلامي الذي ينبغي النظر إليه كطريقة لحل مشكلات اقتصادية قد تنشأ في محيط المجتمع، ولا يكون ذلك متقاطعاً مع رؤى علمانية أخذت تظهر على الساحة السياسية الخليجية، وارتباطها بفلك السياسة الدولية القائمة على الاقتصاد الحر، والذي نريد قوله في هذا المجال إن عقلانية السياسة الخليجية ينبغي أن تسير وفق بناء النموذج الاقتصادي التكاملي المميز، الذي يقوم على أساس البنى الاجتماعية والثقافية التي تعكس حالة تشابه النشاط الاقتصادي، الذي عماده صناعة النفط، بحيث يكون النظام السياسي الخليجي متصفاً بمميزاته العقلانية، وهو الذي يشكل اليوم الدولة العصرية على ضوء النظرية السياسية، ليكون لهذا النموذج اختباره على الأرض في القدرة على بلورة النظام الاقتصادي التكاملي، القائم على هذه الرؤية وليس على رؤية شخصية أو ردود فعل تجاه خلافات محلية أو ثنائية ليأخذ بنظر الاعتبار مستقبل الأجيال القادمة ضمن خطة استراتيجية تعتمد في هذا المجال.
ثانياً: الفعل الاقتصادي والسياسي
يرى الكثيرون أن الاقتصاد هو القوة القادرة على تحقيق الوحدة السياسية لدول مثل دول الخليج العربية بخصائصها الثقافية المتقاربة، وقد حصل مثل هذا الأمر مع أوروبا المتباينة في منظور تاريخها السياسي القديم، فالاقتصاد ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الطريق إلى المنهج الذي قرب المسافات وأزاح العداوات والأحقاد بين الأوروبيين، ليصبح الاتحاد الأوروبي حقيقة ماثلة للسياسة الدولية عماده الأول الاقتصاد، وإذا كانت أوروبا قد دفعها الاقتصاد إلى ذلك، فإن بروز وفاعلية العوامل الاقتصادية في المنطقة الخليجية هي أكثر قرباً إلى تحقيق الاتحاد أو الوحدة الخليجية بإجراءات عملية، ابتداءً من توحيد العملة، وحرية التنقل والتملك وبلورة مواقف اقتصادية مشتركة، ضمن رؤية سياسية موحدة إزاء حيثيات الاقتصاد المحلي أو الإقليمي أو الدولي، لاسيما وأن بناء دولة المؤسسات والأخذ بالارتقاء بهذه المنطقة يعد عاملاً أساسياً في تحقيق ذلك في حاضر مجتمعاتها وإزاء مستقبلها، إذ إن هذه المنطقة محاطة بقوى متصارعة لها تداعيات دولية، وتحركها أطماع عالمية وإقليمية للسيطرة على منابع النفط، والاستيلاء على المواقع الاستراتيجية بالممرات الحيوية التي تميز إيكولوجية المنطقة، ولا شك أن بناء مثل هذا النموذج (النموذج الاقتصادي التكاملي) لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن الحاجة الفعلية للعلم والتكنولوجيا التي بهما تتقارب الرؤى، وتسمو فوق الثقافات المحلية الضيقة التي لم يعد لها مجال في قاموس السياسة المعاصرة بتوجهاتها العقلانية، فلم تعد للخصومات بين الحكام ( على سبيل المثال)، مكان في الأجواء الجديدة، ضمن استراتيجيات أنظمة العولمة، ليأخذ الصراع أبعاده الأصيلة في تحقيق المصالح الإيديولوجية، بدعم اقتصاد قوي قادر على أن يوجه الإيديولوجية نفسها، وقد ذهب زمن ذلك الصراع الشخصي، الذي دفع من جرائه الوطن العربي أثماناً باهظة عندما عبر الصراع في مناطق مختلفة من الأرض العربية عن توجهات الحاكم، وليس عن المؤسسات، وعليه فإن تحقيق النموذج الاقتصادي الخليجي التكاملي يعد ضرورة تطورية في سياق مفاهيم القاموس السياسي الحديث، كي تكون عملية الصراع الاقتصادي قائمة على أساس الدفع نحو التطور وليس نحو الدمار، من خلال شرعنة المنافسة للارتقاء العلمي والتكنولوجي السلمي.
