البحرين بين الثبات والتذبذب كيف تؤثر الانتخابات الإيرانية في الأنظمة السياسية الخليجية؟
::cck::1106::/cck::
::introtext::
هل تصل رياح التغيير التي تشهدها العاصمة الإيرانية طهران إلى دول مجلس التعاون الخليجي بحكم التفاعلات المشتركة بين هذه الأنظمة التي تعيش ضمن منظومة النظام الإقليمي الخليجي؟ سؤال مهم بحاجة إلى تحليل، رغم أن كثير من المراقبين يستبعد أن تكون للأوضاع الداخلية الأخيرة في إيران تأثيرات حقيقية على المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
هل تصل رياح التغيير التي تشهدها العاصمة الإيرانية طهران إلى دول مجلس التعاون الخليجي بحكم التفاعلات المشتركة بين هذه الأنظمة التي تعيش ضمن منظومة النظام الإقليمي الخليجي؟ سؤال مهم بحاجة إلى تحليل، رغم أن كثير من المراقبين يستبعد أن تكون للأوضاع الداخلية الأخيرة في إيران تأثيرات حقيقية على المنطقة.
بداية لا بد من الإشارة إلى أن الأحداث المتسارعة التي شهدها النظام الإيراني في الفترة التي عقبت الانتخابات نتيجة الخلاف الداخلي حول نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، كشفت قوة الرغبة في التغيير من قبل الأوساط الشعبية المختلفة، وخاصة فئة الشباب التي تشكل كثافة سكانية لا يستهان بها، إذ تشكل نسبة تفوق 50 في المائة من إجمالي السكان.
شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية خلال السنوات الخمس الماضية أزمات عديدة
هذه المؤشرات ليست بجديدة، فقد كانت أولى إرهاصاتها عندما تولى سيد محمد خاتمي مقاليد الحكم في طهران خلال منتصف التسعينات، وهو ما اعتبره المحللون حينها بأنه تغير جوهري في السياسة الإيرانية على المستويين الداخلي والخارجي، حيث تغيرت العلاقات الخليجية ـ الإيرانية من علاقات تباعد إلى علاقات تقارب لافت، وسرعان ما ذابت الخلافات التي كانت قائمة بين الجانبين الخليجي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، وأسفرت لاحقاً عن تطورات مهمة كان ثمارها الاهتمام السعودي بالتقارب مع طهران في الفترة التي سبقت إسقاط النظام العراقي السابق.
بتقدير شخصي، فإن ما يحدث في طهران لا يمثل خلافاً حول معطيات النظام السياسي القائم، أو مخرجات الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وإنما يمثل رغبة أكيدة في التغيير، والانفتاح نحو الخارج في ظل تصاعد قوى العولمة دولياً، ومن المفارقات التاريخية، أن الشباب الإيراني قاد مسيرات ومظاهرات واحتجاجات ضد شاه إيران نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، والآن جاء الشباب الإيراني أيضاً وطالب بالتغيير والانفتاح من خلال رفضه لمخرجات الانتخابات التي تتحكم في مساراتها المؤسسة الدينية الحاكمة.
المسارات الحالية لحركة الاحتجاج السياسي من المتوقع أن تهدأ سريعاً في ظل التحركات التي تقوم بها المؤسسات الدينية، واللافت أن قيادة إيران لم تول العامل الخارجي أي اهتمام، واستطاعت ببراعة تحجيم تدويل قضية الانتخابات باعتبارها قضية داخلية وشأناً خاصاً.
لسنا بصدد تحليل أوضاع أو ظروف الشباب الإيراني، ولكن المعروف أن السواد الأعظم من سكان إيران اليوم، هم الشباب الذين جاؤوا بعد الثورة الإسلامية، ولم يعاصروا مرحلة الشاه التاريخية. وبالتالي يرون في تلك الفترة رمزية على الحرية التي يمكن أن يتمتعوا بها، وهي حرية قد لا تقل عن تلك التي يتمتع بها أبناء الجالية الإيرانية في مختلف أنحاء العالم.
عبر زيارات مختلفة لعدد من المناطق الإيرانية وفي مقدمتها طهران خلال الفترة من 2003 ـ 2005، كان واضحاً حجم التغيّر الاجتماعي الذي يشهده المجتمع الإيراني من الداخل، ومعظم هذه المظاهر تطغى على الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 ـ 35 وأولى هذه المظاهر عدم التزامه التقاليد التي فرضها النظام الإسلامي من حيث اللباس، وكذلك العلاقات بين الجنسين، فضلاً عن الاهتمام المتزايد بكل ما هو غربي، ويصاحب ذلك الاهتمام بالثقافة التي أصبح يستقيها من الفضائيات، وكذلك الإنترنت. هذه المظاهر بلا شك تقود إلى ملامح تحول تشهدها العاصمة الإيرانية بهدوء منذ أكثر من عقد من الزمن، ولكن الإطار العام لهذه التحولات مازال غامضاً، إلا أن ذلك لا يحول دون تقديم تحليلات حول الواقع الإيراني وتداعياته على الأنظمة السياسية الخليجية، وخاصة النظام السياسي البحريني باعتباره من الأنظمة ذات التجربة الخاصة في علاقاته مع إيران.
التفاعلات المشتركة
والسؤال هنا ما هي القواسم المشتركة التي تربط النظامين السياسيين في المنامة وطهران حتى يكون هناك تأثير وتفاعلات سياسية مشتركة؟
بنظرة تحليلية عاجلة، يمكن القول إن هناك عوامل تحرك تفاعلات العلاقات البحرينية ـ الإيرانية منذ فترة طويلة، وهي كالآتي:
أولاً: الخبرة السياسية المشتركة: يقصد بها المؤثرات التاريخية التي لعبت دوراً في صناعة تاريخ مشترك بين المجتمعين البحريني والإيراني على امتدادات القرون الماضية. فمن المعروف جداً الحكم الفارسي لأرخبيل البحرين، ثم تولي سلطات الاستعمار البريطاني إدارة اتفاقيات الحماية من الأراضي الإيرانية قبل أن يتم فصل عملية الإدارة وتشكيل إدارة مستقلة في المنامة. وأخيراً الادعاءات الإيرانية منذ حكم الشاه وحتى عند بعض المتطرفين إلى الآن بالسيادة على أراضي البحرين.

هذه الخبرة خلقت حساسية مبالغ فيها في العلاقات البحرينية ـ الإيرانية، حتى أصبح من ثوابت هذه العلاقة عدم الاستقرار إلى اليوم، ولذلك نجد تصريحات متطرفة تخرج من سياسيي طهران لإثارة الرأي العام البحريني بالحديث عن السيادة على أراضي البحرين.
ثانياً: الجغرافيا السياسية: تشكل اعتبارات الجغرافيا السياسية عاملاً أساسياً يتحكم في تفاعلات العلاقات البحرينية ـ الإيرانية، فمن المعروف أن البحرين تمثل أرخبيلاً وسط مياه الخليج العربي، في حين أن إيران لها امتدادات واسعة في غرب القارة الآسيوية من القوقاز شمالاً حتى ضفاف الخليج جنوباً.
وهذه الحقائق الجغرافية فرضت طبيعة خاصة من التفاعل السياسي بين البحرين وإيران منذ فترة ليست بقصيرة، لأنها خلقت هجرات متبادلة على مدى قرنين من الآن على الأقل، نجم عنها تداخل في العلاقات الإثنو ـ طائفية، فضلاً عن شكل من أشكال التمازج الثقافي مازالت قائمة حتى الآن، على الأقل في الأماكن العامة عندما نجد مواطنين من أصول فارسية ينطقون بلغتهم القديمة على سبيل المثال.
كما أن معطيات الجغرافيا السياسية، خلقت حاجات متبادلة بين إيران والبحرين على مختلف المستويات، فمثلاً خلال فترات القحط التي شهدتها شبه الجزيرة العربية ومنها أرخبيل البحرين ظهرت هجرة للعديد من العوائل العربية إلى الساحل الإيراني من الخليج العربي، والعكس صحيح، فخلال فترات تدهور الأوضاع السياسية في إيران ظهرت موجات من الهجرة الإيرانية إلى أقطار الخليج العربية، ومنها البحرين، مثل ما حدث في أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية في الثمانينات.