إن عقلانية السياسة الخليجية ينبغي أن تسير وفق بناء النموذج الاقتصادي التكاملي المميز
ثالثاً: الاقتصاد والسياسة عاملان متفاعلان
تبقى مسألة انفتاح الدولة الخليجية على تجارب العالم المتقدم، مسألة حيوية لكي يكون لعلاقة الاقتصاد بالسياسة وبالعكس فعلها على الأرض لبناء النموذج الاقتصادي التكاملي، وهي مسألة تتطلب الخروج من القوقعة المحلية والآراء الشخصية، ليكون العلم هو الذي يمتلك مفاتيح التعامل مع حقائق الواقع الاجتماعي بشقيه الاقتصادي والسياسي، وهكذا أعطي للعامل الاقتصادي الأولوية القصوى في منظور الفلسفة الماركسية، باعتبار أن التاريخ البشري تاريخ صراع طبقي بين الأغنياء والفقراء، ليكون النسق السياسي القائم وفق ذلك، اعتبار الطبقة العاملة هي الأصل الأصيل في بلورة هذا النظام، فهي صاحبة المصلحة الحقيقية فيه، وهو يعاكس ما تقوم عليه الدولة الرأسمالية، التي تجعل من الأجهزة الأمنية والتنظيمات الاجتماعية الرسمية المختلفة الأداة المهمة في خدمة الرأسمالية، وطالما الأمر يتصل بالنموذج الاقتصادي الخليجي، الذي يستمد كثيراً من مقوماته من النظام الرأسمالي، فإن مسألة الانتباه إلى بلورة نموذج اقتصادي تكاملي نابع من الثقافة الخليجية، مع الاستفادة من آليات النظم الاقتصادية الإنسانية، اعتماداً على نتائج التجربة خلال تكوين الدولة الخليجية الحديثة، تعد مسألة في غاية الأهمية لفهم آليات هذا النموذج المتلائم مع حركة تطور المجتمع الخليجي، الذي يبدو أنه في طريقه إلى تشكيل رأسمالية خليجية مميزة، ضمن شروط إنسانية نابعة من طبيعة الثقافة الخليجية نفسها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1048::/cck::
::introtext::
لعل المخطط الذي قدمه عالم الأنثروبولوجيا لويس مورجان حول الخط التطوري الذي مر به الإنسان من الأنظمة الاجتماعية البدائية إلى النظام الأكثر وضوحاً، وهو العشيرة، ثم إلى نمط تنظيمي أكثر تعقيداً وهو الدولة، يفسر في أحد جوانبه حالة التطور الاقتصادي المادي، الذي كان مرافقاً لكل حقبة من تلك الحقبات، ضمن خط تطوري متوازٍ مع تنظيم اجتماعي وسياسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن ظهور التطور التكنولوجي، يكون بآلية أكثر تميزاً ولمساً وسرعة.
::/introtext::
::fulltext::
لعل المخطط الذي قدمه عالم الأنثروبولوجيا لويس مورجان حول الخط التطوري الذي مر به الإنسان من الأنظمة الاجتماعية البدائية إلى النظام الأكثر وضوحاً، وهو العشيرة، ثم إلى نمط تنظيمي أكثر تعقيداً وهو الدولة، يفسر في أحد جوانبه حالة التطور الاقتصادي المادي، الذي كان مرافقاً لكل حقبة من تلك الحقبات، ضمن خط تطوري متوازٍ مع تنظيم اجتماعي وسياسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن ظهور التطور التكنولوجي، يكون بآلية أكثر تميزاً ولمساً وسرعة.
وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لمثل هذا التصور، إلا أنه يعبر من حيث الأصل عن تراكم تطوري تنظيمي ـ إن صح التعبير ـ ضمن تنظير واضح على مستوى وضوح حقبات التطور الاقتصادي للإنسان، من استعمال يده في التقاط طعامه إلى استخدام تكنولوجيا متطورة كذراع لتحقيق أوجه مقبولة ومميزة من الإنجاز المادي، الذي يخدم ويحقق حاجاته، وإذا كان هذا الاتجاه يعتمد على التخمين في تفسير ذلك، فإنه بلا شك، لا ينطبق بشكل دقيق مع حالات تطورية في مجتمعات أخرى، كالمجتمع العربي، ومنهم المجتمع الخليجي، الذي مر، وبشكل واضح، في نظم اجتماعية متمثلة في عصورها القريبة من القبيلة إلى الدولة.