ما يحدث في طهران يمثل رغبة شعبية كبيرة في التغيير والانفتاح نحو الخارج
ثالثاً: الامتدادات الإثنو ـ طائفية: من حقائق ومعطيات النظام السياسي البحريني ارتباطه بامتدادات إثنو ـ طائفية مع النظام السياسي الإيراني، وهذه الامتدادات تتمثل في وجهين، الأول: وجود جالية فارسية في البحرين، وأعداد كبيرة منها حصلت على الجنسية البحرينية، والثاني: وجود أسر عربية لها أصول فارسية (الهولة). وعلى مستوى آخر، فإن طهران تمثل امتداداً دينياً للطائفة الشيعية البحرينية بحكم النظام المذهبي، وبالتالي فإن أية مؤثرات تتعرض لها الطائفة في الأراضي الإيرانية من الطبيعي أن تتأثر بها نظيرتها في المنامة، وهو ما يمثل مستوى آخر من مستويات التفاعل بين النظامين السياسيين.
ويرتبط بذلك أن التيارات السياسية الإسلامية الشيعية السائدة في البحرين، هي ذاتها لها امتداداتها على الخريطة السياسية الإيرانية، كما هو الحال بالنسبة إلى التيارات النافذة في النظام السياسي العراقي. اللافت في الامتدادات الإثنو ـ طائفية أنها قائمة في البحرين على اعتبار مناطقي، بمعنى أن المناطق التي يتوقع أن تشهد مظاهر التفاعلات مع الداخل الإيراني معروفة، مثل أجزاء من المحرق، في إشارة إلى نفوذ البحرينيين من أصول فارسية في ذات المنطقة، ومن الأمثلة كذلك ما حدث بالمحرق والمنامة عندما اندلعت الثورة الإسلامية في طهران وقامت مجموعات من الإيرانيين المقيمين في البحرين وأعلنت تأييدها ودعمها للثورة الإسلامية، وهنا الملاحظ أن الاعتبار المناطقي مقتصر على مناطق معينة في البحرين، وأبرزها المحرق والمنامة.
رابعاً: الرغبة التاريخية في النفوذ الغربي: دأبت الحكومات المتعاقبة على مقاليد الحكم في العاصمة طهران على السعي نحو الحفاظ على نفوذ إيراني دائم في الساحل الغربي من الخليج، وهو الساحل الممتد من الكويت شمالاً إلى سلطنة عمان جنوباً، وفي سبيل ذلك، ظهرت الادعاءات الإيرانية بأرخبيل البحرين في نهاية الستينات، فيما سمي بقضية البحرين، وأعقب ذلك احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، وقبل عدة سنوات خلت استطاعت طهران بسط نفوذها الواسع داخل الأراضي العراقية، لتتمكن من تحقيق اختراق للأمن السياسي العربي عجزت عنه طوال عقود طويلة.
بحرينياً، ظهرت على مدى العقود الثلاثة الماضية محاولات متعددة من قبل الحكومات الإيرانية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنامة، وجميع هذه المحاولات تفسّر على أنها مساع من قبل طهران للسيطرة على منطقة الساحل المقابل لها، وهذا الطموح مؤثر أساسي في تفاعلات العلاقات بين المنامة وطهران، ومن المتوقع أن يستمر تأثيره مستقبلاً، خصوصاً في ظل وجود قوى غربية (واشنطن، ولندن، وباريس) داعمة لحكومات المنطقة على الأقل.
خامساً: تناقض الهوية: من القواسم المشتركة التي تربط النظامين السياسيين البحريني والإيراني سمة تناقض الهوية، فكل نظام يتسم بتنوع إثنو ـ طائفية يخلق له تشكيل واسع من الهويات الفرعية، ومثال ذلك أن النظام السياسي البحريني نتيجة اعتبارات الجغرافيا السياسية الممثلة في تكوين البحرين كأرخبيل من الجزر وسط مياه الخليج، أصبح غنياً بالثقافات الفرعية، وبالتالي هويات فرعية أصغر وأقوى من الهوية الوطنية التي عادة ما ينصهر فيها الأفراد.
بالمقابل فإن النظام السياسي الإيراني، يعاني من التعقيد في تركيب هويته الوطنية، بسبب الامتداد الجغرافي الشاسع، وكون نصف سكانه من الفرس، في حين أن البقية من طوائف متعددة، منهم الأذريون (25 في المائة)، ثم الأكراد (7 بالمائة)، وبعد ذلك العرب (3 بالمائة). كما تنتشر أقليات البلوش والتركمان وغيرها، هذه التناقضات في التركيبة الإثنو ـ طائفية، تعطي هذا العامل أهمية خاصة عند تحليل أي ظاهرة سياسية في النظامين البحريني، والإيراني. لأنها تمثل بعداً مهماً في التحليل السياسي، كونه يتعلق بإمكانية تشكيل دويلات مختلفة في المنطقة على أسس طائفية بكل سهولة، وهو ما يمكن أن يمثل خريطة الصراع المستقبلي في النظام الإقليمي الخليجي.
سادساً: ارتباطات المؤسسة الدينية: بطبيعة الحال فإن المؤسسة الدينية الشيعية ترتبط بعلاقات وصلات وثيقة مع نظيرتها النافذة في النظام السياسي الإيراني. وهذه الارتباطات من شأنها أن تحدد السلوك السياسي للمؤسسة الدينية البحرينية، وطبيعة مواقفها، كما حدث من قبل خلال الانتخابات التشريعية في العام 2002 ثم انتخابات 2006 وعندما أعلنت المؤسسة الدينية في البحرين تحفظها على قانون الأحكام الأسرية، وكادر الأئمة والمؤذنين، وغيرها من القضايا الشرعية والسياسية التي أصبح للمؤسسة الدينية الإيرانية دور مهم في تشكيل مواقف نظيرتها الفاعلة في النظام السياسي البحريني.
هذه العوامل الستة، بلا شك تعطي خلفية واضحة حول طبيعة التفاعلات المتبادلة التي يمكن أن تحدث بين المنامة وطهران، ومن شأنها أن تعطي فهماً أعمق حول ظروف الأزمة التي تمر بها إيران اليوم، وتحليل اتجاهاتها المستقبلية، وتأثيراتها على النظام السياسي في البحرين. ونكمل الحديث لاحقاً حول تأثيرات هذه الأزمة على المملكة وحراكها السياسي.
السياق الخليجي
ثمة سياق خليجي لفهم العلاقات البحرينية ـ الإيرانية، وهو مدخل مهم أيضاً لتحليل طبيعة العلاقات بين البلدين، والتأثيرات المتبادلة بينهما في الوقت الراهن، وكذلك معرفة اتجاهاتها المستقبلية. بعرض موجز يمكن القول إن العلاقات الخليجية ـ الإيرانية قبيل اندلاع الثورة الإسلامية في طهران كانت متباينة، واعتمدت بشكل أساسي على الجانب الأمني، فإيران كانت تعتبر الجانب الأمني هدفاً أساسياً لها في المنطقة، وفي العلاقات مع الدول الخليجية المجاورة، بمعنى أنها كانت تحرص على عدم استبعادها في أية معادلات أمنية في منطقة الخليج العربية، ولكن ماذا حدث؟
ظهرت عدة معادلات أمنية في النظام الإقليمي الخليجي منذ إعلان لندن رغبتها في الانسحاب من شرق السويس خلال العام 1968 حينها بدأت واشنطن في القلق من وصول النفوذ السوفييتي إلى مياه الخليج، وهو ما جعلها تطرح من خلال الرئيس نيكسون مبدأ العمودين المتساندين، وهما إيران والسعودية، وكان ذلك خلال حكم الشاه، وبعدها تدهورت الأمور، واندلعت الثورة الإسلامية لتبدأ واشنطن بالتفكير في هندسة مرحلة جديدة من العلاقات الخليجية ـ الإيرانية كان قوامها دعم الجانب العربي ضد الجانب الفارسي بحكم المصالح الاستراتيجية، خصوصاً مع قيام الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988)، وبعدها غزو العراق للكويت، ثم مرحلة الحصار التي تغيّرت خلالها العلاقات الخليجية ـ الإيرانية نحو التقارب في ظل تولي الرئيس الإيراني السابق خاتمي مقاليد السلطة في طهران. ثم شهدت العلاقات الخليجية ــ الإيرانية توترات متسارعة، بسبب بعض التصعيدات المتعلقة بالتدخل في الشؤون الداخلية، كما هو الحال بالنسبة إلى البحرين، أو تصعيدات تتعلق بالجزر الإماراتية الثلاث المحتلة.