الاقتصاد الخليجي قائم على إنتاج البترول بشكل أساسي وهي مسألة تحتاج إلى طرح جديد
وإذا قلنا إن انتقال المجتمعات الخليجية يقع ضمن هذا التصور الأخير، فإن ظهور الدولة الخليجية مع اكتشاف النفط، أصبحت أكثر عصرية وعقلانية، وسط عالم متشابك المصالح والنوايا، ولاسيما عندما يحركها صراع اقتصادي ومصالح متباينة، الأمر الذي يتطلب نظاماً اقتصادياً خليجياً تكاملياً، يؤخذ بنظر الاعتبار التطورات السياسية الإقليمية والدولية، قافزاً على الرؤى المحلية والاختلافات المفاهيمية والتوجهات السياسية، إزاء هذا الأمر أو ذاك، لكي يؤسس النظام الخليجي السياسي والاقتصادي توازناً فريداً، يمكن المحافظة من خلاله على مكانة الدولة الخليجية المرموقة على الساحة الدولية، ولكي يكون هناك استمرار متفاعل مع الواقع الثقافي، لابد من إيجاد صيغة جديدة من التنظيم الاقتصادي، يأخذ بنظر الاعتبار قضية التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية العربية، ليوفر ليس متطلبات وحاجات الإنسان الخليجي المعاصر، وإنما ليضمن حاجات الأجيال القادمة، وليصبح هذا النموذج بمثابة قطب اقتصادي جديد، يظهر إلى الساحة الإقليمية، ويكون له القدرة على التفاعل مع مقتضيات الاقتصاد العالمي، سواء في عملية إنتاج وتوفير السلع، أي ظهور جماعة المنتجين، مع قدرة الدولة على المحافظة على حركة السوق، وحماية الملكيات الخاصة، واستقرار العملة النقدية بعد توحيدها بآلية اقتصادية متفاعلة، وهذا ما ترمي إليه النظم الخليجية ضمن توجهها نحو السوق الخليجية المشتركة.
أولاً: الرؤى السياسية وبناء الاقتصاد
إن فهم طبيعة النظرية السياسية في التنظيم الثقافي للمجتمع الخليجي، تعطينا تصوراً متقارباً في فهم مرتكزاته الأساسية، لاسيما من خلال المشتركات الثقافية والاجتماعية، التي ينبغي عليها أن تطرح تصوراً جديداً لبناء اقتصاد خليجي تكاملي، قادر على الوقوف في وجه الأزمات التي يتعرض لها الاقتصاد الدولي، لاسيما وأن الاقتصاد الخليجي قائم على إنتاج البترول بشكل أساسي، وهي مسألة تحتاج إلى طرح جديد، وبلورة مفاهيم الإطار السياسي القادر على تقديم النموذج الاقتصادي الذي هو بكل تأكيد، يعبر عن مضمون النظرية السياسية التي يؤمن بها النظام السياسي الخليجي، والذي يكون من خلاله قادراً على فهم المتغيرات المحلية والإقليمية، لأن الاقتصاد هو الحقل العلمي الذي يتعامل بلغة الأرقام، وبصيغ المادية التي يكون لها باع طويل في التحكم بالواقع.