إلا أن الأهم في ذلك كله، أن العلاقات الخليجية ـ الإيرانية تمر اليوم في مرحلة أصعب بكثير من السابق نتيجة لتداخل المصالح الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى، فهناك مشاريع مشتركة، ومصالح متبادلة. وهذا ما يحول في أحايين كثيرة دون استمرار التوتر في العلاقات بين الطرفين رغم حساسيتها. فعلى سبيل المثال شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية خلال السنوات الخمس الماضية أزمات عديدة، وبعضها كان يمثل أزمة حقيقية بإمكانها أن تتطور وتصل إلى ما حدث في التسعينات من خفض للتمثيل الدبلوماسي وطرد متبادل للدبلوماسيين نتيجة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية. إلا أن ذلك لم يحصل البتة، وسببه كثافة المصالح الاستراتيجية بين البلدين.
والسؤال هنا: هل دول الخليج مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من العلاقات مع طهران مختلفة مثلاً؟ وهل هي قادرة على تخطي تداعيات بؤرة ثانية من بؤر التوتر في المنطقة إذا تطورت الأوضاع في إيران خلال الفترة المقبلة؟ ومن هي القوة الإقليمية التي يمكن أن تقود وتضمن الأمن الإقليمي في منطقة الخليج؟
في تقديري الخاص، أن دول مجلس التعاون الخليجي مازالت في حالة ترقب وذهول من الأحداث المتسارعة في العاصمة الإيرانية. وبالتالي مازالت في مرحلة دراسة المخاطر والمكتسبات من أية تطورات قد تحدث في أي وقت في الأراضي الإيرانية، وهذه المرحلة تسبق إعداد أية سيناريوهات محتملة.
نأتي إلى الإشكالية الأكثر تعقيداً، وهي القدرة على التعامل مع تداعيات ظهور بؤرة جديدة من بؤر التوتر في المنطقة بعد العراق. فإذا كان الحديث حول المشاكل التي نجمت عن انهيار الدولة العراقية، وإعادة بنائها من جديد، فإن الحديث هنا بالطبع عن إمكانية تفكك دولتين بحكم العلاقات والنفوذ المتبادل فيما بينهما. وعليه فإن دول مجلس التعاون غير قادرة على التعامل مع حالة مرتقبة من الفوضى الإقليمية قد تكون ضمن سياق أحد السيناريوهات المحتملة. ففي هذه الحالة، ثمة احتمالات بفوضى داخلية في كل من العراق وإيران، قد تأتي بتبعاتها المباشرة على دول مجلس التعاون، وخصوصاً فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، الذي سيتأثر مباشرة من خلال ارتفاع جنوني لأسعار النفط العالمية. ومع تدهور الأوضاع الأمنية، فإن معدلات الإنفاق الخليجي على القطاعات الأمنية والعسكرية سترتفع بدرجة كبيرة، وتتأثر بقية القطاعات سلباً بالضرورة. ورغم التوقع بتأزم الأوضاع الداخلية في دول المجلس نتيجة للظروف التي يشهدها النظام الإقليمي الخليجي، إلا أن ذلك لن يكون له تأثير سلبي على نطاق واسع بسبب قدرة حكومات هذه الدول على ضخ أموال كبيرة في مشاريع تهدف إلى كسب الولاء وضمان الاستقرار الداخلي.
ومع تفاقم الأوضاع بهذه الطريقة: فوضى في طهران وبغداد، ومخاوف وقلق لدى دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه من الوارد للغاية ألا تكون القوة المهيمنة على النظام الإقليمي الخليجي محلية، الأمر الذي يتيح المجال للقوة العظمى والكبرى للعب دور أكثر نفوذاً من ذي قبل. وهنا الخطورة الكبرى في احتمال ظهور سيناريوهات راديكالية قد تصل إلى حد تغيير خريطة الجغرافيا السياسية للخليج كما كان يتطلع إليه المحافظون الجدد في واشنطن.
دور المؤسسة الدينية
من أهم الظواهر التي شهدتها أزمة الانتخابات الإيرانية ابتعاد المؤسسة الدينية عن التجاذبات القائمة، والسعي إلى تحويل التفاعلات بشأن الأزمة إلى تفاعلات سياسية، وكان الهدف من ذلك هو ضمان عدم تحويل الأزمة إلى شأن ديني صرف تدخل فيه الاختلافات الدينية والفقهية بين مختلف الاتجاهات السائدة لدى علماء الدين داخل وخارج إيران.
وهذه الظاهرة من الأهمية بمكان الوقوف حولها، وتحليل أبعادها، فرغم أن النظام الحاكم في طهران نظام ثيوقراطي، إلا أنه يتعامل بشكل مزدوج تجاه العديد من القضايا، ففي أحايين كثيرة يتم التعامل مع بعض القضايا على أنها قضايا مدنية، وأوقات أخرى يتم إقحام الدين فيها من أجل تحقيق مكاسب أو حماية مصالح معينة. السياسة المزدوجة للمؤسسة الدينية ساهمت بشكل كبير ولافت في تحقيق العديد من المصالح للنظام الإيراني، ويمكن رصدها في الآتي:
أولاً: القدرة العالية على احتواء أية تطورات يشهدها النظام السياسي، وخاصة فيما يتعلق بالجماعات المناوئة للنظام.
ثانياً: إلغاء الصورة النمطية القائمة على كون المؤسسة الدينية قمعية، فهي بهذه السياسة تترك العديد من القضايا لمناقشات من قبل الفعاليات المجتمعية، والقوى السياسية المختلفة. وتعطي نظرة للرأي العام بأن المؤسسة الدينية لا تتدخل في الشؤون المدنية.
ثالثاً: التأجيل المقصود للخيار الديني باعتباره الحل الأخير لمعالجة أية مشاكل.
رابعاً: إبراز صورة إيجابية لـ(الديمقراطية) الإيرانية، تؤكد مدنيتها، رغم كونها محكومة بضوابط شرعية تمر عبر المؤسسة الدينية.
خامساً: ضمان نفوذ المؤسسة الدينية في النظام السياسي من خلال السياسة المزدوجة.
بالمقابل فإن هذه السياسة، كان لها تأثيرات سلبية على النظام السياسي الإيراني بثيوقراطيته، وهي كالآتي:
أولاً: تنامي الرفض الشعبي الكامن للحكم الثيوقراطي ومخرجاته، وكان مثالها الأخير في الأزمة الانتخابية الراهنة، وهذا الرفض الكامن من الممكن أن يظهر بين فترة وأخرى، وهو أمر كان نادر الحدوث خلال الفترة الماضية إذا كانت مظاهره كما هو سائد اليوم، ولكنه أمر مرجح بالتصاعد خلال الفترة المقبلة.
ثانياً: صعوبة السيطرة على الأوضاع الأمنية إذا ظهرت حركة احتجاج سياسي عنيفة، خصوصاً إذا كان هناك تأجيل مقصود للخيار الديني كما سبقت الإشارة إليه. الأمر الذي يدفع الساسة الإيرانيين إلى اللجوء لخيار العنف والقمع المضاد لإيقاف أية حركة احتجاجية قائمة.
ثالثاً: يرتبط بالتأثير الأخير، ظهور حركة دولية من الاحتجاجات والاستنكارات تدين تعامل الحكومة الإيرانية تجاه حركة الاحتجاج الشعبي.
رابعاً: إتاحة الفرصة أمام القوى العظمى والكبرى في النظام الدولي لبحث فرص التدخل في الشأن الإيراني، سواءً كان ذلك بشكل مباشر، أو غير مباشر من خلال إيقاف العلاقات أو تحجيمها، أو فرض عقوبات، أو إيقاف نشاط التجارة الخارجية.
خامساً: إمكانية تراجع دور المؤسسة الدينية في النظام السياسي على المديين المتوسط والبعيد نتيجة جملة من المعطيات في مقدمتها تنامي الرفض الشعبي الكامن للحكم الثيوقراطي ومخرجاته.
من هنا نجد أن السياسة المزدوجة التي تنتهجها المؤسسة الدينية في نظام طهران الثيوقراطي، تختلف تماماً عن نظيرتها النافذة في النظام السياسي البحريني، رغم أن الأخيرة لها ارتباطات وثيقة بالمؤسسة الدينية الإيرانية بحكم التكوين المذهبي، والارتباط الفقهي من خلال المرجعية. فإذا أتينا إلى السياسة التي تتبعها المؤسسة الدينية البحرينية نجد أنها سياسة أحادية تقوم على توظيف الدين في السياسة عبر الخطاب الديني الصرف، ومن النادر لجوء المؤسسة الدينية إلى عدم توظيف الدين في السياسة، وإن كانت في أحايين عديدة تلجأ إلى لعب دور حيادي إزاء بعض القضايا، إلا أنها في النهاية يمكن تفسير مواقفها بشكل أو بآخر، أو قد تظهر مواقفها في وقت لاحق إثر النقاشات الواسعة من قبل التنظيمات المرتبطة بها.
هذه الحقيقة تشير إلى جملة من المعطيات، وهي تحديداً تتعلق بتأثيرات السياسة الأحادية التي تنتهجها المؤسسة البحرينية باعتبارها سياسة مختلفة عن نظيرتها الإيرانية، ويمكن رصدها في الآتي:
أولاً: سهولة تكوين حركة احتجاجية مضادة للمؤسسة الدينية إزاء مواقفها من قبل الجماهير، رغم امتلاك الأولى آليات وقنوات التعبئة العامة عبر المنابر مثلاً. ومن أمثلة هذا التأثير ما حدث مؤخراً عندما برز نقاش جدلي واسع يتعلق بشرعية تسلم النواب لمكافآت تقاعدية.
ثانياً: ارتفاع حساسية العلاقة بين التنظيمات السياسية المتحالفة مع المؤسسة الدينية، مثل ما حدث مؤخراً بين جمعية الوفاق وجماهيرها.
ثالثاً: بالنتيجة، فإنه من المتوقع أن تتأثر العلاقة بين المؤسسة الدينية، وبعض التنظيمات السياسية الأخرى غير الدينية، مثل جمعيات اليسار.
رابعاً: تراجع نفوذ المؤسسة الدينية في النظام السياسي على المديين المتوسط والبعيد.
خامساً: إسباغ الصفة الدينية بشكل مفرط تجاه مختلف القضايا المحلية، الأمر الذي يثير العديد من التحفظات سواءً من قبل السلطة، أو من قبل القوى السياسية، أو حتى الجماهير.
من هنا، يمكن القول إن موجة التغيير في طهران من شأنها أن تؤثر بشكل محدود في المؤسسة الدينية الإيرانية، في الوقت الذي مازالت فيه المؤسسة الدينية البحرينية تنتهج سياسة أحادية في التعامل مع القضايا المحلية.
السياسات الخارجية
خلال الفترة المقبلة من المتوقع أن يشهد النظام الإقليمي الخليجي تطورات مهمة، تتمثل في تداعيات الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية بعد الغزو، وهو الانسحاب الذي بدأ منذ نهاية يونيو 2009 ويستمر لمدة تزيد على السنتين. فبحسب الاتفاقية المبرمة بين الحكومة العراقية وإدارة البيت الأبيض سيتم انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية في البداية والانسحاب الكامل من العراق قبل نهاية العام 2011. هذه التطورات تفتح المجال أمام احتمال توليد حركة انتقالية لأعمال الإرهاب من الداخل العراقي إلى الداخل الخليجي، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي بحسب توقعات بعض المحللين في الشؤون الاستخباراتية. وهو تحدٍ كبير مازال الحديث بشأنه محدوداً ومبكراً للغاية، ومن غير المعروف تحديداً ملامح الاستقرار السياسي في النظام الإقليمي الخليجي خلال السنوات المقبلة باعتبارها مرحلة جديدة من عمر النظام نفسه.
على صعيد آخر، فإن دول مجلس التعاون الخليجي أمام مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي ـ السياسي بعد التوقيع على اتفاقية الوحدة النقدية مؤخراً من قبل المنامة والرياض والكويت والدوحة. ورغم الإعلان عن موعد لطرح العملة وهو العام المقبل 2010 إلا أن بعض التوقعات الاقتصادية تستبعد طرحها في مثل هذا التاريخ، مثل توقعات البنك الدولي.
أما المتغير الأهم الذي يتوقع أن يؤثر في النظام الإقليمي الخليجي، فهو بدء ظهور تداعيات أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ومن غير الواضح السياسات الداخلية التي ستلجأ إليها طهران خلال الفترة المقبلة للتعاون مع المتغيرات الداخلية، فضلاً عن احتمال تأثير هذه المتغيرات على الحراك السياسي الداخلي في العاصمة الإيرانية.
ويرتبط بذلك المواقف والسياسات الخارجية للقوى العظمى والكبرى في النظام الدولي تجاه الأزمة الإيرانية، خصوصاً وأنه من اللافت عدم إثارة الملف النووي الإيراني، وربطه بمعطيات الأزمة الراهنة. ولذلك نجد اهتماماً متصاعداً بالأوضاع الداخلية من الناحية الإعلامية أكثر من الاهتمام بالملف النووي الإيراني الذي شكل محور التركيز الإعلامي على مدى السنوات الخمس الماضية على الأقل.
وعلى صعيد البعد الخليجي في الأزمة الإيرانية، يلاحظ تغير الخطاب الخليجي تجاه الأزمة، ووجود اتجاه يدعو للهدوء، والمطالبة بإقامة علاقات خليجية ـ إيرانية قوية. فقد برزت دعوات خلال الأيام الماضية بإقامة اتفاقيات تنسيق سياسي وأمني تدعو للتعاون المشترك لمواجهة الجماعات السياسية المناوئة بالخارج. وكان الموقف البحريني رائداً في هذا المجال بدعوة عدد من أعضاء المجلس الوطني لهذه الاتفاقيات، على المستوى نفسه، فإن السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون تجاه الأزمة الإيرانية كانت ضبابية إلى حد كبير، رغم قيام حكومات دول المجلس بتهنئة الرئيس الإيراني المنتخب محمود أحمدي نجاد فور فوزه، إلا أن الموقف كان ضبابياً من حيث كيفية التعامل مع المعطيات الإيرانية الجديدة. ويبدو أن المسألة أصبحت محسومة بعد تفاقم الأزمة من خلال التأكيد على احترام السيادة الإيرانية، وعدم الرغبة في التدخل في الشأن الإيراني الداخلي، وهو ما أعلنت عنه السياسة الخارجية البحرينية.
ولذلك كانت السياسات الخارجية لدول المجلس أمام مسارين مختلفين تجاه التعامل مع الأزمة، وهما كالآتي:
المسار الأول: يقوم على إبداء مواقف صريحة وواضحة تجاه الأوضاع الداخلية الإيرانية إثر الانتخابات الرئاسية، بحيث يمكن دعم طرف ضد طرف آخر. وهو ما كان يمكن أن يكون من خلال التعبئة الإعلامية، أو حتى الدعم السياسي والمادي لبعض التنظيمات السياسية المناوئة في الخارج.
المسار الثاني: التعبير عن احترام الشأن الداخلي، ومخرجات النظام السياسي بمؤسساته المختلفة رغم ثيوقراطيتها. والسعي لتعزيز العلاقات الخليجية ـ الإيرانية القائمة في ظل المصالح المشتركة.
ويبدو أن المسار الثاني هو الأكثر ترجيحاً من قبل السياسات الخارجية الخليجية، وهناك توجه نحو الاهتمام بتعزيز العلاقات في المجال نفسه رغم وجود ترقب شعبي نحو التغيير في طهران. وهذه المفارقة تكشف تبايناً في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مع الاتجاهات السائدة لدى الرأي العام الخليجي. إلا أن هذا الحدث يكشف أيضاً عن رفض كامن لدى حكومات دول مجلس التعاون تجاه أية متغيرات جوهرية في واقع ومعطيات النظام الإقليمي الخليجي قد تؤثر سلباً في العلاقات البينية بين دول المنطقة، فضلاً عن تأثيراتها المختلفة تجاه أمن واستقرار النظام الإقليمي نفسه. الأمر الذي يشير إلى اتجاه مستقبلي نحو تعزيز مبدأ الشراكة الداخلية في النظام تجاه أية متغيرات سلبية، وبالتالي تحول المصالح والعلاقات البينية في النظام نحو مزيد من التعاون، وإن كانت تتصادم بمصالح القوى العظمى والكبرى في النظام الدولي. الخلاصة أن مصالح دول مجلس التعاون الخليجي وإيران أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى مترابطة، وهي في غنى عن أية تدخلات أجنبية من الخارج سواءً عبر التدخل الأجنبي المباشر كما حدث في العراق، أو عبر التدخل الأجنبي غير المباشر من خلال دعم الحكومات الغربية للجماعات المناوئة للدول الأطراف في النظام الإقليمي الخليجي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1106::/cck::
::introtext::
هل تصل رياح التغيير التي تشهدها العاصمة الإيرانية طهران إلى دول مجلس التعاون الخليجي بحكم التفاعلات المشتركة بين هذه الأنظمة التي تعيش ضمن منظومة النظام الإقليمي الخليجي؟ سؤال مهم بحاجة إلى تحليل، رغم أن كثير من المراقبين يستبعد أن تكون للأوضاع الداخلية الأخيرة في إيران تأثيرات حقيقية على المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
هل تصل رياح التغيير التي تشهدها العاصمة الإيرانية طهران إلى دول مجلس التعاون الخليجي بحكم التفاعلات المشتركة بين هذه الأنظمة التي تعيش ضمن منظومة النظام الإقليمي الخليجي؟ سؤال مهم بحاجة إلى تحليل، رغم أن كثير من المراقبين يستبعد أن تكون للأوضاع الداخلية الأخيرة في إيران تأثيرات حقيقية على المنطقة.