وعليه فمن دون برنامج اقتصادي تكاملي، سوف لا يكون لهذه السياسات المتبعة تأثيرها الفاعل في المجالين الإقليمي والدولي، لاسيما وأن الحالة التطورية التي مرت بها منطقة الخليج تعكس نموذجاً جديداً في تاريخ تكوين الدولة، من حيث سرعة التكوين وفاعلية الاقتصاد الداعم لهذه الدولة، الأمر الذي يستدعي قيام وحدة اقتصادية خليجية، وهي في الأصل متوافرة الشروط، أكثر من أي حالة أخرى على الكرة الأرضية، لاسيما عندما ننظر إلى هذه الشروط وفق مقوماتها الثقافية، خلال حقب التاريخ التي مرت بها هذه المنطقة، وعليه فإن صياغة مرتكزات النظام الاقتصادي، وفق رؤى سياسية تعدها نماذج متميزة لا تكون مصادفة، إنما تكمن في قدرة هذه النماذج القيادية البارزة على التحكم في النشاطات الاقتصادية لأن صيرورة ومرتكزات النظام الاقتصادي الحديث ترتبط بنمط الملكية السائدة، واستقرار النقد، وبالتالي استقرار السوق لاسيما فيما يتصل بالقدرة على الاستمرار لخدمة صيرورة هذا النظام، وجعله فاعلاً، وبكل تأكيد سوف لا يكون ذلك خارج أطر التفاعل الاجتماعي بين الناس، المتمثل بالسلوك الاقتصادي المعبر عنه في جزئيات النظام الاقتصادي نفسه، لكن الذي يجعل هذا النظام تحت السيطرة، هي قدرة وفاعلية النماذج السياسية السائدة في نظام الدولة الخليجية على تحريك وبلورة هذا التوجه الاقتصادي والتحكم في حركة السوق وتوجيهه وفق آليات محددة، معتمداً على استقرار العملة وتأمين المشاريع والملكيات الخاصة، وإن فعل ذلك يأتي من خلال نظم سياسية متماسكة، لها القدرة الفائقة في تشريع وسن القوانين اللازمة لحركة السوق، وتأمين الملكيات الخاصة الداعمة للنظام الاقتصادي الخليجي.
والشيء الذي يدعم هذا الاقتصاد هو قدرة الدولة على المسك بخيوطه المختلفة، ولاسيما في مجال الخدمات وتحقيق مستلزمات الأمن الاجتماعي في المجتمع بشكل عام، ولا شك أن اتباع الرؤى السياسية الحديثة في إدارة الدولة، يتطلب التجرد العلمي في توجيه العمل السياسي والسمو به فوق التداعيات المعرقلة لها، لاسيما ما يتصل منها بالتزامات النظم القرابية أو القبلية، وربما تأثير بعض المؤثرات الدينية والاجتماعية ذات الصبغة الشعبية والناقضة للصيغة العقلانية التي تميز المعاملات الاقتصادية في النظام الإسلامي الذي ينبغي النظر إليه كطريقة لحل مشكلات اقتصادية قد تنشأ في محيط المجتمع، ولا يكون ذلك متقاطعاً مع رؤى علمانية أخذت تظهر على الساحة السياسية الخليجية، وارتباطها بفلك السياسة الدولية القائمة على الاقتصاد الحر، والذي نريد قوله في هذا المجال إن عقلانية السياسة الخليجية ينبغي أن تسير وفق بناء النموذج الاقتصادي التكاملي المميز، الذي يقوم على أساس البنى الاجتماعية والثقافية التي تعكس حالة تشابه النشاط الاقتصادي، الذي عماده صناعة النفط، بحيث يكون النظام السياسي الخليجي متصفاً بمميزاته العقلانية، وهو الذي يشكل اليوم الدولة العصرية على ضوء النظرية السياسية، ليكون لهذا النموذج اختباره على الأرض في القدرة على بلورة النظام الاقتصادي التكاملي، القائم على هذه الرؤية وليس على رؤية شخصية أو ردود فعل تجاه خلافات محلية أو ثنائية ليأخذ بنظر الاعتبار مستقبل الأجيال القادمة ضمن خطة استراتيجية تعتمد في هذا المجال.