بداية لا بد من الإشارة إلى أن الأحداث المتسارعة التي شهدها النظام الإيراني في الفترة التي عقبت الانتخابات نتيجة الخلاف الداخلي حول نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، كشفت قوة الرغبة في التغيير من قبل الأوساط الشعبية المختلفة، وخاصة فئة الشباب التي تشكل كثافة سكانية لا يستهان بها، إذ تشكل نسبة تفوق 50 في المائة من إجمالي السكان.
شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية خلال السنوات الخمس الماضية أزمات عديدة
هذه المؤشرات ليست بجديدة، فقد كانت أولى إرهاصاتها عندما تولى سيد محمد خاتمي مقاليد الحكم في طهران خلال منتصف التسعينات، وهو ما اعتبره المحللون حينها بأنه تغير جوهري في السياسة الإيرانية على المستويين الداخلي والخارجي، حيث تغيرت العلاقات الخليجية ـ الإيرانية من علاقات تباعد إلى علاقات تقارب لافت، وسرعان ما ذابت الخلافات التي كانت قائمة بين الجانبين الخليجي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، وأسفرت لاحقاً عن تطورات مهمة كان ثمارها الاهتمام السعودي بالتقارب مع طهران في الفترة التي سبقت إسقاط النظام العراقي السابق.
بتقدير شخصي، فإن ما يحدث في طهران لا يمثل خلافاً حول معطيات النظام السياسي القائم، أو مخرجات الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وإنما يمثل رغبة أكيدة في التغيير، والانفتاح نحو الخارج في ظل تصاعد قوى العولمة دولياً، ومن المفارقات التاريخية، أن الشباب الإيراني قاد مسيرات ومظاهرات واحتجاجات ضد شاه إيران نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، والآن جاء الشباب الإيراني أيضاً وطالب بالتغيير والانفتاح من خلال رفضه لمخرجات الانتخابات التي تتحكم في مساراتها المؤسسة الدينية الحاكمة.
المسارات الحالية لحركة الاحتجاج السياسي من المتوقع أن تهدأ سريعاً في ظل التحركات التي تقوم بها المؤسسات الدينية، واللافت أن قيادة إيران لم تول العامل الخارجي أي اهتمام، واستطاعت ببراعة تحجيم تدويل قضية الانتخابات باعتبارها قضية داخلية وشأناً خاصاً.
لسنا بصدد تحليل أوضاع أو ظروف الشباب الإيراني، ولكن المعروف أن السواد الأعظم من سكان إيران اليوم، هم الشباب الذين جاؤوا بعد الثورة الإسلامية، ولم يعاصروا مرحلة الشاه التاريخية. وبالتالي يرون في تلك الفترة رمزية على الحرية التي يمكن أن يتمتعوا بها، وهي حرية قد لا تقل عن تلك التي يتمتع بها أبناء الجالية الإيرانية في مختلف أنحاء العالم.
عبر زيارات مختلفة لعدد من المناطق الإيرانية وفي مقدمتها طهران خلال الفترة من 2003 ـ 2005، كان واضحاً حجم التغيّر الاجتماعي الذي يشهده المجتمع الإيراني من الداخل، ومعظم هذه المظاهر تطغى على الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 ـ 35 وأولى هذه المظاهر عدم التزامه التقاليد التي فرضها النظام الإسلامي من حيث اللباس، وكذلك العلاقات بين الجنسين، فضلاً عن الاهتمام المتزايد بكل ما هو غربي، ويصاحب ذلك الاهتمام بالثقافة التي أصبح يستقيها من الفضائيات، وكذلك الإنترنت. هذه المظاهر بلا شك تقود إلى ملامح تحول تشهدها العاصمة الإيرانية بهدوء منذ أكثر من عقد من الزمن، ولكن الإطار العام لهذه التحولات مازال غامضاً، إلا أن ذلك لا يحول دون تقديم تحليلات حول الواقع الإيراني وتداعياته على الأنظمة السياسية الخليجية، وخاصة النظام السياسي البحريني باعتباره من الأنظمة ذات التجربة الخاصة في علاقاته مع إيران.
التفاعلات المشتركة
والسؤال هنا ما هي القواسم المشتركة التي تربط النظامين السياسيين في المنامة وطهران حتى يكون هناك تأثير وتفاعلات سياسية مشتركة؟
بنظرة تحليلية عاجلة، يمكن القول إن هناك عوامل تحرك تفاعلات العلاقات البحرينية ـ الإيرانية منذ فترة طويلة، وهي كالآتي:
أولاً: الخبرة السياسية المشتركة: يقصد بها المؤثرات التاريخية التي لعبت دوراً في صناعة تاريخ مشترك بين المجتمعين البحريني والإيراني على امتدادات القرون الماضية. فمن المعروف جداً الحكم الفارسي لأرخبيل البحرين، ثم تولي سلطات الاستعمار البريطاني إدارة اتفاقيات الحماية من الأراضي الإيرانية قبل أن يتم فصل عملية الإدارة وتشكيل إدارة مستقلة في المنامة. وأخيراً الادعاءات الإيرانية منذ حكم الشاه وحتى عند بعض المتطرفين إلى الآن بالسيادة على أراضي البحرين.

هذه الخبرة خلقت حساسية مبالغ فيها في العلاقات البحرينية ـ الإيرانية، حتى أصبح من ثوابت هذه العلاقة عدم الاستقرار إلى اليوم، ولذلك نجد تصريحات متطرفة تخرج من سياسيي طهران لإثارة الرأي العام البحريني بالحديث عن السيادة على أراضي البحرين.
ثانياً: الجغرافيا السياسية: تشكل اعتبارات الجغرافيا السياسية عاملاً أساسياً يتحكم في تفاعلات العلاقات البحرينية ـ الإيرانية، فمن المعروف أن البحرين تمثل أرخبيلاً وسط مياه الخليج العربي، في حين أن إيران لها امتدادات واسعة في غرب القارة الآسيوية من القوقاز شمالاً حتى ضفاف الخليج جنوباً.
وهذه الحقائق الجغرافية فرضت طبيعة خاصة من التفاعل السياسي بين البحرين وإيران منذ فترة ليست بقصيرة، لأنها خلقت هجرات متبادلة على مدى قرنين من الآن على الأقل، نجم عنها تداخل في العلاقات الإثنو ـ طائفية، فضلاً عن شكل من أشكال التمازج الثقافي مازالت قائمة حتى الآن، على الأقل في الأماكن العامة عندما نجد مواطنين من أصول فارسية ينطقون بلغتهم القديمة على سبيل المثال.
كما أن معطيات الجغرافيا السياسية، خلقت حاجات متبادلة بين إيران والبحرين على مختلف المستويات، فمثلاً خلال فترات القحط التي شهدتها شبه الجزيرة العربية ومنها أرخبيل البحرين ظهرت هجرة للعديد من العوائل العربية إلى الساحل الإيراني من الخليج العربي، والعكس صحيح، فخلال فترات تدهور الأوضاع السياسية في إيران ظهرت موجات من الهجرة الإيرانية إلى أقطار الخليج العربية، ومنها البحرين، مثل ما حدث في أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية في الثمانينات.
ما يحدث في طهران يمثل رغبة شعبية كبيرة في التغيير والانفتاح نحو الخارج
ثالثاً: الامتدادات الإثنو ـ طائفية: من حقائق ومعطيات النظام السياسي البحريني ارتباطه بامتدادات إثنو ـ طائفية مع النظام السياسي الإيراني، وهذه الامتدادات تتمثل في وجهين، الأول: وجود جالية فارسية في البحرين، وأعداد كبيرة منها حصلت على الجنسية البحرينية، والثاني: وجود أسر عربية لها أصول فارسية (الهولة). وعلى مستوى آخر، فإن طهران تمثل امتداداً دينياً للطائفة الشيعية البحرينية بحكم النظام المذهبي، وبالتالي فإن أية مؤثرات تتعرض لها الطائفة في الأراضي الإيرانية من الطبيعي أن تتأثر بها نظيرتها في المنامة، وهو ما يمثل مستوى آخر من مستويات التفاعل بين النظامين السياسيين.
ويرتبط بذلك أن التيارات السياسية الإسلامية الشيعية السائدة في البحرين، هي ذاتها لها امتداداتها على الخريطة السياسية الإيرانية، كما هو الحال بالنسبة إلى التيارات النافذة في النظام السياسي العراقي. اللافت في الامتدادات الإثنو ـ طائفية أنها قائمة في البحرين على اعتبار مناطقي، بمعنى أن المناطق التي يتوقع أن تشهد مظاهر التفاعلات مع الداخل الإيراني معروفة، مثل أجزاء من المحرق، في إشارة إلى نفوذ البحرينيين من أصول فارسية في ذات المنطقة، ومن الأمثلة كذلك ما حدث بالمحرق والمنامة عندما اندلعت الثورة الإسلامية في طهران وقامت مجموعات من الإيرانيين المقيمين في البحرين وأعلنت تأييدها ودعمها للثورة الإسلامية، وهنا الملاحظ أن الاعتبار المناطقي مقتصر على مناطق معينة في البحرين، وأبرزها المحرق والمنامة.
رابعاً: الرغبة التاريخية في النفوذ الغربي: دأبت الحكومات المتعاقبة على مقاليد الحكم في العاصمة طهران على السعي نحو الحفاظ على نفوذ إيراني دائم في الساحل الغربي من الخليج، وهو الساحل الممتد من الكويت شمالاً إلى سلطنة عمان جنوباً، وفي سبيل ذلك، ظهرت الادعاءات الإيرانية بأرخبيل البحرين في نهاية الستينات، فيما سمي بقضية البحرين، وأعقب ذلك احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، وقبل عدة سنوات خلت استطاعت طهران بسط نفوذها الواسع داخل الأراضي العراقية، لتتمكن من تحقيق اختراق للأمن السياسي العربي عجزت عنه طوال عقود طويلة.
بحرينياً، ظهرت على مدى العقود الثلاثة الماضية محاولات متعددة من قبل الحكومات الإيرانية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنامة، وجميع هذه المحاولات تفسّر على أنها مساع من قبل طهران للسيطرة على منطقة الساحل المقابل لها، وهذا الطموح مؤثر أساسي في تفاعلات العلاقات بين المنامة وطهران، ومن المتوقع أن يستمر تأثيره مستقبلاً، خصوصاً في ظل وجود قوى غربية (واشنطن، ولندن، وباريس) داعمة لحكومات المنطقة على الأقل.
خامساً: تناقض الهوية: من القواسم المشتركة التي تربط النظامين السياسيين البحريني والإيراني سمة تناقض الهوية، فكل نظام يتسم بتنوع إثنو ـ طائفية يخلق له تشكيل واسع من الهويات الفرعية، ومثال ذلك أن النظام السياسي البحريني نتيجة اعتبارات الجغرافيا السياسية الممثلة في تكوين البحرين كأرخبيل من الجزر وسط مياه الخليج، أصبح غنياً بالثقافات الفرعية، وبالتالي هويات فرعية أصغر وأقوى من الهوية الوطنية التي عادة ما ينصهر فيها الأفراد.
بالمقابل فإن النظام السياسي الإيراني، يعاني من التعقيد في تركيب هويته الوطنية، بسبب الامتداد الجغرافي الشاسع، وكون نصف سكانه من الفرس، في حين أن البقية من طوائف متعددة، منهم الأذريون (25 في المائة)، ثم الأكراد (7 بالمائة)، وبعد ذلك العرب (3 بالمائة). كما تنتشر أقليات البلوش والتركمان وغيرها، هذه التناقضات في التركيبة الإثنو ـ طائفية، تعطي هذا العامل أهمية خاصة عند تحليل أي ظاهرة سياسية في النظامين البحريني، والإيراني. لأنها تمثل بعداً مهماً في التحليل السياسي، كونه يتعلق بإمكانية تشكيل دويلات مختلفة في المنطقة على أسس طائفية بكل سهولة، وهو ما يمكن أن يمثل خريطة الصراع المستقبلي في النظام الإقليمي الخليجي.
سادساً: ارتباطات المؤسسة الدينية: بطبيعة الحال فإن المؤسسة الدينية الشيعية ترتبط بعلاقات وصلات وثيقة مع نظيرتها النافذة في النظام السياسي الإيراني. وهذه الارتباطات من شأنها أن تحدد السلوك السياسي للمؤسسة الدينية البحرينية، وطبيعة مواقفها، كما حدث من قبل خلال الانتخابات التشريعية في العام 2002 ثم انتخابات 2006 وعندما أعلنت المؤسسة الدينية في البحرين تحفظها على قانون الأحكام الأسرية، وكادر الأئمة والمؤذنين، وغيرها من القضايا الشرعية والسياسية التي أصبح للمؤسسة الدينية الإيرانية دور مهم في تشكيل مواقف نظيرتها الفاعلة في النظام السياسي البحريني.
هذه العوامل الستة، بلا شك تعطي خلفية واضحة حول طبيعة التفاعلات المتبادلة التي يمكن أن تحدث بين المنامة وطهران، ومن شأنها أن تعطي فهماً أعمق حول ظروف الأزمة التي تمر بها إيران اليوم، وتحليل اتجاهاتها المستقبلية، وتأثيراتها على النظام السياسي في البحرين. ونكمل الحديث لاحقاً حول تأثيرات هذه الأزمة على المملكة وحراكها السياسي.
السياق الخليجي
ثمة سياق خليجي لفهم العلاقات البحرينية ـ الإيرانية، وهو مدخل مهم أيضاً لتحليل طبيعة العلاقات بين البلدين، والتأثيرات المتبادلة بينهما في الوقت الراهن، وكذلك معرفة اتجاهاتها المستقبلية. بعرض موجز يمكن القول إن العلاقات الخليجية ـ الإيرانية قبيل اندلاع الثورة الإسلامية في طهران كانت متباينة، واعتمدت بشكل أساسي على الجانب الأمني، فإيران كانت تعتبر الجانب الأمني هدفاً أساسياً لها في المنطقة، وفي العلاقات مع الدول الخليجية المجاورة، بمعنى أنها كانت تحرص على عدم استبعادها في أية معادلات أمنية في منطقة الخليج العربية، ولكن ماذا حدث؟
ظهرت عدة معادلات أمنية في النظام الإقليمي الخليجي منذ إعلان لندن رغبتها في الانسحاب من شرق السويس خلال العام 1968 حينها بدأت واشنطن في القلق من وصول النفوذ السوفييتي إلى مياه الخليج، وهو ما جعلها تطرح من خلال الرئيس نيكسون مبدأ العمودين المتساندين، وهما إيران والسعودية، وكان ذلك خلال حكم الشاه، وبعدها تدهورت الأمور، واندلعت الثورة الإسلامية لتبدأ واشنطن بالتفكير في هندسة مرحلة جديدة من العلاقات الخليجية ـ الإيرانية كان قوامها دعم الجانب العربي ضد الجانب الفارسي بحكم المصالح الاستراتيجية، خصوصاً مع قيام الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988)، وبعدها غزو العراق للكويت، ثم مرحلة الحصار التي تغيّرت خلالها العلاقات الخليجية ـ الإيرانية نحو التقارب في ظل تولي الرئيس الإيراني السابق خاتمي مقاليد السلطة في طهران. ثم شهدت العلاقات الخليجية ــ الإيرانية توترات متسارعة، بسبب بعض التصعيدات المتعلقة بالتدخل في الشؤون الداخلية، كما هو الحال بالنسبة إلى البحرين، أو تصعيدات تتعلق بالجزر الإماراتية الثلاث المحتلة.