ثانياً: الفعل الاقتصادي والسياسي
يرى الكثيرون أن الاقتصاد هو القوة القادرة على تحقيق الوحدة السياسية لدول مثل دول الخليج العربية بخصائصها الثقافية المتقاربة، وقد حصل مثل هذا الأمر مع أوروبا المتباينة في منظور تاريخها السياسي القديم، فالاقتصاد ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الطريق إلى المنهج الذي قرب المسافات وأزاح العداوات والأحقاد بين الأوروبيين، ليصبح الاتحاد الأوروبي حقيقة ماثلة للسياسة الدولية عماده الأول الاقتصاد، وإذا كانت أوروبا قد دفعها الاقتصاد إلى ذلك، فإن بروز وفاعلية العوامل الاقتصادية في المنطقة الخليجية هي أكثر قرباً إلى تحقيق الاتحاد أو الوحدة الخليجية بإجراءات عملية، ابتداءً من توحيد العملة، وحرية التنقل والتملك وبلورة مواقف اقتصادية مشتركة، ضمن رؤية سياسية موحدة إزاء حيثيات الاقتصاد المحلي أو الإقليمي أو الدولي، لاسيما وأن بناء دولة المؤسسات والأخذ بالارتقاء بهذه المنطقة يعد عاملاً أساسياً في تحقيق ذلك في حاضر مجتمعاتها وإزاء مستقبلها، إذ إن هذه المنطقة محاطة بقوى متصارعة لها تداعيات دولية، وتحركها أطماع عالمية وإقليمية للسيطرة على منابع النفط، والاستيلاء على المواقع الاستراتيجية بالممرات الحيوية التي تميز إيكولوجية المنطقة، ولا شك أن بناء مثل هذا النموذج (النموذج الاقتصادي التكاملي) لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن الحاجة الفعلية للعلم والتكنولوجيا التي بهما تتقارب الرؤى، وتسمو فوق الثقافات المحلية الضيقة التي لم يعد لها مجال في قاموس السياسة المعاصرة بتوجهاتها العقلانية، فلم تعد للخصومات بين الحكام ( على سبيل المثال)، مكان في الأجواء الجديدة، ضمن استراتيجيات أنظمة العولمة، ليأخذ الصراع أبعاده الأصيلة في تحقيق المصالح الإيديولوجية، بدعم اقتصاد قوي قادر على أن يوجه الإيديولوجية نفسها، وقد ذهب زمن ذلك الصراع الشخصي، الذي دفع من جرائه الوطن العربي أثماناً باهظة عندما عبر الصراع في مناطق مختلفة من الأرض العربية عن توجهات الحاكم، وليس عن المؤسسات، وعليه فإن تحقيق النموذج الاقتصادي الخليجي التكاملي يعد ضرورة تطورية في سياق مفاهيم القاموس السياسي الحديث، كي تكون عملية الصراع الاقتصادي قائمة على أساس الدفع نحو التطور وليس نحو الدمار، من خلال شرعنة المنافسة للارتقاء العلمي والتكنولوجي السلمي.
إن عقلانية السياسة الخليجية ينبغي أن تسير وفق بناء النموذج الاقتصادي التكاملي المميز
ثالثاً: الاقتصاد والسياسة عاملان متفاعلان
تبقى مسألة انفتاح الدولة الخليجية على تجارب العالم المتقدم، مسألة حيوية لكي يكون لعلاقة الاقتصاد بالسياسة وبالعكس فعلها على الأرض لبناء النموذج الاقتصادي التكاملي، وهي مسألة تتطلب الخروج من القوقعة المحلية والآراء الشخصية، ليكون العلم هو الذي يمتلك مفاتيح التعامل مع حقائق الواقع الاجتماعي بشقيه الاقتصادي والسياسي، وهكذا أعطي للعامل الاقتصادي الأولوية القصوى في منظور الفلسفة الماركسية، باعتبار أن التاريخ البشري تاريخ صراع طبقي بين الأغنياء والفقراء، ليكون النسق السياسي القائم وفق ذلك، اعتبار الطبقة العاملة هي الأصل الأصيل في بلورة هذا النظام، فهي صاحبة المصلحة الحقيقية فيه، وهو يعاكس ما تقوم عليه الدولة الرأسمالية، التي تجعل من الأجهزة الأمنية والتنظيمات الاجتماعية الرسمية المختلفة الأداة المهمة في خدمة الرأسمالية، وطالما الأمر يتصل بالنموذج الاقتصادي الخليجي، الذي يستمد كثيراً من مقوماته من النظام الرأسمالي، فإن مسألة الانتباه إلى بلورة نموذج اقتصادي تكاملي نابع من الثقافة الخليجية، مع الاستفادة من آليات النظم الاقتصادية الإنسانية، اعتماداً على نتائج التجربة خلال تكوين الدولة الخليجية الحديثة، تعد مسألة في غاية الأهمية لفهم آليات هذا النموذج المتلائم مع حركة تطور المجتمع الخليجي، الذي يبدو أنه في طريقه إلى تشكيل رأسمالية خليجية مميزة، ضمن شروط إنسانية نابعة من طبيعة الثقافة الخليجية نفسها.
::/fulltext::
::cck::1048::/cck::