إلا أن الأهم في ذلك كله، أن العلاقات الخليجية ـ الإيرانية تمر اليوم في مرحلة أصعب بكثير من السابق نتيجة لتداخل المصالح الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى، فهناك مشاريع مشتركة، ومصالح متبادلة. وهذا ما يحول في أحايين كثيرة دون استمرار التوتر في العلاقات بين الطرفين رغم حساسيتها. فعلى سبيل المثال شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية خلال السنوات الخمس الماضية أزمات عديدة، وبعضها كان يمثل أزمة حقيقية بإمكانها أن تتطور وتصل إلى ما حدث في التسعينات من خفض للتمثيل الدبلوماسي وطرد متبادل للدبلوماسيين نتيجة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية. إلا أن ذلك لم يحصل البتة، وسببه كثافة المصالح الاستراتيجية بين البلدين.
والسؤال هنا: هل دول الخليج مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من العلاقات مع طهران مختلفة مثلاً؟ وهل هي قادرة على تخطي تداعيات بؤرة ثانية من بؤر التوتر في المنطقة إذا تطورت الأوضاع في إيران خلال الفترة المقبلة؟ ومن هي القوة الإقليمية التي يمكن أن تقود وتضمن الأمن الإقليمي في منطقة الخليج؟
في تقديري الخاص، أن دول مجلس التعاون الخليجي مازالت في حالة ترقب وذهول من الأحداث المتسارعة في العاصمة الإيرانية. وبالتالي مازالت في مرحلة دراسة المخاطر والمكتسبات من أية تطورات قد تحدث في أي وقت في الأراضي الإيرانية، وهذه المرحلة تسبق إعداد أية سيناريوهات محتملة.
نأتي إلى الإشكالية الأكثر تعقيداً، وهي القدرة على التعامل مع تداعيات ظهور بؤرة جديدة من بؤر التوتر في المنطقة بعد العراق. فإذا كان الحديث حول المشاكل التي نجمت عن انهيار الدولة العراقية، وإعادة بنائها من جديد، فإن الحديث هنا بالطبع عن إمكانية تفكك دولتين بحكم العلاقات والنفوذ المتبادل فيما بينهما. وعليه فإن دول مجلس التعاون غير قادرة على التعامل مع حالة مرتقبة من الفوضى الإقليمية قد تكون ضمن سياق أحد السيناريوهات المحتملة. ففي هذه الحالة، ثمة احتمالات بفوضى داخلية في كل من العراق وإيران، قد تأتي بتبعاتها المباشرة على دول مجلس التعاون، وخصوصاً فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، الذي سيتأثر مباشرة من خلال ارتفاع جنوني لأسعار النفط العالمية. ومع تدهور الأوضاع الأمنية، فإن معدلات الإنفاق الخليجي على القطاعات الأمنية والعسكرية سترتفع بدرجة كبيرة، وتتأثر بقية القطاعات سلباً بالضرورة. ورغم التوقع بتأزم الأوضاع الداخلية في دول المجلس نتيجة للظروف التي يشهدها النظام الإقليمي الخليجي، إلا أن ذلك لن يكون له تأثير سلبي على نطاق واسع بسبب قدرة حكومات هذه الدول على ضخ أموال كبيرة في مشاريع تهدف إلى كسب الولاء وضمان الاستقرار الداخلي.
ومع تفاقم الأوضاع بهذه الطريقة: فوضى في طهران وبغداد، ومخاوف وقلق لدى دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه من الوارد للغاية ألا تكون القوة المهيمنة على النظام الإقليمي الخليجي محلية، الأمر الذي يتيح المجال للقوة العظمى والكبرى للعب دور أكثر نفوذاً من ذي قبل. وهنا الخطورة الكبرى في احتمال ظهور سيناريوهات راديكالية قد تصل إلى حد تغيير خريطة الجغرافيا السياسية للخليج كما كان يتطلع إليه المحافظون الجدد في واشنطن.
دور المؤسسة الدينية
من أهم الظواهر التي شهدتها أزمة الانتخابات الإيرانية ابتعاد المؤسسة الدينية عن التجاذبات القائمة، والسعي إلى تحويل التفاعلات بشأن الأزمة إلى تفاعلات سياسية، وكان الهدف من ذلك هو ضمان عدم تحويل الأزمة إلى شأن ديني صرف تدخل فيه الاختلافات الدينية والفقهية بين مختلف الاتجاهات السائدة لدى علماء الدين داخل وخارج إيران.
وهذه الظاهرة من الأهمية بمكان الوقوف حولها، وتحليل أبعادها، فرغم أن النظام الحاكم في طهران نظام ثيوقراطي، إلا أنه يتعامل بشكل مزدوج تجاه العديد من القضايا، ففي أحايين كثيرة يتم التعامل مع بعض القضايا على أنها قضايا مدنية، وأوقات أخرى يتم إقحام الدين فيها من أجل تحقيق مكاسب أو حماية مصالح معينة. السياسة المزدوجة للمؤسسة الدينية ساهمت بشكل كبير ولافت في تحقيق العديد من المصالح للنظام الإيراني، ويمكن رصدها في الآتي:
أولاً: القدرة العالية على احتواء أية تطورات يشهدها النظام السياسي، وخاصة فيما يتعلق بالجماعات المناوئة للنظام.
ثانياً: إلغاء الصورة النمطية القائمة على كون المؤسسة الدينية قمعية، فهي بهذه السياسة تترك العديد من القضايا لمناقشات من قبل الفعاليات المجتمعية، والقوى السياسية المختلفة. وتعطي نظرة للرأي العام بأن المؤسسة الدينية لا تتدخل في الشؤون المدنية.
ثالثاً: التأجيل المقصود للخيار الديني باعتباره الحل الأخير لمعالجة أية مشاكل.
رابعاً: إبراز صورة إيجابية لـ(الديمقراطية) الإيرانية، تؤكد مدنيتها، رغم كونها محكومة بضوابط شرعية تمر عبر المؤسسة الدينية.
خامساً: ضمان نفوذ المؤسسة الدينية في النظام السياسي من خلال السياسة المزدوجة.
بالمقابل فإن هذه السياسة، كان لها تأثيرات سلبية على النظام السياسي الإيراني بثيوقراطيته، وهي كالآتي:
أولاً: تنامي الرفض الشعبي الكامن للحكم الثيوقراطي ومخرجاته، وكان مثالها الأخير في الأزمة الانتخابية الراهنة، وهذا الرفض الكامن من الممكن أن يظهر بين فترة وأخرى، وهو أمر كان نادر الحدوث خلال الفترة الماضية إذا كانت مظاهره كما هو سائد اليوم، ولكنه أمر مرجح بالتصاعد خلال الفترة المقبلة.
ثانياً: صعوبة السيطرة على الأوضاع الأمنية إذا ظهرت حركة احتجاج سياسي عنيفة، خصوصاً إذا كان هناك تأجيل مقصود للخيار الديني كما سبقت الإشارة إليه. الأمر الذي يدفع الساسة الإيرانيين إلى اللجوء لخيار العنف والقمع المضاد لإيقاف أية حركة احتجاجية قائمة.
ثالثاً: يرتبط بالتأثير الأخير، ظهور حركة دولية من الاحتجاجات والاستنكارات تدين تعامل الحكومة الإيرانية تجاه حركة الاحتجاج الشعبي.
رابعاً: إتاحة الفرصة أمام القوى العظمى والكبرى في النظام الدولي لبحث فرص التدخل في الشأن الإيراني، سواءً كان ذلك بشكل مباشر، أو غير مباشر من خلال إيقاف العلاقات أو تحجيمها، أو فرض عقوبات، أو إيقاف نشاط التجارة الخارجية.
خامساً: إمكانية تراجع دور المؤسسة الدينية في النظام السياسي على المديين المتوسط والبعيد نتيجة جملة من المعطيات في مقدمتها تنامي الرفض الشعبي الكامن للحكم الثيوقراطي ومخرجاته.
من هنا نجد أن السياسة المزدوجة التي تنتهجها المؤسسة الدينية في نظام طهران الثيوقراطي، تختلف تماماً عن نظيرتها النافذة في النظام السياسي البحريني، رغم أن الأخيرة لها ارتباطات وثيقة بالمؤسسة الدينية الإيرانية بحكم التكوين المذهبي، والارتباط الفقهي من خلال المرجعية. فإذا أتينا إلى السياسة التي تتبعها المؤسسة الدينية البحرينية نجد أنها سياسة أحادية تقوم على توظيف الدين في السياسة عبر الخطاب الديني الصرف، ومن النادر لجوء المؤسسة الدينية إلى عدم توظيف الدين في السياسة، وإن كانت في أحايين عديدة تلجأ إلى لعب دور حيادي إزاء بعض القضايا، إلا أنها في النهاية يمكن تفسير مواقفها بشكل أو بآخر، أو قد تظهر مواقفها في وقت لاحق إثر النقاشات الواسعة من قبل التنظيمات المرتبطة بها.
هذه الحقيقة تشير إلى جملة من المعطيات، وهي تحديداً تتعلق بتأثيرات السياسة الأحادية التي تنتهجها المؤسسة البحرينية باعتبارها سياسة مختلفة عن نظيرتها الإيرانية، ويمكن رصدها في الآتي:
أولاً: سهولة تكوين حركة احتجاجية مضادة للمؤسسة الدينية إزاء مواقفها من قبل الجماهير، رغم امتلاك الأولى آليات وقنوات التعبئة العامة عبر المنابر مثلاً. ومن أمثلة هذا التأثير ما حدث مؤخراً عندما برز نقاش جدلي واسع يتعلق بشرعية تسلم النواب لمكافآت تقاعدية.
ثانياً: ارتفاع حساسية العلاقة بين التنظيمات السياسية المتحالفة مع المؤسسة الدينية، مثل ما حدث مؤخراً بين جمعية الوفاق وجماهيرها.
ثالثاً: بالنتيجة، فإنه من المتوقع أن تتأثر العلاقة بين المؤسسة الدينية، وبعض التنظيمات السياسية الأخرى غير الدينية، مثل جمعيات اليسار.
رابعاً: تراجع نفوذ المؤسسة الدينية في النظام السياسي على المديين المتوسط والبعيد.
خامساً: إسباغ الصفة الدينية بشكل مفرط تجاه مختلف القضايا المحلية، الأمر الذي يثير العديد من التحفظات سواءً من قبل السلطة، أو من قبل القوى السياسية، أو حتى الجماهير.
من هنا، يمكن القول إن موجة التغيير في طهران من شأنها أن تؤثر بشكل محدود في المؤسسة الدينية الإيرانية، في الوقت الذي مازالت فيه المؤسسة الدينية البحرينية تنتهج سياسة أحادية في التعامل مع القضايا المحلية.
السياسات الخارجية
خلال الفترة المقبلة من المتوقع أن يشهد النظام الإقليمي الخليجي تطورات مهمة، تتمثل في تداعيات الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية بعد الغزو، وهو الانسحاب الذي بدأ منذ نهاية يونيو 2009 ويستمر لمدة تزيد على السنتين. فبحسب الاتفاقية المبرمة بين الحكومة العراقية وإدارة البيت الأبيض سيتم انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية في البداية والانسحاب الكامل من العراق قبل نهاية العام 2011. هذه التطورات تفتح المجال أمام احتمال توليد حركة انتقالية لأعمال الإرهاب من الداخل العراقي إلى الداخل الخليجي، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي بحسب توقعات بعض المحللين في الشؤون الاستخباراتية. وهو تحدٍ كبير مازال الحديث بشأنه محدوداً ومبكراً للغاية، ومن غير المعروف تحديداً ملامح الاستقرار السياسي في النظام الإقليمي الخليجي خلال السنوات المقبلة باعتبارها مرحلة جديدة من عمر النظام نفسه.
على صعيد آخر، فإن دول مجلس التعاون الخليجي أمام مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي ـ السياسي بعد التوقيع على اتفاقية الوحدة النقدية مؤخراً من قبل المنامة والرياض والكويت والدوحة. ورغم الإعلان عن موعد لطرح العملة وهو العام المقبل 2010 إلا أن بعض التوقعات الاقتصادية تستبعد طرحها في مثل هذا التاريخ، مثل توقعات البنك الدولي.
أما المتغير الأهم الذي يتوقع أن يؤثر في النظام الإقليمي الخليجي، فهو بدء ظهور تداعيات أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ومن غير الواضح السياسات الداخلية التي ستلجأ إليها طهران خلال الفترة المقبلة للتعاون مع المتغيرات الداخلية، فضلاً عن احتمال تأثير هذه المتغيرات على الحراك السياسي الداخلي في العاصمة الإيرانية.
ويرتبط بذلك المواقف والسياسات الخارجية للقوى العظمى والكبرى في النظام الدولي تجاه الأزمة الإيرانية، خصوصاً وأنه من اللافت عدم إثارة الملف النووي الإيراني، وربطه بمعطيات الأزمة الراهنة. ولذلك نجد اهتماماً متصاعداً بالأوضاع الداخلية من الناحية الإعلامية أكثر من الاهتمام بالملف النووي الإيراني الذي شكل محور التركيز الإعلامي على مدى السنوات الخمس الماضية على الأقل.
وعلى صعيد البعد الخليجي في الأزمة الإيرانية، يلاحظ تغير الخطاب الخليجي تجاه الأزمة، ووجود اتجاه يدعو للهدوء، والمطالبة بإقامة علاقات خليجية ـ إيرانية قوية. فقد برزت دعوات خلال الأيام الماضية بإقامة اتفاقيات تنسيق سياسي وأمني تدعو للتعاون المشترك لمواجهة الجماعات السياسية المناوئة بالخارج. وكان الموقف البحريني رائداً في هذا المجال بدعوة عدد من أعضاء المجلس الوطني لهذه الاتفاقيات، على المستوى نفسه، فإن السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون تجاه الأزمة الإيرانية كانت ضبابية إلى حد كبير، رغم قيام حكومات دول المجلس بتهنئة الرئيس الإيراني المنتخب محمود أحمدي نجاد فور فوزه، إلا أن الموقف كان ضبابياً من حيث كيفية التعامل مع المعطيات الإيرانية الجديدة. ويبدو أن المسألة أصبحت محسومة بعد تفاقم الأزمة من خلال التأكيد على احترام السيادة الإيرانية، وعدم الرغبة في التدخل في الشأن الإيراني الداخلي، وهو ما أعلنت عنه السياسة الخارجية البحرينية.
ولذلك كانت السياسات الخارجية لدول المجلس أمام مسارين مختلفين تجاه التعامل مع الأزمة، وهما كالآتي:
المسار الأول: يقوم على إبداء مواقف صريحة وواضحة تجاه الأوضاع الداخلية الإيرانية إثر الانتخابات الرئاسية، بحيث يمكن دعم طرف ضد طرف آخر. وهو ما كان يمكن أن يكون من خلال التعبئة الإعلامية، أو حتى الدعم السياسي والمادي لبعض التنظيمات السياسية المناوئة في الخارج.
المسار الثاني: التعبير عن احترام الشأن الداخلي، ومخرجات النظام السياسي بمؤسساته المختلفة رغم ثيوقراطيتها. والسعي لتعزيز العلاقات الخليجية ـ الإيرانية القائمة في ظل المصالح المشتركة.
ويبدو أن المسار الثاني هو الأكثر ترجيحاً من قبل السياسات الخارجية الخليجية، وهناك توجه نحو الاهتمام بتعزيز العلاقات في المجال نفسه رغم وجود ترقب شعبي نحو التغيير في طهران. وهذه المفارقة تكشف تبايناً في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مع الاتجاهات السائدة لدى الرأي العام الخليجي. إلا أن هذا الحدث يكشف أيضاً عن رفض كامن لدى حكومات دول مجلس التعاون تجاه أية متغيرات جوهرية في واقع ومعطيات النظام الإقليمي الخليجي قد تؤثر سلباً في العلاقات البينية بين دول المنطقة، فضلاً عن تأثيراتها المختلفة تجاه أمن واستقرار النظام الإقليمي نفسه. الأمر الذي يشير إلى اتجاه مستقبلي نحو تعزيز مبدأ الشراكة الداخلية في النظام تجاه أية متغيرات سلبية، وبالتالي تحول المصالح والعلاقات البينية في النظام نحو مزيد من التعاون، وإن كانت تتصادم بمصالح القوى العظمى والكبرى في النظام الدولي. الخلاصة أن مصالح دول مجلس التعاون الخليجي وإيران أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى مترابطة، وهي في غنى عن أية تدخلات أجنبية من الخارج سواءً عبر التدخل الأجنبي المباشر كما حدث في العراق، أو عبر التدخل الأجنبي غير المباشر من خلال دعم الحكومات الغربية للجماعات المناوئة للدول الأطراف في النظام الإقليمي الخليجي.
::/fulltext::
::cck::1106::/cck::
